082 |مختصر دلائل النبوة (28) ما رويَ في عَرضِ الن ﷺ نفسَه على قبائلِ الع ربِ 53- عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ أنِا قالت للنبيِّ ﷺ: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أُحد؟ قال: «لقد لَقيتُ من قومِك، وهان أشد ما لَقيتُ منهم يومَ العقبةِ؛ إذ عَرضتُ نفسي على ابن عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ هُلالٍ، فلم ُبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مَهيُومٌ على وجهي، فلم أشعُرْ إل وأنا بقرنِ الثعالِبِ، فرفعت رأسي فإذا أنا بِسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جِبريلُ عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سيُِعَ قول قومِك لك، وما رَد وا عليك، وقد بعثَ إليك ملَك الجبالِ، فسلَّم علَّ، ثم قال: يا مَيُدُ، قد سيُعَ الله قولَ قومِك، وأنا مَلَك الجبالِ، قد بعثَني رب ك إليك لتأمُرني بأمرِك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأَخشَبَيِْ (0)»، فقال النبي ﷺ: «أرجو أن يُرجَ الله من أصلابهِم من يَعبد الله وحده، ول يُشرك به شيئًا »(2). (1) (الأخشَبَينْ): جبلا مكة: أبو قبيس والذي يقابله (2) أخرجه البخاري3130)، ومسلم0795.)
عدد الصفحات ١٨٣مختصر دلائل النبوة|083 (29) فصل في مخرجِه من مكةَ إلى الم دينة مُهاجرًا وما ظهرَ من الآياتِ في طريقِه 54- عن قيس بن النعمان السَّكوني قال: لما انطلقَ النبي ﷺ وأبو بكر، يَستخفيان بالغارِ، مرَّا بعبدٍ يرعى غنماا، فاستسقياه من اللَّبن، فقال: والله ما لي شاةٌ تحلبُ غيرَها، هذا عَناقٌ، حملت أولَ الشتاءِ فما بها لبنٌ، وقد اهتُجِنَتْ (1). فقال رسولُ ا ﷺ: «ائتنا بها »، فأتاهُ بها، فمسحَ ضرَعَها، ودعا بالبرَكة عليها، ثم حلب عُسًّا (2)، فسقى أبا بكر، ثم حلبَ آخر، فسقى الراعي، ثم حلب فشرِب. فقال له: تالله ما رَأيتُ مثلَك، مَن أنت؟ قال: «إن أخبرتُك تكتم علَّ؟ » قال: نعم. قال: «أنا مَيُد رسولُ ا ». قال: أنت الذي تزعُم قريشٌ أنك صابئٌ قال: «إنهم يقولون ذلك». قال: فإني أشهدُ أنك رسولُ الله، وأنه لا يَقدرُ على ما فعلت إلا رسولٌ. ثم قال له: أتَّبعك؟ (1) (اهتُجِنَت): تب لها. (2) العُس : القَدَح الكبير الضخم
عدد الصفحات ١٨٤084 |مختصر دلائل النبوة فقال له النبي ﷺ: «أمَّا اليومَ فلا، ولكن إذا سيُِعتَ أنا قد ظهَرنا، ف أْتنا»، فأتى النبي ﷺ بعدَما ظهرَ بالمدينة (1). 59- عن أنسِ بن مالكٍ قال: أقبلَ رسولُ ا ﷺ إلى المدينة مُردفاا أبا بكر -شيخٌ يُعرف - ونبي الله شابٌّ لا يُعرف، فيلقى الرجلُ أبا بكرٍ فيقولُ: من هذا الذي بين يَديك؟ فيقولُ: يهَديني السبيلَ، فيَحسبُ الحاسِب أنه يهَ ديه الطريقَ، وإنما يعني: سبيلَ الخيرِ، فالتفتَ أبو بكر فإذا فارسٌ قد لحِقهم فقال: يا رسولَ الله، هذا فارسٌ قد لحقنا، فالتفتَ نبي الله ﷺ فقال: «اللهم اصرَعْه »، فصرعَته فرسُه، وقامت فحَمْحَمت. قال: ثم قال: يا نبي الله، مُرني بم شئتَ. قال فقال: «قِف مكانَك، ل تترُهَنَّ أحدًا يلحقُ بنا ». قال: فكان أولَ النهارِ جاهداا على رسولِ ا ﷺ، وكان آخرَ النهار مَسلحةا له. قال: فنزلَ نبي الله ﷺ جانبَ الحَرَّةِ (2)، وبعثَ إلى الأنصارِ، فجاؤوا نبي الله، فسلَّموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنَين مُطاعَين. قال: فركِب نبي الله ﷺ وأبو بكر، وحفوا حولهَما بالسلاحِ. (1) أخرجه الطبرا«المعجم الكب»02/303 (270)، والحاكم3/9،0173)، والبيهقي«دلائل النبوة»1/097. (2) (الحَرَّة): أرض حجارتها سود
عدد الصفحات ١٨٥مختصر دلائل النبوة|085 قال: فقِيل في المَدينة: جاء نبي الله. فاستشرفوا يَنظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله عليه السلام. قال: فأقبلَ يسيرُ حتى نزلَ إلى جنب دارِ أبي أيوب. قال: فإنه ليحدث أهلَه، إذ سمع به عبدُ الله بنُ سلام، وهو في نخلٍ له يخَترَِف (1) لهم منه، فعجِل أن يضعَ التي يخترَفُ فيها، فجاء وهي معه، فسمعَ من نبيِّ الله ثم رجعَ إلى أهلِه. فقال نبي الله: «أي بيوتِ أهلِنا أقرب؟ » قال فقال: أبو أيوب: أنا يا نبيَّ الله، هذه داري، وهذا با قال فقال: «انطلِق فهيئ لنا مَقيلاً ». قال: فذهب فهيَّأ لهما مقيلاا، ثم جاء فقال: يا نبيَّ الله، قد هيأتُ لكما مقيلاا، قُوما على بركةِ الله فقِيلا. قال: فلما خلا نبي الله، جاء عبدُ الله بن سلاَم فقال: أشهدُ أنك رسولُ الله حقًّا، وأنك جِئت بحقٍّ، ولقد علِمتِ اليهودُ أني سيدُهم، وابن سيِّدهم، وأعلمُهم، وابن أعلمهم، فادعُهم، فسلهم عني، قبلَ أن يعلموا أني قد أسلمتُ، فإنِم إن يَعلموا أني قد أسلمت؛ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ. فأرسل نبي الله ﷺ إليهم، فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله ﷺ: «يا مَعشرَ اليهودِ، ويلكم اتَّقوا الله، فوالله الذي ل إله إل هو إنكم لتَعليُونَ أني رسولُ الله، وأني جئتُكُم بحق ، أسليُوا ». قالوا: ما نعلمُه (1) (يخَْترَِف) أي: يجتني من الثمار
عدد الصفحات ١٨٦086 |مختصر دلائل النبوة قال: «فأي رجلٍ فيكم عبد الله بن سلام؟ » قالوا: ذاك سيدُنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابنُ أعلمنا قال: «أفرأيتُم إن أسلم». قالوا: حاشَ لله ما كان ليُسلم قال: «يا ابنَ سلامٍ اخرُج إليهم ». فخرج إليهم، فقال: يا معشرَ اليهودِ، ويلَكم اتَّقوا الله، فوالله الذي لا إله إ هو، إنكم لَتعلمون أنه رسولُ الله حقًّا، وأنه قد جاء بحقٍّ. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسولُ الله ﷺ(1). 56- عن سرُاقةَ بن مالكٍ قال: لما خَرَجَ رسولُ ا ﷺ من مكةَ إلى المدينة مُهاجراا ، جعلت قريشٌ لمن ردَّه عليهم مئةا من الإبل. قال: فبينا أنا جالسٌ، إذ جاء رجلٌ منَّا، فقال: والله لقد رأيتُ ركْباا ثلاثةا مروا علَِّّ آنفاا، إني لأُراه محمداا وأصحابه. قال: فأومأتُ إليه بعيني أن اسكُت. ثم قلت: إنما هم بنو فلانٍ، يَبغونَ ضالَّةا لهم. قال: لعلَّ ه. قال: فسكت. قال: فمكثتُ قليلاا، ثم قمتُ، فدخَلت بيتي، فأمرت بفَرسِّ، فقُيِّد إلى بطنِ الوادي، وأمرتُ بسلاحي، فأُخرجت من دُبر حجرتي، ثم أخذت قِداحي (2) التي أستقسِم (1) أخرجه البخاري3900.) (2) وكانوا إ ذا أراد أحدهم سفراا أو تزويجاا، أو نحو ذلك من المهام، ضربَ بالأزلام وهي القداح وهي السهام التي لا ريش لها ولا نصل، وكان مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى الآخر: نِاني ربي، وعلى الآخر: غفل. أو نحو هذه الكلمات.
عدد الصفحات ١٨٧مختصر دلائل النبوة|087 بها، ثم انطلقتُ فلبِست لأَْمَتي، ثم أخرجتُ قداحي، فاستقسمت بها، فخرجَ السهم الذي أكره: لا يضر ه. قال: وكنت أرجو أن أردَّه على قريشٍ فآخُذَ المئة الناقة. قال: فركبتُ على أثَره، فبينا فرسِّ يشتد بي عثرَ بي، فسقطتُ عنه. قال: قلت: ما هذا؟ ثم أخرجتُ قداحي، فاستقسمتُ بها، فخرجَ السهمُ الذي أكره: لا يضر ه. قال: فأبيت إلا أن أتَّبعه فركبت في أثرِه، فبينا فرسِّ يشتد بي عثر بي، فسقطتُ عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجتُ قِداحي فاستقسَمت بها، فخرجَ السهمُ الذي أكرهُ: لا يضر هُ. قال: فأبيتُ إلا أن أتَّبعه، فركبت في أثَره قال: فلما بدا لي القومُ فرأيتهم، عَثر بي فرسِّ، فذهبتْ يداه في الأرض، وسقطتُ عن ه، قال: ثم انتزعَ يديه من الأرضِ، وتبِعَهما دُخانٌ كإعصارٍ. قال: فعرَفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنعَ مني، وأنه ظاهرٌ. قال فناديت القومَ: أنا سرُاقةُ بنُ مالكِ بنِ جعشم، انظروني أُكَلِّمْكم، فوالله لا أريبُكم، ولا يأتيكم منِّي شيءٌ تَكرهونه. قال فقال: رسول الله ﷺ لأبي بكر: «قلْ له ما تَبتَغي منا؟ » قال: فقال لي ذلك أبو بكر. قال: قلت: تكتُب لي كتاباا يكون لي آيةا بيني وبينك.
عدد الصفحات ١٨٨088 |مختصر دلائل النبوة قال: «اهتُب له يا أبا بكر». قال: فكتب لي كتاباا في عَظمٍ، أو في رُقعةٍ، أو في خِرقةٍ، ثم ألقاه إلي فأخذتُه فجعلتُه في كِنانتي، ثم رجَعتُ، فس كت فلم أذكر شيئاا مما كان، حتى إذا فَتَحَ الله على رسولِه مكةَ، وفرغ من حُنينٍ، والطائفِ، خرجتُ ومعي الكتاب؛ لألقاه فلقيته بالجعرانة. قال: فدخلت في كَتيبة من خيلِ الأنصارِ، فجعلوا يَقرعونني بالرماحِ، ويقولون: إليك إليك، ماذا تُريد؟ حتى دنوت من رسولِ الله ﷺ، وهو على ناقتِه، والله لكأني أنظرُ إلى ساقِه في غَرزِه كأنِا جمَُّارة. قال: فرفعتُ يدي بالكتاب، ثم قلت: يا رسولَ الله، هذا كتابُك لي، أنا سرُاقةُ بن جعشم. قال: فقال رسولُ الله ﷺ: «يوم وفاء وبر، ادنه». قال: فدنوتُ منه، فأسلمتُ، ثم ذكرت شيئاا أسألُ عنه رس ولَ الله ﷺ فما أذكرُه، إلا أني قد قلتُ: يا رسولَ الله، الضالة من الإبلِ تَغشى حِياضي، وقد ملأتهُا لإبلِّ، هل لي من أجرٍ أن أسقيها؟ قال: «نعم، في هل ذات هبدٍ حَرَّى أجر ». قال سراقةُ: ثم رجَعت إلى قومي، فسُقتُ إلى رسول ا ﷺ صدَقتي (1). 57- عن حزامِ بن هشام، عن أ بيه هشام، عن جدِه حبيش بن خالد - صاحبِ رسول الله ﷺ- أن رسولَ الله ﷺ حين أُخرج من مكةَ، خرج منها (1) أخرجه البخاري3913.)
عدد الصفحات ١٨٩مختصر دلائل النبوة|089 مهاجراا، وأبو بكر، ومولى أبي بكر، عامرُ بن فهيرة، ودليلُهما الليثي عبد الله بن أُريقد، فمروا على خيمَتي أم مَعبَد الخُزاعية، وكانت برزةا جَلْدةا، تحتبي بفناء الق بةِ، ثم تَسقي وتُطعم، فسألوها لحماا وتمراا؛ ليشترَوه منها، فلم يُصيبوا عندها شيئاا من ذلك، وكان القومُ مُرمِلين مُسنتين، فنظر رسولُ الله ﷺ إلى شاةٍ في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاةُ يا أمَّ مَعبَد؟ » قالت: شاةٌ خلفها الجهدُ عن الغنم. قال «هل بها من لبنٍ؟ » قالت: هي أجهدُ من ذلك. قال «أفتأذني ل أن أحلُبها؟» قالت بأبي أنت وأمي، نعم، إن رأيتَ بها حلباا فاحلُبها، فدعا بها رسولُ الله ﷺ، فمسح ضرعَها بيده، وسمى الله، ودعا لها في شاتهِا، فتفاجَّت عليه، ودرَّت، واجترت، فدعا بإناء يربضُ الرهطَ، فحلبَ فيها ثجًّا، حتى علاه البهاءُ، ثم سقاها حتى رَويت، وسقى أصحابَه، حتى رووا، ثم شرب آخرَهم ﷺ، ثم أراضوا، ثم حلبَ فيه ثانياا بعد بدءٍ حتى ملأ الإناءَ، ثم غادرَه عندها، وبايعَها، ثم ارتحَلوا عنها، فقل ما لبثت أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنزاا عجافاا، تساوَكن هزلاا ضبحاا، مخُهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبنَ عجب، وقال: من أين لك هذا اللبنُ؟ والشاءُ عازب حائل، ولا حلوبةَ في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنَّه مر بنا مباركٌ من حاله كذا وكذا(1). قال الشيخُ : ألحَقنا بهذا الفصل ذِكر كتابهﷺ إلى الملوكِ: كسرى، وقيصر؛ لما فيه من الدلالةِ، وكذلك ذَكرنا من مُراهنة الصديقِ مُشركي أهلِ مكةَ في غلبة الرومِ في بضعِ سنين، أفردناها من أخبار مكةَ؛ لوقوعِ تحقيق غلبةِ الروم فارسَ بالمدينة، وأتبَعناه بأخبارٍ أُخر حصل كونِا ووقوعُها بالمدينة، منها: قصةُ (1) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3025)، والطبري في تاريخه00/577.
عدد الصفحات ١٩٠091 |مختصر دلائل النبوة السيد والعاقب، لما دُعيا إلى المباهلةِ، وامتناع اليهودِ بالمدينة من تمني الموت؛ ليتبين كذب المفتري، مع مسائل سُئل عنها رسولُ الله ﷺ بالمدينة، سأله عنها أحبارُ اليهود، امتحاناا له عليه السلام ووقوفاا على صحة نبوتِه، وأخبار في الجنِّ، وإسلام من أسلمَ منهم، ووَفَدَ إليه، وتعرضَ له عليه السلام، وللمس لمين ممن لم يُسلم منهم، وفي أخبار الجنِّ منها ما كان بمكةَ، ومنها ما كان بالمدينةِ، رأينا جمعَه في الحوادث والكوائنِ الواقعة بالمدينة، فإذا انقَضت هذه الأخبارُ الملحَقةُ بهذا الفصل نعود إلى ترتيب الفصولِ، ويليه الفصل الثاني والعشرون في ذكر كلام البهائمِ والسباعِ، وسجودها وشكواها، حسب ما اشترَطنا في صدرِ الكتاب. 58- عن عبدِ الله بن عباسٍ أن رسولَ ا ﷺ كتبَ إلى قيصرَ يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابِه مع دِحية الكلبي، وأمرَه رسول الله ﷺ: أن يدفَعه إلى عظيم بُصرى؛ ليدفعه إلى قيصرَ، فدفعه دِحية إلى عظيم بُصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصرُ لما كشف الله عنه جُنودَ فارسَ، مشى من حمِص إلى إيلياء، شكراا لما أبلاهُ الله، فلما جاء قيصرَ بكتاب رسولِ الله ﷺ قال حين قرأه: التمِسوا لي هاهنا أحداا من قومِه؛ لنسألهَم عن رسولِ الله ﷺ. قال عبدُ الله بنُ عباسٍ: فأخبرني أبو س فيانَ، أنه كان جالساا في رجالٍ من قُريش، قدموا تجُاراا في المدةِ التي بين رسولِ الله ﷺ، وبين كُفار قريشٍ. قال أبو سفيانَ: فوَجَدَنا رسولُ قيصر ببعض الشامِ فانطلقَ بي وبأصحابي حتى قدِمنا إيلياءَ فأُدخِلنا عليه، فإذا هو جالسٌ في مجلسِ مُلكه، وعليه التاجُ، وإ ذا حوله عُظماءُ الرومِ.
عدد الصفحات ١٩١مختصر دلائل النبوة|090 فقال لترُجمانِه: سلهُم أيهم أقربُ نسباا إلى هذا الرجلِ الذي تَزعمون أنه نبيٌّ؟ قال أبو سفيانَ فقلت: أنا أقربهُم إليه نسباا. قال: ما قَرابةُ ما بينك وبينه؟ قلت: ابن عمِّي. قال: وليس في الركبِ يومئذٍ أحدٌ من بني عبد مَناف غيري. قال قي صر: أَدنوه مني، ثم أمرَ أصحابي فجُعلوا خلفَ ظهري عند كتِفي، ثم قال لتُجرمانه: قل لأصحابه إني سائلٌ هذا الرجلَ عن الرجلِ الذي يَزعم أنه نبيٌّ، فإن كذب فكذِّبوه. فقال أبو سفيانَ: والله لولا الحياءُ يومئذٍ من أن يَأثِرَ أصحابي عني الكذِب، كذبته حين سألَني، ولكن استَحييتُ أن يأثِروا الكذبَ عني، فصدقتُه عنه. ثم قال لترُجمانه: كيف نَسبُ هذا الرجلِ فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسَبٍ. قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قبلَه؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتَّهمونه على الكذِب، قبلَ أن يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا. قال: فهل كان من آبائِه مِن مَلِكٍ؟
عدد الصفحات ١٩٢092 |مختصر دلائل النبوة قلت: لا. قال: فأشرافُ الناسِ يتَّبعونه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: فيَزيدون أو ينقُصون؟ قلت: بل يَزيدون. قال: فهل يرتَد أحدٌ سَخطةا لدينه بعدَ أن يدخُلَ فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يَغدِر؟ قلت: لا، ونحن الآنَ منه في مدةٍ، نحن نخافُ أ ن يَغدر. قال أبو سفيان: ولم يُمكِنِّي كلمة أُدخلُ فيها شيئاا أنتقصه به إلا أخاف أن تُؤثر عني غيرها. قال: فهل قاتلْتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف كانت حربُكم وحربُه؟ قال: قلت: كانت دُولاا وسِجالاا يُدال علينا ويُدال عليه الأُخرى. قال: فما يأمُرُكم به؟
عدد الصفحات ١٩٣مختصر دلائل النبوة|093 قلت: يأمُرُنا أن نعبُد الله وحدهُ لا نشركَ به شيئاا، وينهانا عما كان يعبدُ آباؤنا، ويأمرُنا بالصلاةِ والصدقِ والكَفافِ والعفافِ والوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأمانة. قال لترُجمانِه -حين قلت ذلك له -: قل له: إني سألتُك عن نسَبِه فيكم فزعمتَ أنه ذو نسبٍ، وكذلك الرس ل تُبعث في نسَب قومها. وسألتُك: هل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قبله؟ فزعمت أن لا. فقلتُ لو كان أحدٌ منكم قال هذا القولَ قبله، قلت: رجلٌ يأتم بقولٍ قيلَ قبله. وسألتُك: هل كنتم تتهمونَه بالكذبِ قبل أن يقولَ ما قال؟ فزعمت أن لا. فعرفتُ أنه لم يكن لِيدع الكذبَ على الناسِ، ويكذبَ على الله. وسألتك: هل كان من آبائِه من مَلِكٍ؟ فزعمتَ أن لا. فقلتُ: لو كان من آبائه مَلِك؛ قلت: يطلبُ مُلكَ آبائه. وسألتك: أشرافُ الناسِ يتَّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاءَهم اتبعوهُ، وهم أتباعُ الرسلِ. وسألتك: هل يَزيدون أو يَنقصون؟ فزعمتَ أنِم يزيدون، وكذلك الإيمانُ حتى يتم. وسألتك: هل يرتد أحدٌ سَخطةا لدينه بعد أن يدخلَ فيه؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان حين يخُالطُ بشاشةَ القلوبِ لا يسخطه أحدٌ. وسألتك: هل يَغدرُ؟ فزعمت أن لا. وكذلك الرسلُ لا يَغدرون.
عدد الصفحات ١٩٤094 |مختصر دلائل النبوة وسألتك: قاتلتموهُ وقاتَلَكُم فزعم تَ أن قد فعلَ وأن حَربَكم وحربهُ تكون دولاا يُدال عليكم المرةَ وتُدالون عليه الأُخرى. وكذلك الرسلُ تبتلى وتكون لها العاقبةُ. وسألتك: بماذا يأمُرُكم فزعمتَ أنه يأمُركم أن تَعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاا وينهاكُم عما كان يعبد آباؤكُم ويأمُركم بالصلاةِ والص دقِ والعفافِ والوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأمانةِ، وهذه صفةُ نبيٍّ قد كنتُ أعلم أنه خارجٌ، ولكن لم أظن أنه منكُم وإن يكنْ ما قلتَ حقٌّ؛ فيوشِك أن يملِك موضعَ قدمَيَّ هاتين. ولو أرجو أن أخلُص إليه لتجشَّمت حتى ألقاهُ، ولو كنت عنده لغسلتُ قدَميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتابِ رسولِ الله ﷺ فأمر به فقُرئَ فإذا فيه: «بسمِ الله الرحمن الرحيمِ، من مَيُدٍ عبدِ الله ورسولِه، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على من اتَّبع الهُدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعيةِ الإسلامِ، أسلِم تَسلَم، وأسلم يُؤتِك الله أجرك مرتي وإن تولَّيت فعليك إثمُ الأريسيي، و ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [64]». قال أبو سفيانَ: فلما أن قضَ مَقالتَهُ عَلَت أصواتُ الرومِ الذين حولَه من عظماءِ الرومِ، وكثُر لغَطُهم، فلا أدري ما قالوا أولا. وأمر بنا فأُخرِجنا، فلما أ ن خَرَجنا من عندِه مع أصحابي وخلوتُ بهم، قلت لهم: لقد أَمِرَ أمْرُ ابنُ أبي كَبشةَ، هذا مَلك بني الأصفرِ يخافُه.
عدد الصفحات ١٩٥مختصر دلائل النبوة|095 قال أبو سفيان: والله ما زلتُ ذليلاا مُستيقناا أن أمره سيظهرُ، حتى أدخلَ ا قلبي الإسلام، وأنا كاره(1). قال الشيخُ : فهذه الأخبارُ دلت على تق دمِ معرفة المشركين بصدق رسولِ الله ﷺ، وأمانتِه فيما يخُبرُ به ويَدثه، واستدل قيصرُ والأساقفةِ على صدقِهِ وصحةِ نبوته بذلك، إذ لا يَدعُ الكذبَ على المخلوقين ويكذبُ على الخالقِ. وفي سؤال قيصرَ عن أحوالِ النبي ﷺ، وصفاته، ودعوته، الدلالةُ أن ملاكَ ما يُعرف به صدقُ النبي ﷺ في ادعائه النبوةَ صحةُ الدعوى والأخلاقُ العادلة المستقيمةُ، وأن مَن عدم منه هذان الأمران: صحةُ الدعوى، والأخلاقُ المعتدلة، كان كاذباا، وفيما يُظهرُ من الأعاجيب والبدائعِ ممخرقاا، وإذا تعرف وتحقق من أولى العلومِ والبصائر بالطباعِ، فوجد منه الخص لتان اللتان ذكرناهما على طول المدةِ، وسرمدِ الأيام، ولا يُذكر عنه تلو ن، وتَنك ر على مر الأيام، وقديمها، قَوِيَ المنطقُ بصدقه؛ لجوازِ ما يظهر من المتكلفِ والمتصنعِ من التلوين، والتكرارِ في ماضي أيامه، ومدتِه مع ما يظهره الله تعالى عليه من الآيات والبدائعِ المعجزةِ، ولما كانت البشارةُ لمحمد عليه السلام من عيسى عليه السلام متقررةا عند قيصرَ ونظرائِه، لم يقصدوا تعرفَ غيرِ ما ذكرنا من خصالِه من صحةِ الدعوى واعتدالِ الأخلاقِ مع قرائنها من صفاته التي تَعرَّفها من أبي سفيانَ وأصحابِه. 55- عن أبي بكرةَ قال: لما بُعث رسولُ الله ﷺ، كتب على أرض اليمنِ، ومن يليه من العربِ، وكان يقالُ له: باذان، فقال: بلغني أنه خرج قبلَك رجلٌ يزعم أنه نبيٌّ، فقل له: فليكفَّ عن ذلك، أو لأبعثنَّ إليه من (1) أخرجه البخاري7)، ومسلم0773.)
عدد الصفحات ١٩٦096 |مختصر دلائل النبوة يقتلُه، ويقتل قومَه. قال: فوجَّه باذانُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال له هذا. فقال رسولُ الله: لو كان هذا شيئاا فعلته من قِبَلِّ؛ لكففتُ عنه، ولكن الله بعثني. قال: فأقام الرسولُ عنده، فقال له رسولُ الله ﷺ: «إن ربي قد أهلكَ هسرى، فلا هسرى بعدَ اليوم، وقد قُتل قيصُِ، فلا قيصَِ بعد اليوم » قال: فكتب قولَه في الساعة التي حدثه، واليوم والشهر الذي حدثه فيه، ثم رجعَ إلى باذان، فإذا كِسرى قد مات، وإذا قيصرُ قد مات (1). قال الشيخُ : وفي إخبارهﷺ بموت كسرى في الليلة والساعة آيةٌ عظيمةٌ؛ لما تحققَ موته ووافقَ ساعته وليلتَه التي أخبر بها، دعت هذه الآيةُ صاحبَ صنعاءَ إلى صدقِه، فأتاه مُسلماا فيما قيل. (1) أخرجه الطبري في تاريخه1/355، والبزار3307.)
عدد الصفحات ١٩٧مختصر دلائل النبوة|097 (14) ذِكر ما رُويَ في مناحبةِ الصديقِ مشركي مكةَ على غلبةِ الروم الفُرسَ بضع سنين، وموضعِ الدلالة في ذلك، وذكرناه في أخبارِ المدينة؛ ليتحققَ وقوعُ غلبةِ الروم فارسِ بالمدينة 111- عنابنِ عباس قال: كان المسلمون يَبون أن تَغلبَ الرومُ؛ لأنِا أهلُ كتاب، وكان المشركون يُعجبهم أن يغلبَ فارسُ؛ لأنِا أهلُ أوثان، وذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاا فإن غَلبوا كان لك، وإن غُلبوا كان لنا كذا وكذا، فجعلَ بينهم وبينه خمسَ سنين، ف مضَت على ذلك، فذكرَ ذلك أبو بكرٍ للنَّبي ﷺ فقال: ألا جعلتَ دون العشرِ. قال سعيدُ: والبِضعُ ما دون العشرِ. قال: فغُلبَت الروم، ثم غَلبَت فذلك قوله:﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴾ [0- 1] إلى قوله﴿ﯩ ﯪ ﴾ [5] . قال سفيانُ: سمعتُ أنِم غَلبوا يوم بدرٍ (1). قال الشيخُ : وموضعُ الدلالة من هذه القصةِ: إخبارُه ﷺ بأن الرومَ سيصيرون غالبين بعد أن غُلبوا، فإن الله عزَّ المؤمنين بهذا الخبرِ، ما يمر من الاغتمامِ من غلبة فارسَ الرومَ، فيتَحققُ وعد الله في صدقِ الخبر. وأما مراهنةُ أبي بكر ومناحبتُه لقريشٍ، فكان تحرياا واجتهاداا من ه، الذي يقعُ فيه الإصابةُ والخطأ، فإذا لم يُصب كان الخطأُ واقعاا في تحري أبي بكر لا في إخبارِ الله؛ لأن الله لم يُعينِّ سنة بعينها، وإنما وعد غلبةَ الرومِ فارسَ في البضعِ، والبضع من سنةٍ إلى تسع، فصار الرومُ غالبين لهم في البضعِ، تحقيقاا لخبرِ الله ووعدِه، فكان ذلك آيةا لرسولِه عليه الصلاة والسلام إذا أخبرَهم بما تحقق صدقُه، وظهرَت حقيقتُه، ففي ذلك ثبوتُ نبوتِه عليه الصلاة والسلام. (1) أخرجه الترمذي3093.)
عدد الصفحات ١٩٨