342 |مختصر دلائل النبوة أَرْبِطَهُ إِلىَ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَْسْجِدِ، فَذَهَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْماَنَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ [39]» قال «فَرَدَّهُ اللهُ تَعَالىَ خَاسِئًا »(1). فإن قلت: فإن سليمانَ عليه السلام كان يسخِّر الشياطينَ لأمور الد ني ا فكانوا يَعمَلون له ما ذكَرَ الله تعالى: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [03] في قلَل الجِبالِ وبُطون الأودية والبحار، فالقول فيه: لو أن النبيَّ ﷺ شاء تَسخيرَهم لمَا امتَنَعوا عليه، ولكنِ اختارَ العبوديةَ مع الن بوةَ لمََّا خيرَّه الله تعالى بين أن يَكون ملِكاا رسولاا أو عبداا نبيًّا؛ فأكَبَّ الدنيا على وَجْهها وزهِد فيها، فسخِّرَت له غيرُ أهلِها، فكانت الملائكةُ المقرَّبون أنصارَه وأعوانَه وأُنَّاسَه يُقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاا ويَمنَعون عنه ويُدافِعون دونَه. 311- فعن سعدٍ قال: رأيتُ رجُلَينْ يُقاتلانِ عنِ النبي ﷺ عليهما ثِيابُ بياضٍ كأشدِّ القتال، ما رأيتُهما قبل ذلك اليومِ ولا بعدَه يوم أُحُد، أو قال: يومَ بَدْر (2). 311- عنِ ابن عباسٍ أن رسولَ ا ﷺ قال لأبي اليَسرَِ: كيف أَسرَْت العبَّاسَ؟ قال: يا رسولَ الله لقد أَعانَني عليه رجلٌ ما رأيتُه قبلَ ذلك ولا بعدَه، هيئتُ ه كذا وكذا! فقال رسولُ الله ﷺ: «لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ هَرِيمٌ »(3). (1) أخرجه البخاري030)، ومسلم500.) (2) أخرجه البخاري0105)، ومسلم1313.) (3) أخرجه أحمد5/330 (3301.)
عدد الصفحات ٣٤٣مختصر دلائل النبوة|343 فإن قيل: فإن سليمانَ عليه السلام كان يَفهمُ كلامَ الطير والنملةِ مع تسخ الله له كما ذكَر: ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [11]، ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾ [02]، ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ [03]، قيل قد أُعطيَ محمدٌ ﷺ ذلك وأكثرَ منه، فقد تقدَّم ذِكْرنا لكلام السِّباع والبهائمِ، وحَنين الجِذْع، ورُغاء البعير، وكلام الشجَر، وتسبيح الحجَر والحصى ودُعائه إيَّاه واستِجابته لأَمْره، وإقرار الذِّئْب بنُبوَّته، كل ذلك قد تَقدَّم ذِكرُه في الفصول بما يُغني عن إعادته.
عدد الصفحات ٣٤٤344 |مختصر دلائل النبوة (99) القولُ فيما أوتِيَ يعقوبُ عليه السلام فإن قيلَ: فإن يعقوبَ عليه السلام عظُم في الخير نصيبُه بالأسباط من سلالتِه، ومريمُ ابنةُ عِمران من بناتِه، والهداةُ من ذريتِه، قال الله تعالى: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [17]. قيل: لقد كان كذلك، ومحمدٌﷺ في الخير أعظمُ نصيباا وأوفرُ حظًّا وأرفعُ ذكراا وخطراا، إذ سيدةُ نساء المسلمين، بل نساء العالمين من بناتِه والحسنُ والحسينُ ذريتُه من صُلبه وحَفدَتُه 312- عن ابن عباسٍ عن النبيﷺ قال: «فاطيُةُ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنةِ »(1). فإن قيل: فإن يعقوبَ عليه السلام صبرَ ع فراق ولدِه حتى كاد يكونُ حرضاا من الحزنِ، قيل: قد كان حزنُه على ولده حزنَ تلاقٍ ومضضٍ واشتياقٍ، ووَجْدَ فراقٍ، ورسول الله ﷺ فُجِع بواحدِه من الدنيا وقرةِ عينه في حياته فصبرَ محتسباا ووفَ بصدقِ الاختيارِ مستَسلماا. 313- قالﷺ: «العيُ تدمع والقلبُ يحزنُ ول نق ولُ ما يسخِط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون »(2) سالكاا في جميع أحوالِه منهجَ الرضا عن الله تعا والاستِسلامِ له فيما يَقضِ ويَكم. (1) أخرجه أحمد0/019 (1332) بمعناه (2) أخرجه البخاري0313)، ومسلم1305.)
عدد الصفحات ٣٤٥مختصر دلائل النبوة|345 ومما يدل على ذلك قوله ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [20]، فأصابَه بفقد ولدٍ من بين جميعِ أولاده هذا الأسفُ، ونبي نا ﷺ فقد واحِدهُ ولم يكن له من البَنين غيرُه فلم يتأسفْ، بل رضي واستسلمَ ففاق صبرُه على صبر يعقوبَ، فدل ذلك على فضلِ قوتِه وزيادةِ صبرِه، ويدل ذلك على فضله عليه صلى الله عليهما.
عدد الصفحات ٣٤٦346 |مختصر دلائل النبوة (344) القولُ فيما أُ وتيَ يوسفُ عليه السلام فإن قيل: فإن يُوسفَ عليه السلام موصوفٌ بالجمال على جميعِ الأ نبياء والمرسَلين، بل على الخلقِ أجمَعين. قيل: إن جمال محمدٍ ﷺ الَّذي وصَفه به أصحابُه لا غايةَ وراءَه، إذ وصَفوه بالشمسِ الطالعةِ، وكالقمرِ ليلةَ البَدْر وأحسَنَ من القمَر، ووجهُه كأنه مُذهبةٌ يَستَنير كاستِنارة القمَر، وكان عرَقُه ﷺ له رائحةٌ كرائِحةِ المِ سكِ الأَذفَر. 314- فعن سِماك بن حَرْب أنه سمِع جابرَ بنَ سَمُرةَ يَقول: وقال له رجُل أكانَ وجهُ رسولِ الله ﷺ مثل السَّيْف؟ قال: لا، بل كان مثل الشمسِ والقمَرِ، وكان مُستديراا (1). 319- عن كعبِ بن مالكٍ قال: كان رسول ا ﷺ إذا سرَّه الأمرُ استنار وجهُه كأنه دارةُ القمَر (2). فإن قيل: فإن يُوسُفَ عليه السلام قاسَى مرارةَ الفُرقة وامتُحِن بالغربة عن أبويه وفارَقَ وطَنه. قيل: إن الذي قاسَى رسولُ الله ﷺ من مرارةِ الغُربة ومفارقة الأهل والعَشيرة والأحِبَّة والوطن أعظمُ ممَّا قاسى يوسفُ عليه السلام، فقد هاجرَ من حرَم الله وأَمْنه ومَسقَط رأسه وموطِن أنبيائه ورسُله مُضطَرًّا لا مختاراا، فاستَقبَل البيت مُتلهِّفاا مُستعبرِاا حزيناا فقال: «إِني لأََعْلَمُ أَنَّكِ أَحَب الْبِقَاعِ إِلىَ اللهِ (1) أخرجه مسلم1300.) (2) أخرجه البخاري3553)، ومسلم1739.)
عدد الصفحات ٣٤٧مختصر دلائل النبوة|347 تَعَالىَ، وَلَوْلَ أَني أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ »(1)، وخرجَ كئيباا والها ا فلما بلَغ الجُحفةَ أُنزلَ عليه: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [25]. وأَراهُ اللهُ تعالى رؤيا أزالَ بها الحزنَ عنه توازي رؤيا يوسُفَ عليه السلام التأويل حقَّق الله وقوعَها فقال: ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ الآية [17]، وكان حبسُ يوسفَ عليه السلام توقِّياا للمع صية فقال: ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ [33]، وحَبسُ رسولِ ا ﷺ في الشِّعبِ قطع منه عشيرته وأقاربه وأُلجِئ إلى الضيقِ الشديد، حتَّى كادَهُمُ اللهُ أبينَ كيدٍ فسلَّط أضعفَ خلقِه على صحيفةِ قريش التي عقَدوها في قطيعتِه، فأكَلَت عهودَهم. (1) أخرجه الترمذي3915)، وابن ماجه3012.)
عدد الصفحات ٣٤٨348 |مختصر دلائل النبوة (343) القولُ فيما أُ وتِ يَ يحيى بنُ زكريا عليهما السلام فإن قيل: فإن يَيى بنَ زكريا أوتيَِ الحُكْم صبيًّا، وكان يَبكِي من غير ذَنْب، وكان يُواصِل الصومَ، قيل: ما أُعطي محمدٌ ﷺ أفضلَ من هذا؛ لأن يَيى عليه السلام لم يَكُن في عصرِ الأوثان والأصنام والجاهلية، ومحمدٌ ﷺ كان في عصرِ أوثان وجاهِلي ة فأُوتيَ الفَهم والحُكْم صبيًّا بين عبدة الأوثان وحِزب الشيطان، فما رغِبَ لهم في صنَم قط ، ولا شهِدَ معهم عيداا ولم يُسمَع منه قط كذبٌ، وكانوا يعدَّونه صدوقاا أميناا حليماا رَؤوفاا رحيماا، وكان يواصِل الأسبوعَ صوماا فيَقول: «إِني أَظَل عِنْدَ رَ يُطْعِيُُنِي وَيَسْقِينِي »(1)، وكان ﷺ يَبكِي حتى يُسمع لصدره أزيزٌ كأزيزِ المِرجَل. فإن قيل: فإن الله قد أَثنى على يَيى فقال: ﭲ ﭳ ﴾ [39] والحَصورُ الذي لا يَأتي النِّساءَ قيل: إن يََيى عليه السلام كان نبيًّا ولم يَكُن مبعوثاا إلى قومِه وكان مُنف رِداا بمُراعاة شأنه، وكان محمد نبيًّا رسولاا إلى كافَّة الناس ليَقودهم ويَوشهم إلى الله تعالى قولاا وفعلاا، فأظهرَ الله تعالى به الأحوالَ العالية المختلفةَ والمقاماتِ المتفاوتةَ في مُتصرَّفاته؛ ليَقتديَ كل الخلق بأفعاله وأوصافِه، فاقتَدَى به الصِّدِّيقون في جلالتهم، والشهداءُ في مَراتِبهم، والصالحون في اختلافِ أحوالهِم ليَأخُذ العالي والداني والمتوسطُ والمكينُ من أفعاله قِسطاا وحقًّا، إذِ النِّكاحُ من أعظمِ حُظوظ النَّفْسِ وأبلغِ الشهواتِ، فأمَر بالنِّكاح وحثَّ عليه لما جبَلَ الله تعالى عليه النفوسَ (1) أخرجه البخاري0933)، ومسلم0010.)
عدد الصفحات ٣٤٩مختصر دلائل النبوة|349 من تَوَ قان النفس، وهيَجان الشهوةِ المطبوعة عليها النفسُ، وأَباح ذلك؛ ليَتَحصَّنوا به من السِّفاحِ، فشارَكوه ﷺ في ظاهِره وشمِلهم الاسمُ معه وانفرَد ﷺ عن مُساواته معهم فقال: «تَزَوَّجُوا فَإِني مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُْمَمِ »(1)، فإذا غلبَ عليه وعلى قلبِه ما أَفرَده الحق به من قوله: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فيِ الصَّلاَةِ »(2)، تَلطَّف ﷺ في مَرضاتهِن فقال لعائِشةَ :«ائْذَنيِ لِ أَتَعَبَّد فيِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ »، فقالت: إ لأحب قربَكَ وأحب هَواكَ. فقام إلى مُصلاَّه إلى الصباحِ راكعاا وساجداا وباكياا (3). وربما خرجَ إلى البقيعِ فتَعبَّد فيها زائراا لأهلها، وربما قام ليلةا بآية إلى الصباحِ يُردِّد فيها كالمناجِي: ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾ [002]، فكان نِسبتُه عن أحكام البشرَية ودواعي النفس ممَحوَّة عند انشِقاق صَدْره لمَّا حشَوْه بالإيمان والحكمة الَّذي وزن به أُمته فرجَح بهم، هذا مع ما أَنزلَ الله تعالى من السَّكينةِ عليه وعلى قلبِه ﷺ. (1) أخرجه ابن ماجه0203.) (2) أخرجه النسائي3939.) (3) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار0302)، وابن حبان311.)
عدد الصفحات ٣٥٠351 |مختصر دلائل النبوة (342) القولُ فيما أُ وتيَ عيسى ابنُ مريمَ عليهما السلام كل فَضيلةٍ أُوتيَ عيسى عليه السلام فلِنبِيِّنا محمدٍ ﷺ وِزانُِا، ولم يُنكِرها المُتدبِّرُ، مع ما أطلَعَه اللهُ تعالى عليه خصوصاا من ال غيوبِ التي لم يَطَّلِع عليها غيرُه من النبيِّين، والكائنات الَّتي لم يخُبرَ بها سواهُ من المرسلين، ما يَكون تَصديقاا لفضائِله، ودَليلاا واضِحاا على مَناقِبه، وحُجَّة لائِحة على كراماتِه. فإن قيل: فإن اللهَ تعالى خصَّ عيسى عليه السلام بسَنيِّ الأَحوال بما لم يُؤتِ غيره من الأنبياء والمرسَلين، وهو قوله تعالى: ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ الآيةَ [05]، وقوله ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [02] إلى قولِه ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ [ عمران51]، وقال ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ [070]، وقوله ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﴾ الآيةَ [001]، ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ الآيةَ [000]، وقوله ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾ الآيةَ [000]. فالقول فيه: إن قولَه ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﴾ [ عمران05] مثل قوله ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ [7] وقول النبي ﷺ: «إِني دَعْوَةُ أَبيِ إِبْرَاهِيمَ، وَبُشرَْى أَخِي عِيسَى عَلَيْ هِماَ السَّلاَمُ، وَرُؤْيَا أُم ي الَّتِي رَأَتْ »(1). (1) أخرجه أحمد12/ 379 (07051.)
عدد الصفحات ٣٥١مختصر دلائل النبوة|350 وأمَّا قولُه تعا ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﴾ [070]، فمعنى الكلِمة: قول الله تعالى: كُنْ. فكان من غير أبٍ، كما قال تعالى: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ [59] مَن حمَلَ الكلِمةَ على غير هذا فقَ دْ وافقَ النَّصارى في مَقالتِهم، فسمَّى عيسى الكلِمةَ لحُدوثه عند قولِه: ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ [59]، ومثل قولِه ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ [005]، ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾ [037]. وسمِّيَ عيسى عليه السلام رُوحَ الله؛ لنَفخ جبريلَ في دِرعِ مريمَ عليه السلام، ونُسِب الر وحُ إلى الله تعالى لأنه بأَمْره، وكان يَقول: ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [90]، يَعني: نفخة جِبريلَ عليه السلام كقوله تعا ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [07]، فلماَّ كان رَميُه عليه السلام بقوةِ الله تعالى وإرادته نسِب إليه كقوله: ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [33] بعد قولِه ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [35]، يَعنِي: اثبُتا الجَنِّة، فأزالهما الشيطانُ، فقابلَ الثباتَ بالزوال الَّذي هو خِلافُه، ونسَبه إلى الشيطانِ لتَزيينِه ووَسْوسته لهما. وسمِّيَ روحَ الله لأنه بكلِمته كان، وكلامُ الله تعالى يُسمَّى رُوحاا لأنه حياةٌ من الجهل وموت الكُفر، قال الله تعالى: ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾ [05]، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [51] ورحمةُ الله تعالى رُوحٌ؛ قال الله تعالى: ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [11] أي: برحمةٍ، وقال بعضُ المُفسرِّين: رُوحُ القُدس: الإنجيلُ، أيَّد الله تعالى به عيسى عليه السلام روحاا، كما جعل القرآن رُوحاا في قوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [51]،
عدد الصفحات ٣٥٢352 |مختصر دلائل النبوة فسُمِّيَ جِبريلُ روحَ القدس؛ لأنه لا يَقترِف ذنباا ولا يَرتكب مَأثماا، والروحُ النَّفخُ، سمِّي روحاا؛ لأنه ريحٌ يخرج عن الر وح. فأمَّا ذِكْره بالمَسيحية فذكره في قوله: ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ [05] فهو اس مٌ مشتركٌ كان داودُ عليه السلام يسمَّى مَسيحاا عند أهل الكِتابِ، وقد سمِّي الدجَّالُ الأعور المسيحُ لا على جهة الكَرامةِ ولكن عينه ممَسوحة، فقولُه تعالى: ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [070] إعلام المخاطَبين أنه عيسى غيرُه، وأنه رسولُ الله صاحبُ الآياتِ المُقتَصَّة ، دليلُ ذلك أنه لم يخُاطِبْه به وخاطَبَه باسمِه فقال: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ [001]، و ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾ [003]، و ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ [ عمران55]، وفي الإخبار عنه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﴾ [3]، وبمِثل ذلك خاطَبَ الأنبياءُ عليهم السلام فقال: يا آدمُ، ويا نو حُ، ويا إبراهيمُ، ويا موسى، ويا عِيسى. وقد ذُكرَ في معنى المسيح وجوهٌ، وقيل: سمِّيَ مسيحاا لسياحته. وقيل: مسيحٌ فعيلٌ من مسح الأرض؛ لأنه كان يَمسَحها بسَيرْه عليها. وقيل: سمِّيَ مسيحاا لخُروجه من بطن أُمِّه ممَسوحاا بالد هْن، وقيل: سُمِّيَ به لأنه كان أمس حَ الرِّجْل أسفَل قدَمه لم يَكُن له أخمص. وقيل: سُمِّي مَسيحاا لأن الله تعالى مسَحَ الذنوب عنه. وقيل: سُمِّيَ به لأن جبريلَ عليه السلام مسَحَه بالبرََكة، وهو قولُه تعالى: ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﴾ [30]. وقيل: سمِّي به لأنه لم يَمسَح ذا عاهةٍ إلاَّ بَرَأ.
عدد الصفحات ٣٥٣مختصر دلائل النبوة|353 فإن قيلفإن عيسى عليه السلام قد خصَّ بأن أرسل الر وح الأمين إلى أُمِّه فتمثَّل لها بشراا سويًّا، وقال: ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﴾ [09]، فحمَلَت به، فناداها جِبريلُ عليه السلام ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾ الآياتِ [10]، فأَشارت إليه فنطَق في المَهْد بإِذْن الله تعالى صب يًّا فقال: ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ الآياتِ [31]، فكانت آيةا للعالمين ومثلاا الآخِرين، ولم يُذكَر لأحد من الأنبياءِ شيء مثله. فالقولُ في ذلك: إن رسولَ الله ﷺ أُعطيَ ضروباا من هذه الآياتِ وأمثالهِا الدالة على مَولِدِه، وبُشرَِّت به أُم ه آمِنةُ في حمَلها به، وم ا أظهرَ الله تعالى لها من الآيات عند وَضْعها. وأما قولُه تعالى: ﴿ﯕ ﯖ ﴾ [10] فنبي نا محمدﷺ وصفَه الله تعالى بأعمِّ الرحمةِ وأكملِها فقال تعالى: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾ [017] فمَن صدَّقه وآمنَ به فاز برحمة الله في الدارين، ومن لم يصدِّقه أمِن في حياته مما عُوقب به المكذِّبون من الأممِ من الخسفِ والمسخ والقذفِ، وأنقذَ اللهُ ببعثتِه من الضلالة وانتَعشوا بالإيمان من الدمارِ وأمنوا به من البوارِ، قال الله تعالى: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﴾ [030] وقال﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [05]. فإن قلت فقد قال: ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ [02 - 09] الآيةَ، فقد أُوتيَِ محمدٌ ﷺ ما يجُانِسُ ذلك وأكثرَ منها وأفضلَ، قال اللهُ تعالى: ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾
عدد الصفحات ٣٥٤354 |مختصر دلائل النبوة [27]، وقال تعا ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ [00] وقال ﯖ ﯗ ﯘ ﴾ [00]، أي: القُرآن شرَف لك ولهَُم، وقال تعالى: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﴾ [12]، ويَقول للأنبياءِ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [0]، وقال ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ الآيةَ [00 - 01]، وقال ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴾ الآيةَ [22]، وقال ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ الآيةَ [01- 00]، وقال ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ إلى قوله تعالى: ﮠ﴾ [057]. فإن قلت: فإن عيسى عليه السلام كان يخَلُق من الطينِ كهيئة الطير فيكونُ طائراا بإِذْن الله. قُلنا: لرسولِ الله ﷺ نظيرُه، فإن عكَّاشةَ بنَ محِصَن انقطَع سيفُه يومَ بَدْر فدفَع رسولُ الله ﷺ جذلاا من حطَب وقال: «قَاتِلْ بهَِذَا »، فعاد في يَدِه سيفاا شديدَ المتنِ أبيضَ الحديدة طويلَ القامة، فقاتلَ به حتَّى فتحَ الله على المُسلِمين، ثُم لم يَزَل معه في المشاهد إلى أيام الرِّدَّة. فالمعنى الذي به أَمكَن رسولَ الله ﷺ أن يُصيرِّ الخشَبَ حديداا ويَبقى على الأيَّام، ثُم اس تِماع التسبيح والتقديس والتهليل من الحجَر الصمِّ في يَده، وشهادة الأحجار والأشجار له بالنبوَّة وأمره للأشجار بالاجتماع والالتِصاق والافترِاق، كل ذلك يجُانِس إحياء الموتى وطيرَان الطَّيرْ من الطينِ كهيئة الطير.
عدد الصفحات ٣٥٥مختصر دلائل النبوة|355 وإن قلت: فإن عيسَى عليه السلام كان يُبرِئ ا لأكمَهَ والأبرصَ والعُميانَ بإِذْن الله، فإن قَتادةَ بنَ الن عمانَ ندَرَت حَدَقته يوم أحُدٍ من طعنة أَصابَت عينَه، فأخَذَها رسولُ الله ﷺ بيدِه فردَّها، فكان لا يَدري أيَّ عينَيْه أُصيبت (1). 316- وعن البراءِ قال: بعث رسول اﷺ إلى أبي رافعٍ اليهوديِّ فندَب له سريَّةا أمَّر عليهم عبدَ الله بن عَتيكٍ، وذكر القِصَّة، قال عبدُ الله: فوقَعت في ليلة مقمِرة فانكَسرَت رِجلِّ فعصَبْتها بعِمامتي، فلماَّ انتَهَيْنا إلى النبيِّ ﷺ قال: «ابْسُطْ رِجْلَكَ »، فبَسَطْتُها فَمَسحها فكأنما لم أَشكُها قط (2). ولهذا الجنسِ نظائرُ ق د تقدَّم ذكرُها في أبوابها. فإن قلتَ: فإن عيسى عليه السلام كلَّم الموتى، فلقد كان لمحمدٍ ﷺ أعجبُ منه، قُدِّم إليه شاةٌ مسمومة مَصلِيَّةٌ فنادَته ذراعُها: لا تأكُلني؛ فإني مَسمومةٌ. وقد تقدَّم هذا الحديث في بابه. فإن قلت: كان عيسى ابنُ مريمَ عليه السلام يخُ برِ بالغيوب ويُنبِئ قومه بما يَأكُلون في بُيوتهم وما يدَّخرون، فإن رسولَ الله ﷺ قد كان يخُبرِ من ذلك بأعاجيبَ؛ لأن عيسى عليه السلام كان يخُبرِ بما كان من وراءِ جِدار في مَبيتهم وتَصر فهم في مَأكَلهم، ومحمد ﷺ يخُبرِ بما كان منه بمَسيرة شهر وأكثرَ، كإخباره بوفاة النجاشيِّ، ومنِ استُشهِد بمُؤتةَ: زيدٍ وجعفرٍ وعبدِ الله بنِ رواحةَ ، وكان السائلُ يأتيه ليَسأَله فيقول: «إِنْ شِئْتَ أَخْبرَْتُكَ عَماَّ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْهُ أَوْ تَسْأَلْ فَأُخْبرَِكَ »(3)، فيقول: لا بَلْ أَخبرِْني. فيُخبرِه بما كان في نفسه من سؤ اله إيَّاه، وأخبرَ (1) أخرجه أبو يع«مسنده»3/011 (0509)، والبيهقي«دلائل النبوة»3/011. (2) أخرجه عبد الرزاق«مصنفه» 5/017 (9707)، وأبو يعلى في مسنده1/110 (917.) (3) أخرجه عبد الرزاقفي «مصنفه» 5/00 (2231)، وابن حبان0227)، والطبراني في الكب01/015 (03533.)
عدد الصفحات ٣٥٦356 |مختصر دلائل النبوة عُميرَ بن وهبٍ الجُمحيَّ بما تواطَأ عليه هو وصفوانُ بنُ أُميةَ لمَّا قعَدا بمكةَ في الحِجر في الفتكِ برسول الله ﷺ بعد مصاب أهلِ بدر حتى أسلمَ عُميرٌ. ومنها إخبارُه عمَّه العباسَ بنَ عبد المطلب لمَّا أُسرِ ببدر وأَراد أن يُفاديَه فقال: ليس لي مال؟ فقال: «فَأَيْنَ المَْالُ الَّذِي أَوْدَعْتَهُ أُمَّ الْفَضْلِ لمََّا أَرَدْتَ الخُْرُوجَ وَعَهِدْتَ إِلَيْهَا فِيهِ؟ »(1)، ومِنها قصةُ سارةَ لما حمَلت بكِتاب حاطبِ بنِ أ بَلتعةَ إلى المُشرِكين من أهل مكةَ فبعَث عليًّا والز بيرَ في طلَبها فقال : «انْطَلِقَا حَتَّى تُدْرِهَاهَا بِرَوْضَةِ خَاخٍ مَعَهَا هِتَابٌ إِلىَ المُشرِْهِيَ »(2)، وقوله لعبدِ الله بن أُنيسٍ لمَّا بعثَه إلى الهُذليِّ بوادي عرنةَ فقال: «إِذَا رَأَيْتَهُ هِبْتَهُ »(3)، ومنها ما أَطلَعه اللهُ تعالى عليه مُنصرَفه من تبوكَ لما ضلَّ ت راحلتُه، فقال بعضُ المُنافِقين: ألاَ يَُدِّثه اللهُ تعالى بمكانِا. فأَطلعه اللهُ تعالى عليها وعلى ما في نفس المُنافِق، فأَسلمَ وفارقَ النِّفاق، ومنها ما أَخبرَ به رسوليَْ فيروزَ لما قدِما عليه المدينةَ من اليمنِ حين كتَب إلى كِسرى فقال لهما قولاَ له: «إِنَّ رَبي قَدْ قَتَلَ رَبَّكَ الْبَارِحَةَ »(4)، فكتَبا تلك الليلةَ فلماَّ رجَعا إ اليمَن أَتى فيروزَ الخبرُ أن شِيرويهَ بنَ كِسرى قتلَ أباه كسرى تلكَ الليلةَ في أشياءَ كثيرةٍ تقدَّمت بأَسانيدها في مواضِعها من هذا الكتابِ بما أَغنى عن إعادتها. ونَذكُر بعض ما خصَّه الله تعالى به من إعلامِه وإخبارِه بأشياءَ لم تَكُن فكوَّنَِا الله، وما وعَد أمته بوقوعها لإطلاعِ الله تعالى إيَّاه عليها، وإخباره عماَّ يجري بعدَه على أُمَّته مما هو من عجيب مُعجزاته ودَلالة كرامته ونباهتِه ﷺ دائماا أبَداا: (1) أخرجه أحمد5/330 (3301.) (2) أخرجه البخاري3117)، ومسلم1090.) (3) أخرجه أحمد15/001 (03107)، وابن شبة في تاريخ المدينة1/037، وابن حبان7031.) (4) أخرجه أحمد10/25 (11032)، وأصله في البخاري0015.)
عدد الصفحات ٣٥٧مختصر دلائل النبوة|357 فيُماَّ أَخبرَ بكونه ثُم هان قولُ الله تعالى: ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [037] فكفاه اللهُ تعالى ووفَّاه ما وعَده بنُصرة المؤمن وإبادة المُستهزِئين. ومنه قوله تعالى : ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾ [ عمران01]، فكان كما وعَدَه اللهُ غلِبوا فقُتِلوا ويَُشرَون إلى النار ومنه قوله: ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ [039] فكان ك وعَده اللهُ. ومنه قوله تعالى: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ [7] فهزَمَ اللهُ تعالى المُشرِكين. ومنه قولُه: ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ [01] فنصرََه وقوَّاه بلا مالٍ ولا عشيرةٍ، فبلَغ مُلك أُمته الشرق والغرب. ومنه قوله: ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ [59] فدخَلوا مكةَ آمِنين. ومنه قوله: ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﴾ [55]، فكان كما وعَدَهم، فهذا ممَِّا لا يجَوزُ في حسٍّ ولا ظنٍّ ولا يَقع بالاتِّفاق. ومنه قوله تعالى: ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾ [0 - 1]؛ فلِعِلمه بكونه ووقوعه حدَّد الوقت وخصَّصه ووقف عليه في بِضع سنين، والعرب مُصدِّقها ومُكذِّبها عرَفوا أن البِضعَ معلوم عند جمَيعهم وأكَّدَه بقوله: ﭑ ﭒﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [3].
عدد الصفحات ٣٥٨