المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

لمسات المستفيد في بعض المختلف من علم التجويد

حامد شاكر العاني

صفحة ٦ من ١٨

79 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net قال ابن الجزري في النشر: (الصحيح من أقوال الأئمة أنه إدغام ناقص من أجل صوت الغنة الموجود معه ، فهو بمنزلة صوت الإطباق الموجود مع الإدغام في (أحطت ) و(بسط ت)، والدليل على إن ذلك إدغاماً لوجود التشديد فيه ، إذ التشديد ممتنع مع الإخفاء) (1) . وأشار ابن الجزري في التمهيد إلى أن ما ذهبت فيه الغنة فهو إدغام تام مستكمل التشديد، وما بقيت فيه الغنة ظاهرة فيكون إدغاماً ناقصاً غير مستكمل التشديد (2). ومن المحدثين من سماه قلباً ناقصاً، وذلك بقوله: (فهو نوع من القلب تبعه إدغام ، ولكنه قلب ناقص إذ لم يتحول الصوت المقلوب إلى كل صفات الصوت المقلوب إليه ، مما جعل القدماء يسمون هذا النوع من الإدغام إدغاماً ناقصاً ) (3). واستخدم الدكتور إبراهيم أنيس مصطلح (انفمية ، للتعبير عن صوت الغنة الواقعة بين النون الساكنة والتنوين وبين الواو والياء، إذ قال: ( (من يقول (من وال) ليس نوناً بل هو ياء انفمية أو واو انفمية سمع عند النطق بها بأن يمر الهواء من كل من الأنف والفم) (4). والذي نخلص إليه إلى أن اختلاف العلماء في التسمية إنما هو خلاف في الَصطلاح، لَ في حقيقة النطق، لأنهم جميعاً يقولون إن إدغام النون في الواو والياء إذا كان بلا غنة مشدداً فهو إدغام كامل ، وذلك بأن تقلب النون واواً أو ياءً وتدغم في الحرف الذي بعدها ، وإذا كان بغنة ، أي بانتقال مخرج النون إلى مخرج الحرف الذي تدغم فيه م ع بقاء جريان النفس من الأنف، فإن بعضهم سماه إدغاماً ناقصاً ، لبقاء شيء من الصوت الأول، وبعضهم سماه إخفاءً لأنه تنطبق عليه ظاهرة الإخفاء . وقد سماه بعض المحدثين قلباً ناقصاً . والقول الذي نعول عليه ما ذهب إليه علماء التجويد وعلماء العربية كابن الجزري والمرصفي وغيرهما إلى أن الإدغام الكامل ما كان مشدداً والإدغام الناقص ما بقيت صفته ولم يشدد كما في (أحطت) (بسطت). فإدغام النون الساكنة والتنوين مع الواو والياء من قبيل ا لإدغام الناقص والله أعلم ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : ﴿مِن وَال ﴾ (الرعد: 11)، ﴿مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ ﴾ (البقرة : 25)، ﴿وَمَن يـَعْمَلْ ﴾ (طه: 112)، ﴿خَيْراً يـَرَهُ ﴾ (الزلزلة : 1)، وغيرها كثير .  (1) انظر: النشر في القراءات العشر 2/24. (2 )التمهيد في علم التجويدص 124 (3) انظرالأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس ص 11. (4) المصدر نفسه

عدد الصفحات ٧٩

81 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net المطلب الرابع: اختلافهم في إدغام النون الساكنة والتنوين مع اللام والراء بغنة وبغير غنة اعلم أن إدغام النون الساكنة والتنوين مع اللام والراء بغنة ورد إلينا من طريق طيبة النشر فقط، ومن غير غنة من طريق الشاطبية والدَّرة. قال الشيخ محمد علي الضباع : (وما يدغمان فيه بلا غنة من طرق الشاطبية والدَّ رة عند جميع القرَّ اء وعند بعضهم من طرق الطيبة، وذلك في اللام والراء فيبدل كل من النون الساكنة والتنوين لَماً ساكنة عند اللام وراء ساكنة عند الراء، ويدغم فيما بعده إدغاماً تاماً لجميع القرَّ اء على ما قرأنا به من طرق الكتابين المذكورين نحو ﴿من لدنه﴾ و﴿يومئذ لخبير﴾ و﴿عن ربهم ﴾ و﴿رءوف رحيم ﴾. وقرأنا لنافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمر و ويعقوب وابن عامر وحفص؛ بإدغامهما بغنة عن الحرفين المذكورين من طرق الطيبة. ويسمى الأول إدغاماً كاملاً لذهاب الغنة منه وهذا هو المشهور المأخوذ به ويسمى الثاني إدغاماً ناقصاً لبقاء أثر الغنة معه) (1). علة إدغام النون الساكنة والتنوين مع اللام والراء بغنة وغير غنة : بادئ ذي بدئ لَ بد أن نعرف علة إدغام النون الساكنة والتنوين من اللام والراء ، فيُعلل القدامى وعلماء التجويد إدغام النون الساكنة والتنوين في (اللام، والراء)، لتقارب المخارج على طرف اللسان وتناسب الصفة. قال سيبويه: )النون تدغم مع الراء لقرب المخرجين على طرف اللسان ، وهي مثلها في الشدة،... وتدغم بغنة وبلا غنة . وتدغم في اللام لأنها قريبة منها على طرف اللسان،... فإن شئت كان إدغاماً بلا غنة فتكون بمنزلة حروف اللسان، وإن شئت أدغمت بغنة لأن لها صوتاً من الخياشيم فترك على حاله؛ لأن الصوت الذي بعده ليس له في الخياشيم نصيب فيغلب عليه الَتفاق) (2). وذهب أكثر علماءالتجويد إلى إدغام النون الساكنة والتنوين إدغاماً تاماً في (اللام والراء)، فينقلبان من جنسهما قلباً صحيحاً ، ويدغمان إدغاماً تاماً ، ويصير مخرجهما من مخرجهما ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لََّ تـُبْصِرُونَ ﴾ (الواقعة: 45)، و﴿هُدًى ل ِلْمُتَّقِينَ ﴾ (البقرة : 2)، و﴿م ِن رَّب ِهِمُ ﴾ (النجم: 23)، و﴿ثَمَرَة ر ِزْقاً ﴾ (البقرة : 25). القراءة بغير غنة : قال ابن الجزري في النشر : ((وهو الإدغام) فإنه يأتي عند ستة أحرف أيضاً وهي حروف (يـَرْمِلُونَ ) منها حرفان بلا غنة وهما اللام والراء نحو ﴿فَإِنْ لَمْ تـَفْعَلُوا﴾، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾، ﴿مِنْ رَب ِهِمْ ﴾، ﴿ثَمَرَة رِزْقًا﴾ هذا هو مذهب الجمهور من أهل الأداء والجُلة من أئمة التجويد وهو الذي عليه العمل عند أئمة الأمصار في هذه الأعصار وهو الذي لم يذكر المغاربة (1) انظر: موقع شبكة الألوكة – الغنة لمحمد علي الضباع http://www.alukah.net/literature_language/0/46309/ (2) انظر: الكتاب لسيبويه4/452.

عدد الصفحات ٨٠

81 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net قاطبة وكثير من غيرهم سواه كصاحب (التـَّيْسِيرِ )، و(الشَّاطِبِيَّةِ )، و(الْعُنـْوَانِ )، و(الْكَافِي)، و(الْهَادِي)، و(التـَّبْصِرَةِ )، و(الْهِدَايَةِ )، و(تـَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ )، و(التَّجْرِيدِ )، و(التَّذْكِرَةِ )، وغيرهم ) (1). يقول علم الدين السخاوي: (والموجب للإدغام في اللام والراء طلب الخفة وساغ ذلك لقرب المخرج والموجب لإذهاب الغنة أن الغنة ها هنا فيها كلفة على اللسان) (2). وادعى ابن القاصح (ت 451 ه: (عدم الغنة عند القراء كلهم ، وفعلُها لحن خفي عندهم) (3). ويرى الَسترباذي (ت 646 ه أن الأولى ترك الغنة (4). وينقلب التنوين أو النون من جنس اللام والراء قلباً محضاً ، وذلك حقيقة الإدغام وإظهار الغنة في العربية جائز. وعلل السخاوي حذف الغنة في اللام والراء بقوله: (إنما أذهبت الغنة ها هنا للقرب فكان الراء واللام لقربهما من التنوين والنون قد صارا كالأمثال التي ينوب بعضها عن بعض وحين بُ عدا من الواو والياء والميم احتيج إلى بقاء الغنة لتدل على الحرف المدغم) (5). يقول ابن الجزري في ذهاب الغنة عند الإدغام: (وذهبت الغنة لأن حق الإدغام ذهاب لفظ الحرف الأول بكليته وتصييره بلفظ الثاني) (6). ويقول الملا علي القاري : (وجه الإدغام في اللام والراء تلاصق المخرج عند الجمهور واتحادهما عند جمع ونفى الغنة مبالغة في التخفيف) (1). وقال الشاطبيفي البيت رقم (246): (وَكُلُّهُمُ التـَّنْوينَ وَالنُّونَ ادْغَمُوا..... بِلاَ غُنَّة فِي ال لاَمِ وَالرَّا لِيَجْمُلاَ). قال أبو شامة في شرحه لقول الشاطبي : (أي؛ كل القرَّ اء أدغموهما في اللام والراء للقلب وأسقطوا غنة التنوين والنون منهما لتنزلهما من اللام والراء منزلة المثل لشدة القرب والضمير في ليجملا اللام والراء أو التنوين والنون ولم يقيد النون في نظمه بالسكون اجتزاء بذكر ذلك في ترجمة الباب ولو قال وقد أدغموا التنوين والنون ساكناً لحصل التقييد ولم يضر إسقاط لفظ كل لأن الضمير في أدغموا يغني عنه) (4). واستثنىبعض أهل العلم ﴿من راق ﴾ (القيامة: 24 )من هذا الحكم لوجود السكت المانع من الإدغام عند حفص عن عاصم من طريق الشاطبية . (1) النشر في القراءات العشر 2/23. (2) فتح الوصيد في شرح القصيد 1 /453. (3) انظر: نزهة المشتغلين في أحكام النون الساكنة والتنوين ص 224. (4) شرح شافية ابن الحاجب 3/213. (5) فتح الوصيد في شرح القصيد 1 /453. (6 )التمهيد في علم التجويد ص156. (1) انظرالمنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية ص 45. (4) انظرإبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة 1/245.

عدد الصفحات ٨١

82 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net ويخالف هذا القول الشيخ محمد مكي نصر إذ يقول: (فإن قلت: أليس يستثنى من الإجماع المذكور قوله ﴿من راق﴾ فإن حفصاً لَ يدغم النون في الراء هنا بل يسكت على (من) ثم يقول (راق ). قلت: لَ يستثنى لأن إدغامهما فيهما إنما يكون عند ملاقاتهما إياهما والسكتة تمنع الملاقاة وتفصل بين الحرفين فلو لم يسكت حفص لأدغم البته) (1) . ويرى فريق من أهل العلم بأن السكت لم يفصل بدليل أنه ليس بنفس ويستدلون بقول مكي كان حفص يقف على ﴿عوجاً ﴾ وقفة خفيفة في وصله. أي دون قطع نفس لأنه في وقفه واصل(2) . إذنلماذا سكت حفص على ﴿من راق ﴾ في سورة القيامة الْية ( 24)، و﴿بل ران ﴾ في سورة المطففين الْية ( 14 ) من طريق الشاطبية؟ والجواب أنك أذا قلت (مرَّ اق) (برَّ ان) فيتوهم السامع أن الأول مبالغة (مارق ) والثاني ثنية (البر) (3) . وعلة الإدغام، لأنه متصل في الخط والإدغام فرع ولَ كراهة فيه، ولو لزم الوقف على اللام والنون ليظهر للزم في كل مدغم. ويرى المهدوى ليس لقراءة حفص وجه من الَحتجاج يعتمد عليه إلََّ الرواية (4) . القراءة بغنة : قال ابن الجزري في النشر : (وَذَهَبَ كَثِير مِنْ أَهْلِ الأَْدَاءِ إِلَى الإِْدْغَامِ مَعَ إِبـْقَاءِ الْغُنَّةِ ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ كَنَافِع ، وَابْنِ كَثِير ، وَأَبِي عَمْر و، وَابْنِ عَامِر ، وَعَاصِم ، وَأَبِي جَعْفَر ، وَيـَعْقُوبَ ، وَغَيْرِهِمْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي الْفَرَجِ النـَّهْرَوَانِي ِ عَنْ نَافِع ، وَابْنِ كَثِير ، وَ أَبِي عَمْر و، وَابْنِ عَامِر ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّار فِي (الْمُسْتَنِيرِ ) عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِي الْعَطَّارِ عَنْهُ ، وَقَالَ فِيهِ : وَخَيـَّرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَالُونَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِي ِ قَالَ : وَذَكَرَ أَبُو الْحَ سَنِ الْخَيَّاطُ عَنِ السُّوسِي ِ وَأَبِي زَيْد كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : وَقـَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَلِي الْعَطَّارِ عَنْ حَمَّاد وَالنـَّقَّاشِ بِتـَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ أَيْضًا . وَرَوَاهُ أَبُو الْعِز ِ فِي إِرْشَادِهِ عَنِ النـَّهْرَوَانِي ِ عَنْ أَبِي جَعْفَ ر ، وَزَادَ فِي (الْكِفَايَةِ ) عَنِ ابْنِ حَبَش عَنِ السُّوسِي ِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِح عَنْ قَالُونَ ، وَعَنْ نَظِيف عَنْ قـُنـْبُل ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلاَءِ فِي غَايَتِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ ، وَعَنِ السُّوسِي ِ ، وَعَنِ الْمُسَيَّ بِي ِ عَنْ نَافِع ، وَعَنِ النـَّهْرَوَانِي ِ عَنِ الْيَزِيدِي ِ وَانـْفَرَدَ بِتـَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ عَنِ الصُّورِي ِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الرَّاءِ خَاصَّةً وَأَطْلَقَ ابْنُ مِهْرَانَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ غَيْرِ أَبِي جَعْفَ ر ، وَحَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِي ِ ، وَخَلَف ، وَقَالَ : إِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي عَمْر و إِظْهَارُ الْغُنَّةِ ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْمُطَّو ِعِي ِ عَنْ أَبِي بَكْر عِنْدَ الرَّاءِ ، وَعَنِ الشَنـَبُوذِي ِ عَنْ أَبِي بَكْر فِيهِمَا بِوَجْهَيْنِ قَالَ وَقـَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ بِالتـَّبْقِيَةِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا قَالَ : وَخَيـَّرَ الْبـَز ِيُّ بـَيْنَ الإِْدْغَامِ وَالإِْظْهَارِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا. قَالَ : وَبِالْوَجْهَيْنِ قـَ رَأْتُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي (الْكَامِلِ ) عَنْ غَيْرِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِي ِ ، وَخَلَف ، وَهِشَام ، وَعَنْ غَيْرِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَر ، وَعَنْ وَرْش ، غَيْرِ الأَْزْرَقِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ فِي (الْمُ نـْتـَهَى) عَنِ ابْنِ حَبَش عَنِ

عدد الصفحات ٨٢

وَهِشَام ، وَعَنْ غَيْرِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَر ، وَعَنْ وَرْش ، غَيْرِ الأَْزْرَقِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ فِي (الْمُ نـْتـَهَى) عَنِ ابْنِ حَبَش عَنِ السُّوسِي ِ ، وَعَنِ ابْنِ مُجَاهِد عَنْ قـُنـْبُل ، وَعَنْ حَفْص مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ زَرْعَانَ ، وَعَنِ الْحُلْوَانِي ِ عَنْ هِشَام ، وَعَنِ الصُّورِي ِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ ، وَذَكَرَهُ فِي (جَامِعِ الْبـَيَانِ ) عَنْ قـُنـْبُل مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنـَبُوذَ فِي اللاَّمِ خَاصَّةً ، وَعَنِ الزَّيـْنَبِي ِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنِ الْبـَز ِي ِ ، وَقـُنـْبُل فِي اللاَّمِ وَالرَّاءِ ، وَعَنِ ابْنِ عَوْن عَنِ الْحُلْوَانِي ِ عَنْ قَالُونَ ، وَعَنِ الأَْصْبـَهَانِي ِ عَنْ وَرْش ، وَعَنِ الشَّمُّ ونِي ِ عَنِ الأَْعْشَى عَنْ (1 )نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن المجيد ص 121. (2) إبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة 1/245. (3) المصدر نفسه1/556. (4) المصدر نفسه.

عدد الصفحات ٨٢

83 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net أَبِي بَكْر عَنْ إِبـْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّاد عَنْ هِشَام، وَرَوَاهُ الأَْهْوَازِيُّ فِي وَجِيزِهِ عَنْ رَوْح (قـُلْتُ) : وَقَدْ وَرَدَتِ الْغُنَّةُ مَعَ اللاَّمِ وَالرَّاءِ عَنْ كُل مِنَ الْقُرَّاءِ وَصَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ كُ تَّابِنَا نَصًّا وَأَدَاءً عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْص . وَقـَرَأْتُ بِهَا مِنْ رِوَايَةِ قَالُونَ ، وَابْنِ كَثِير ، وَهِشَام ، وَعِيسَى بْنِ وَرْدَانَ ، وَرَوْح ، وَغَيْرِهِمْ) (1). ورجح المبرد إظهار الغنة في ذلك (2). وقال مكي بن أبي طالب :)وأجاز النحويون إظهار الغنة مع اللام خاصة، والذي أجمع عليه القرَّ اء إدغام الغنة مع الراء واللام نحو قوله تعالى ﴿من لدنه﴾، و ﴿من ربهم ﴾، وذلك إجماع من القرَّ اء، والإظهار في مثل هذا يعده القرَّ اء لحناً لبعده من الجواز. وقد أتت به روايات شاذة غير معول بها) (3). وذكر ابن الباذش روايات كثيرة جاءت من طريق إدغام النون في الراء واللام مع بقاء الغنة ، وادعى أن أبا الطيب التائب وأبا بكر الشذائي كانا يذهبان إلى أنه إخفاء وليس بإدغام ، وحجتهم في ذلك أنه (لو كان إدغاماً لذهبت الغنة بانقلاب النون إلى حرف لَ غنة فيه، لَن حكم الإدغام أن يكون لفظ الأول من الحرفين كلفظ الثاني ) (4)، ثم حكى عن أبيه أنه يميل إلى إذهاب الغنة، فقال: (سألت أبي: أيهما أحبُ إليك في الراء واللام ؟ فقال: الأمر في هذا متقارب ، قال: وإنما أميل إلى ذهاب الغنة) (5)، وحجته في ذلك أن ذهاب الغنة في (اللام ، والراء)، أقرب من إذهاب الإطباق في قوله تعالى : ﴿أَحَطتُ ﴾ (النمل: 22)، الذي حكاه سيبويه (6) .واتفق الأغلب من المحدثين مع القدمى وعلماء التجويد على أن النون الساكنة والتنوين تدغم في (اللام ، والراء) بدون غنة (1)، وأن صوت (اللام ، والراء)، من أوضح الأصوات الساكنة في السمع، ولهذا أشبهت من هذه الناحية أصوات اللين (4) . فخلاصة القول في هذه المسألة والذي عليه العمل، ما ذهب إليه جمهور القرَّ اء إلى عدم الغنة مع الراء واللام، فشعبة، وحمزة ، والكسائي، وخلف في اختياره بعدم الغنة قولًَ واحداً . وإن كانت محكية عن شعبة في النشر. وذهب جمهور القرَّ اء من المتأخرين إلى عدم الغنة أيضاً عن الأزرق وهو معمول به عندهم. والباقون بالخلاف، والوجهان صحيحان مقروء بهما. والأشهر عنهم عدم الغنة. وهذا ما قرأناه على مشايخنا لثقلها . قال ابن الجزري في النشر: ((الرابع) إِذَا قُرِئَ بِإِظْهَارِ الْغُنَّةِ مِنَ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتـَّنْوِينِ فِي اللاَّمِ وَالرَّاءِ لِلسُّوسِي ِ ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَمْر و فـَيـَنـْبَغِي قِيَاسًا إِظْهَارُهَا مِنَ النُّونِ الْمُتَحَر ِكَةِ فِيهِمَا نَحْوَ ﴿نـُؤْمِنَ لَكَ ﴾، ﴿زُي ِنَ لِلَّذِينَ ﴾، ﴿تـَبـَيَّنَ لَهُ ﴾ وَنَحْوَ ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾، ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَب ِي﴾ إِذِ النُّونُ مِنْ ذَلِكَ تَسْكُنُ أَيْضًا لِلإِْدْغَامِ ، وَبِعَدَمِ الْغُنَّةِ قـَرَأْتُ عَنْ أَبِي عَمْر و، وَفِي السَّاكِنِ (1 )النشر في القراءات العشر 2/23. (2) انظر: المقتضب للمبرد 1/211. (3) انظر: الكشف عن وجوه ال قراءات السبع لمكي بن أبي طالب القيسي 1/162. (4 )الإقناع في القراءات السبع لَبن الباذش 1/252. (5) انظر: المصدر نفسه1/251. (6) المصدر نفسه (1) انظر: الأصوات اللغويةللدكتور إبراهيم أنيس ص 144 -145-146، والمدخل إلى علم أصوات العربية لغانم قدوري ص 231. (4) انظر: المدخل إلى علم أصوات العربية لغانم قدوري ص 63.

عدد الصفحات ٨٣

84 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وَالْمُتَحَر ِكِ وَبِهِ آخُذُ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَارِئَ بِإِظْهَارِ الْغُنَّةِ إِنَّمَا يـَقْرَأُ بِذَلِكَ فِي وَجْهِ الإِْظْهَارِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُدْغِمِ الإِْدْغَامَ الْكَبِيرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (1).  (1) انظر: النشر في القراءات العشر 2/22.

عدد الصفحات ٨٤

85 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net المبحث الرابع اللمسات في بعض المختلف من أحكام الميم الساكنة وفيه المطالب الْتية: - اختلافهم في حكم الميم الساكنة مع الباء - اختلافهم في طبيعة قراءة الإخفاء الشفوي - اختلافهم في الإخفاء والإخفات المطلب الأول: اختلافهم في حكم الميم الساكنة مع الباء اختلف العلماء في إعطاء سبب محدد لحكم الميم الساكنة مع الباء، و ليس هناك تعليقاً منضبطاً على سبب ذلك، وهي على أقوال ثلاثة كما قال الشيخ المرادي عند حكاية حكم الميم الساكنة: (أجمع القراء إلََّ من شذَّ على الميم الساكنة لَ تدغم في الباء ثم اختلفوا هل تظهر أو تخفى على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تظهر ولَ تخفى وإليه ذهب كثير من المحققين منهم طاهر ابن غلبون، وابن المنادي والإمام شريح ، وبه جزم مكي. والثاني: أنها تخفى، وإليه ذهب قوم، منهم أبو الحسن الأنطاكي، وأبو الفضل الخزاعي ، وروي كل من القولين عن ابن مجاهد. والثالث: التخيير في إظهارها وإخفائها ونسبهم بعضهم إلى ابن مجاهد أيضاً ، وليس في كلام الناظم ترجيح) (1). القول الأول: في إظهارها ونفي الإخفاء : وهي إذا سكنت الميم وجب أن يتحفظ بإظهارها ساكنة عند لقائها بالباء أو الفاء أو الواو، وهو قول أبي محمد البغدادي، وطاهر ابن غلبون، وابن المنادي، وأبي الحسن بن شريح ، وبه جزم مكي بن أبي طالب . قال مكي في (الرعاية) : (وإذا سكنت الميم وجب أن يتحفظ بإظهارها ساكنة عند لقائها باء أو فاء أو واو ... لَ بد من بيان الميم الساكنة في هذا كله ساكنة من غير أن يحد فيها شيء من حركة ، وإنما ذلك خوف الإخفاء والإدغام لقرب الميم من مخرجهن لأنهن كلهن يخرجن من الشفتين) (2). (1) انظر: توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك 1/115. (2) انظر: الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ص 256 و251.

عدد الصفحات ٨٥

86 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وقال الإمام إبراهيم بن عمر الجعبري الخليلي (ت 132هـ) في (كنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني): (وقطع أبو محمد البغدادي بعدم إخفائها عند الباء في قوله: (ولَ تخفين الميم عند سكونها إذا لقيت باء فذاك معطـــــــل وأصل ظهور الميم للغنـــــة التي تحل بها والقول فيها يفصل) القول الثاني: في إخفائها بإطباق الشفتين: من المعلوم أن مخرج الباء والميم من بين الشفتين ، فإخفاؤها بالباء كما يقول بعض العلماء مراعاة للإنطباق والَختصاص، وهو كلام أبي عمرو الداني، وأبي الحسن الأنطاكي، وأبي الفضل الخزاعي ، وعبد الوهاب القرطبي ، وابن الباذش، وهو اختيار الجمزوري ، ومن المحدثين الشيخ المرصفي . و الإخفاء في الَصطلاح هو: عبارة عن النطق بحرف ساكن عار من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول. وفي ما يأتي نذكر بعضاً من أقوالهم: قال أبو عمرو الداني: (وإذا التقى الميم بالفاء أنعم ببيانه للغنة التي فيه (أي أصل الغنة المظهرة )... روى عن الكسائي وذلك غير صحيح ولَ جائز.... فإن تلقت الميم بالباء فعلماؤنا مختلفون في العبارة عنهما: فقال بعضهم هي مخفاة لَنطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على أحدهما وهذا مذهب بن مجاهد، وإلى هذا ذهب شيخنا علي بن بشر..... قال أبو الحسن ابن المنادى: أخذنا عن أهل الأداء بيان الميم الساكنة عند الواو والفاء..... وقال أحمد بن يعقوب التائب: أجمع القرَّ اء على تبين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيت باء في جميع القرآن ، قال: وكذلك الميم عند الفاء وذهب إلى هذا جماعة من شيوخنا .... وبالأول أقول) (1). وقالابن الباذش في (الإقناع في القراءات السبع) : (وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأنطاكي، وأبو الفضل الخزاعي، وعثمان بن سعيد، وبه كان يأخذ أصحابه فيما ذكر لي أُ بي رضي الله عنه، وكذلك أخذ على عياش بن خلف عن قراءته على محمد بن عيسى، ويحكى أنه مذهب الفرَّ اء)، ثم قال: (وقال لي أبو الحسن بن شريح فيه بالإظهار، ولفظ لي به، فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقًا واحدًا) (2). فالعبارة متطابقة بين الإخفاء وبين الإظهار فكلاهما بانطباق الشفتين على الحرفين انطباقاً واحداً . و قال عبد الوهاب القرطبي في (الموضح في التجويد) عند كلامه عن الميم الساكنة عند ملاقاتها صوت الباء تأييداً لقول الإمام الداني ما نصه: (فقال بعضهم: هي مخفاة لَنطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على أحدهما..) (3). وقال الجمزوري صاحب التحفة إلى الإخفاء الشفوي مقتصراً عليه بقوله فيها: (فالأولُ الإخفاءُ عند الباءِ وسم ِهِ الشَّفويَّ للقُرَّاءِ) (4) (1 )التحديد في الإتقان والتجويد ص152. (2) الإقناع في القراءات السبع لَبن الباذش 1/64. (3) التحديد في الإتقان والتجويد للداني ص16، والموضح في التجويد ص 21 وما بعدها (4) السعود في قراءة عاصم بن أبي النجود ص 115.

عدد الصفحات ٨٦

87 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وقال المرصفي في (هداية القاري ): (والإخفاء مع الغنة هو المختار وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وغيرها واختاره أكثر المحققين كالحافظ أبي عمرو الداني وابن الجزري وابن مجاهد وغيرهم) (1). ومنهم من لَ يعلق على ذلك وينسبها إلى لغة العرب ك الشيخ الدكتور أيمن رشدي سويد (حفظه الله تعالى). القول الثالث: بالتخيير بين الإظهار والإخفاء: ومنهم من ذهب إلى التخيير في إظهارها وإخفائها ونسبه بعضهم إلى ابن مجاهد (رحمه الله) . قال ابن مجاهد في إخفائها عند ملاقاتها الباء: (والميم لَ تدغم في الباء لكنها تخفى؛ لأن لها صوتاً من الخياشيم تواخي به النون الخفيفة، قال: وهو قول سيبويه) (2). وقال الجعبري في (الكنز) عن ابن مجاهد بالتخيير بين الإظهار والإخفاء: (والذي استقر عليه رأي المحققين كابن مجاهد إظهارها عند الفاء والواو والتخيير بين إظهارها وإخفائها عند الباء مراعاة للانطباق والَختصاص). أما في حالة الإخفاء المصاحب للغنة تنطبق الشفتان على الميم فقط حتى ينتهي القارئ من غنة الميم ثم ينتقل بإطباق آخر للباء فيفترقان . إلََّ أن قول ابن الجزري في النشر: (وأما الحكم الثالث وهو (القلب): فعند حرف واحد وهي الباء فإن النون الساكنة والتنوين يقلبان عندها ميماً خالصةً من غير إدغام وذلك نحو: ﴿أنبئهم﴾، و ﴿من بعد﴾، و ﴿صم بكم﴾ ولَبد من إظهار الغنة مع ذلك فيصير في الحقيقة إخفاء الميم المقلوبة عند الباء فلا فرق حينئذ في اللفظ بين ﴿أن بورك ﴾، وبين، ﴿يعتصم بالله﴾ إلََّ أنه لم يختلف في إخفاء الميم ولَ في إظهار الغنة في ذلك) (3). وأشار إليه أيضاً في المقدمة الجزرية مختاراً له بقوله فيها: (........................ وأخْفَيَن الميمَ إنْ تسكُنْ بغُنَّة عند الباء على المُخْتار مِنْ أهْلِ الأدَاء) (4) ومن العلماء أيضاً الذين قالوا بجواز الوجهين : ما نقل عن الشيخ طاش كبرى زادة (ت 264هـ) في شرح المقدمة الجزرية جواز الأمرين مؤيداً بذلك كلام ابن الجزري في النشر(5). وقال الشيخ المقرئ عبد الرازق بن علي بن إبراهيم : (والإخفاء مع الغنة هو المختار وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس، وغيرها ، واختاره أكثر المحققين كالحافظ أبي عمرو الداني وابن الجزري وابن مجاهد ، وغيرهم ، وذهب جماعة إلى الإظهار، والمعمول به هو الإخفاء لعدم العمل بالإظهار من عصر الجزري إلى الْن .. وصحح الوجهين كذلك لكل القرَّ اء ولم يرجح أحدهما على الْخر الصفاقسي في غيث النفع .. وصححهما كذلك شارحوا الجزرية وغيرهم ، وعليه فلا (1) هداية القاري إلى تجويد كلام الباري 1/125. (2) الإقناع في القراءات السبع لَبن الباذش 1/64. (3) انظر: النشر في القراءات العشر 2/26. (4) المقدمة الجزرية ص 16. (5) انظر: شرح المقدمة الجزرية للشيخ طاش كبرى زادة ص 125.

عدد الصفحات ٨٧

88 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وجه لمن منع وجه الإظهار من غير غنة أو خط أ من يقول به حيث إنه صحيح، وثابت لكل القرَّ اء وهذا معنى قوله (ابن الجزري في المقدمة) : الميم إن تسكن بغنة لدى.... باء على المختار من أهل الأداء) (1). ونقل الشيخمحمد مكي الجريسي ( ت 1322هـ) في (نهاية القول المفيد) كلام ابن الجزري وأقره (2) . وقال الشيخ أحمد الطويل: (للعلماء في إخفاء الميم الساكنة عند الباء ثلاثة مذاهب.. الثاني: إسكان الميم وإظهارها من غير غنة وعليه أهل الأداء بالعراق ، وهو خلاف الأولى، والوجهان صحيحان معمول بهما) (3). وقال الشيخ سعيد العنبتاوي في منظومته: (فالأول الإخفاء عند الباء..... وسمــــــــــــه الشفوي للقــــــــرَّ اء مع غنـــــــــــــــة والجزري أخبرا .... إخفاؤها خلف فكن مخيرا ) (4) وقال الشيخ عطية قابل نصر: (وذهب جماعة إلى الإظهار ولكنه خلاف الأولى) (5). وقال الشيخ المقرئ عبد الله بن صالح العبيد: (ولَ فرق في ذلك بين (الإخفاء الشفوي) و(القلب). المتقدم في باب النون الساكنة والتنوين. غير أن الإخفاء فيه وجه صحيح وهو: الإظهار بخلاف القلب فلا إظهار فيه إجماعاً . ثم قال في الحاشية: لكن العمل الْن على وجه الإخفاء، وأما من أنكر من المتأخرين وجه الإظهار فقد أتي من قلة اطلاعه على كلام السلف في هذا العلم) (6). وجاء في (البرهان ) للشيخ محمد صادق قمحاوي ما نصه: (وقيل حكمها الإظهار والإخفاء أولى) (1). ونقل عن الشيخ المقرئ محمد بن عبد الحكيم العبد الله جواز الوجهين كما في كتابه (المفيد أحكام وقواعد في علم التجويد) (4) . يقول الشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي : (كل هؤلَء من القرَّ اء والمقرئين ، وغيرهم بعد ابن الجزري ذكروا وجه الإظهار، ورجحوا الإخفاء لكن لم يقل أحد منهم أن وجه الإظهار شاذ، ولَ يجوز أن يقرأ به، وكيف يصح وصفه بالشذوذ وقد حكي الإجماع على صحته؟! وما زال العلماء يتناقلونه في كتبهم إلى اليوم !. ثم مَن ذا الذي أحاط بجميع المقرئين في العالم، وتحصل له أن المشافهة بوجه الإظهار قد انقطعت، ولَ يوجد على وجه الأرض من يقرأ بها ولَ من (1) انظر: الفوائد التجويدية في شرح المقدمة الجزرية ص 143. (2) انظر: نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن المجيد ص 126. (3) انظر: فن الترتيل وعلومه 2/161. (4) حلية القرَّاء في فن التجويد والأداء للعنبتاوي– أحكام الميم الساكنة ص 6. (5) انظر: الإتقان في تجويد القرآن ص 36. (6) انظر: غاية المريد في علم التجويد ص 15. (1) انظر: البرهان في تجويد القرآن للشيخ محمد صادق قمحاوي ص 23. (4) انظر: المفيد أحكام وقواعد في علم التجويد للشيخ المقرئ محمد بن عبدالحكيم العبد الله ص 11. وقد قدم للكتاب جمع من العلماء منهم المقرئ الشيخ محمد نبهان مصري.

عدد الصفحات ٨٨

89 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net تلقاها، خصوصاً أن الإظهار حكي عن أهل العراق ، والمشرق وهؤلَء أهل المشرق لَ يزال الَتصال بهم ضعيفاً مقارنة بأهل المغرب ، وعدم العلم ليس علماً بالعدم). و خلاصة القول أن إخفاء الميم الساكنة بالباء مع الغنة هو الأشهر وعليه العمل عند علماء التجويد وعليه الأكثر، فلم يعط أحد من العلماء عن سبب الإخفاء، والله أعلم بذلك. وسبب تسميته شفوياً لخروج الميم والباء من الشفتين مع بعض الخلاف البسيط بينهما: ووجهه التجانس في المخرج وفي أكثر الصفات. والإظهار أيضاً وجه صحيح، وبأيهما قرأ القارئ فهو مصيب إلََّ أن الإخفاء أولى للإجماع على إخفائها عند القلب، وعلى إخفائها في مذهب أبي عمرو حالة الإدغام نحو ﴿أعلم بالشاكرين ﴾(1).  المطلب الثاني: اختلافهم في طبيعة قراءة الإخف اء الشفوي اختلف العلماء في طبيعة قراءة الإخفاء الشفوي هل يقرأ بإطب اق الشفتين أم بالفرجة مع الغنة . وفيما يأتي نذكر بعضاً من أقوال العلماء المتخصصين بعلم التجويد الذين قالوا: إن الخلاف دائر بين إظهار الميم الساكنة أو إخفائها: فقد ورد نص ذكره الدكتور أيمن سويد في (التذكرة ) عن الإمام طاهر بن غلبون وهو شيخ أبي عمرو الداني بقوله: (وأما الميم مع الباء فهي مخفاة لَ مدغمة، والشفتان أيضاً ينطبقان معهما) (2). وقال أبو عمرو الداني في (التحديد في الإتقان والتجويد): (وإن التقى بالفاء أو الواو أنعم بيانه للغنة التي فيه - أي أصل الغنة المظهرة -، إذ كان الإدغام يذهبها فيختل بذلك. على أن أحمد بن أبي سريج قد روى عن الكسائي إدغامه في الفاء، وذلك غير صحيح ولَ جائز. فإن التقت الميم بالباء نحو ﴿ءَامنتم به﴾، ﴿وأن احكم بينهم﴾، و﴿كنتم به﴾، ﴿ومن يعتصم بالله﴾، و﴿أم بعيد ﴾، وما أشبهه، فعلماؤنا مختلفون في العبارة عنها معها: فقال بعضهم هي مخفاة لَنطباق الشفتين عليهما، فانطباقهما على إحداهما. وهذا مذهب ابن مجاهد، في ما حدثنا به الحسين بن علي، عن أحمد بن نصر، عنه، قال: والميم لَ تدغم في الباء لكنها تخفى، لأن لها صوتاً في الخياشيم، تواخي به النون الخفيفة. وإلى هذا ذهب شيخنا علي بن بشر (رحمه الله). قال أبو العباس محمد بن يونس النحوي المقري : في أهل اللغة من يسمي الميم الساكنة عند الباء إخفاء قال: وقال سيبويه: المخفى بوزن المظهر. قال أبو الحسين ابن المنادي: أخذنا عن أهل الأداء بيان الميم الساكنة عند الواو والفاء والباء، في حسن من غير إفحاش ، وقال أحمد بن يعقوب التائب: أجمع (1) انظر: فن الترتيل وعلومه للشيخ أحمد الطويل 2/161. (2) انظر: التذكرة في القراءات الثمان بتحقيق الدكتور أيمن رشدي سويد 1/22.

عدد الصفحات ٨٩

91 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net القراء على تبيين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيت باء في جميع القرآن ، قال: وكذلك الميم عند الفاء وذهب إلى هذا جماعة من شيوخنا وحكاه أحمد بن صالح عن ابن مجاهد وبالأول أقول) (1). ففي هذا النص أشار أبو عمرو الداني بالفريقين وقال في آخر كلامه (و بالأول أقول) وهو إخفاء الميم مع إطباق الشفتين. وقال مكي بن أبي طالب وهو من دعاة إظهارها : (وإذا سكنت الميم وجب أن يتحفظ بإظهارها ساكنة عند لقائها باءً أو فاءً أو واواً ...... لَ بد من بيان الميم الساكنة في هذا كله ساكنة من غير أن يحد فيها شيء من حركة وإنما ذلك خوف الإخفاء والإدغام) (2). وقال شيخ المحققين الإمام ابن الجزري (رحمه الله) في كتابه (التمهيد في علم التجويد): (فإذا سكنت الميم وأتى بعدها فاء أو واو فلا بد من إظهارها ، كقوله: ﴿هُمْ فِيهَا﴾ (البقرة : 32 )﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي﴾ (البقرة : 15 )وعدهم وما ونحوه. وإذا سكنت وأتى بعدها باء فعن أهل الأداء فيها خلاف، منهم من يظهرها عندها، ومنهم من يخفيها، ومنهم من يدغمها، وإلى إخفائها ذهب جماعة، وهو مذهب ابن مجاهد وابن بشر وغيرهما ، وبه قال الداني. وإلى إدغامها ذهب ابن المنادي وغيره . وقال أحمد ابن يعقوب التائب أجمع القرَّ اء على تبيين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيها باء في كل القرآن، وبه قال مكي. وبالإخفاء أقول، قياساً على مذهب أبي عمرو بن العلاء، قال شيخنا ابن الجندي (رحمه الله) واختلف في الميم الساكنة إذا لقيت باء، والصحيح إخفاؤها مطلقاً ، أي سواء كانت أصلية السكون كـ ﴿أَ مْ بِ ظَ اهِ ر ﴾ أو عارضة كـ ﴿يـَ عْ تَ صِ مْ بِ اللهِ ﴾. ومع ذلك فلا بد من ترقيقها وترقيق ما بعدها، إذا كان ألفاً ) (3). وقال أيضاً في النشر: (وذهب جماعة الى إظهار الميم عند الباء من غير غنة وهو اختيار مكى القيسي وغيره وهو الذي عليه أهل الأداء بالعراق وسائر بلاد المشارقة ) ثم قال: (والوجهان صحيحان مأخوذ بهما إلََّ أن الإخفاء أولى للإجماع على إخفائها عند القلب) (4) . فهؤلَء العلماءلم يصرح أي واحد منهم بالإخفاء بترك فرجة عند التلفظ بالميم الساكنة عند ملاقاتها الباء. القائلون بإطباق الشفتين على الميم الساكنة المخفاة: وأما العلماء القائلون بإطباق الشفتين على الميم الساكنة المخفاة عند ملاقاة الباء من غير فرجة سواء أكان في إخفاء الميم الساكنة، أم في قلب النون الساكنة التي تتولد منها ميم مخفاة، أم في الإدغام الكبير للسوسي عن أبي عمرو. نذكر أقوال بعضهم: قال طاهر ابن غلبون: (الإشمام عن الإدغام الكبير لأبي عمرو وبعد ذكره لَختلاف الطرق عن أبي عمرو في جواز الإشمام وامتناعه عند إدغام الباء في الباء، والميم في الميم، والميم في الباء) (1) . (1) التحديد في الإتقان والتجويد ص161 - 162. (2) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ص 152. (3 )التمهيد في علم التجويد ص22. (4 )النشر في القراءات العشر 1/222.

عدد الصفحات ٩٠

91 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net ويعني بالإشمام هنا إلى أنه يشير إلى حركة الرفع والخفض في حال الإدغام، ليدل على أن الحرف المدغم يستحق هذه الحركة في حال الإظهار حرصاً عل البيان، وذلك متعذر في الميم مع الميم، وفي الباء مع الباء، من أجل إطباق الشفتين فيهما، وأما الميم مع الباء فهي مخفاة لَ مدغمة، والشفتان ينطبقان أيضاً معهما (2). وهذا نص صريح وواضح لَ يحتمل التأويل و هو حجة على من يتعصب بترك الفرجة في الميم من غير دليل. ومن الذين قالوا بالإطباق أيضاً أبو عمرو الداني في كتابه (التحديد في الإتقان والتجويد) كما تقدم وقال: (وبالأول أقول) (3). فالنص يشير إلى أن المذهب الأول هو الإخفاء الذي صرحوا فيه بإطباق الشفتين على الميم المخفاة. و أما ما جاء في (التيسير في القراءات السبع) للإمام أبي عمرو الداني عند حديثه عن الإدغام الكبير للسوسي إذا أدغم الميم في الباء كما في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ (العلق: 4)، ﴿يَحْكُمُ بـَيـْنَكُمْ ﴾ (النساء: 141 )- ومعلوم أن إدغامه هنا هو إخفاء شفوي - لَ روم عنده معللاً ذلك بقوله: (من أجل انطباق الشفتين) (4)، وهذا نص صريح أيضاً بإطباق الشفتين عند ملاقاة الباء. و قال الداني في (الأرجوزة المنبهة): القول في الغنة والنون والميم: (واعلم هداك الله أن الغنــــــــــــــة من صيغة النـــون فكن ذا فطنــــــــة والميم فيها غنـــــــة كالنـــــــــــــــون لذاك ما تُختــــــــص بالتبيـــــــــــــــــــــــــــين عند المُقارب لها في المخرج فاستعملن بيانهــــــــــــــــــــا بلا حـــــــــرج والنون في النطق لها صوتــــان صــــــــوت من الفم وصوت ثــــــــــــان مخرجه من داخل الخيشــــــــوم وهو الذي يفضــــــــي إلى الحلقــــوم تجدُ هذا الصوت إن أمسكتــا بالأنف محصوراً متى نطقتـــــــــــــــــــــــــا بالنـــــــــــون إن أردت فاختبـــــــــره وبالذي ذكـــــرتُ فاعتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــره ذكرَ ذا النحــــــــــــويُّ سيبويـــــــــهِ مفســـراً فاعتمــــــــــــــــدن عليـــــــــــــــــــــــــه وزعم الأخفـــش أن الغنــــــــــــــــــة هم بلفــــظ النــــــــــــــــون فاعلمنــــــــــــــه عند اد غام النون في الحـروف كالرَّ وم والإشمــام في الوقـــــــــــــــوف وزعم النحـــــــــــاةُ منهم قطــرب بأن لفظ الميــــم ليس يذهـــــــــــــــــب ومخرج النــــــــون يـــزول عنهــــا فدل أن الميم أقــــــــــوى منهــــــــــــــــا) (1 )التذكرة في القراءات الثمان بتحقيق الدكتور أيمن رشدي سويد 1/22. (2) المصدر نفسه (3) التحديد في الإتقان والتجويد ص162. (4) التيسير في القراءات السبع ص 22.

عدد الصفحات ٩١

92 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net ومن المصرحين أيضاًمن القدماء بالإطباق أبو جعفر ابن الباذش قال: (قال لي أبي... المعول عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء، ولَ يتجه إخفاؤهن عندهن إلََّ بأن يزال مخرجها من الشفة، ويبقي مخرجها من الخيشوم كما يفعل ذلك في النون المخفاة. وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون ولَ ينبغي أن تحمل الميم على النون في هذا لأن النون هي الداخلة على الميم في البدل في قولهم (شنباء) و (عنبر) و﴿صُ م بُ كْ م ﴾ فحمل الميم عليها غير متجه؛ لأن للنون تصرفاً ليس للميم ألَ ترى أنها تدغم ويدغم فيها، والميم يدغم فيها ولَ تدغم، إلََّ أن يريد القائلون بالإخفاء: انطباق الشفتين على الحرفين انطباقاً واحدًا فذلك ممكن في الباء وحدها نحو (أكرم بزيد )، فأما في الفاء والواو فغير ممكن فيهما الإخفاء إلََّ بإزالة مخرج الميم من الشفتين، وقد تقدم امتناع ذلك، فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقاً غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهاراً أو إخفاءً ، ولَ تأثير لذلك. وأما الإدغام المحض فلا وجه له.... وقال لي: ما ذُكر عن الفرَّ اء من إخفاء النون عند الباء فوجه ذلك سمي البدل إخفاء كما سمي الإدغام في موضع آخر من كتابه إخفاء . فيرجع الخلاف إلى العبارة لَ إل ى المعنى؛ إذ الإخفاء الصحيح في هذا الموضع لم يستعمله أحد من المتقدمين والمتأخرين في تلاوة ولَ حكوه لغة . وكذلك ما ذكر عن ابن مجاهد في إخفاء الميم عند الباء قول متجوز به على سيبويه ...) (1). وقد حقق بعض العلماءوهو الشيخ عبد الحكيم عبد الرزاق بقول ابن الباذش قائلاً (2): (والميم يدغم فيها ولَ تدغم) وهذا النص صريح بإشارة أن الميم لَ يتأتى إدغامها في الباء لأنها تدغم ولَ يدغم فيها، ورداً على من ادعى أن إطباق الشفتين قبل الباء يسمى إدغاماً فإذا انتفى الإدغام تعين الإخفاء أو الإظهار وكلاهما صحيح مقروء به ووجهه الإخفاء مع إطباق الشفتين مقدم. مناقشة قول والد ابن الباذش: ولمناقشة قول والد ابن الباذش (رحمه الله) : (... المعول عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء). فقد ذكر إظهار الميم عند الحروف الثلاثة (الفاء، والواو، والباء) فهل يشك أحد أنه يعني بذلك الإظهار المحض - أي بغير غنة - في هذه الثلاثة ومنها الباء؟ بل لم يكتف بذلك وعض د أخذه بالإظهار المحض بقوله: (وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون ولَ ينبغي أن تحمل الميم على النون في هذا). فسيبويه لم يذكر إخفاء الميم عند الباء لأن مذهبه الإظهار كما أخذ به ابن الباذش وغيره . وقال أيضاً : (وكذلك ما ذكر عن ابن مجاهد في إخفاء الميم عند الباء قول متجوَّز به على سيبويه) فهو يردُّ نقل ابن مجاهد ويؤكد قول سيبويه ، وعليه فالإخفاء بالفعل ليس مذهباً لسيبويه. ثم أن ابن الباذش أخذ في تبيان هل أن الإخفاء يقرأ بالإطباق أم بالفرجة حيث قال : (إلََّ أن يريد القائلون بالإخفاء انطباق الشفتين على الحرفين انطباقاً واحداً فذلك ممكن في الباء وحدها نحو (أكرم بزيد )..). فهذا النص يتأول فيه ابن الباذش كلمة الإخفاء محاولًَ تقريب الألفاظ، ومعنى كلامه: إذا كان مقصد القائلين بالإطباق انطباق الشفتين على الميم والحرف الذي بعده. أي حروف (بوف) (1) انظرالإقناع في القراءات السبع 1/64 وما بعدها (2) انظرملتقى أهل التفسير ؛ هل الداني أخذ بالإظهار في الميم الساكنة مع الباء؟ لعبد الحكيم عبد الرزاق http://vb.tafsir.net/tafsir31317/#.VurbDtJ97IU

عدد الصفحات ٩٢

93 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net انطباقاً واحداً فهذا ممكن في الباء وحدها ؛ لأن الإطباق الملاصق للحرفين لَ يكون إلََّ في الباء وحدها، أما الفاء والواو ستجد أنك إن نطقت بالميم ثم تفرج شفتيك عند الواو والفاء لأنهما بهما فرجة عند النطق نحو ﴿بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ (البقرة : 15)، و﴿لَكُمْ فِيه﴾ (القلم: 34). فلن تجد فيهما الإطباق التام في الحرفين بين الميم والواو، أو بين الميم والفاء، مثل الذي تجده في الباء نحو ﴿يـَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران : 151) والفرق واضح جلي . وأما قرائتها؛ فالميم في حالة الإظهار منطبقة الشفتين وكذا الباء فتلحظ انطباقاً واحداً على الحرفين ، وهذا لَ يتحقق مع الفاء والواو لحدو انفراجهما في الشفتين بالنسبة لهما كما سبق، فهو يقصد (على الحرفين انطباقاً واحداً ) الَنطباق التام بين الميم والباء، وكيفيته أن يخرج الميم والباء بانطباق واحد، فلو أطلقوا على هذا الوضع إخفاء فيرجع الخلاف إلى العبارة لَ إلى المعنى، وهذا موافق لقوله في حكم الإظهار: (وقال لي أبو الحسن بن شريح فيه بالإظهار، ولفظ لي به فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقاً واحداً ) ولَحظ أنه ذكر الَنطباق على الحرفين أي الميم والباء معاً ، أما في حالة الإخفاء فلا يكون الَنطباق إلََّ على حرف الميم أولًَ لأنك تصبر عليها بقدر زمن الغنة ثم تنتقل لإطباق الباء، فلا يعقل أن تغن الميم وتكون مطبقاً على الباء أيضاً في آن واحد كما هو الحال في حكم إظهار الميم !!، فهو يقول: (إلََّ أن يريد القائلون بالإخفاء)، ثم يعلل بقوله: (انطباق الشفتين على الحرفين انطباقًا واحدًا) واستخدم لفظ (الحرفين ) وليس الميم فقط، وعند نقله الإظهار المحض عن أبي الحسن بن شريح قال: (فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقاً واحداً ) استخدم لفظ (الحرفين) أيضاً ، وكذا استخدم عبارة (إطباقاً واحداً ) ففي الإظهار والإخفاء استخدم عبارة واحدة. فهل يقصد بذلك معنيين مختلفين؟ أو يقصد بذلك طريقة واحدة والَختلاف فقط في مسمى الحكم؟ وقوله: (عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارًا أو إخفاء، ولَ تأثير لذلك..) وكذا قوله: (فيرجع الخلاف إلى العبارة لَ إلى المعني). والإخفاء الصحيح فسره في مقدمة كلامه بقوله: (ولَ يتجه إخفاؤهن عندهن إلََّ بأن يزال مخرجها من الشفة) وكلمة (يزال مخرجها ) يقصد به الميم المخفاة، وهذا هو الإخفاء الصحيح في حالة إطلاق لفظ إخفاء الميم، فمن قال بالإخفاء لَ بد من إزالة المخرج ، ومن أبقى على انطباق الشفتين يقصد به الإظهار المحض لَ غير. فابن الباذش يقصد بالإظهار الإخفاء لقوله: (فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقاً غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهاراً أو إخفاءً ، ولَ تأثير لذلك). و قال الإمام الشاطبي في باب إدغام الحروف المتقاربة عند أبي عمرو وهو يسكن الحرف المتحرك ثم يدغمه فيما بعده بما يسمى بالإدغام الكبير. (وتسكن عنه الميم من قبل بائها.... على إثر تحريك فتخفى تنزلَ ) (1)، قال الإمام أبو شامة في إبراز المعاني: (وقوله على إثر تحريك أي تكون الميم بعد محرك نحو: ﴿آدَمَ بِالْحَق ﴾ (المائدة: 21)، ﴿بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ (الأنعام: 53)، ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ (العلق: 4)، ﴿حَكَمَ بـَيْنَ الْعِبَادِ ﴾ (غافر: 44)، والمصنفون في التعبير عن هذا مختلفون فمنهم من يعبر عنه بالإدغام كما يطلق على ما يفعل بالنون الساكنة والتنوين عند الواو والياء أنه إدغام وإن بقي (1) إبراز المعاني من حرز الأماني ص 21. رقم البيت 151).

عدد الصفحات ٩٣