008 |مختصر دلائل النبوة 35- عن ابن عباس قال: لما نزلَتْ ﴿ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [ 100] نادى رسولُ ا ﷺ في قريشٍ بطناا بطناا، وقال: أرأَيتم لو قلتُ لكم إن خيلاا تُغيرُ عليكم ، أكنتم مصدقيَّ، قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك من كذبٍ قط ، قال: فإني نذيرٌ لكم مِن بين يدي عذابٍ شديدٍ، فقال أبو لهبٍ: ألهذا جمَعْتنا، تبًّا لك سائرَ اليوم، فأنزل الله ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [0](1). قال الشيخُ : ولقد شهدَتْ قريشٌ له ﷺ واعترفَتْ قبلَ مبعثِه ﷺ في غير موطنٍ. 41- ومن شهاداتهِم له ﷺ بيُمن النقيبةِ ما رُوي عن عبدِ الله بن السائبِ قال: كنتُ شريكَ النبي ﷺ في الجاهليةِ، فلما قدمتُ المدينة قال: تعرفني؟ قلت: نعم، كنتَ شريكي، فنعم الشريكُ لا تُدارِي ولا تمُارِي (2). (1) أخرجه بنحوه البخاري«صحيحه»0771،0970)، ومسلم«صحيحه»112.) (2) أخرجه ابن أبي الدنيا«الصمت»(005)، وابن أبي عاصم«الآحاد والمثا»1/33 (712.)
عدد الصفحات ١١٩مختصر دلائل النبوة|009 (31) فصل في ذِكر أخلاقه وصفاته وذكر الخاتم بين كتفيه ولأخلاقِه ﷺ فصولٌ كثيرة ذات شُعبٍ وأنواع يَتوي مجموعُه بطرقه على كتاب مبسوطٍ، اقتصرنا منه على نوعين أو ثلاثةِ ائتساءا بمن تَقدمَنا من سلفنا في حشوِهم هذا الكتابِ، وبمَن جانسه من عفوه، وصفحه، وكرمِه، وجوده، وسخائِه، وكثرة احتمالِه وحلمه، وصبره، ورفقِ ه، وكظمه الغضبَ، وتواضعه، وما شاكلَه من حميد أخلاقِه، وشريف أفعاله إذ كان مهذباا بتهذيب الله له، مؤدباا بتأديب الله. 41- كما رُوي عن عائشةَ عن جُبير بنِ نفير، قال: حججتُ فدخلت على عائشةَ فسألتُها عن خُلق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خلقُ رسول الله ﷺ القرآنَ (1). 42- عن أبي عبدِ الله الجدلي: سألتُ عائشة عن خلق رسولِ الله ﷺ فقالَت: لم يكن فاحشاا، ولا متفحشاا، ولا سخَّاباا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكنْ يعفو ويصفحُ (2). 43- عن عائشةَ، قالت: ما خُيرِّ رسولُ ا ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرَهما ما لم يكن إثماا، فإن كان إثماا كان أبعدَ الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تُنتهك حرمةُ الله، فينتقم لله (3). (1) أخرجه أحمد01/353 (15507.) (2) أخرجه الترمذي1103.) (3) أخرجه البخاري3013)، ومسلم1317.)
عدد الصفحات ١٢٠021 |مختصر دلائل النبوة 44- عن عائشةَ، قالت: ما ضرب رسولُ ا ﷺ امرأةا قط، ولا ضرب خادماا قط، ولا ضرب بيده شيئاا قط، إلا أن يجُاهِد في سبيل الله، وما نيل منه شيءٌ فانتقم من صاحبه إلا أن تُنتهك محارمُ الله فينتقم (1). 49- قال أنسُ بن مالك: إن كانت الوليدةُ من ولائد المدينة تجيءُ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يدَه من يدها حتى تذهبَ به حيث شاءَت (2). 46- عن أنسٍ، أن امرأةا كانت في عقلها شيءٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إن لي إليك حاجةا، فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أم فلان، خذي في أي الطريقِ شئتِ، قُومي فيه حتى أقومَ معك » فخَلا رسولُ ا ﷺ يناجيها حتى قضَت حاجتَها (3). 47- عن أنسِ بن مالك، قال: كنتُ أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظُ الحاشيةِ، فأدركه أعرابيٌّ فجبذه جبذةا شديدةا، حتى نظرتُ إلى صَفحةِ عنقِ رسول الله ﷺ، وقد أثَّرت به حاشيةُ الرداء من شدة جبذتِه، ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتَفتَ إليه رسولُ الله ﷺ فضحَك، وأمر له بعطاء(4). (1) أخرجه البخاري3253)، ومسلم1312.) (2) أخرجه ابن ماجه0077)، وأحمد11/072 (01721.) (3) أخرجه مسلم1313.) (4) أخرجه البخاري3009)، ومسلم0157.)
عدد الصفحات ١٢١مختصر دلائل النبوة|020 (34) فصل في ذِكر ما خصَّه الله به من العِصمةِ، وحماه به من التديُّن بدين الجاهليةِ، وحراسَته إياه عن مكائدِ الجن والإنس، واحتِيالهم عليه 48- عن شريكِ بن طارقٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «ليس أحدٌ منكم إل وله شيطانٌ » قالوا: ولك؟ قال«ول، إلَّ أن الله أعانَني عليه فأسلَم »(1). قال الشيخُ : ومما رُوي في عِصمة الله نبيَه ﷺ من مشاركة أهلِ الجاهلية في شرِكهم، وحراستِه له ع ليه السلام من تعاطي ما كانوا يتَعاطَونه، ويََضرونه من الأباطيلِ، والفواحشِ. 45- عن علِِّّ بن أبي طالبٍ قال: سمعتُ رسولَ ا ﷺ يقول: «ما همَيُتُ بقبيحٍ مما هان أهلُ الجاهلية يهيُون بها إل مرَّتي من الدَّهرِ، هلتاهما يَعصيُُني الله منها، قلتُ ليلةً لفَتى هان معي من قريشٍ بأعلى مكةَ في أغنام لأهلنا نرعاها: أبصِِ ل غنيُي حتَّى أسيَُر هذه الليلةَ بيُكةَ هما يسيُر الفتيانُ، قال: نعم، فخرجتُ فجئت أدنى دارٍ من دور مكةَ، سَيُِعت غناءً، وضرب دفوفٍ، وزمرًا، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلانٌ تزوَّج فلانةً، لرجلٍ من قريشٍ، تزوج امرأةً من قريش، فَلَهَوتُ بذلك الغناءِ، وبذلك الصوتِ، حتى غلبَتني عيني، فما أيقضَني إل مس الشيُسِ، ثم رجعتُ إلى صاحبي، فقال ل: ما فعلتَ؟ فقلت: ما فعلتُ شيئًا » قال رسول ا ﷺ: «فوالله ما همَيُت بعدَهما بسوءٍ مما يعيُل أهلُ الجاهلية، حتى أهرَمني ا بنبوَّته »(2). (1) أخرجه مسلم1200)، وابن حبان3003) واللفظ له (2) أخرجه ابن حبان3171)، والحاكم0/173.
عدد الصفحات ١٢٢022 |مختصر دلائل النبوة قال الشيخُ : ومما عُصم به ﷺ وحُرس منه أن لا يَتعرى كفِعل قومِه وأَهلِه، وإذا أُحفِظ من التعري؛ فما فوقَه أولى أن يُعصمَ منه ويُنهى عنه. 91- عن جابرِ بن عبد الله: إن رسولَ ا ﷺ كان ينقلُ معهم الحجارةَ للكعبةِ، وعليه إزارٌ، فقال له العباسُ عمه: يا ابنَ أخي ، لو حللتَ إزارك فجعلتَه على مَنكِبيك دون الحجارةِ. قال: فحلَّه فجعلَه على مَنكِبيه، فسقطَ مَغشِيًّا عليه، فما رُئيَ بعدَ ذلك عرياناا (1). (1) أخرجه البخاري330)، ومسلم301.)
عدد الصفحات ١٢٣مختصر دلائل النبوة|023 (35) ذِكرُ عِصمة الله تعالى رسولَه ﷺ حين تعاقَد المُشركون على قتلِه 91- عن ابن عباسٍ، أن الملأ من قريشٍ اجتمعوا في الحِجر فتعا قدوا باللاتِ والعُزَّى ومَناةِ الثالثةِ الأُخرى ونائلةَ وإسافٍ: لو قد رأينا محمداا لقد قُمنا إليه قيامَ رجلٍ واحد، فلم نفارقْه حتى نقتلَه، فأقبَلَت ابنتُه فاطمةُ تبكي، حتى دخلتْ على النبيِّ ﷺ، فقالت: هؤلاء المَلأُ من قومِك قد تعاقدوا عليك، لو قد رَأَوكَ، ل قد قاموا إليك فقَتلوك، فليس منهم رجلٌ إلا قد عرفَ نصيبَه من دمِك. قال: «يا بُنية ائتني بوَضوءٍ ». فتوضأ ثم دخلَ المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارَهم، وسقطت أذقانُِم في صدورِهم، وعرقوا في مجَالِسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارَهم، ولم يقُم منهم إليه رجلٌ، فأقبلَ رسول الله ﷺ حتى قامَ على رؤوسهم، فأخذ من تُرابٍ، فقال: «شاهتِ الوجوهُ ». ثم حصَبهم، فما أصاب رجلاا منهم من ذلك الحَصى حصاةٌ إلا قُتل يوم بدرٍ (1). 92- عن أسماءَ بنت أبي بكر، قالت: لما نزَلت ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ أقبلتِ العوراءُ أم جميل بنتُ حرب، ولها ولو لةٌ وبيدها فِهرٌ، وهي تقول: مُــــــذَممَّاا أبَيْنــــــا ودينَـــــه قَلَينـــــا وأَمــــرَه عَصَــــينا (1) أخرجه أحمد0/023 (1731.)
عدد الصفحات ١٢٤024 |مختصر دلائل النبوة ورسول الله ﷺ جالسٌ في المسجدِ ومعه أبو بكرٍ، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ أن تراكَ، فقال رسولُ الله ﷺ: «إنها لن ترا» . وقرأ قرآناا اعتصَمَ به، كما قال: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ﴾ [05] فأقبَلَتْ حتى وقفت على أبي بكرٍ، ولم ترَ رسولَ الله ﷺ. فقالت: يا أبا بكرٍ إني خُبرِّت أن صاحبَك هجاني. فقال: لا وربِّ هذا البيتِ ما هجاكِ. قال: فولَّت وهي تقولُ: قد علِمت قريشٌ أني بنتُ سيدِها فعثَرَت أم جميلٍ وهي تطوفُ بالبيت في مِرطها، فقالت: تعِس مُذمَّم (1). ومما لطفَ الله تعالى لنبيه ﷺ صرفُ شتمِ قريشٍ ولعنِهم عنه: 93- عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ ا ﷺ: «أل تَعجبون هيف يَصِِفُ الله عن ي شتمَ قريشٍ، ولعنَهم! يَشتيُون مذممَّا، ويَلعنون مذممَّا، وأنا مَ يَُّد »(2). (1) أخرجه الحميدي«مسنده»0/313 (315)، وأبو يعلى في «مسنده»0/53 (53)، والحاكم1/393 (3373)، والبيهقي«دلائل النبوة»1/095. (2) أخرجه البخاري3533.)
عدد الصفحات ١٢٥مختصر دلائل النبوة|025 (36) ذكرُ عِصمة الله تعالى رسولَه ﷺ من كيدِ الكائدين، وغائلة المُغتالين القاصدين له بالأسواء 94- عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: غزَونا مع رسول الله غزوةا قِبلَ نجدٍ، فأدركنا القائلة في وادٍ كثير العِضاهِ (1)، فنزل رسولُ ا ﷺ تحت شجرةٍ يعلق سيفَه بغصن من أغصانِا، قال: وتفرَّق الناس في الوادي، يستظل ون بالشجرِ، قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «إن رجلاً أتاني وأنا نائمٌ، وأخذ السيفَ، واستيقظتُ وهو قائم على رأسي، فلم أشعرْ إل والسيف صَلتًا (2) في يده، فقال: من ييُنعُك مني؟ قلت الله. فشام السيفَ ». ها هو ذا لم يعرض له رسولُ الله ﷺ(3). 99- عن جَعدة، قال: شهدت النبي ﷺ، وأُتي برجلٍ فقيلَ: يا رسولَ الله، هذا أرادَ أن يقتُلك، فقال له رسولُ الله ﷺ: «ل تُرَع، ل ترع، لو أردتَ ذلك ل يسل طك الله على قتل»(4). 96- عن عائشةَ، قالت: مكثَ رسول ا ﷺ كذا وكذا يخُيل إليه أنه يأتي أهلَه ولا يأتيهم، قالت: فقال ذاتَ يومٍ: «يا عائشةُ، أعلِيُتِ أن الله أفتاني في أمرٍ استفتيتُه فيه: أتاني رجلان، فجلس أحدُهما عند رجل، والآخرُ عند رأسي، فقال الذي عند رِجل للذي عند رأسي: ما بالُ الرجل؟ قال: مَطبوب (5). (1) (العِضَاه): كل شجر يعظم له شوك، وقيل: هو العظيم من السمر مطلقا (2) (صَلتاا) أي: مجرداا عن غمده (3) أخرجه البخاري1903)، ومسلم203.) (4) أخرجه أحمد 15/113 (05232.) (9) (مَطبُوب) أي: مسحور
عدد الصفحات ١٢٦026 |مختصر دلائل النبوة قال: ومن طبَّه؟ قال: لَبيد بن أعصم. قال: وفيم؟ قال: في جُف طَلْعة ذهَر (1)، في مُشط ومُشاطة (2) تحت رَاعوفَةٍ (3) في بئر ذَروان». قالت: فجاءه رسولُ ا ﷺ فقال: «هذه البئرُ التي أُريتها هأن رؤوس نخلِها رؤوس الشياطي، وهأن ماءها نُقاعةُ الحِنَّاء ». قالت: فأمر به رسول اﷺ فأُخرج، قالت عائشة: فقلت: يا رسولَ الله، فهلا؟ يعني: تَنَشرَّت. فقال: «أمَّا الله فقد شفاني، وأما أنا فأهرَه أن أُثيرَ على الناسِ منه شرًّا »(4). 97- عن زيدِ بن أرقمَ، قال: سحرَ النبي ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أياماا، قال: فأتاه جِبريلُ عليهما السلامُ، فقال: إن رجلاا من اليهود سحرَك ، عقد لك عُقداا، فأرسل إليها رسولُ الله ﷺ فاستخرجَها، فجاء بها فجعل كلما حلَّ عقدةا وجد لذلك خفَّةا. فقام النبي ﷺ كأنما نَشط من عِقالٍ، فما ذكر النبي ﷺ ذلك لليَهودي، ولا رآه في وجهِه قط (5). (1) (الجُف ): الغشاء الذي يكون على الطلع (2) (المُشَاطة) ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط، وكذا من اللحية (3) (رَاعوفَة): حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي (4) أخرجه البخاري (5733)، ومسلم1029.) (9) أخرجه النسائي0121.)
عدد الصفحات ١٢٧مختصر دلائل النبوة|027 98- قال محمدُ بن إسحاق: عن ابن عباسٍ، قال: لما عرفَت قريشٌ أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعةٌ وأصحابٌ من غير بلدِهم ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنِم قد نزلوا داراا أصابوا منهم منعةا، فحَذِروا خروجَ رسولِ الله ﷺ، وعرفوا أنه قد أَجمعَ لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوةِ، وهي دارُ قصي بن كِلابٍ، التي كانت قريشٌ لا تقضِ أمراا إلا فيها، يتشاورون فيها ما يَصنعون في أمرِ رسول الله ﷺ حين خافوه، فلما اجتَمعوا لذلك في ذلك اليومِ الذي اتَّعَدوا له، وكان ذلك اليومُ يُسمى الزحمةَ، اعترض لهم إبليسُ في هيئة شيخٍ جليلٍ عليه بت له، فوقف على باب الدارِ، فلما رأوه واقفاا على بابه ا قالوا: من الشيخُ؟ [ تَقولون، وعسى أن لا يَعدمَكم منه رأيٌ ونُصح قالوا: أجل فادخُل؛ فدخلَ معهم، فقد اجتمع فيها أشرافُ قريش من كل قبيلةٍ، من بني عبدِ شمس: عتبةُ وشيبة أبناءُ ربيعة، وسفيانُ بن حرب، ومن بني نوفلَ بن عبد مناف: طُعيمة بن عدي، وجُبير بن مُطعم، والحارثُ بن عامر بن نوفلَ، ومن بني عبد الدار بن قُصي: النَّضر بن الحارثِ بن كَلَدةَ، ومن بني أسدِ بن عبدِ العُزى: أبو البَختري ابن هشام، وزَمعةُ بن الأسودِ بن عبد المطلبِ، وحكيمُ بن حِزام، ومن بني مخزوم: أبو جهلِ بن هشام، ومن بني سهم: مُنية ونُبيه أبناء الحجاج، ومن بني جمح: أميةُ بن خلف، ومن فقال بعضُهم لبعض: إن هذا الرجلَ قد كان من أمرِه ما قد رأيتُم، وإنَّا والله، لا نأمنُه من الوثوبِ علينا بمَن قد اتَّبعه من غيرنا، فأَجمِعوا رأياا فتشاوروا،
عدد الصفحات ١٢٨028 |مختصر دلائل النبوة فقال قائلٌ منهم: احبِسوه في الحديدِ، وأغلِقوا عليه باباا، ثم تربَّصوا به ما أصابَ أشباههُ من الش عراء الذين قبله: زهيرَ، والنابغةَ، ومن مضَ منهم من هذا الموتِ، حتى يصيبَه منه ما أصابهَم. فقال الشيخُ النَّجدي: لا والله، ما هذا لكم برأيٍ، والله لو حبستُموه كما تقولون، لخرجَ أمرُه من وراء الباب الذي أَغلقتم عليه دونه إلى أصحابه، فلأََوشَكوا أن يَثبوا عليكم، فينتَزعوه من أيديكم، ثم يُكابرونكم حتى يغلِبوكم على أمرِهم، ما هذا لكم برأيٍ، فانظروا في غيره. ثم تَشاوروا، فقال قائلٌ من هم: نُخرجه من بين أظهُرنا فننفيه من بلدِنا، فإذا خرج عنَّا فوالله ما نبالي أين يذهبُ، ولا حيث وَقَعَ، غاب عنَّا أذاه، وفرغنا منه، وأصلَحنا أمرَه. قال الشيخُ النجدي : لا والله، ما هذا لكم برأيٍ، ألم تَرَوا حسنَ حديثِه، وحلاوةَ منطقِه، وغلبَته على قلوبِ الر جال بما أَتى به، والله لو فَعَلتُم ذلك ما أمنتُ أن يَلَّ على حيٍّ من أحياء العربِ فيغلبُ بذلك من قوله عليهم، وبحديثِه حتى يتابِعوه عليه، ثم يسيرُ إليكم حتى يطأَكم به، فيأخذ أمرَكم من أيديكم، ثم يفعلُ بكم ما أراد، دبِّروا فيه رأياا غير هذا. فقال أبو جهلٍ: إ ن لي فيه رأياا ما أراكم وَقعتم عليه بعدُ، قالوا: وما هو يا أبا الحكمِ؟ قال: أرى أن تأخُذوا من كل قبيلةٍ شابًّا جليداا، نسيباا وسيطاا، ثم يُعطى كل فتى منهم سيفاا صارماا، ثم يَعمدون إليه، ثم يَضربونه بها ضربةَ رجل واحدٍ، فيقتُلونه جميعاا، فنستريحُ منه، فإنِ م إذا فعلوا ذلك تفرَّق دمُه في القبائل كلِّها، فلم يقدِر بنو عبدِ مناف على حرب قومِهم جميعاا، ورضوا منا بالعقلِ فعقلناه لهم.
عدد الصفحات ١٢٩مختصر دلائل النبوة|029 فقال الشيخُ النجدي : القولُ ما قال الرجلُ، هذا الرأيُ لا رأيَ لكم غيرُه، فتفرَّق القومُ بعد ذلك وهم مجُتمعون له. فأتاه جبريلُ علي هما السلام، فقال: لا تَبت هذه الليلةَ على فراشِك الذي كنتَ تبيتُ عليه، فلماَّ كان عتمةٌ من الليلِ اجتمعوا على بابه يَرصدونه، حتى ينامَ فيَثبون عليه، فلما رأى رسولُ الله ﷺ مكانَِم، قال لعلِِّّ بن أبي طالب: «نَم ع فراشي، واتَّشِح ببرُدي هذا الأخضِّ الحضّمي ، فإنه ل يلصُ إليك شيءٌ تكرهه منهم» وكان رسول اﷺ ينام في بُرده ذلك إذا نامَ. قال ابنُ إسحاقَ، فحدثني يزيدُ بن أبي زياد، عن محمدِ بن كعب القرظي، قال: اجتَمعوا له وفيهم أبو جهلٍ، فقالوا على بابه: إن محمداا يزعمُ أنكم إن تابعتُموه على أمره كنتمُ ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتِكم، لكم جنانٌ كجنانِ الأردُنِّ، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبحٌ، ثم بُعثتم من بعد موتِكم فجُعِلَت لكم نارٌ تحُرقون فيها. فخرج رسول الله ﷺ وأخذ حَفنةا من تراب في يده، ثم قال: نعم، أنا أقولُ ذلك وأنت أحدُهم، وأخذ الله على أب صارِهم، فلا يرونَه فجعل يُثيرُ ذلك الترابَ على رؤوسِهم وهو يتلو هذه الآيات: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ [0 - 1] إلى قوله﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [9] حتى فرغ رسولُ ا ﷺ من هؤلاء الآياتِ، فلم يبقَ رجلٌ إلاَّ وضَع على رأسه تراباا. ثم انصرفَ إلى حيث أرادَ أن يذهبَ، فأتاهم آتٍ مم ن لم يكنْ معهم، فقال: ما ينتظرُ هؤلاء؟ قالوا: محمداا، قال: خيَّبكم الله، قد والله خرجَ عليكم محمدٌ، ثم ما ترك منكم رجلاا إلا وضعَ على رأسِه تراباا، وانطلق لحاجتِه، أفلا ترونَ ما بكم؟!
عدد الصفحات ١٣٠031 |مختصر دلائل النبوة فوضعَ كل رجل منهم يدَه على رأسه فإذا عليه ترابٌ، ثم جعلوا يتطلَّعون، فيرَون عليًّا على الفراشِ مُتشحاا ببرُد رسول الله ﷺ، فيقولون: والله إن هذا لمحمدٌ نائم على بُرده، فلم يَبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علٌِّّ عن الفراش. فقالوا: والله لقد صدَقنا الذي كان حدَّثنا، فكان مما نزلَ من القرآن في ذلك اليومِ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [31] وقول ا ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ﴾ [31](1). 95- عن عبدِ الله بن عباس، أن عتبةَ، وشيبةَ، وأبا سفيانَ بن حربٍ، والنضرَ بن الحارثِ، وأبا البَختري، والأسودَ بن المطلب، وزمعةَ بن الأسودِ، والوليدَ بن المغيرةِ، وأبا جهلِ بن هشام، وعبدَ الله بن أبي أميَّة، وأميةَ بن خلف، والعاصِ بن وائل، ونَبيه ومُنبه أبناء الحجاجِ، اجتَمعوا -أو مَن اجتمع منهم- بعد غروبِ الشمسِ على ظهرِ الكعبةِ، فقال بعضُهم لبعض: ابعثوا إلى محمدٍ فكلموه، وخاصِموه حتى تُعذروا فيه، فبَعثوا إليه: إن أشرافَ قومِك قد اجتمعوا لك ليُكلموك، قال: فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعاا، وهو يظن أنْ قد بدا لقومِه في أمره بُدُوٌّ، وكان عليهم حريصاا يَُب رُشدَهم، ويعز عليه عنتُهم، وذَكَرَ القصة. فلما قام عنهم رسولُ الله ﷺ، قال أبو جهلٍ: يا معشرَ قريش، إن محمداا قد أَبى، إلا ما تَرون من عيبِ ديننا ، وشتم آبائِنا، وتَسفيه أحلامِنا، وسب آلهتِنا، وإني أعاهدُ الله لأجلِسن له غداا بحجرٍ ما أطيقُ حمله -أو كما قال - فإذا سجدَ في (1) أخرجه الطبري في تاريخه1/371، وانظر: سيرة ابن هشام0/021-020.
عدد الصفحات ١٣١مختصر دلائل النبوة|030 صلاتِه، رضختُ به رأسَه، فأسلِموني عند ذلك أو امنَعوني، فليَصنع بعد ذلك بنو عبدِ منافٍ ما بدا لهم، قالوا: والله لا نُسلمك لشيءٍ أبدا ا، فامض لما تريدُ. فلما أصبح أبو جهلٍ أخذَ حجراا كما وَصف وجلسَ لرسولِ الله ﷺ ينتظرُه، وغدا رسولُ الله ﷺ كما كان يَغدو، وكان رسولُ الله ﷺ بمكةَ وقبلتُه إلى الشام، فكان إذا صلى، صلى بين الركنين اليماني والأسودِ، وجعلَ الكعبةَ بينه وبين الشامِ، فقام رسول اللهُ ﷺ يصلِّ، وقد قعَدت قريشٌ في أنديَتهم ينتظرون ما أبو جهلٍ فاعلُ؟! فلما سجد رسولُ الله ﷺ احتمل أبو جهلٍ الحجرَ، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مُنهزماا، منتقعاا لونه، مرعوباا قد يَبست يداه على حجرٍ، فقذفَ الحجرَ من يده، وقامت إليه رجالُ قريشٍ، فقالوا له : ما لك يا أبا الحكمِ؟ قال: قُمت إليه لأفعلَ له ما قلتُ لكم البارحةَ، فلما دنَوت منه عرضَ دونه فحلٌ من الإبلِ، لا والله، ما رأيتُ مثل هامتِه، ولا قصرتِه، ولا أنيابِه لفحلٍ قط ، فهمَّ بأن يأكلَني. فذُكِر لي أن رسولَ الله ﷺ قال: «ذلك جبريلُ عليه السلام، لو دنا منه لأخذَه »، فلما قال ذلك لهم أبو جهلٍ قام النضرُ بن الحارثِ، فقال: يا معشرَ قريش، إنه والله لقد نزلَ بكم أمرٌ ما ابتُليتم بمثله قط (1). (1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (ص097-111.)
عدد الصفحات ١٣٢032 |مختصر دلائل النبوة 61- عن محمدِ بن إسحاق، قال: وقدمَ على رسولِ ا ﷺ، وفدُ بني عامر، فيهم عامرُ بن الط فيلِ، وإربدُ بن قيسِ بن خالدِ بن جعفر، وجبارُ بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثةُ رؤوسَ القوم وشياطينَهم، فقدِم عامرُ بن الطفيل عدو الله، على رسولِ الله ﷺ وهو يريد الغدرَ به، وقد قال له قومُه: يا عامرُ، إن الناسَ قد أسلموا، فأسلِم، قال: والله، لقد كنت آليتُ أن لا أنتهي حتى يتبعَ العربُ عقبي، فأنا أتبعُ عقبَ هذا الفتى من قريشٍ؟! ثم قال لإربد: إذا قَدمنا على الرجلِ فإني سأشغلُ عنك وجهه، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُه بالسيف، فلما قدِموا على رسول الله ﷺ قال عامرُ بن الطفيل: يا محمدُ، خالِني، قال: «ل والله، حتى تؤمنَ بالله وحدَه ل شريكَ له ». قال: يا محمدُ، خالِني، وجعل يكلمُه، ويَنتظِرُ من إربدَ ما كان أمَرَه به، فجعل إربدُ لا يَُير شيئاا، فلما رأى عامرُ ما يَصنع إربدُ، قال يا محمد: خالِني، قال: «ل والله، حتى تؤمنَ بالله وحده ل شريكَ له ». فلما أبى عليه رسولُ ا ﷺ، قال: أما والله لأملأنِا عليك خيلاا حمراا، ورجالاا شقراا، فلما ولىَّ، قال رسولُ الله ﷺ: «اللهم اهفني عامرَ بن الطفيلِ » فل خرجوا من عند رسولِ الله، قال عامرُ لإربدَ: أين ما كنتُ أوصيتُك به، والله ما كان على ظهرِ الأرض رجلٌ هو أخوف عندي على نفسِ منك، وايمُ الله، لا أخافُك بعد الي وم أبداا، قال: لا أبا لك، لا تعجل علَِّّ، والله ما همَمتُ بالذي أمرتَني به، إلا دخلتَ بيني وبين الرجلِ، حتى ما أرى غيرَك، فأَضربُك بالسيف؟! فقال عامرُ بن الطفيل:
عدد الصفحات ١٣٣مختصر دلائل النبوة|033 بُعــثَ الرســولُ بــما تَــرى فكــأن ** عمــداا يشــد عــلى المقانــبِ غــارَ ا ولقــد ورَدنَ بنــا المدينــةَ شُــزَّ باا ** ولقــد قتلنــا بجوهــا الأنصــارَ وخرجوا راجعين إلى بلادِهم، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق بعث اللهُ على عامر بن الطفيل الطاعون في عُنقه، فقتَله الله به في بيت امرأةٍ سَلولية، فجعل يقولُ: يا بني عامر غُدة كغُدة البكرِ في بيت امرأةٍ من بني سلول! ثم خرج أصحابُ ه حين وارَوه حتى قدِموا أرضَ بني عامر، فلما قدموا أتاهم قومُهم فقالوا: ما وراءَك يا إربدُ؟ قال: لا شيءَ والله، لقد دعانا إلى عبادةِ شيء لودِدت أنه عندي الآن، فأرميه بالنبلِ منه حتى أقتلَه، فخرج بعد مقالتِه بيومٍ أو يومين معه جملٌ له يبيعُه، فأرسلَ الله عل يه وعلى جملِه صاعقةا فأحرقَتهما، وكان إربدُ بن قيس أخا لبيدِ بن ربيعة لأمه (1). (1) أخرجه الطبري في تاريخه3/005، وانظر: سيرة ابن هشام1/532-539.
عدد الصفحات ١٣٤