301 |مختصر دلائل النبوة (85) ومن إخبارِه ﷺ بالغيوبِ عن ضمائرِ أق وامٍ 277- عن ابن عمرَ قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، كلماتٌ أسألك عنهن فعلِّمنيهن؟ قال: «إن شئت أخبرتُك عما جئت تسألُ، وإن شئتَ سألتني فأخبرتُك ». قال: لا، بل يا نبيَّ الله أخبرني عما جئتُ أسألك قال: «جئتَ تسألُني عن الحاج ما له حي يرُج من بيته؟ وما له حي يقفُ بعرَفات؟ وما له حي يرمي الجِمار؟ وما له حي يحلِقُ رأسه؟ وما له حي يقضي آخرَ طوافه بالبيت؟ » قال: يا نبي الله، والذي بعثَك بالحقِّ ما أخطأتَ مما كان في نفسِ شيئاا قال: «فإن له حي يرجُ من بيته: أن راحلتَه ل تخَطو خُطو ةً إل هُتبت له بها حسنةٌ، أو حُطَّت عنه بها خطيئةٌ، فإذا وقف بعرفاتٍ فإن الله تعالى يقولُ لليُلائكة: انظروا إلى عبادي شُعثًا غبرًا، اشهدوا أني قد غفرتُ لهم ذنوبهَم، وإن هانت عددَ قطرِ السماءِ، ورملِ عالِجٍ، وإذا رمى الجمارَ فإن أحدًا ل يَدري ما له حتى يتو فَّاه الله يوم القيامةِ وإذا حلق رأسهُ، فله بكل شعرةٍ سقطت من شعره نورٌ يوم القيامةِ، وإذا قضى آخر طوافِه خرج من ذنوبِه هيومِ ولدته أمه»(1). (1) أخرجه ابن حبان5/113 (0227)، والطبرا«الكب»01/015 (03533)، والبيهقي«دلائل النبوة»3/193.
عدد الصفحات ٣١١مختصر دلائل النبوة|300 (86) ذِكرُ إخبارِه ﷺ بأسرعِ نسائه لحوقًا به بعد مَوته 278- عن عائشةَ أم المؤمن قالت: قال النبي ﷺ: «أسِعُكن لحاقًا بي أطولُكن يدًا ». قالت: فكن يتطاوَلن أيتهنَّ أطولُ يداا، فكانت أطولُنا يداا زينب؛ لأنِا كانت تَعمَل بيدِها وتصدَّق (1). (1) أخرجهالبخاري (0011)، ومسلم1051.)
عدد الصفحات ٣١٢302 |مختصر دلائل النبوة (87) ذِكرُ إخبارِه ﷺ فاطمةَ عليها السلام أنها أوَّلُ من يَلحقُ به بعد موته 275- عن عائشةَ قالت: أقبلت فاطمةُ تمشي كأن مِشيتَها مشيةُ رسولِ الله ﷺ فقال: «مرحبًا بابنَتي». فأجلَسها على يَمينه، ثم أسرَّ إليها حديثاا فبَكت. فقلت لها: استخصَّك رسولُ الله ﷺ ثم تَبكين؟ ثم أسر إليها حديثاا فضحِكت. فقلت: ما رأيت كاليومِ فرحاا أقربَ من حزن، فسألتها عما قال. فقالت: ما كنت لأُفشي سرَّ رسولِ الله ﷺ، حتى قبضَ، فس ألتها فقالت: أسرَّ إلي قال: «إن جبريلَ عليه السلام هان يُعارِضني بالقرآنِ هل سنة مرةً، وإنه عارَضني العامَ مرتي، ول أُراهُ إل قد حَضََّ أجَل، وإنك أول أهل لحاقًا بي، ونعم السلفُ أنا لك». فبكيت لذلك، ثم قال «أل تَرضي أن تكوني سيدةَ نساءِ الأمةِ، أو نساءِ المؤمني؟» فضحِكتُ (1). قال الشيخُ -أسعده الله -: وجه الدلالةِ في إخبارِه ﷺ عن الغيوبِ على صحة نبوتِه وثبوتِ رسالته، أن مولدَهُ ومنشأهُ في قومٍ أمِّيين، لم يتَعاطَوا علماا بالنجومِ، ولا حكماا بالطوالعِ والكواكبِ حسب ما يَستنبطُ المنجمون، ولا عُرِفَ وهو يَطلبُ شيئا من ذلك في بلدِه وأسفارِه، وكانت الكهانةُ بطلت بمبعثِه ﷺ، فلم يكن إخبارُه ﷺ بالغيوبِ إلا بوحي يأتيه به جبريلُ عليه السلام عن الله تعالى، ولو كان (1) أخرجه البخاري3313)، ومسلم1051.)
عدد الصفحات ٣١٣مختصر دلائل النبوة|303 في قومِه وبلده المنجمون والمستنبطون فلم يخُالِطهم، ولا عُرِفَ بالأخذِ عنهم، وأخبر بما أخبرَ من الغي وبِ لكان ذلك دلالة على نبوتِه ومعجزة له، وإذا خفيَ ذلك على عشيرتِه وخلطائِه لمفارقة ذلك العادات، وليس بجائزٍ أن يكون إخبارُه مأخوذاا عن الشياطين مع ما جاءَ من سبِّهم ولعنِهم، فثبت بهذا أن الأخذَ فيما أخبرَ به من الغيوبِ عن الله تعالى. وأما ما اعترَضَ به بع ض الملحدةِ والكفرة فإنه لم يأت بآيةٍ قاطعةٍ محُتجاا بقوله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ) [59] مما أشبهَهُ من الآي، فكيف وقد وَردَ القرآن بقوله (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ) [0]، وقوله تعا(ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ) [9]، وقوله تعالى: (ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ...ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ) [03-10]، وقوله تعالى لليهودِ (ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ) [3-7]، وقوله (ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ) [55]، وقوله تعا(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ) [9]، وقوله تعا (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ) [097]، وقوله تعا (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ) [033]، وقوله تعا لى: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ) [0-3]، الآية وما في معناها من الآي وإنما مُنعوا الآي التي يَقترحونِا على النبيِّ ﷺ بأن تأتيهم الملائكة عياناا فيقولون: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ) [7] فأنزل ا تعالى: (ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) [2]، وقوله
عدد الصفحات ٣١٤304 |مختصر دلائل النبوة (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ) [7-2] وما في معناه فأنزل الله تعا (ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ) [50]. فكان النبي عليه السلام يُعرفهم إنما الآيات عندَ الله، ولا يُرسلها إلا ب يَعلمُ فيه من الصلاحِ، وأن شهوات الكفارِ والجهالِ لا نِايةَ لها، وفيما أنزلتُه من الكتابِ المنبئِ عن الغيوبِ كفايةٌ مع ما كان الله تعالى يُظهرُه عليه من الآيات سفراا وحضراا، واستفاضَت الأخبارُ به بنقلِ الأمناء العدولِ من جهات كثيرةٍ مختلفةٍ يستحيلُ فيها مع مُضِِِّ السنين وتَطاولِ المدة واختلافِ همم النقلةِ ودواعيهم التواطؤ عليها، وحَصلت بحمد الله تعالى الدلائلُ خاصًّا وعامًّا. والقرآن هو الحجةُ الباقيةُ بقاءَ الدهرِ التي عجزت العربُ مع فصاحتِهم وبلاغتِهم عن معارضتِه، فخاطروا بنفوسهم وأموالهم وأولادِهم لعجزِهم عن معارضتِه مع ما يَرجعون إليه من العقولِ الراجحةِ والأَنَفةِ الكاملةِ، فليس يخ لو تَركُهم معارضته من أحد أمرين، إما عجزاا عنها أو قدرة عليها، فإن كان عجزاا فهو ما نقولُه، وإن كانوا قادرين على معارضتِه فلم يُعارضوا لصرفٍ صرَفهم الله عنها فهو أيضاا معجزةٌ، كما لو أن مدعياا ادعى النبوةَ، فقال: إنكم لو أردتُم الكلامَ يومكم هذا لم يُمكِنُ كم، فلم يُمكِنهم الكلام، كان ذلك معجزةا له، وآية للصرفةِ التي صرفَهُم الله تعالى عن النطقِ والكلامِ، وقد كان أمره ﷺ في الانتفاءِ عن علم الغيبِ وتعرية من ادعائه ظاهراا منتشراا، وأنه لا يعلمُ منه إلا ما علمه الله تعالى وأنبأه.
عدد الصفحات ٣١٥مختصر دلائل النبوة|305 (88) فصل في ذِكرِ ما ظهرَ لأصحابِه ﷺ في حياتِه 281- عن يَيى بن جَعدة عن جدتِه قالت: جاءت أم مالكٍ الأنصارية بعُكَّة سمنٍ إلى رسولِ الله ﷺ، فأمر رسولُ الله ﷺ بلالاا فعَصرََها ثم دفعَها إليها فرَجعت فإذا هي مملوءة، فأتت النبي ﷺ فقالت: نزل فيَّ شيء يا رسولَ الله؟ قال: «وما ذاك يا أُمَّ مالك؟ » قالت: رددت علَِّّ هديتي، قال: فدعا بلالاا فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثَك بالحقِّ لقد عصرتهُا حتى استَحييتُ. فقال رسولُ الله ﷺ: «هنيئًا لك يا أمَّ مالك، هذه برهةٌ عجَّل الله لك ثوابهَا »(1). 281- عنِ البراءِ بنِ عازبٍ أن رجلاا كان يقرأُ سورةَ الكهفِ وإلى جانبِه فرسٌ مربوطٌ بشطنين فتَغشَّتْه سحابةٌ فجعلت تدورُ وتدنو، وجعلَ فرسُه ينفرُ منها، فلما أصبحَ ذكرَ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ »(2). 282- عن أنسٍ أن أُسَيْدَ بن حُضَيرٍْ وعبادَ بن بِشرٍ كانا عند رسولِ الله ﷺ في ليلةٍ ظلماءَ حندسٍ، فخرجا من عندِه فأَضاءَت عصا أحدُهما مثل السراجِ فمشَيا في ضوئِها حتى إذا تفرَّقا إلى منازلهِِما أضاءَتْ عصا الآخَر (3). (1) أخرجه ابن أبي شيبة03/029 (31009)، وابن أبي عاصم«الآحاد والمثا»3/077 (3015)، والطبراني في «الكب»15/005 (350)، وأصله«صحيح مسلم»1121.) (2) أخرجه البخاري0239)، ومسلم795.) (3) أخرجه البخاري3215.)
عدد الصفحات ٣١٦306 |مختصر دلائل النبوة 283- عن مُطرفِ بنِ عبدِ الله قال: قال لي عِمرانُ بنُ حُصَينْ: إنه كان يُسلَّم علَِّّ، فلماَّ اكتَوَيْت انقطعَ التسليمُ، فقلتُ له: أمِنْ قِبَل رأسِكَ كان يَأتيك التسليمُ أو من قِبَل رِجلَيْك؟ قال: لا، بل من قِبَل رأسِّ. فقلتُ: فإني لا أَرَى أن تمَوت حتَّى يعودَ ذلك. فلما كان بعدُ قال لي: أشعرت أن التسليمَ عاد لي، ثُم لم يَلبَثْ إلاَّ يسيراا حتى ماتَ (1). (1) أخرجه مسلم0113.)
عدد الصفحات ٣١٧مختصر دلائل النبوة|307 (89) فصل فيما وقعَ من الآيات بوفاتِه 284- عنعائشةَ قالت: لما أرادوا غسلَ رسولِ الله ﷺ اختلَفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنُجرِّدُ رسولَ الله من ثيابِه كما نجردُ موتانا أو نغسِّلُه وعليه ثيابُه؟ قالَت: فلما اختَلفوا ألقى الله تعالى عليهم النومَ حتى ما مِنهم رجلٌ إلا ذقنُه في صدرِه، ثم كلمَهم مكلِّمٌ من ناحي ةِ البيتِ لا يدرون من هو: أن اغسِلوا النبيَّ عليه السلام وعليه ثيابُه. قال: فقاموا إلى رسولِ الله ﷺ فغَسلوه وعليه قميصُه، يصب ون الماءَ فوقَ القميصِ ويدلِّكونَه والقميصُ دون أيديهم (1). 289- عن عائشة قالت: كان رسولُ ا ﷺ يقول: «ما من نبي إل تُقبضُ نفسُه فير ى الثوابَ، ثم تُرد إليه فيخيرَّ بي أن يُردَّ أو يَلحَق » فكنت قد حفِظتُ ذلك منه، وإني لمُسندتُه إلى صدري فنظرتُ إليه حتى مالت عُنُقه، فقلت: قد قَضَ! فعرفت الذي قال، فنظرتُ إليه حتى ارتفَعَ ونظرَ فقلت: إذن والله لا تخَتارُنا. فقال: «مع الرفيقِ الأع الجنة ﴿ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ [65]»(2). 286- عن أَوسِ بن أَوسٍ الثقفيِّ عنِ النبي ﷺ أنه قال: «مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الجُيُُعَةِ، فيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفيهِ قُبِضَ، وفيهِ النَّفْخةُ، وفيهِ الصَّعْقةُ فَأَهْثِروا (1) أخرجه أبو داود3000.) (2) أخرجه البخاري0037)، ومسلم1000)، وأحمد01/501 (10050)، واللفظ له
عدد الصفحات ٣١٨308 |مختصر دلائل النبوة علَّ الصلاةَ فيهِ، فإ نَّ صَلاتَكُمْ تُعرَضُ علََّ »، قالوا: يا رَسولَ اللهِ وكيفَ تُعرَض صلاتُنا عليك وقد أرِمْت؟! يَقولون: بَلِيتَ. فقال: «إِنَّ اللهَ تَعَالىَ حَرَّمَ عَلىَ الأَْرْضِ أَنْ تَأْهُلَ أَجْسادَ الأَْنْبِياءِ »(1). 287- عن أنس أن عمرَ خرج يَستسقي وخَرَجَ بالعباسِ معه يستسقي به ويقولُ: اللهم كنا إذا قَحِطنا على عهدِ نبيِّنا ﷺ توسَّلنا بنبينا، وإنا نتوسلُ إليك بعمِّ نبيك فاسقِنا، قال: فسُقوا »(2). 288- عن جابرِ بن سمرةَ قال: كنت قاعداا عند عمرَ بن الخطابِ إذ جاءه ناسٌ من أهلِ الكوفة فشَكَوا سعداا، فبعث من يسألُ عنه بالكوفةِ، فطِيف به في مساجدِ الكوفة فلم يُقَل له إلا خيراا، حتى انتهى إلى مَسجد بني عبس، فإذا رجلٌ يُدعى أبا سعدة فقال: اللهم إنه كان لا ينفِرُ في السريةِ، ولا يَقسِم بالسَّويةِ، ولا يَعدِل في القضيةِ، قال: فغضِبَ سعد فقال: اللهم إن كان كاذباا فأطِل عمرَه، وأَشِدَّ فقرَه، وأعرِض عليه الفِتنَ. (1) أخرجه أبو داود0107)، والنسائي0370)، وابن ماجه0125.) (2) أخرجه البخاري0101 .) قال الشيخ اب ن العثيمين: «النوع الرابع من التوسل : أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة من النبيﷺ أن يدعو الله لهم، مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال : ادع الله أن يغيثنا، وقول عكاشة بن محصن للنبي ﷺ : ادع الله أن يجعلني منهم . وهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له، فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب لم يطلبوا من النبيﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ، فقال له : قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا»، مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين 1/301.
عدد الصفحات ٣١٩مختصر دلائل النبوة|309 قال: فزعمَ عبدُ الملك بن عُمير أنه رآه قد سقطَ حاجباه على عينيه، وقد افتقرَ وافتُتِن، فما يجدُ شيئاا، يُسأل كيف أنت يا أبا سعدة؟ فيقول: شيخٌ كبير مَفتونٌ أجيبت فيَّ دعوةُ سعدٍ (1). قال الشيخُ -أسعده الله-: وكان سعدٌ مع ما أجرَى الله تعالى على يديه من معجزاتٍ، آيةا متصلةا بآيةِ النبيِّ ﷺ؛ لدعائِه ﷺ لسعدٍ بأن تُستجابَ دعوتُه. 285- عن جابرٍ قال: صرُِخ بنا إلى قتلى أحدٍ، وذاك إذا أجرى معاويةُ العين، فاستخرَجناهم بعد أربعينَ سنةٍ لينةٌ أجسادُهم (2). 251- عن جابرٍ قال: لمَّا حضرَ قتالُ أحُدٍ، دعاني أبي منَ الليلِ، فلماَّ أَصبَحْنا كان أولَ قتيلٍ، قال: فدَفَنْته مع آخَرَ في قبرٍ، ثُم لم تَطِبْ نفسِ أن أَترُكَه مع آخرَ في قبرٍ، فاستَخرَجْتُه بعد سِتَّةِ أشهرٍ، فإذا هو كيَوْمِ وضَعْتُه غيرَ هُنَيْئةٍ عند أُذُنِه (3). 251- عن أنس أن أبا طلحةَ خرج في غزوةٍ فركب في البحرِ فمات، فلم يجدوا له جزيرةا يدفِنوه فيها إلا بعدَ سبعةِ أيام فلم يتغيرَّْ، فدفَنوه فيها (4). 252- عن أنسٍ: أن ثابتَ بنَ قيسٍ جاء يومَ اليمامةِ وقد تحَنَّط ولبِسَ أكفانَه، فقال: اللهمَّ إني أبرأُ إليك ممَّا جاءَ به هؤلاءِ، وأَعتذرُ إليك ممَّا صنعَ هؤلاءِ. فقُتِلَ، وكانت له دِرعٌ فسرُِقت، فرآه رجُل فيما يَرى النائمُ فقال: إن دِرعي في قِدْرٍ (1) أخرجه البخاري755.) (2) أخرجه عبد الرزاق«مصنفه»3/507 (3353)، وابن أبي شيبة7/371 (33791.) (3) أخرجه البخاري0350.) (4) أخرجه أحمد«الزهد»0013)، وأبو يع«مسنده»3/032 (3003.)
عدد الصفحات ٣٢٠321 |مختصر دلائل النبوة تحت الكانونِ في مكانِ كذا وكذا. وأَوْصى بوصايا، فطلَبوا الدرعَ فوجَدوها وأَنفَذوا الوَصايا (1). قال الشيخُ -أسعدَه الله -: وقد ذكرنا ما حضرَ ذِكرُه من الأخبارِ في مقصدنا وغرضِنا لهذا الكتابِ على شرائطِنا المذكورةِ في صدره، ومن تأملَ فصولَه وما جرت عليه أحوالُ الرسول ﷺ من الآيات المقترنةِ بها زال الارتيابُ عنه في صحةِ دعوتهِ ﷺ، لاسيما من انتحلَ نبوةَ الأنبياءِ، إذ لا سبيلَ له إلى إثبات نِحلتِه إلا بالمنقول من الأخبار. وأما اعتراضُ اليهودِ والنصارى على نَقَلةِ آيات نبيِّنا ﷺ بنوعٍ من أنواعه، فذلك ممكن مثلُه في معارضتِه فيما يُذكر من معجزةِ موسى وعيسى عليهما السلام وما اد عي في شيء منه أنه احتيالٌ وتمويه؛ اد عي مثلُه في معجزتهِما كما ذَكر اليهودُ في أمر عيسى وإحيائِه ا لموتى وإبرائِه الأكمَه والأبرصَ، وذكر ماني وغيرِه في آيات موسى نحوها. ولا عُذرَ للنصارى في الطعنِ على شيء من دلائلِه ﷺ المرويةِ؛ لغيبتِهم عن المسيحِ ومشاهدتهِم لإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ، وإنما عُمدتهُم ما يذكرونه من نقلِ قومٍ -يرجع أصلُ خبره م إلى كاتبي الأناجيلِ الأربعةِ - يجوز عليهم الخطأ والغلطُ والتواطؤ والتحرضُ. (1) أخرجه أبو يع«مسنده»ك«المطالب العالية»03/510 (0121)، والطبرا«المعجم الكب» 1/71 (0311)، والحاكم3/135.
عدد الصفحات ٣٢١مختصر دلائل النبوة|320 ونَقلةُ أعلامِ نبينا ﷺ ودلائلِه قومٌ لا يََصرُهم العددُ لاستفاضَتِه في الأصل والفرعِ، فإن ادَّعوا الاستفاضةَ في أصول أخبارِهم كانوا غالطين مُكابرين؛ لأن دينَ المسيحِ عليه السلام ك ثُرَ المتدينون به بعدَه، لما انتَشرَ في الأقطارِ والأمصارِ من آمن به، ولم يكنْ له أصحابٌ وأتباعٌ يكثر عددُهم. والإسلامُ انتشر في حياة الرسولِ ﷺ ودخل الناسُ فيه أفواجاا كما ذكَر الله تعالى، وفتحَ ﷺ مكةَ ومعه عشرةُ آلافِ فارسٍ من المهاجرين والأنصارِ وغيرِهم من قبائل العربِ من المسلمين، ثم غزا حُنيناا في بضعةَ عَشر ألفاا كما ذكرَ الله تعالى: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [15] هذا مَن شهدَ معه الفتحَ والمغازي سوى المقيمين ببلاد اليمنِ والبوادي واليمامةِ وهجر، وكان معه فَ مخرجِه إلى تبوك زيادةٌ على عشرين ألفاا، ولا سبيلَ للنصارى أن يدَّعوا مثلَه ولا عُشرَ عشيره. والخبرُ إذا عدِم في أصل نقلِه شرطُ التواترِ فلا وجه لادعاءِ الاستفاضة في فرعه، وإن ادَّعوا موافقتِنا لهم في نبوة عيسى عليه السلام، عورِضوا بالانفصالِ من اليهود إذا تعلَّقوا باتفاقِكم معهم على نبوةِ موسى عليه السلا م مع تكذيبِهم إياهم في نبوةِ المسيح. فإن احتجَّ اليهودُ بهذا على النصارى وعلينا بتصديقِنا إياهم على نبوةِ عيسى عليه السلام عورِضوا بأن التصديقَ والتكذيبَ لا يتعلقُ بهما حقٌّ ولا باطلٌ، وإنما يصح الحق ويبطلُ بالبراهين، ونحن قد أقَمنا البرهانَ على صدقِ ن بوةِ المسيحِ ومحمد صلى الله عليهما بمثل ما أقاموا هم على صدقِ نبوة موسى عليه السلام لمَن أنكرَ نبوتَه، وإنما يضر نا خلافُهم لو أخلَينا دعوانا من البرهانِ، وقد أورَدنا أوفرَ مما
عدد الصفحات ٣٢٢322 |مختصر دلائل النبوة أوردوا من استفاضةِ الأخبارِ بنقل العالمَ الكثير المختلِفي الدواعي والهممِ والبلدان أن محمداا ﷺ قد أتى بآيات كثيرةٍ، كنبع الماءِ الكثير من بين أصابعِه فصدر عنه الخلقُ الكثير لطهورِهم وشربهِم وسقيِ ركائبهم، فعل هذا في مواضعَ كثيرةٍ سفراا وحضراا، وآخرُ ذلك في غزوة تبوكٍ وأهلُها يبلغون زيادةا على عشرين ألفاا. وهذا النوع أقوى مما يُذكر ع ن المسيح عليه السلام؛ لأنه مما لا يجَري فيه تمويهٌ ولا مُواضعةٌ، كما قد يكون ذلك في إحياء الموتى وإبراءِ الزَّمْنى، فكذلك تفجيرُ الماء من الحجرِ لقومِ موسى عليه السلام فهو من أقوى ما جَرى على يده، وما جرى من محمدٍ ﷺ مثلُه أقوى وأعجبُ من إخراج الماءِ وانفجا رِه من بين أصابعِه، ولا فرقَ بين هذا ولا بين انفجارِ الماء من الحجر بضربِ موسى إياه، وهل عرفوا هذا مِن موسى عليه السلام إلا بنقلِ الأخبارِ نحو ما وُجِد من ذلك فيما وُجِد من محمدٍ ﷺ؟! ونحن لم نشاهدْ موسى عليه السلام ولا آياتِه، وإنما نُقِلت أخبارُ آياتِه إل ينا كما نقِلت أخبارُ آيات نبيِّنا ﷺ إلينا، وهو أخبرَنا أن موسى عليه السلام هو الذي بشرََّ بمحمدٍ ﷺ في التوراةِ، وأعلَمه الله تعالى فيما كلَّمه به أنه كتب رحمتَه للذين يتَّقون ويتَّبعون النبيَّ الأميَّ الذي يأمرُهم بالمعروف وينهاهم عن المنكرِ، ويجده أهلُ ال توراةِ والإنجيلِ في كتبهم. فإن كان موسى الذي ادَّعوا إقرارَنا به هو الذي بشرَ بمحمدٍ فقد ثبتَت نبوةُ محمد ﷺ، وإن يكنْ غيرَ المبشرَّ به، فنحن لا نعرفُه فضلاا أن نؤمنَ به، فإن قالوا: إن أخبارَهم قد نقلَتها أهلُ الملل المختلفةِ فليست أخبارُكم كذلك! قيل: فهل ه و إلا أنتم والنصارى والمسلمون، وسائرُ الناس مكذِّبون لكم، فخبرِّونا عما حكيناه من آيات موسى هذه قبل أن تكونَ النصارى والمسلمون أما كانت صحيحة؟ ولو
عدد الصفحات ٣٢٣مختصر دلائل النبوة|323 أنكرَها أهلُ الشركِ والزنادقةِ والمعطلةِ بعد موتِ موسى عليه السلام بماذا يُدفع إنكارُهم وقولهُم، والآية حينئذٍ لا ينقلُها أهلُ المللِ المختلفةِ؟ وهل المرجعُ في إثبات آياتِ موسى عليه السلام إلا إلى نقل أوائلِكم وأسلافِكم؟! وفي هذا كلامٌ كثير وقد ذكرَه النظارُ من المسلمين في كتبِهم، وفيما ذكرنا من الرواياتِ بأسانيدِها عن النقلةِ كفايةٌ لمقصودنا وغرضِنا من هذا الكتاب، والله ولي التوفيق لمن استوفَقه، وهو المعينُ.
عدد الصفحات ٣٢٤324 |مختصر دلائل النبوة (94) فصل فيما جرى على أيدي الصحابة بعده 253- عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ قال: رأيتُ خالدَ بنَ الوليدِ أُتيَ بسَمٍّ فقال: ما هذا؟ قالوا: سَمٌّ. قال: بسْمِ الله. فازْدَرَدَهُ (1). 254- عنِ ابنِ عمرَ: أن عمرَ بعثَ جيشاا وأمَّرَ عليه م رجلاا يُدعَى ساريةَ، قال: فبينا عمرُ يخطبُ الناسَ يوماا فأَقبَلَ يَصيح وهو على المنبرِ: يا ساريَ الجبلَ، يا ساريَ الجبلَ. فقدمَ رسولُ الجيشِ فسألَه فقال: يا أميرَ المؤمنين لَقِينا عدوَّنا فهزَمونا، فإذا صائحٌ يَصيحُ: يا ساريَ الجبلَ. فأَسنَدْنا ظهورَنا إ لى الجبلِ فهزَمَهمُ اللهُ تعالى. فقيل لعمرَ: إنك كنتَ تَصيحُ بذلك (2). 259- عن قيسٍ قال: كان أبو الدرداءِ إذا كتبَ إلى سَلمانَ أو سلمانُ إلى أبي الدرداءِ كتبَ إليه بآيةِ الصَّحفةِ، قال: وكنَّا نَتحدثُ أنه بينما هما يَأكُلان من الصحفةِ، فسبَّحَت الصحفةُ وما فيه ا(3). (1) أخرجه أحمد«فضائل الصحابة»0072)، وأبو يع«مسنده»03/000 (7023)، والطبرا «الكب»0/015-013 (3212-3219.) (2) أخرجهأحمد في «فضائل الصحابة»355)، والآجري«في الشريعة»0/0222، واللالكائي«أصول اعتقاد أهل السنة»7/0019 (1537)، والبيهقي«الاعتقاد»(ص300.) (3) أخرجه ابن أبي الدنيا«هواتف الجنان»033)، وأبو علِّ الصواف«فوائده»03.)
عدد الصفحات ٣٢٥مختصر دلائل النبوة|325 (93) فصلفي ذِ كْر مُ وازاةِ الأنبياءِ عليهم السلام في فضائِ لِهم بفضائلِ نبيِّ نا ﷺ، ومُ قابلةِ ما أُ وتوا منَ الآياتِ بما أُ وتيَ ، إذ أُ وتيَ ما أُ وتوا وشبهَ ه ونَ ظيرَ ه فكان أولَ الرسل نوحٌ عليه السلام وآيتُه التي أوتيَ وشفاءُ غيظِه، وإجابةُ دعوتِه في تَعجيلِ نِ قمة الله لمُكذِّبيه حتى هلَكَ مَن على بسيطِ الأرض من صامِتٍ وناطقٍ إلاَّ مَن آمَن به ودخَل معه سفينتَه مُؤمناا، ولعَمري إنِا آيةٌ جليلةٌ وافقَتْ سابقَ قدَرِ الله تعالى، ونافذَ عِلمِه في إهلاكهم، فكذلك نبي نا ﷺ لمَّا كذَّبه قومُه وبالَغوا في أَذيَّته والاستهانةِ بمَنزلتِه منَ الله تعالى وعبادتِه، حتى أَلقَى الشقي عقبةُ بن أبي مُعَيْطٍ سَلى جَزورٍ على ظهرِه ساجداا، فدعا وقال: اللهمَّ عليك الملأَ من قريشٍ. 256- عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: بينما رسولُ ا ﷺ يُصلِِّّ عند الكعبةِ وجمَعُ قريشٍ يَنظُرون فقال قائلٌ منهم: ألاَ تَرَوْن إلى هذا المَرائي أي كم يَقوم إلى جَزورِ آل فلانٍ فيَعمدُ إلى فرثِها ودمِها وسلاها حتى إذا سجدَ وضعَه بين كتِفَيْه؟ فانطلقَ أَشقاهُم فجاءَ به حتَّى إذا سجدَ رسولُ الله ﷺ وضعَه بين كتِفَيْه وثبتَ رسولُ اللهِ ﷺ ساجداا، وضحِكوا حتَّى مال بعضُهم على بعضٍ منَ الضحِكِ، فانطلَقَ مُنطلِقٌ إلى فاطمةَ وهي جُوَيْريةٌ فأقبَلَت تَسعَى، وثبتَ النبي ﷺ ساجداا حتى نَحَّتْه عنه، وأقبَلَت عليهم تَسب هم، فلماَّ قضَ النبي ﷺ صلاتَه استقبلَ الكَعبةَ وقال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ »، ثُم سماَّهم ف قال: «اللهُم عَلَيْكَ بِعَيُرِو بنِ هِشامٍ، وشَيْبةَ، وعُتبةَ، والوَليدِ بنِ عُتبةَ، وأُميَّةَ بنِ خلَفٍ، وعُقبةَ بنِ أبي مُعيطٍ، وعمارةَ بنِ الوَليدِ ».
عدد الصفحات ٣٢٦