066 |مختصر دلائل النبوة قال: أي بُني، ليس في ذلك الدينِ خيرٌ، بل دينُك ودين آبائِك خيرٌ. قال: قلت: كلا والله، إنه لخيرٌ من ديننا. قال: فخافَ ني، فجعلَ في رجلِّ قيداا، ثم حبَسني في بيتي. قال: وبعثتُ إلى النصارى، فقلت: إذا قدِم عليكُم ركبٌ من الشامِ، فأخبرِوني، قال: فقدم عليهم ركبٌ من الشامِّ تجارٌ من النصارى، قال: فأخبرَوني، قال: قلت: إذا قضوا حوائجَهم، فأرادوا الرجعة إلى بلادِهم، فآذنوني، فلماَّ أرادوا الرجعة إلى بلادِهم، أعلَموني بهم. قال: فألقيتُ الحديدَ من رِجلِّ، ثم خرجتُ معهم حتى قدِمت الشام، فلما قدمتُها قلت: مَن أفضلُ هذا الدينِ علماا؟ قالوا: الأُسقف في الكنيسةِ. قال: فجئتُه، فقلتُ له: إني قد رغبتُ في هذا الدينِ، وأكون معك أخدمُك في كنيسَتِ ك، وأتعلَّم منك، وأُصلِّ معك. قال: فافعلْ، فادخُل، فدخلْت معه، قال: فكان رجلَ سوءٍ يأمرُهم بالصدقة، ويُرَغِّبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئاا منها، اكتنزَه لنفسِه، ولم يُعط المساكينَ، حتى جمع سبعَ قِلال من ذهبٍ وورِق. قال: فأبغضته بغضاا شديداا لما رأيته يصنَعُ ، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى لتدفِنَه، فقلت لهم: إن هذا كانَ رجلَ سوءٍ، يأمرُكم بالصدقةِ، ويُرغبكُم فيها، فإذا جِئتموهُ اكتَنَزَها لنفسِه، ولم يعطِ المساكين منها شَيئاا. قال: قالوا لي: وما عِلمُك بذلك؟
عدد الصفحات ١٦٧مختصر دلائل النبوة|067 قال: قلت: أنا أدل كم على كَنزِه فقالوا: دلَّنا عليه. قال: فأريتُهم موضعَه. قال: فاستخرجوا سبعَ قلالٍ مملوءةا ذهباا وورقاا، فلما رأوها، قالوا: لا والله، لا ندفنُه فصلبوه، ثم رَجموه بالحِجارةِ، ثم جاؤوا برجُلٍ آخر، قال: فجعلوه مكانَه. قال: يقول سَلمان: فما رأيت رجلاا لا يصلِّ الخَمسَ أرى أنه أفضلُ منه، أزهدَ في الدنيا، ولا أرغبَ في الآخرةِ، ولا أدأب ليلاا ونِاراا منه، قال: فأحببتُه حُبًّا لم أحبَّ شيئاا كان مثلَه، فأقمتُ معه زماناا، ثم حضرَته الوفاةُ. قال: فقلت: يا فلان، إني قد كنت معك، وأحببتُك حبًّا لم أحبَّ شيئاا كان قبلَك، وقد حضرَك ما ترى من أمرِ الله، ف إلى من تُوصي بي، وإلى من تأمُرني؟ قال: أي بُني، والله ما أعلمُ أحداا اليومَ على ما كنت عليه، لقد هلكَ الناسُ وبدَّلوا كثيراا مما كانوا عليه إلا رجلاا بالمَوصل، وهو على ما كنت عليه، فالحَْقْ به. قال: فلما غُيب، لحقتُ بصاحبِ الموصل، فقلت: يا فلان، إن فلاناا أوصاني عند موته أن ألحقَ بك، وأخبرني أنك على أمرِه، فقال: أقمْ عندي، قال: فأقمتُ عندَه، فوجدته خيرَ رجل، على أمر صاحبِه. قال: فلم يلبثْ أن مات، فلما حضرَته الوفاة، قُلت له يا فلان: إن فلاناا أوصاني إليك، فأمرَني باللحوقِ بك، وقد حضركَ من أمرِ الله ما تَرى، فإلى من تُوصي بي؟
عدد الصفحات ١٦٨068 |مختصر دلائل النبوة قال: إني والله ما أعلم رجلاا على ما كنَّا عليه إلا رجلاا بنَصيبين، وهو فلان، فالحْق به، فلما مات وغُيب، لحقتُ بصاحب نَصيبين، فجئته فأخبرتُه خبري، وما أمرني به صاحبي. فقال: أقمْ عندي، فأقمتُ عندَه، فوجدته على أمرِ صاحبه، فأقمتُ معه خيرَ رجلٍ، فوالله ما لبثَ أن نزلَ به الموتُ، فلما حضر، قال: قلت: يا فلان، إن فلاناا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من تُوصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بُني، ما أعلَمُ أحداا بَقي على أمرِنا آمُرُك أن تأتيه إلا رجلاا بعَم وريةَ من أرضِ الرومِ، فإنه على مثل أمرِنا، فإن أحببت فأتِه، فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغُيب، لحقتُ بصاحب عَم وريةَ، وأخبرته خَبري، وقال: أقمْ عندي، فأقمت عندَ خيرِ رجلٍ على هُدى أصحابه وأمرِهم، قال: ثم اكتَسَبتُ حتى كانت لي بَقراتٌ وغَنيمة. قال: ثم نزلَ به أمرُ الله، فلما حضرَ تهُ الوفاةُ، قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلانٍ فأوصى بي إلى فلانٍ، ثم أوصاني فلانٌ إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من تُوصي بي، وما تَأمرني؟ قال: أي بُني، والله ما أعلمُ أصبحَ على ما كنا عليه أحدٌ من الناسِ آمرك أن تأتيَه، ولكن قد أظلَّك زمان نبيٍّ، ه و مَبعوث بدينِ إبراهيم، يخَرُج بأرضِ العربِ، مُهاجرهُ إلى أرضٍ بين حرَّتين، بها نخلٌ، به علامات لا تخَفى: يأكلُ الهدية، ولا يَأكل الصدقة، بين كتِفيه خاتم النبوةِ، فإن استطعت أن تلحَق بتلك البلادِ فافعلْ.
عدد الصفحات ١٦٩مختصر دلائل النبوة|069 قال: ثم مات وغُيب، ومكثتُ بعَم وريةَ ما شاء الله أ ن أمكُثَ، ثم مر بي نفرٌ من كلبٍ تجارٌ، فقلت لهم: تحمِلوني إلى أرضِ العَرب، وأعطيكم بَقراتي هذه، وغنيمتي هذه. قال: فأعطيتُهم وحمَلوني معهم، حتى إذا قدِموا بي وادي القُرى ظَلمُوني، فباعوني من رجلٍ يهوديٍّ عبداا، فكنتَ عنده، وأُريت النخلَ، فرجوت أن يكون البلدَ الذي وَصَفَ لي صاحبي، ولم يَِق لي في نفسِ، فبينا أنا كذلك إذ قَدم ابنُ عمٍّ له من المدينة من بني قُريظةَ، فابتاعني منه، فحملَني إلى المدينةِ، فوالله، ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفةِ صاحبي، فأقمتُ بها، وبعثَ الله رسولَه، فأقام بمكةَ ما أقامَ، لا أسمعُ له بذكرٍ، مع ما أنا فيه من شُغلِ الرِّقِّ، ثم هاجرَ إلى المدينةِ، فوالله، إني لفي رأسِ عِذقٍ لسيدي أعملُ فيها بعضَ عملِه، وسيدي جالسٌ تحتي، إذ أقبَلَ ابنُ عمٍّ له فوقف عليه، فقال: يا فلان، قاتَل الله بني قَيلةَ، والله إنِم الآن يجَتمعون بقُباءَ، على رجلٍ قدم عليهم من مكةَ اليوم، يزعُمون أنه نبي. قال: فلما سمعتُها أخذَتني العُرَواءُ (1)، حتى ظننت أني سأسقطُ على سيدي، قال: فنزلت عن النخلَة، وجعلتُ أقولُ لابن عمه ذلك: ما تقول؟ قال: فغضِب سيدي، فلَكَمَني لكمةا شديدةا، ثم قال: مالَكَ ولهذا؟ أقبلْ على عملِك. قال: قلت: لا شيءَ، أردت أن أستثبِته عما قالَ، وكان عندي شيءٌ قد جمعتُه، فلما أمسَيتُ أخذتُه، ثم ذهبتُ به إلى رسولِ الله ﷺ وهو بقُباءَ، فدخلتُ عليه، (1) (العُرَواءُ) الرعدة عند الحمى
عدد الصفحات ١٧٠071 |مختصر دلائل النبوة فقلت له: إنه بلغَني أنك رجلٌ صالحٌ، معك أصحابٌ لك غرباءُ ذَوو حاجةٍ، وهذا شيء عِندي للصدقةِ، فرأيتُكُم أحقَّ به من غيرِكم، ثم قرَّبته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابِه: «هلوا»، وأمسكَ يده فلم يَأكل قال: فقلت في نَفسِ: هذه واحدةٌ، ثم انصرَفتُ عنه، فجَمعتُ شيئاا، ثم تحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى المدينةِ، ثم جئتُه، فقلت له: إني رأيتُك لا تأكُلُ الصدقةَ، وهذه هديَّة أكرَمتُك بها. قال: فأكلَ رسولُ الله ﷺ، وأمرَ أصحابَه فأكلوا معه. قال: قلت في نفسِ: هاتان ثِنتان. قال: ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ، وهو ببَقيعِ الغَرقدِ، قد تَبِعَ جنازةَ رجلٍ من أصحابِه، عليه شَملتانِ له، وهو جالسٌ في أصحابِه فسلَّمت عليه، ثم استدبَرتُ إليه أنظُرُ إلى ظهِ ره، هل أرى الخاتمَ الذي وَصفَ لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ الله ﷺ استدبرتُه، عرَف أني أستثبِتُ في شيء وُصفَ لي، فألقى رداءَه عن ظهرِه، فنظرتُ إلى الخاتمِ فعرفتُه، فانكبَبت عليه أُقبِّله وأبكي. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «تحوَّل »، فتحوَّلتُ فجلستُ بين يديه، فقَصصتُ عليه حَديثي كما حدثتُك يا ابنَ عباسٍ، فأعجبَ ذلك رسولَ الله ﷺ أن يَسمعَ ذلك أصحابُه، ثم قال لي رسولُ الله ﷺ: «هاتِب يا سلمانُ». فكاتَبت صاحبي على ثلاث مئة نخلةٍ، أُحييها بالفَق(1)، وبأربعينَ أُوقية (1) (الفَقِير): حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها
عدد الصفحات ١٧١مختصر دلائل النبوة|070 فقال رسولُ ا ﷺ: «أعينوا أخاهُم »، فأعانوني بالنخلِ، الرجلُ بثلاثين وَدِيَّةا (1)، والرجلُ بخمسَ عشرَةَ، والرجل بعشرٍْ، والرجل بقَدر ما عنده، حتى جمعوا ثلاث مئة وَدِيَّةا. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «اذهب يا سَلمانُ ففق رهُ، فإذا فرَغتَ أهونُ أنا أضعُها بيدي». قال: ففقَّرتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرَغتُ جئ تُه فأخبرتُه، فخرَج رسولُ الله ﷺ معي إليها، فجعَلنا نُقرِّب له الوَدِيَّ، ويضعُه رسول الله ﷺ بيدِه، حتى فرغنا، فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه، ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ، فأديت النخلَ، وبقي علَِّّ المالَ. فأُتيَِ رسولُ الله ﷺ بمثل بيضةِ الدجاجةِ من ذهبٍ، من بعضِ المَعادن، فقال رسولُ الله ﷺ: «ما فعلَ الفارسي المُكاتِب؟ » قال: فدُعيتُ له، فقال «خذْ هذه فأد ها بما عليكَ يا سلمانُ ». قال: قلت: فأين تقعُ هذه يا رسولَ الله مما علَِّّ؟ قال: «خذْها، فإن الله سَيؤد ي بها عنك ». فأخذتهُا فوزنتُ لهم منها -والذي نفسُ سلمانَ بيدِه - أربعينَ أُوقيةا، فأوفَيتُهم حقَّهم، وعَتَقَ سلمانُ، فشهدتُ مع رسولِ الله ﷺ الخندقَ حرًّا، ثم لم يفُتني مشهدٌ (2). (1) (الوَدِيَّة): صغار النخل (2) أخرجه أحمد39/001 (13737.)
عدد الصفحات ١٧٢072 |مختصر دلائل النبوة (25) فصلفي ذكر ما دار بينه ﷺ وبين المشركين لما أظهر الدعوة، وما جرى عليه أحواله إلى أن هاجر وما كان من صبره على بلوى الدعوة واحتمال الأذية وإيراد الآيات والبراهين عليها 89- عن عبدِ ا ﷺ ساجدٌ وحوله ناس من قريشٍ، وثَمَّ سلا بعيرٍ، فقالوا: من يأخذُ سلا هذا الجزورِ -أو البعير- فيقذفُه على ظهر النبيِّ ﷺ، إذ جاء عقبةُ بن أبي مُعيط بسلا جزورٍ فقذفه على ظهر رسولِ الله ﷺ، فلم يرفع رأسَه، فجاءت فاطمةُ، فأخذَته عن ظهر رسول الله، ودعَت على من صنع ذلك. قال عبدُ الله: فما رأيتُ رسول الله ﷺ دعا عليهم إلا يومئذٍ، فقال: «اللهم عليك الملأَ من قريشٍ، اللهم عليك أبا جهلِ بن هشام، وعتبةَ بن ربيعة، وشيبةَ بن ربيعة، وعقبةَ بن أبي معيط، وأميةَ بن خلف » أو أبي بن خلف-شك شعبةُ - قال عبدُ الله: فقد رأيتُهم قُتلوا ببدر، وأُلقوا في قَليب أو في بئر، غيرَ أن أُبيَّ بن خلف، أو أُمية بن خلف، كان رجلاا بادناا، فتقطع قبل أن يبلغَ به البئرُ (1). وأما المُستهزؤون وأسماؤُهم، وذِهر ما عُجل لهم من ا لخزي والهَوان: 86- فعن قتادةَ، ومقسم، مولى ابن عباس﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ [95] قال: هم الوليدُ بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسودُ بن عبد يغوث، والأسودُ بن المطلب، مَروا رجلاا رجلاا على رسول الله (1) أخرجه البخاري3250)، ومسلم0790.)
عدد الصفحات ١٧٣مختصر دلائل النبوة|073 ﷺ، ومعه جبريلُ عليهما السلام، فإذا مر به رجلٌ منهم، قا ل له جبريلُ: كيف تجدُ هذا؟ فيقولُ: بئس عبدُ الله، فيقول جبريلُ: كفيناكه. فأما الوليدُ بنُ المغيرة فتردى، فيتعلق سهمٌ بردائه، فذهب يجلس فقُطع أكحلُه، فنزف فمات، وأما الأسودُ بن عبد يغوث، فأتى بغصنٍ فيه شوك، فضربَ به وجهه، وسالت حدقتاه على وجهِه، فكان يقول: دعا علَِّّ محمد، ودعوتُ على محمد، فاستُجيب لي، واستجيب له دعا علِّ أن أعمى، فعميتُ ودعوت عليه أن يكون وحيداا طريداا في أهل يثربَ. وأما العاص بن وائل فوَطئ على شوكة، فتساقط لحمُه من عظامه حتى هلكَ. وأما الأسودُ بن المطلب، وعدي بن قيس، أحدُهما قام في الليل و هو ظمآن ليشربَ من ماء جرَّة، فلم يزل يشربُه حتى انفتق بطنُه فمات، وأما الآخرُ فلدغته حيةٌّ فمات (1). فأما قصةُ دخولِ بني هاشم شعبَ أبي طالب ، لما تحالفَت قريشٌ على أن لا يُبايعوا بني هاشم، ولا يُناكحوهم، ولا يخُالطوهم، وما في ذلك من دلائِله ﷺ: 87- فعن عروةَ بن ا لزبير، قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشةِ من عند النجاشي إلى مكةَ، قد أهلكَ الله صاحبَه، ومنعه حاجتَه، اشتدَّ المشركون على المسلمين كأشدِّ ما كانوا، حتى بلغَ المسلمين الجهدُ، واشتد عليهم البلاءُ، وعمد المشركون من قريشٍ، فأجمعوا مكرَهم وأمرَهم، على أن ي قتلوا رسولَ الله ﷺ (1) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره0/350-351، والطبري في تفسيره 00/051.
عدد الصفحات ١٧٤074 |مختصر دلائل النبوة علانيةا، فلما رأى ذلك أبو طالب، جمعَ بني عبدِ المطلب فأجمع لهم أمرهم على أن يُدخلوا رسولَ الله ﷺ شعبَهم، ويَمنعوه ممن أراد قتلَه، فاجتَمعوا كافرُهم ومسلمُهم، منهم من فعلَه حميةا، ومنهم من فعله إيماناا ويقيناا. فلما عرَفت قريشُ أن القومَ قد اجتمَعوا ومنعوا الرسولَ، واجتمَعوا على ذلك كافرُهم ومسلمُهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمَعوا أمرَهم على أن لا يجالِسوهم، ولا يخالِطوهم، ولا يُبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهَم، حتى يُسلِموا رسولَ الله للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفةا، وعهوداا، ومواثيقَ، ألا يقبلو ا من بني هاشم أبداا صلحاا، ولا تأخذُهم بهم رأفةٌ، ولا رحمة، ولا هوادةٌ، حتى يُسلِموا رسول الله ﷺ للقتل، فلبثَت بنو هاشمٍ في شعبهم ثلاثَ سنين، واشتد عليهم فيهن البلاءُ والجهد، وقطَعوا عليهم الأسواقَ، ولا يتركوا طعاماا يدنو من مكةَ ولا بيعا إلا بادَروا إليه ليقتلَهم الجوعُ، يريدون أن يتناوَلوا بذلك سفكَ دمِ رسول الله ﷺ. وكان أبو طالب إذا أخذ الناسُ مضاجعَهم، أمرَ رسول الله ﷺ فأتى فراشَه، حتى يراه من أراد به مكراا أو غائلةا، فإذا نوم الناسُ، أمر أحدَ بنيه، أو إخوته، أو بني عمه، فاضطجعَ على فراش رسول الله ﷺ، وأ مرَ رسول الله أن يأتي بعضَ فرشهم فيرقدَ عليها، فلما كان رأسُ ثلاثِ سنين، تلاوم رجالٌ من بني عبد مناف، ورجال من بني قُصي، ورجالٌ ممن سواهم، وذكروا الذي وَقعوا فيه من القطيعة، فأجمعوا أمرَهم من ليلتِهم على نقضِ ما تعاهَدوا عليه، والبراءةِ منه، وبعثَ الله على صحيفتِهم -التي فيها المكرُ برسول الله ﷺ- الأرضَةَ، فلحِست كلَّ شيء فيها، وكانت معلقةا في سقف الكعبةِ، وكان فيها عهدُ الله وميثاقُه، فلم تترك فيها
عدد الصفحات ١٧٥مختصر دلائل النبوة|075 شيئاا إلا لحِسته، وبَقِي فيها ما كان من شركٍ أو ظلم أو بغي، فأطلَع الله رسولَه عليه السلام على الذي صنع بالصحيفةِ. فقال أبو طالب: لا والثواقب، ما كَذَبني، فانطلق يَمشي بعصابةٍ من بني عبد المطلب حتى أتى المسجدَ، وهو حافلٌ من قريشٍ، فلما رأوهم أتو بجماعةٍ أنكروا ذلك، وظنوا أنِم خَرجوا من شدة البلاءِ، وأتوهم ليعطوهم رسولَ الله ﷺ. فتكلم أبو طالب، فقال: قد حدثَت أمورٌ بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتِكم التي فيها مواثيقُكم، فلعله أن يكونَ بيننا وبينكم صلحٌ، وإنما قال ذلك؛ خشيةَ أن ينظروا في الصحيفةِ، قبل أن يأتوا بها، وبادروا العينَ أن يأتيَهم بحديث رسولِ الله ﷺ الذي أخبرَه الله به، فأتوه بصحيفتِهم معجبين، لا يشكون أن الرسولَ مدفوعٌ إليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبَلوا، وترجِعوا إلى أمر يجمعُ عامتَكم، ويجمعُ قومَكم، لا يقطعُ ذلك بيننا وبينكم إلا رجلٌ واحد، جعلتُموه خطراا لعشيرتِكم وفسادكم. فقال أبو طالب: إنما أتيتُكم لنعطيَكم أمراا فيه نَصَفٌ بيني وبينكم، هذه الصحيفةُ، التي في أيديكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يَكذِبني، أن الله بعث عليها دابةا، فلم تترك فيها اسماا لله إلا لحِسته، وترك فيها غدرَكم وتظاهرَكم علينا بالظلمِ، فإن كان الحديثُ كما يقول: فأفيقوا، فوالله لا نُسلِمه حتى نموتَ من عند آخرنا، وإن كان الذي يقولُ باطلاا، دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتُم، أو استحييتُم. فقالوا: قد رَضينا بالذي تقول، ففُتِحت الصحيفةُ، فوجدوا الصادقَ المصدق قد أخبر خبرَها قبل أن تُفتحَ، فلما رأتها قريشٌ كالذي قال أبو طالب،
عدد الصفحات ١٧٦076 |مختصر دلائل النبوة قالوا: والله، ما كان هذا إلا سحرٌ من صاحبكم، وارتَكسوا أو عادو ا لأشرِّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدةِ على رسول الله وأصحابِه ورهطِه، والقيامِ على ما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفرُ من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرَنا، فكيف ترون فإنا نعلمُ أن الذي جمعتُم عليه من قطيعتنا، أقربُ للخبث والسحرِ، ولولا الذي اجتمعتُم عليه من السحر، لم تفسد الصحيفةُ وهي في أيديكم، فما كان لله من اسم هو فيها طمسه، وما كان من بغيٍ تركه في صحيفتِكم، أفنحن السحرةُ، أم أنتم؟ فندم المشركون من قريشٍ عند ذلك، وقال رجالٌ: منهم أبو البختري وهو العاصُ بن هاشم بن الحارث بن أسدِ بن عبد العزى بن قصي، ومنهم: المطعمُ بن عدي، وهاشمُ بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي، وكانت الصحيفةُ عنده، وزهيرُ بن أبي أمية، وزمعةُ بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، في رجال من قريش ولدَتهم نساءُ بني هاشم، كانوا قد نَدموا على الذي صنعوا. فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفةِ، فقال: أبو جهل: هذا أمر قُضِ بليلٍ (1). قال الشيخُ : وما امتُحن به رسولُ ا ﷺ من الحصر في الشعب ثلاث سنين، هو كسائر محنِ الأنبياء عليهم السلام، فقال تعالى: ﴿ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯪ﴾ [001]، وقال ﴿ﯔ (1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (ص053-037)، وابن منده في المستخرج من كتب الناس0/32-70، والبيهقي في دلائل النبوة 1/300-300.
عدد الصفحات ١٧٧مختصر دلائل النبوة|077 ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯴ﴾ [100]. وما ذُكر في شأن الصحيفة في رواية عروةَ والزهري، أن الأرَضةَ لحِسَت ما كان فيها من ذِكر الله، وبقي فيها ما كان فيها إلا (باسمك اللهم ) فقد يََتمل الأمرين جميعاا، وفي كل واحد منهما أعجوبةٌ وبرهانٌ، ولله الحمد.
عدد الصفحات ١٧٨078 |مختصر دلائل النبوة (26) وأما انشقاقُ ا لقمرِ فكان بمكةَ، لما اقترحَ المُشركون أن يُريهم النبيُّ ﷺ آيةً 88- عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ ا ﷺ شِقَّتين، فقال النبي ﷺ: «اشهدوا، اشهدوا»(1). 85- عن عبدِ ا كفَّارُ قريشٍ : هذا سحرٌ سحرَكم ابن أبي كَبشةَ، انظروا إلى الس فَّار، فإن كانوا قد رأوا ما رأيتُم، وإلا فإنه سحرٌ سحرَكم، وقدموا من غيرِ وَجهٍ، فسُئلوا، فقالوا: قد رَأَينا ما رأيتُم (2). 51- عن أنسٍ، أن أهل مكة سألوا النبي ﷺ عن آيةٍ، فأراهم انشقاقَ القمرِ مرتين(3). قال الشيخُ :فهذا نص القرآن قد وردَ بانشقاقِ القمر (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ) [1]، فظاهر الآيةِ دال على حصولِ الانشقاقِ، واتفق خمسةٌ من أعلامِ الصحابة وكبارِهم في روايتِهم على انشقاقِه، ولا مَدفَعَ بعد ظاهِرِ الآيةِ، واتفاقِ الروايات لكونه وحصولِه، فيُقال لمن أنكرَ وقو عَ انشقاقه، مِن مُتكلمي أهلِ القبلة، الذين يتأولون قولَه: (ﮮ ﮯ ) [0] يعني: اقتربَ انشقاقُه، وأن ذلك كقوله: (ﮈ ﮉ ﮊ ) [0] أي: سيأتي، كذلك قولُه (1) أخرجه البخاري3333)، ومسلم1211.) (2) أخرجه الطيال 0/133 (193)، والطبري «التفس»11/013، والبيهقي في «دلائل النبوة » 1/133. (3) أخرجه مسلم1211) واللفظ له، والبخاري3232) نحوه
عدد الصفحات ١٧٩مختصر دلائل النبوة|079 (انشق) سيَقرب انشقاقُه: كفى ما حصلَ من روايةِ الجماهيرِ من الصحابة بانشقاقِه، ثم ما رواه عن كلِّ واحدٍ منهم من العددِ الكثيرِ، وليس يلزمُ إذا سأل بعضُ المكذبين آية، أن تَستفيضَ حتى يَُيطَ برؤية تلك الآية جميعُ الناسِ، ويشتركُ في مُعاينتها الخاص والعام ، مع أنه غيرُ منكَرٍ رؤيةُ القمر في بلدٍ دون بلد، كما يكون السحابُ المطبقُ، والمطر الوابلُ، في بلدٍ دون بلدٍ، في يوم واحدٍ، وساعة واحدةٍ، لا سيما إذا كان حصولُ هذه الآية في بلدٍ عامة أهلِها المشركون الكفار، الذين يَرون هذه الآية سحراا، ويجَتهدون في إطفاءِ نورِ الله، وصدقَ من جاء بهذه الآيةِ، وأما المنجمونَ، فمن كان منهم في خطةِ الإسلام ويتدين بأن الله قادرٌ على إيجادِ سائر المقدورات، فليس في انشقاقِ القمرِ من الأُعجوبةِ ما في شجرةٍ تُدعى فتُقبل بعروقها وأصولها، وتُؤمرُ بالرجوعِ إلى موضِعها فترجعُ، فمن يرى تَسليمَ هذا في مقدورِ الله، ويُصدِّق به، فالقمرُ مثله في الانشقاقِ. ومن كان من المنجمينَ ممن لا يتدينُ بالإسلامِ والتوحيدِ، فإنه يَثبتُ عليه وجودُ الصانعِ القادرِ المريدِ العالمِ الحكيمِ، ثم يرتِّب عليه أمرَ النبوة، والآياتُ والمعجزاتُ وانشقاقُ القمر مجانسٌ لاحتباسِ الشمسِ عن جَرَيانِا على يوشعَ بنِ نون عليه السلام، وأثبته قومٌ، وأبطله آخرون، والحجةُ في الإ ثباتِ إذا ساعده الدليلُ، وباينه الاستحالة لا في النفي، والله أعلم.
عدد الصفحات ١٨٠081 |مختصر دلائل النبوة (27) ذِكرُ الإسراءِ 51- عن جابرٍ، أن رسولَ ا ﷺ قال: «لما هذَّبتني قريشٌ قُيُتُ في الحِجرِ، فجلىَّ الله ل بَيتَ المقدِسِ، فطفِقتُ أُخبرُهم عن آياتِه، وأنا أنظرُ إليه »(1). 52- عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «لقد رأيتُني في الحِجرِ، وأنا أُخبر قريشًا عن مَسيري ومَسراي، فسألوني عن أشياءَ من بيتِ المقدسِ ل أُثبِتها، فكرِبتُ هربًا ما هرِبت مثلَه قط ، فرفَعَهُ الله ل، أنظرُ إليه، فما سألوني عن شيءٍ إل أنبأتُم به »(2). قال الشيخُ : و حقيقةُ الإسر اءِ أوضحُ وأبين من أن يُستقصى فيه بآحادِ الأخبار لورود القرآنِ بذكر المسرى، وظاهرُ القرآن يدل على أنه أسري ببدنِه يقظاناا، إذ لو كان ذلك نائماا -على ما ذكَرَته الزائغةُ - لما اعترضَ فيه المشركون وطعنوا عليه ونسبوهُ فيه إلى الاستمالةِ، فإنه غير مُستنكَرٍ في الرؤيا -رؤيا المنامِ - قطعُ تلك المسافة بين المسجدين: الحرامِ والأقصى في حكم ساعة الليلِ. وأما العروجُ به في السماوات فسائغٌ غير ممتنعٍ عند المتدينين المسَلِّمين لله تعالى الاقتدار على طيِّ الأرض لأنبيائِه وأوليائه والصعودِ بهم إلى سماواته على أيدي ملائكته. فأما مُشاهدته ﷺ الأنبياءَ واجتماعُه معهم مصلياا بهم فمُخَرَّج على أن الله أحياهم كما يَُيي الخلائقَ جميعَهم للنشر، فغير مستنكَر أن الله أحياهم للاجتماعِ (1) أخرجه البخاري3223)، ومسلم071.) (2) أخرجه مسلم071.)
عدد الصفحات ١٨١مختصر دلائل النبوة|080 معه، ثم قبضهم إلى رحمته إلى حين البعثِ للمعادِ مع سائر الموت، وكل ما في قصة المسرى والمعراج من الأعاجيبِ والآيات فهي دلائلُ للنبيِّ ﷺ خاصة في نفسه، ليكون عليه السلام على بصيرةٍ مما يدعو إليه، ومن زوالِ الشكِّ فيمن يأتيه في أنه مَلَك ليس بشيطان. وقوله: (ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭞ..) [31] فليس ببين أن الإشارةَ به واقعة إلى ما رآه في ليلة الإسراءِ، وقد يجوزُ أن يكو ن ذلك في أشياء أُرِيهَا في نومِه، وقد يُسمى ما يُشاهَد بالليلِ رؤيا وما يُشاهد في غيره رؤية، ويكون الوجهان جميعاا في اليقظةِ دون النومِ، وقد يقال في اللقاءِ: لقيا فلا يُنكر أن يقالَ للرؤية: رؤيا. والله أعلم.
عدد الصفحات ١٨٢