262 |مختصر دلائل النبوة فقال لنا رسولُ الله ﷺ: «إن ال ناسَ قد أصابَتهُم مخَيُصةٌ فكلوا وأطعِيُوا » فلم نزل يومنا نأكلُ ونُطعم (1). 156- عن سهلِ بن سعدٍ قال: كنا مع رسولِ ا ﷺ في الخندقِ، فأخذ الكِرزِين (2) فحَفَرَ به، فصادفَ حجَراا، فضحك فقيل: لم ضَحِكتَ يا رسولَ الله؟ قال: «ضحكتُ من ناس يُؤتى بهم من قِبَلِ المشرق الكُبولِ (3)، يُساقون إلى الجنةِ، وهم هارِهون »(4). فأخﷺ بانتشارِ المسلمين، وظهورِهم حتى يَسبُون سبايا الأممِ من البالِغين وغيرِهم مُقَيَّدين، مُساقينَ إلى بلادِ الإسلامِ، فيسترقون فيُسلمون. 157- عن سليمانَ بن صرُدٍ قال: قال رسول ا ﷺ يومَ الأحزابِ: «الآن نَ غزوهم ول يغزونا»(5). فحقَّق الله تعالى خبرَه فغزا ولم يُغز بعدَه 158- عن حُذيفةَ بن اليمانِ قال: كنا في المسجدِ فقال فتاى من القومِ: لو أدركتُ النبيَّ عليه السلام لخدمتُه، ولفعلتُ وفعلت، فقال حذيفة: لقد رأيتُني ليلةَ الأحزابِ، ونحن مع رسولِ الله ﷺ فكان رسولُ الله ﷺ قائماا يصلِّ في ليلة باردةٍ لم أرَ كذلك البردِ قبلَه ولا بعدَه برداا أشدَّ منه، فحانَت منه التفاتةٌ، فقال: «أل رجلٌ يذهبُ إلى هؤلء فيأتيني بخبرِهم فأُدخِله مُدخل يوم القيامةِ؟ » فما قامَ منا شبحٌ -يعني: إنساناا- فأَسكَتوا، ثم عاد فأَسكَتوا. (1) أخرجه البخاري0010)، ومسلم1139.) (2) (الكِرْزِين) الكِرْزِن: الفأس (3) (الكبول) جمع الكَبل: وهو القيد (4) أخرجه أحمد33/539 (11113.) (9) أخرجه البخاري0019.)
عدد الصفحات ٢٦٣مختصر دلائل النبوة|263 فقال«يا حذيفةُ». قلت: لبيك، فقمتُ حتى أتيته، وإن جنبيَّ ليضطَرِبان من البردِ، فمسحَ رأسِّ ووجهي، ثم قال: «اذهبْ إلى هؤلء فائتِنا بخبرِهم، ول تحُْدِثَن حَدثًا حتى ترجعَ »، ثم قال«اللهم احفظْه من بي يديهِ، ومن خلفِه، وعن ييُينِه، وعن شِمالِه، ومن فوقِه، ومن تحتِه حتى يرجعَ ». قال: فلأن يكونَ أرسَلَها أحب إليَّ من الدنيا وما فيها قال: فأخذتُ سيفي وقَوسِّ، ثم شَدَدتُ علَِّّ أحلاسِّ، ثم انطلقتُ أمشي نحوهم كأني أمشي في حمَّامٍ (1)، فوجدتهم قد أُرسِلَت عليهمُ الريحُ فقطعت أطنابهَم، وقطعت أبنيَتَهم، فلم تدعْ لهم شيئاا إلا أهلكته. قال: وأبو سفيانُ يَصطَلِّ (2) قاعداا عند نارٍ له، فصرت إليه فأخذتُ سهماا من كِنانتي فوضعتُه في كَبِد قوسِّ (3) -قال: وكان حذيفةُ رامياا - فذكرتُ قولَ رسولِ الله ﷺ: «ل تحُدِثَنَّ حدثًا حتى ترجعَ » فرددتُ سهمي في كنانتي، فقال رجلٌ من القومِ: ألا إن في كم عيناا للقومِ، ليأخذ كل رجلٍ بيد جَليسه فأخذتُ بيد جليسِ فقلت: مَن أنت؟ فقال: سبحان الله! أما تعرِفُني؟ أنا فلان. فإذا رجلٌ من هوازنَ فرجعتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرتُه الخبرَ، وكأني أمشي في حمام! (1) (الحماَّم) مشتق من الحميم، وهو الماء الحار (2) (يَصْطَلِّ) أي: يستدفئ. (3) (كبدَ قوسِِّ) هو مقبضها وكبد كل شيء وسطه
عدد الصفحات ٢٦٤264 |مختصر دلائل النبوة فلما أخبرتُه ضِحك حتى بدت ثناياه في سَوادِ الليل، وذهب عني الدفاء، فأدناني رسولُ الله ﷺ فأنامني عند رجليهِ وألقى علَِّّ طرفَ ثوبه، فإن كنت لألزقُ صدري بطرَف قدمَيَّ، فلما أصبحوا هَزَمَ الله الأحزابَ (1). قال الشيخُ -أسعده الله -: وفي إرسالِ الله الريحِ عليهم المسقطةِ لفساطيطهم وخيمِهم فعجزوا عن إمساكِ خيمِهم وخيولهِم ، فصرفَهم الله مغتاظِينَ موتورِينَ منهزمِينَ، فكانت الريحُ عذاباا عليهم، ونصرةا لرسول ا ﷺ، قال ﷺ: نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدبورِ (2). 155- عنعائشةَ : أن النبيَّ ﷺ لما فرغَ من الأحزابِ دخل المُغتسلَ ليَغتسلَ، فجاءه جبريلُ فقال: يا محمدُ، قد وَضعتُم سلا حَكم، وما وَضعنا أسلحتَنا بعدُ، انَِد -أو انَِض- إلى بني قُريظةَ. فقالَت عائشةُ: يا رسولَ الله، لقد رأيتُ رأسَه من البابِ، وقد عصبه الغبارُ (3). 211- عنسعيدِ بن المسيبِ قال: كانت قريظةُ قد مكرَت برسولِ الله ﷺ، وكاتَبت مُشرِكي قريشٍ، وعيينةَ بن حصن وأبا سفيانَ بنَ حرب يومَ الأحزابِ: أن اثبُتوا فإنا سنُخالفُ المسلمينَ إلى بيضَتِهم. فلما هزمَ الله الأحزابَ ندبَ النبي ﷺ أصحابَه فطَلبوهم إلى حمراءِ الأسدِ، ثم رَجعوا، فوضعَ النبي ﷺ لأَْمَتَه واغتسلَ واستَجمرَ، فناداه جبريلُ: عذيرُك من محُاربٍ، ألا أراك قد وَضعتَ لأَْمَتكَ، ولم نَضعها نحن. فقام النبي ﷺ فزِعاا، فقال النبي ﷺ لأصحابِه: «عَزمتُ (1) أخرجه مسلم0722 .) (2) الصَّبَا: ريح تهب من مطلع الشمس، والدبور عكسها (3) أخرجه البخاري1203،0011)، ومسلم0739.)
عدد الصفحات ٢٦٥مختصر دلائل النبوة|265 عليكم ل تُصلوا العصَِ حتى تأتوا بني قُريظةَ » وخرجَ النبي عليه السلام فمر بمجالسَ بينه وبين بني قريظةَ، فقال: «هل مرَّ بكم مِن أحدٍ؟ » فقالوا: نعم، مر علينا دحيةُ الكلب ي على بغلةٍ شَهباءَ تحتَه قطيفَةٌ من ديباجٍ. فقال النبي عليه السلام: «ليسَ ذاك دحيةُ الكلبي، ولكن جبريلُ عليه السلام أُرسِلَ إلى بني قُريظةَ ليُزلزِلَ حُصونهَم، ويقذفَ في قلوبهِم الرعبَ » فحاصرَهم أصحابُ النبيِّ عليه السلام فل انتَهى إليهم النبي عليه السلام أمرَ أصحابَه أنْ يسترُوه بحجفِهم لِيَقوه الحجارةَ حتى يُسمعَهم كلامَه، ففعَلوا، فناداهم: «يا إخوةَ القِردةِ والخنازيرِ » فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما كنتَ فحاشاا. فدَعاهم إلى الإسلامِ، وقاتلَهم رسولُ الله عليه السلام، ومن معه من المسلمينَ حتى نَزلوا على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فحَكمَ فيهم أن تُقَتَّلَ مُقاتلتُهم، وتُقسَّم أموالهُم، وتُسبى ذَراريهم، وقال النبي ﷺ: «أصابَ الحُكمَ »(1). (1) أخرجه عبد الرزاق«مصنفه»5/337 (9737.)
عدد الصفحات ٢٦٦266 |مختصر دلائل النبوة (57) ذِكر غزوةِ الر جيعِ 211- عن أبي هريرةَ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ سريةا عَيناا، وأمَّر عليهم عاصمُ بنُ ثابت، وهو جد عاصمِ بن عمر فانطَلقوا حتى كانوا ببعضِ الطريقِ بين عسفانَ ومكةَ نُزولاا ذُكِروا لحيٍّ من هذيلٍ يُقال لهم: بنو لحيانَ، فتبِعوهم بقريبٍ من مائةِ رجلٍ رامٍ، فاقتَصوا آثارَهم حتى نزَلوا مَنزلاا نزَلوه، فوَجدوا فيه نوى تمرٍ تَزوَّدوه من تمرِ المَدينةِ، فقالوا: هذا من تمَرِ يثربَ، فاتَّبعوا آثارَهم حتى لحَِقوهم، فلما آنسَهم عاصمُ بنُ ثابت وأصحابُه لجأوا إلى فَدفَدٍ، وجاء القومُ، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العَهدُ والميثاقُ، وإن نزلتُم إلينا لا نقتلُ منكم رجلاا. فقال عاصمٌ: أما أنا فلا أنزلُ في ذمةِ كافرٍ، اللهمَّ أخبرِ عنا رسولَ ك. قال: فقاتَلوهم، فرمَوهم حتى قَتلوا عاصماا في سبعةِ نفرٍ، وبقي خُبيبُ بنُ عدي وزيدُ بن دثنَّةٍ، ورجلٌ آخرُ، فأعطَوهم العهدَ والميثاقَ إن نزلوا إليهم؛ فنَزلوا إليهم، فلما استَمكَنوا منهم خلَعوا أوتارَ قسيِّهم فربَطوهم بها، فقال الرجلُ الثالثُ الذي معهما: هذا أول الغدرِ، فأبى أن يصحبَهم، فجر وه فأبى أن يتبعَهم، فضرَبوا عنقَه، وانطلَقوا بخبيبِ بنِ عدي، وزيدِ بن دثِنَّة حتى باعوهما بمكةَ، فاشترَى خُبيباا بنو الحارثِ ابن عمرو بنِ نوفل، وكان قَتلَ الحارثَ يومَ بدرٍ، فمكثَ عندهم أسيراا حتى إذا أجمَعوا على قتلِ ه استعارَ موسى من إحدى بناتِ الحارثِ ليستَحِدَّ بها فأعارَته. قالَت: فغَفلتُ عن صبيٍّ لي، فدرجَ إليه حتى أتاه. قالَت: فأخذَه فوضَعه على فخذِه، فلما رأيتُه فزِعتُ فَزعاا شديداا عرَفه فيَّ والموسى في يدِه، فقال: أتخَشين أن أقتلَه؟! ما كنتُ لأفعلَ إن شاءَ الله . قال: فكانَت تقولُ: ما رأيتُ أسيراا خيراا من خُبيبٍ، لقد رأيتُه يأكلُ قِطفاا من عِنبٍ، وما بمَكةَ يومئذٍ ثمرةٌ، وإنه لموثقٌ
عدد الصفحات ٢٦٧مختصر دلائل النبوة|267 في الحَديدِ، وما كان إلا رزقاا رزقه الله إياه. ثم خَرجوا به من الحرمِ ليَقتلوه، فقال دَعوني أصَلِّ ركعَتين. فصلى ركعَتين، ثم قال: لولا أنْ تَروا أن ما بي جزعٌ من الموتِ لزدتُ، فكان أولَ مَن سنَّ الرَّكعتين عند القتلِ، ثم قال: اللهمَّ أحصِهم عدداا، ثم قال: ولســتُ أبــالي حــينَ أُ قتَــل مســلماا ** على أيِّ شقٍّ كان في الله مَصـرَعي وذلــك في ذاتِ الإلــه وإنْ يشَــأ ** يُبــارِك عــلى أوصــالِ شِــلوٍ ممــزَّعِ ثم قام عقبةُ بنُ الحارثِ فقتَله، وبعثَت قريشٌ إلى عاصمٍ ليُؤتَوا بشيءٍ من جسدِه يعرِفونَه، وكان قَتلَ عظيماا من عُظمائِهم يومَ بدرٍ، فبعَث الله عليه مثلَ الظ لةِ من الدَّبرِ فحمَته من رسلِهم، فلم يَقدروا على شيءٍ منه (1). قال الشيخُ -أسعدَه الله -: وفي قصةِ عاصمٍ وخبيبٍ غيرُ دلالةٍ، منها: حمايةُ الدبرِ عاصماا، حتى لم يَقدروا على قطعِ رأسِه، أو شيءٍ من جسدِه، فأكرَمه الله بإجابةِ دعوَته حين قال: اللهمَّ إني أحمي لك دينَك فاحمِ لي لحَمي، وكان قد عاهَد اللهَ أن لا يمسَّ مشرِكاا ولا يمسَّه مشركٌ أبداا فوفَ الله له، فمنَعه منهم كما امتنَع منهم في حياتِه، وهي آيةٌ شريفةٌ، ودلالةٌ قويةٌ. وما أكرمَ الله به خُبيباا من إطعامِه القِطفَ من العنبِ في زمان وحينٍ لا يُوجد منه بمكةَ حبةٌ ولا ثمرةٌ، فهذه المكرُمةُ شبيهةٌ بما قصَّ الله من شأن مريمَ عليها السلام ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﴾ [37] وإبلاغُ سلامِه رسولَه عليه السلام، فهما دلالَتان واضِحتان، ومثلُهما جائزٌ في إبَّان النبوةِ، وبهما كانَت الأنصارُ تفتخرُ، فسمَّت عاصماا حميَّ الدبرِ. (1) أخرجه البخاري3105).
عدد الصفحات ٢٦٨268 |مختصر دلائل النبوة (58) ذكر سريتهﷺ التي بعثها إلى بشير بن رزام اليهودي 212- عن عُروةَ بن الزبير قال: بع ث رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بن عَتيك في ثلاثين راكباا، فيهم عبد الله بن أُنيس إلى مستنير بن رِزامٍ اليهودي حتى أتوه بخيبرَ، وبلغَ رسولَ الله ﷺ أنه يجمعُ غطَفان؛ ليغزو بهم رسولَ الله ﷺ، فأتوه فقالوا: إنا أرسَلَنا إليك رسولُ الله ﷺ ليستَعمِلَك على خيبرَ، فلم يز الوا به يخَدَعونه حتى أقبلَ معهم في ثلاثين راكباا، مع كل رجل منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بَلغوا قَرقرةَ -وهي من خيبرَ على ستةِ أميالٍ - ندِم المستنيرُ بن رزامٍ اليهودي، فأهوى بيده إلى السيفِ لسيفِ عبدِ الله بن أنيسٍ ففطِن له عبدُ الله بن أنيسٍ فزجَرَ راحلتَ ه. واقتَحَم عبدُ الله بن أُنيس حتى استمكَن من المستنيرِ بن رزام، فضربَ عبدُ الله بن أنيس رجلَه فقَطَعَها واقتحم، والمستنير بن رزام في يده مخِْرشٌ (1) من شَوْحَط (2)، فضرب عبدَ الله بن أنيس فشجَّه مأمومةا، وانكفَأَ كل رجل من المسلمين إلى رديفِه فقتلهُ، غير ر جل من اليهودِ أعجزَهم شدًّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحدٌ، وقدموا على رسولِ الله ﷺ، فبصقَ في شجةِ عبدِ الله فلم تقحُ ولم تُؤذه(3). (1) (مخِْرَش) المِخْرَش: عصا معوجة الرأس كالصولجان (2) (شَوْحَط): ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسِ، والواو زائدة (3) أخرجه الطبرا«الكب»03/035 (330)، والبيهقي«دلائل النبوة»0/190.
عدد الصفحات ٢٦٩مختصر دلائل النبوة|269 (59) قصةُ عبدِ الله بنِ أُنَيسٍ مع سفيانَ بن خالدٍ الهذليِّ، وقيلَ: ابنُ سفيانَ، وقيلَ: سفيانُ بنُ عبدِ الله 213- عنعبدِ الله بن أنَي سٍ قال: دَعاني رسولُ الله ﷺ، فقال: «إنَّه قد بلغَني أنَّ ابنَ سفيانَ بن نُبيحٍ الهُذل جمعَ ل الناسَ يغزوني، وهو بنخلةَ أو بعُرنةَ، فائتِه فاقتُله». قال: قلتُ: يا رسولَ الله، انعَته لي حتى أعرفَه قال: «إذا رأيتَه أذْهَرَك الشيطانَ، آيةُ ما بينكَ وبينَه أنك إذا رأيتَه وجدتَ له قُشعريرةً ». قال: فخَرجتُ مُتوَشحاا سَيفي، حتى دفعتُ إليه وهو في ظَعنٍ يرتادُ له مَنزلاا، وحين كان وقتُ العصرِ، فلما رأيتُه وجدتُ ما وصف لي رسولُ الله ﷺ من القُشعريرةِ فأقبلتُ نحوه، وخشيتُ أن تكونَ بيني وبينَه مجادلةٌ تشغلُني عن الصلاةِ، فصليتُ وأنا أمشي نحوه أومئُ برَأسِّ، فلما انتهيتُ إليه قال: من الرجلُ؟ قلتُ: رجلٌ من العربِ سمعَ بك وبجمعِك لهذا الرجلِ، فجاءَك لذلك. قال: أجل، أنا من ذلك. قال: فمَشيتُ معه شَيئاا حتى إذا أمكنَني جعلتُ عليه السيفَ حتى قتلتُه، ثم خرجتُ وتركتُ ظعائنَ ه مكباتٍ عليه. فلما قدمتُ على رسولِ الله ﷺ فرآني قال: «أفلحَ الوجهُ » قلتُ: قتلتُه يا رسولَ ا
عدد الصفحات ٢٧٠271 |مختصر دلائل النبوة قال: «صدقتُ» قال: ثم قامَ معي رسولُ ا ﷺ، فدخلَ بيتَه وأعطاني عصاا، فقال: «أمسِك هذه العصا عندك يا عبدَ الله بنَ أنَيسٍ ». قال: فخرجتُ بها على الناسِ، فقا لوا: ما هذه العصا؟ قلتُ: أعطانيها رسولُ الله ﷺ، وأمرَني أن أمسكَها. قالوا: أفلا ترجعُ إلى رسولِ الله ﷺ فتسألُه لمَ ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسولِ الله ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ الله، لم أعطيتَني هذه العصا؟ قال: «آيةٌ بيني وبينك يومَ القيامةِ، إنَّ أقل الناسِ المتَ خَصِ ون يومئذٍ ». قال: فقرنَِا عبدُ الله بسيفِه، فلم تزلْ معه حتى إذا مات أمرَ بها فضُمَّت معه في كفنِه، ثم دُفِنا جميعاا(1). (1) أخرجه أحمد15/001 (03107.)
عدد الصفحات ٢٧١مختصر دلائل النبوة|270 (64) ومما جرى بالحُديبيةِ مما يدخل في هذا الباب 214- عن المِسورِ بن مخَرمةَ قال: خَرَجَ النبي ﷺ زمن الحُديبيةِ، وسارَ حتى إذا كان بالثنيَّ ةِ التي يهبط عليهم منها بَرَكَت به راحلته، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ (1) فألحَّت(2). فقالوا: خَلأَتِ (3) القَصواءُ، خلأت القصواءُ، فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القَصواءُ، وما ذاك لها بخُلقٍ، ولكن حبَسها حابسُ الفيلِ ». ثم قال «والذي نفسي بيدِه، ل يسألوني خُطَّةً (4) يعظ يُون بها حرمةَ ا إل أعطَيتُهم إياها». ثم زُجرت فوثَبَت، فعدل عنهم حتى نزلَ بأقصى الحديبيةِ، على ماء ثَمَدٍ قليلِ الماءِ، إنما يتبرَّضه الناس تبر ضاا، ولم يلبث الناسُ أن نزحوه، فشكوا إلى رسولِ الله ﷺ العطشَ، فنزعَ سهما من كِنانتِه، ثم أمرهم أ ن يجعلوه في الدلوِ، فوالله ما زالَ يجَيشُ لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه (5). 219- عن البراءِ بن عازبٍ قال: نزلنا يومَ الحديبيةِ فوجدنا ماءَها قد شربهَا أوائلُ الناسِ، فجلسَ النبي ﷺ على البئرِ، ثم دعا بدلو منها فأخذَ منه بفيهِ، ثم مجَّه فيها ودعا الله فكثُر ماؤها حتى رَوِي الناس (6). (1) (فقال الناس: حَلْ حَلْ كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. (2) (فألحَّت) أي: تمادت على عدم القيام، وهو من الإلحاح (3) (خَلأَت) أي: وقفت لا تتحرك وإن ضربت (4) (خُطَّة) أي: خصلة (9) أخرجه البخاري1730.) (6) أخرجه البخاري0051)، وابن أبي شيبة03/031 (31323) واللفظ له
عدد الصفحات ٢٧٢272 |مختصر دلائل النبوة 216- عن سلمةَ بنِ الأكوعِ قال: غَزَونا مع رسولِ ا ﷺ هوازِنَ، فأصابنا جَهدٌ شديدٌ حتى همََمنا بنحرِ ظَهرِنا، فقال نبي الله ﷺ: «اجمَعوا بعضَ أزوادِهم». فأمرَ نبي ا ﷺ بنِطعٍ فمُدَّ، فجاء القومُ بتمرٍ فنبذوه، فتطاولتُ له أحزرُه، فإذا هو كرَبضةِ الشاةِ، فحشونا جُرُبنا منه، ودعا بنطفةٍ من ماء في إداوةٍ، فصُبَّت في قدحٍ، فجعلنا نتطهَّرُ به حتى تطهَّرنا جميعا (1). 217- عن أبي سعيدٍ الخدري قال: خرَجنا مع رسولِ ا ﷺ عامَ الحديبيةِ حتى إذا كنا بعسفانَ قال رسولُ الله ﷺ: «أيكم يعرفُ طريقَ ذاتِ الحنظلِ؟ فإن عيونَ قريشٍ على ضَجنان ومر الظهرانِ، فأيكم يعرفُ طريقَ ذاتِ الحنظلِ؟ » فأخَذنا حين أمسَينا على جبالٍ يقالُ لها: سراوع، فقالَ رسولُ ا ﷺ: «أل رجلٌ يسعى أمام الرَّهبِ؟ » فنزل رجلٌ فجعل تَنكبُه الحجارةُ، ويتعلقُ به الشجرُ، فقال رسولُ الله ﷺ: «ارهَب» فركبَ، ثم قال «أل رجلٌ يسعى أمام الرَّهبِ؟ » فنزل رجلٌ آخر تَنكبُه الحجارةُ، ويتعلقُ به الشجرُ، فقال رسولُ ا ﷺ: «ارهَب» فركبَ، ثم قال لنا رسولُ ا ﷺ: «خذوا هاهنا» فأشارَ إلى ناحيةٍ، فأصابنا الطريقُ، فسرِنا حتى أقبَلنا في آخر الليلِ على عقبةِ ذاتِ الحنظلِ، فقال رسولُ الله ﷺ: «مَثَلُ هذه الثنيةِ الليلةَ هيُثلِ البابِ الذي قال الله تعالى لبني إسِائيلَ: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [98] ما هبطَ أحدٌ من هذه الثَّنيةِ الليلةَ إل غُفرَ له » فاطلعتُ في آخر الناسِ ألتمسُ أخي قتادةَ بنَ النعمانِ بما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ، فجعل الناسُ يركبُ بعضُهم بعضاا، حتى (1) أخرجه البخاري (1020)، ومسلم0719.)
عدد الصفحات ٢٧٣مختصر دلائل النبوة|273 وجدتُ أخي في آخر الناسِ؛ فلما هَبطنا نزَلنا، فقال رسولُ ا ﷺ: «من هان معه ثَقَلٌ فليصطَنِع » يقولُ أبو سعيدٍ: وأي نا الذي معه ثَقَلٌ؟ فقلتُ: يا رسولَ الله، عسى أن ترى قريشٌ نيرانَنا فقال: «لن يَروهم» فلما أصبَحنا صلى رسول الله عليه السلام الصبحَ وصلينا معه، ثم قال: «والذي نَفسي بيدِه، لقد غُفرَ الليلة للرهبِ أجمعي، إل رُويكبًا واحدًا التقَت عليه رحالُ القومِ ليس منهم » فذَهبنا ننظرُ، فإذا أعرا بين ظهرانيَ القومِ، ثم قال رسولُ الله ﷺ: «يوشكُ أن يأي قومٌ تحَ قِرون أعمالَكم مع أعمالهِم » فقُلنا: من هُم يا رسولَ الله، أقريشٌ؟! قال «ل، ولكن أهلُ الييُنِ، هم أرق أفئدةً، وألي قلوبًا » فقلنا: أهم خيرٌ منَّا يا رسولَ الله؟ قال «لو هان لأحدِهم جبلُ ذهبٍ فأنفقَه ما أدرَك مُدَّ أحدِهم ول نَصيفَه، أل إن هذا فضلُ م ا بيننا وبي الناسِ ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ﴾ [11]»(1). فقَولُه ﷺ لهم حين قالوا: عسى قريشٌ ترى نيرانَنا. فقال: «لن يَروهم » . وقولُهﷺ في مجيءِ أهلِ اليمنِ، كلاهما إخبارٌ بغيبٍ تحَقَّقَ، ولم يَظهرْ خِلافُه. (1) انظر: مغازي الواقدي1/525.
عدد الصفحات ٢٧٤274 |مختصر دلائل النبوة (63) ذكرُ ما في قصةِ خيبرَ 218- عن سلمةَ بنِ الأكوعِ قال: بعثَ رسولُ ا ﷺ أبا بكرِ بن أبي قُحافةَ الصديقَ برايتِه إلى حُصونِ خيبرَ، فقاتلَ فرجعَ، ولم يك فتحٌ، وقد جهِدَ، ثم بعثَ عمرُ الغد، فقاتَلَ فرجعَ، ولم يك فتحٌ، وقد جهدَ. فقال رسولُ الله ﷺ: «لأُعطيَّ الرايةَ غدًا ر جلاً يحب الله ورسولَه، يفتح الله على يديه، ليس بفرَّارٍ » فدعا بعلٍِّّ، وهو أرمَدُ، فتفل في عينيه، فقال «خذ هذه الرايةَ، وامضِ بها حتى يفتح الله عليك ». قال سلمةُ: فخرج بها -والله- يهروِلُ هرولةا، وإنا خلفَه نتبعُ أثرَه، حتى ركزَ رايته في رضم من حجارةٍ تحت الحِصنِ فاطلع إليه يهوديٌّ من رأسِ الحصن. فقال: من أنت؟ قال: علِّ بن أبي طالبٍ. قال: يقولُ اليهودي : غُلبتم وما أُنزل على موسى عليه السلام، أو كما قال. فما رجعَ حتى فَتَحَ الله على يديه (1). 215- عن أبي هريرةَ قال: شهِدنا مع رسولِ ا ﷺ خيبرَ فقال رسولُ الله ﷺ لرجل ممن معه يدَّعي الإسلامَ: «هذا من أهلِ النارِ ». فلما حضرَ القِتالُ قاتَلَ الرجلُ من أشدِّ القتالِ، فكثُرت به الجراحُ فأَثْبَتَتْهُ، فجاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ الذي ذكرتَهُ من أهلِ النارِ؟! قاتَلَ في سبيلِ الله من أشدِّ القتال، فكثُر ت به الجِراح فأثبتته. (1) أخرجه الطبرا«المعجم الكب»7/35 (3313)، والبيهقي«دلائل النبوة»0/119. وأصله البخاري (1975)، ومسلم1017.)
عدد الصفحات ٢٧٥مختصر دلائل النبوة|275 فقال النبيﷺ: «أما إنه من أهلِ النارِ »، فكان بعضُ المسلمين يرتابُ قال: فبينا هو على ذلك إذ وَجَدَ ألمَ الجراحِ فأهوى بيده إلى كنانتِه فانتزَعَ سهماا فانتحرَ بها، فاشتَدَّ رجالٌ من المسلمين إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: صدَّقَ الله حديثَ ك؛ قد انتحَرَ فلانٌ، فقَتَل نفسَه. فقال رسولُ الله ﷺ: «يا بلالُ، قم فأذ ن: إنه ل يدخل الجنَّة إل مؤمنٌ، وإن الله تعالى ليُؤي دُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجرِ »(1). 211- عن ابنِ عباسٍ: أن امرأةا من اليهودِ أهدت لرسولِ ا ﷺ شاةا مسمومةا، ثم عَلِمَ بها بعدُ أنِا مسمومةٌ، فأرسلَ إليها: «ما حملك على ما صَنَعتِ؟ » قالت: أحببتُ إن كنتَ نبيًّا فسيُطلِعُك الله عليه، وإن كنت كاذباا أرحتُ الناسَ منك (2). 211- عن محمدِ بن إسحاقَ قال: وكان مِن حديث الأسودِ الراعي: أنه أتَى رسولَ الله ﷺ وهو محاصرٌِ لبعض حصونِ خيبرَ، ومعه غنمٌ له ك ان فيها أجيراا لرجلٍ من يهود، فقال: يا محمدُ، اعرِض علَِّّ الإسلامَ. فعرضَ عليه فأسلَم، وكان رسولُ الله ﷺ لا يَقرُ أحداا أن يدعوَه إلى الإسلامِ، ويعرضَ عليه، فلما أسلَم قال: يا رسولَ الله، إني كنتُ أجيراا لصاحبِ هذا الغنمِ، وهي أمانةٌ عندي، فكيف أصنعُ بها؟ قال: «اضرِبها في وجوهِها، فإنها سترجِعُ إلى ربه ا » أو كما قال رسولُ ا ﷺ، قال: فقام الأسودُ فأخذَ حفنةا من حصباءَ فرمى بها في وجوهِها، وقال: ارجع إلى صاحبِك، فوالله لا أصحبُكِ، فخَرجَت مجتمعةا كأن سائقاا يسوقُها حتى (1) أخرجه البخاري0113)، ومسلم000.) (2) أخرجه أحمد5/3 (1720.)
عدد الصفحات ٢٧٦276 |مختصر دلائل النبوة دخلَت الحصنَ، ثم تقدمَ إلى ذلك الحصنِ ليقاتلَ مع المسلمينَ فأصابَه حجرٌ فقتلَه، وما صلى لله صلاةا، فأُتيَ به رسولَ الله ﷺ فوضِعَ خلفَه فسُجِّي بشَملةٍ كانت عليه، فالتفتَ إليه رسولُ الله ﷺ ومعه نفرٌ من أصحابِه ثم أعرضَ عنه، قالوا: يا رسولَ الله، لم أعرضتَ عنه؟ قال: «إن معه الآن لزوجتَيه من اورِ العيِ »(1). (1) أخرجه الحاكم 1/013 (1033)، وانظر«سيرة ابن هشام»1/300-305.
عدد الصفحات ٢٧٧مختصر دلائل النبوة|277 (62) ذِكرُ ما كان في فتحِ مكةَ 212- عن ابنِ عمرَ أن رسولَ ا ﷺ لما دخلَ مكةَ وجد بها ثلاث مئة وستين صنماا، فأومأَ إلى كلِّ صنمٍ بعصاهُ، وقال: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [20] الآية، فيَسقُط الصنمُ ولا يمسه (1). (1) أخرجه ابن حبان 00/051 (3511)، والطبرا «الكب»01/051 (03303)، والبيهقي «دلائل النبوة»5/71.
عدد الصفحات ٢٧٨