المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ قفية 1 مختصر دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٧ من ٢٣

012 |مختصر دلائل النبوة قال: لبيك يا رسولَ الله، ولا يُنازعه الكلامَ إلا قال: يا رسولَ الله. فقال له النبي ﷺ: «أتشهدُ أني رسولُ الله؟ » قال قال: «تقرأُه في التوراةِ؟» قال: نعم قال: «والإنجيلِ؟ » قال: نعم. قال: «والقرآنِ؟» قال قال: «والذي نفسي بيده لو تشاء لقرأتَه» قال: ثم ناشده: هل تجدُني في التوراةِ والإنجيلِ؟ فقال: سأحدثك مَثلَك ومثلَ هيئتِك ومخرَجِك، وكنا نرجو أن تكونَ منا، فلما خرجت تخوَّفنا أن تكون أنت هو فنظرنا فإذا ليسَ هو أنت. قال: «فلم ذلك؟» قال: إن معه من أُمتِهِ سبعين ألفا ليس عليهم حِسابٌ ولا عذابٌ، إنما معك نفرٌ يسيرٌ.

عدد الصفحات ١٠٣

مختصر دلائل النبوة‏|013 قال«فوالذي نفسي بيده لأنا هو، إنهم لأُمتي، وإنهم لأَهثرُ من سبعي ألفا وسبعي ألفا»(1). قال الشيخُ  :وهذا الحديثُ وإن كان في وقتِه وعهدِه ﷺ، خارجاا عن صفةِ أمتِهِ بال كثرةِ عن كتبِهم، ففي إخبارِه ﷺ بما يؤولُ إليه أمرُهُ من كثرةِ أتباعِه وأمَّتِه في وقتٍ آخرَ دليلٌ كافٍ، وذلك أنه قد وُجِدَ على ما أخبرَ به. ولله الحمد. 24- قال عبدُ الله بن سلاَم: إن الله لما أراد هُدى زيدِ بن سَعية قال زيد بن سَعية: إنه لم يبقَ من علامات النب وةِ شيءٌ، إلا وقد عرفتُها في وجه محمد ﷺ حين نظرتُ إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يَسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدةُ الجهل عليه إلا حلماا، فكنت أتلطفُ له لأنْ أخالطه فأعرف حلمَه وجهلَه. قال: فخرج رسولُ الله ﷺ يوماا من الحُجرات، ومعه علِّ بن أبي طالب، فأتاه رجلٌ على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسولَ الله، إن قرية بني فلان قد أسلموا، ودخلوا في الإسلامِ، فكنت حدثتُهم أنِم إن أسلموا أتاهم الرزقُ رغداا وقد أصابتهم سَنة وشدة وقحوطٌ من الغيث، وأنا أخشى يا رسولَ الله أن يخَرجوا من الإسلام طَمعاا كما دخلوا فيه طمعاا، فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم بشيء تُعينهم به فعلتَ. قال: فنظرَ رسولُ الله ﷺ إلى رجل إلى جانبه -أُراه عليًّا-، فقال: ما بَقي منه شيء يا رسولَ الله. (1) أخرجه البزار9/000 (3711)، وابن حبان00/500 (3521)، والطبرا«الكب»02/331 – 330،250،255)، والبيهقي«دلائل النبوة»3/133.

عدد الصفحات ١٠٤

014 |مختصر دلائل النبوة قال زيد بن سَعية: فدنوت إليه، فقلتُ له: يا محمدُ، هل لك أن تَبيعني تمراا معلوماا من حائطِ بني فلان إلى أجَل كذا وك ذا؟ فقال: «ل يا يهودي، ولكن أبيعُك تمرًا معلومًا إلى أجل هذا وهذا، ول أسيُ ي حائطَ بني فلان ». قال: فقلت: نعم، فبايَعني، فأطلقت همِيا (1)، فأعطيته ثمانين مِثقالاا من ذهبٍ في تمر معلوم إلى أجَل كذا وكذا، فأعطى الرجلَ، وقال: «أعجِل عليهم وأغِثهم بها». قالزيد بن سَعية: فلما كان قَبل محلِّ الأجل بيَومين أو ثلاثة، خرج رسولُ الله ﷺ في جَنازةِ رجل من الأنصارِ، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفرٍ من أصحابه ، فلما صلىَّ على الجَنازة ودنا من جدارٍ ليجلسَ إليه أتيته فأخذتُ بمَجامعِ قميصه وردائه، ونظرتُ إليه بوجه غليظٍ . ثم قلت: ألا تَقضيني يا محمدُ حقِّي، فوالله ما علمتُكم بني عبد المطلبِ لمُطل، ولقد كان لي بمخالطتِكم علمٌ. قال: ونظرتُ إلى عمرَ بن الخطابِ، وعيناه تَدوران في وجهِه كالفَلك المستديرِ، ثم رماني ببصرِه. قال: أيْ عدوَّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمعُ، وتفع ل به ما أرى؟! فوالذي بعثَه بالحقِّ لولا ما أحاذر فوتَهُ لضربت بسيفي رأسكَ. ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكونٍ وتُؤدة وتبسم. (1) (همِيَاني) الهميان: تِكَّة السراويل

عدد الصفحات ١٠٥

مختصر دلائل النبوة‏|015 ثم قال «أنا وهو هنا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عيُر: أن تأمرَني بحُسنِ الأداءِ، وتأمرَه بحسنِ التباعة، اذهب به يا عيُرُ، فاقضِه حقَّه، وزِده عشرين صاعًا من تمر مكان ما رُعته ». قال زيد: فذهب بي عمر، فقضاني حقِّي وزادني عِشرين صاعاا من تمر فقلت: ما هذه الزِّيادة؟ فقال: أمرَني رسولُ الله ﷺ أن أزيدَك مكان ما رُعتك. فقلت: أتعرفُني يا عمرُ؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سَعية. قال: الحَبر؟ قلت: الحبر. قال: فما دعاك أن تقولَ لرسولِ الله ﷺ ما قلتَ، وتفعل به ما فعلتَ؟ قلت: يا عمرُ كل علامات النبوة قد عَرفتُ في وجه رسولِ الله ﷺ حين نظرتُ إليه، إلا اثنتين، لم أُخبرهما منه: يَسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدةُ الجهلِ عليه إلا حِلماا فقد اختبرتهُ ما، فأشهدُك يا عمر أني قد رضِيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وأشهدك أن شطرَ مالي -فإني أكثرُها مالا - صدقةا على أُمة محمدٍ ﷺ. فقال عمرُ: أو على بعضِهم، فإنك لا تَسعُهم كلَّهم؟

عدد الصفحات ١٠٦

016 |مختصر دلائل النبوة قلت: أو على بعضِهم. قال: فرجَع عمرُ وزيدٌ إلى رسولِ الله ﷺ، فقال زيدٌ: أشهدُ ألا إله إلا الله، وأن محمداا عبده ورسولُه، فآمن به وصدَّقه وتابَعَهُ، وشهِد مع رسولِ الله ﷺ مَشاهدَ كثيرة، ثم تُوفي في غزوة تبوك مُقبلاا غير مدبرٍ، رحمَ الله زيداا (1). 29- عن أسامةَ بن زيدٍ قال: قال زيدُ بن عمرِو بن نُفيلٍ، قال لي حَبر من أحبار الشا مِ: قد خرجَ في بلدِك نبي، أو هو خارجٌ، قد خرج نجمُه، فارجع فصدقه واتَّبعه وآمن به(2). 26- عن أبي سفيانَ بنِ حرب قال: قال لي هرقلُ لما سألني عن رسولِ ا ﷺ فأخبرتُه، فقال: إن يكُ ما تقولُ فيه حقًّا إنه نبيٌّ، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، ولم أكن أظن ه منكم، ولو كنتُ أعلمُ أني أخلصُ إليه لأجبتُ لقاءَه، ولو كنتُ عندَه لغسلتُ عن قدمَيه، وليبلغَنَّ ملكُه ما تحتَ قَدَمي (3). (1) أخرجه ابن أبي عاصم «الآحاد والمثا »0/001 (1121)، وابن حبان 0/510،513 (122)، والطبراني في «الكب»5/111 – 113،5007)، والحاكم 3/711 – 710 (3507)، والبيهقي «دلائل النبوة»3/172-120. (2) أخرجه ابن أبي عاصم «الآحاد والمثا »0/099-111 (157)، والبزار 0/035 (0330)، والنسائي في «الكبرى»7/315 (2031)، والحاكم 3/132،139 (0953)، والبيهقي «دلائل النبوة»1/013. (3) أخرجه مطولاا البخاري ( 7،1901)، ومسلم0733.)

عدد الصفحات ١٠٧

مختصر دلائل النبوة‏|017 (8) فصل في ذكر ما سُمعَ من الجنِّ وأجواف الأصنامِ، ومن الكُهان بالإخبار عن نبوتِه ﷺ 27- عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّ أول خبرٍ كان بالمدينة ب مَبعثِ النبي ﷺ: أن امرأةا من أهل المدينة كان لها تابعٌ من الجنِّ، فجاء في صورةِ طائرٍ أبيضَ، فوقع على حائطٍ لهم فقالت له: لـمَ لا تنزِل إلينا فتُحدثنا ونحدِّثُك، وتخبرنا ونُخبرك؟ قال لها: إنه قد بُعث نبيٌّ بمكة حرَّم الزنا، ومنعَ منا القرارَ (1). (1) أخرجه أحمد13/031 (00235.)

عدد الصفحات ١٠٨

018 |مختصر دلائل النبوة (9) فصل في ذِ كر حملِ أُمه ووضعِها به، وما شاهدتْ من الآيات والأ علامِ على نبوته ﷺ 28- عن عُتبة بن عبد: أن رجلاا سأل رسولَ ا ﷺ فقال: كيف كان أولُ شأنك يا رسولَ الله؟ قال: «هانت حاضنتي من بَني سعدِ بن بكر، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بهَمٍ لنا(1)، ول نأخذ معنا زادًا، فقلتُ يا أخي: اذهب فائتِنا بزادٍ من عند أُم نا، فانطلقَ أخي ومكثتُ عند البهمِ، فأقبلَ طائران أبيضانِ هأنهما نسرانِ، فقال أحدُهما لصاحبِه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبَلا يَبتدران، فأخذاني فبَطحاني للقفا، فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقَّاه، فأخرجا منه عَلَقتي سوداوين. فقال أحدُهما لصاحبه: ائتني بماء ثلجٍ، فغسلا به جَوفي، ثم قال: ائتني بماء بَردٍ فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتِني بالسكِينة فذرَّها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبِه: خُصَّهُ، فخَصَّه، وختم عليه بخاتَم النبوة. فقال أحدُهما لصاحبه: اجعلْه في هِفَّ ةٍ، واجعل ألفًا من أمَّته في هفة، فإذا أنا أنظرُ إلى الألف فوقي أشفق أن يَر عل بعضُهم، فقال: لو أن أُمته وُزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتَرهاني، وفَرِقتُ فرقًا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتُا بالذي لَقيتُ، فأشفَقَت أن يكون قد أُلبس بي. (1) البَهْم: جمع بهَْمَة، وهي: ولد الضأن الذكرُ والأنثى، وجمع البهم: بهام

عدد الصفحات ١٠٩

مختصر دلائل النبوة‏|019 فقالت: أُعيذُك بالله، فرَحلت بَعيرًا لها وحملتني على الرحلِ، ورهبتْ خلفي، حتى بلْغنا إلى أمي، فقالت: أدَّيتُ أمانتي وذمتي، وحدثتْها بالذي لقيتُ، فلم يرُعها ذلك، وقالت: إني رأيتُ خَرَجَ منى نورٌ أضاءت منه قصورُ الشام »(1). 25- عن أبي مريم الغسَّاني قال: أقبل أعرابي حتى أتى ر سولَ الله ﷺ وهو قاعدٌ، عنده حلقة من الناسِ فقال: ألا تُعطيني شيئاا أفعله وأحملُه ينفعني ولا يضر ك، فقال الناس: مه، اجلسْ، فقال النبي ﷺ: «دعوه، فإنما سألَ الرجلُ ليَعلم». فأفرجوا له حتى جلسَ، فقال: أي شيء كان أولَ نبوتك؟ فقال «أخذَ ا مني الميثاقَ هما أخذَ من النبيي مِيثاقَهم، قال الله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [7]، ودعوةُ أبي إبراهيم قال ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [125]، وبُشرى المسيحِ ابن مريم، ورأت أُمي في منامِها أنه خرجَ من بي رِجلَيها سِِاجٌ أضاءت له قصورُ الشامِ »‏(2). (1) أخرجه أحمد19/090 (07302.) (2) أخرجه ابن أبي عاصم«الآحاد والمثا»0/397 (1003)، والطبرا«المعجم الكبير»11/333 (235.)

عدد الصفحات ١١٠

001 |مختصر دلائل النبوة (34) فصل في ذكرما جرى على أصحاب الفيل من دلالة نبوته عام مولده ﷺ وقصةُ الفيلِ من أشهرِ القصصِ قد نطَقَ القرآنُ بها، ورُويت الأشعارُ فيها، ولم يختلِف أحدٌ فيها لا مشركٌ ولا موحِّدٌ، صارت هذه القصةُ في جملةِ القصصِ التي لا يمكنُ إنكارُها، وذلك في العام الذي وُلد فيها رسولُ الله ﷺ، فدلَّ ظاهرُ الحالِ على أن صرفَ الله تعالى أصحابَ الفيل عن قصدِهم في تخريبِ الكعبةِ دلالةٌ على تقويةِ أمرِ الحجِّ، وتأييدٌ لمن يأمرُ به ويدَّعي أنه شريعةٌ له، فصار أمرُ الفيلِ لهذا المعنى بشارةا بالنبيِّ ﷺ، وتحقيقاا لشريعتِه، وتأيداا لدعوتِه، ولله الحمد، وكان مولدُه ﷺ عام الفيلِ، وكان مبعثُه بعدَ الفيل بأربعين سنةا. 31- عن عائشةَ قالت: رأيتُ قائدَ الفيلِ وسائقَه بمكةَ أعميَينِ مقعدَينِ يستطعمانِ (1). 31- عن قيسِ بن مخرمةَ قال: وُلدتُ أنا ورسولُ ا ﷺ عامَ الفيل، قال: وسألَ عثمانُ بنُ عفانَ قَباثَ بنَ أَشيم أخا بني عمرو بن ليثٍ: أنت أكبرُ أم رسولُ الله ﷺ؟ قال: رسولُ الله ﷺ أكبرُ مني، وأنا أقدمُ منه في الميلادِ، ورأيتُ خُزْقَ الفيلِ (2) أخضرَ محيلاا بعدَه بعامٍ، ورأيتُ أميةَ بن عبد شمس شيخاا كبيراا يقودُه، إمَّا قال: ابنه، وإمَّا قال: غلام له، فقال: يا قَباثُ، أنت أعلمُ وما تقولُ (3). 32- عن ابنِ شهابِ الزهريِّ أنه قال: أولُ ما ذُكِر مِن أمرِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشم جدِّ رسولِ الله ﷺ أن قريشاا خرجَتْ من الحرمِ فارَّةا مِن أصحابِ الفيلِ (1) أخرجه البزار02/157 (199)، والبيهقي«دلائل النبوة»0/015. (2) خُزْق الفيل: روثه (3) أخرجه الترمذي3309)، وابن أبي عاصم«الآحاد والمثا»0/017 (533.)

عدد الصفحات ١١١

مختصر دلائل النبوة‏|000 وهو غلامٌ شابٌّ، فقال: والله لا أخرجُ من حرمِ الله أبغي العزَّ في غيرِه، فجلَسَ عبدُ المطلب عندَ البيتِ وجلَتْ قريشٌ عنه، فقال: اللهُمَّ إن المرءَ يمنعُ رحلَه فامنَع حِلالَك لا يغلبَنَّ صليبُهم ومحِالهُم عَدْواا محِالَك فلم يزَل ثابتاا في الحرمِ حتى أهلكَ الله الفيلَ وأصحابَه، ورجعَت قريشٌ وقد عظمَ فيهم عبدُ المطلب لما رأوا من بصيرتِه وتعظيمِه لمحارمِ الله(1). (1) أخرجه عبد الرزاق«مصنفه»5/303 (9702)،والبيهقي«دلائل النبوة»0/25.

عدد الصفحات ١١٢

002 |مختصر دلائل النبوة (33) فصل في ذكرِ نُشوئه وتصرُّفِ الأحوالِ به إلى أن أكرَمه الله بالوحي فأسَّس له النبوة وهيَّأ له الرسالة، وما ظهر في قومِه من استكماله خلالَ الفضل واعترافهم به، بما يكون حُجة على من امتنع من الانقيادِ له ﷺ كان أبوه عبدُ الله بنُ عبدِ الم طلب خرج في عيرٍ لقريش تاجراا إلى الشام -إلى غزَّة - فمرِض في مُنصرفِه بالمدينة عند أخواله، فبَقي عندهم شهراا مريضاا فتُوفي ودُفن بها، ورسول الله ﷺ يومئذ حمل. 33- عن حليمةَ بنتِ الحارث السعدية، أم رسول ا ﷺ التي أرضعَتْه، قالت: أصابَتْنا سنةٌ شهباءُ، لم تُبقِ لنا شيئاا، فخرجتُ في نسوةٍ من بني سعدِ بن بكر نلتمسُ الرضعاءَ بمكةَ على أتانٍ لي قمراءَ، فلم يبقَ منا امرأةٌ إلا عُرض عليها النبي ﷺ فتأباه، وعُرِض علِّ فأتيتُه، وذلك أن الظؤرةَ إنما كانوا يرجون الخيرَ من قبلِ الآباء، ويقولون: لا أبَ له، وما عسى أن تفعلَ أم ه، فلم تبقَ منهن امرأةٌ إلا أخذَتْ رضيعاا غيري، وحان انصرافهن إلى بلادهِن، فقلتُ لزوجي: لو أخذتُ ذلك الغلامَ اليتيمَ كان أمثلَ من أن أرجعَ بغير رضيعٍ، فأتيتُ أمَّه فأخذتُه، ثم جئتُ إلى منزلي، فكان لي صغيرٌ والله لا ينامُ مِن الجوع، فلما ألقيتُ رسولَ الله ﷺ على ثديي أقبلا عليه بما شاء الله من اللبنِ حتى رَوِي، ورَوي أخوه ونامَا، وقام زوجي إلى شارفٍ لنا، والله ما أن تبض بقطرةٍ فلما وقعَت يدُه على ضرعِها فإذا هي حافلٌ، فحلَبَ ثم أتاني، فقال: والله يا بنتَ أبي ذؤيب ما أظن هذه النسمةَ التي أخذتهِا إلا مبار كةا، وأخبرني بأمر الشارفِ، وأخبرتُه بخبر ثديي وما رأيتُ منهما، ثم أصبحنا فغدَونا وكنتُ على أتانٍ قمراءَ، والله ما أن تلحقَ الحمرَ ضعفاا، فلما أن وضعتُ عليها رسولَ الله ﷺ [

عدد الصفحات ١١٣

مختصر دلائل النبوة‏|003 هذي لشأناا. قالت: فقدِمنا بلادَنا ب دَ سعد بن بكر لا نتعرفُ من الله إلا البركةَ، حتى إن كان راعينا لينصرفَ بأغنامِنا حفلاا، وتأتي أغنامُ قومِنا ما أن تبض بقطرةٍ، فيقولون لرعيانِم: ويَكم! ارعوا حيث يرعى راعي ابنةِ أبي ذؤيب، فلم نزل كذلك، فبينما هما يوماا يلعبان في تهمٍ لنا وراءَ بيوتِنا إذ جا ء أخوه يسعى، فقال: ذاك أخي القرشي قد قُتِلَ. فانطلقت وأبوه فاستَقبلنا وهو منتقعُ اللونِ، فجعلتُ أضم ه إليَّ مرَّةا، وأبوه مرَّةا، ونقول: ما شأنُك؟ فيقول: لا أدري إلا أنه أتاني رجلان، فشقَّا بطني، فساطاه، فقال أبوه: ما أظن هذا الغلامَ إلا وقد أُصيب، فبادري به أهلَه مِن قبل أن [ به الأمرُ عندَنا (1). قيل: فلما تُوفِّيت آمنةُ قبضَه عبدُ المطلب فضمَّه إليه، فرَقَّ له عبدُ المطلب رقةا لم يرقها على ولدِه، وكان يقربُه ويُدنيه، وكان له مجلسٌ لا يجلسُ عليه غيرُه، وكان يُفرش له في ظلِّ الكعبةِ فراشٌ ويأتي بنو عبد المطلب فيجلسون حولَ ذلك الفراشِ ينظرون إلى عبدِ المطلب، ويأتي رسولُ الله ﷺ حتى يرقى على الفراشِ فيجلسُ عليه فيقولُ له أعمامُه: مهلاا يا محمدُ عن فراشِ أبيك، فيقول عبدُ المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني، إنه ليؤنس ملكاا. 34- قال الواقدي: أجمعَتْ قريشٌ أن يجهزو ا عيراا إلى الشامِ بتجاراتٍ وأموالٍ عظامٍ، وأجمع أبو طالبٍ المسيرَ في تلك العيرِ، فخرَجَ معه ﷺ، فلما نزَلَ الركبُ بصرَى من الشامِ وبها راهبٌ يُقال له: بحيرا الراهب في صومعةٍ، وكان كثيراا ما يمر ون به قبلَ ذلك لا يكلِّمهم، حتى كان ذلك العام فنزلوا قريباا م ن صومعتِه، فلما مر وا عليه صنعَ لهم طعاماا ودعاهم، وإنما حملَه على ذلك أنه رآهم (1) أخرجه ابن إسحاق«السيرة»(ص51.)

عدد الصفحات ١١٤

004 |مختصر دلائل النبوة حينَ طلعوا وغمامةٌ تظل رسولَ الله ﷺ من بين القومِ حتى نزلوا تحتَ شجرةٍ، ثم نظَرَ تلك الغمامةَ قد أظلَّت الشجرةُ فتهصرَّت أغصانُ الشجرةِ على النبي ﷺ حتى استظلَّ، فلما رأى بحير ا ذلك نزَلَ من صومعتِه وأمر بذلك الطعامِ فأتى به وأرسلَ إليهم: يا معشرَ قريشٍ، إني قد صنعتُ لكم طعاماا، وأنا أريد أن تحضروا ولا يتخلفَنَّ منكم صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا حرٌّ ولا عبدٌّ، فإن هذا شيءٌ تكرمونني به، وانقلعَت الشجرةُ من أصلِها حينَ فارقَها رسولُ الله ﷺ، وجعل بحيرا يلحظُه لحظاا شديداا، وينظر إلى شيءٍ من جسدِه قد كان يجدُها عندَه من صفتِه، فلما تفرَّقوا عن طعامِهم جعَلَ يسألُه عن أشياءَ مِن أحوالِه فيخبرُه، وكلَّمه أن ينزعَ جبةا عليه حتى نظرَ إلى ظهرِه وإلى خاتمِ النبوةِ بينَ كتفيه عليه السلام مثلَ زر ا لحجلةِ متواسطاا، فاقشعرَّت كل شعرةٍ في رأسِه وقبَّلَ موضعَ خاتمِ النبوةِ، ثم قال الراهبُ لأبي طالب: ارجِع بابنِ أخيك إلى بلدِك واحذَر عليه اليهودَ؛ فوالله إن رأَوه أو عرفوا منه الذي أعرفُ ليبغنَّه عنتاا؛ فإنه كائنٌ لابن أخيك شأنٌ عظيمٌ نجدُه في كتبِنا وما ورثْنا مِن آبائِنا، وقد أُخِذ علينا مواثيقُ. 39- عن نفيسةَ بنتِ أميةَ تقولُ: لما بلَغَ رسولُ ا ﷺ خمساا وعشرين سنةا وليس له بمكةَ اسمٌ إلا الأمينَ؛ لما تكاملَتْ فيه مِن خصالِ الخيرِ أرسلَتْ إليه خديجةُ فقالت: إنه قد دعاني إلى البعثةِ إليك ما بلغَنِي من حدي ثِك وعظمِ أمانتِك وكرمِ أخلاقِك، وأنا أُعطيك ضعفَ ما أُعطي رجلاا من قومِك، ففعَلَ رسولُ الله ﷺ، فخرَجَ مع غلامِها ميسرةَ حتى قَدِم الشامَ، فنزلا في سوق بصرى في ظلِّ شجرةٍ قريباا من صومعةِ راهبٍ من الرهبانِ يُقال له: نسطور، قال: فاطلَعَ الراهبُ إلى ميسرةَ و كان يعرفُه فقال: يا ميسرةُ، مَن هذا الذي نزَلَ تحتَ الشجرةِ؟ فقال ميسرةُ: رجلٌ من قريشٍ مِن أهلِ الحرمِ، قال له الراهبُ: ما نَزَلَ تحتَ هذه الشجرةِ

عدد الصفحات ١١٥

مختصر دلائل النبوة‏|005 قط إلا نبيٌّ، ثم قال: أفي عينيه حمرةٌ؟ قال ميسرةُ: نعم، لا تُفارِقه قط . قال الراهبُ [ هو، وهو آخرُ الأنبياءِ، ويا ليت أنيِّ [ حين يُؤمر بالخروج، وكان ميسرةُ يرى رسولَ الله ﷺ إذا كانت الهاجرةُ واشتدَّ الحر يرى ملكَينِ يُظلاَّنه من الشمسِ وهو على بعيرِه (1) . قال الشيخُ : وما تضمَّن هذا الفصل من أحوالِه ﷺ مِن حين تزوَّجت آمنةُ وحملِها ووضعِها به واسترضاعِه [ ظئرِه، إلى أن بلَغَ خمساا وعشرين سنةا المقرونة بالآياتِ [ على نبوتِهﷺ بخروجِها عن المتعارفِ والمعتادِ، مع توسمِ أهلِ الكتبِ وغيرِهم الأماراتِ التي دونَتْها الكتبُ المتقدمةُ والأخبارُ السالفةُ بالبشاراتِ به، وترقبُهم لمب عثِه ومخرجِه علاماتٌ ودلائل لمن منَّ الله عليه بالإيمان به وصار به موقناا ولنبوتِه محققاا ﷺ، وكان يُشاهدُ منه في صباه مخائلُ السؤددِ والرياسةِ. 36- عن وهبِ بن كَيسان مولى الزبيرِ سمعتُ عبدَ الله بنَ الزبيرِ، وهو يقولُ لعُبيدِ بن عُميرِ بن قَتادةَ الليثي: حدِّث نا يا عبيدُ كيف كان بدء ما ابتدأَ الله به رسولَه من النبوة حين جاءه جبريلُ عليهما السلامُ؟ قال: كان رسولُ الله ﷺ يجُاورُ في حِراء كلَّ سنة شهراا، فأتاه جبريلُ ﷺ وأنزل عليه «سورةَ اقرأ »، فرجَع إ خديجةَ، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فلقد بَعثتُ رسلِّ في طل بِك حتى بَلَغوا مكةَ، ورجَعوا إلي. قال: «قلت لها: إن الأبعدَ لَشاعرٌ مجنونٌ ». (1) أخرجه بمعناه ابن إسحاق«السيرة»(ص20.)

عدد الصفحات ١١٦

006 |مختصر دلائل النبوة فقالت: أُعيذكَ بالله من ذلك، ما كان الله ليَصنعَ ذلك بك مع صدقِ حديثِك، وعِظم أمانتِك، وحُسن خلقِك، وصلتِك رحمَك (1). 37- عن أم سلمةَ بنتِ أبي أُمية بن المُغيرة زوجِ النبي ﷺ قالت: لم ا نزلنا أرضَ الحبشةِ جاوَرنا بها خيرَ جارٍ: النجاشيَّ، أمَّنَّا على دينِنا، وعبَدنا الله لا نُؤذى، ولا نسمعُ شيئاا نكرهُه. فأرسلَ إلى أصحابِ رسول الله ﷺ فدعاهم، فكان الذي كلَّمه: جعفرُ بن أبي طالب، فقال له: أيه ا الملكُ كنا قوماا أهلَ جاهلية نعبدُ الأصنامَ ، ونأكل الميتَة، ونأتي الفواحشَ، ونقطع الأرحامَ، ونُسِء الجوارَ، ويأكُل القوي منا الضعيفَ، فكنا على ذلك حتى بعثَ الله إلينا رسولاا منا، نعرف نسبَهُ، وصدقَه وأمانتَهُ، وعفافَه، فدعانا إلى الله لنعبدَ الله ونوحِّدَه، ونخلعَ ما كنا نعبُد نحن وآباؤنا من دونِ ه من الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرحم، وحُسن الجوارِ، والكفِّ عن المحارمِ والدماء، ونِانا عن الفُحشِ، وقولِ الزورِ، وأكلِ مال اليتيمِ، وقذف المُحصنةِ. وأمرنا أن نعبدَ الله لا نشركَ به شيئاا، وأمرنا بالصلاةِ، والزكاةِ ، والصيامِ - قالت: فعدَّد عليه أُمورَ الإسلامِ - فصدقناهُ وآمنَّا به، واتَّبعناه على ما جاء به من الله، فعبَدنَا الله وحدَه فلم نُشرك به شيئاا. فقال النجاشي: إن هذا والذي جاءَ به مُوسى يخَرُج من مِشكاةٍ واحدةٍ (2). (1) أخرجه الفاكهي«أخبار مكة»0/50 (1011)، والطبري«تاريخه»1/311-311، والآجري «الشريعة»3/0032 (970)، والبيهقي«دلائل النبوة»1/002. (2) أخرجه أحمد3/133 (0701.)

عدد الصفحات ١١٧

مختصر دلائل النبوة‏|007 (32) ذكرُ الأخبارِ فيما قُيِّضَ له ﷺ من الرياضةِ السماويةِ قبلَ الوحيِ برعايتِه البهائمَ العجمَ التي لا تعقلُ ولا تعربُ عن نفسِها؛ تهذيبا وتأديبا للقيام بثقل النبوة والصبر على مكاره ما يَلقَى فيها من المكذبين وغيرهم عن أبي هريرةَ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو يقولُ: ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا راعي غنمٍ، قالو ا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: وأنا كنتُ أرعاها لأهلِّ بالقراريط (1). قال الشيخُ : وممَّا يدخلُ في هذا البابِ ما خصَّ الله به نبيَّه ﷺ في الجاهليةِ الجهلاءِ، أن وفَّقَه ﷺ لوضعِ الحجرِ الأسودِ موضعَه بيدِه لما اختلفَتْ قريشٌ في وضعِه دلالةا لصحةِ نبوتِه. 38- عنعلٍِّّ قال: لما بنَتْ قريشٌ البيتَ فبلَغُوا موضعَ الحجرِ اختلفوا في وضعِه، فقالوا: إن أولَ مَن يطلعُ من البابِ، قال: فطلع النبي ﷺ، فقالوا: قد طلَعَ الأمينُ، فبسط ثوباا ووضَعَ الحجرَ وسطَه وأمرَ بطونَ قريشٍ فأخَذَ كل بطنٍ منهم ناحيةا من الثوبِ ووضعَه بيدِ ه ﷺ(2). قال الشيخُ : وقد حصلَتْ من قريشٍ شهادةٌ مثلها بعدَ بعثتِه ﷺ اعترافاا منهم أنِم لم يجربوا عليه كذباا قط . (1) أخرجه البخاري في صحيحه1131.) (2) أخرجه أبو داود الطيال«مسنده»0/012 (005)، والبيهقي«الكبرى»5/003، و«دلائل النبوة»1/53.

عدد الصفحات ١١٨