المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

لمسات المستفيد في بعض المختلف من علم التجويد

حامد شاكر العاني

صفحة ٣ من ١٨

32 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net تفصيل مخارجها كما جاء عن سيبويه: مخرج اللام : قـال سـيبويه: (ومـن حافـة اللسـان مـن أدناهــا إلـى منتهـى طـرف اللسـان مـا بينهـا وبــين مـا يليهـا مـن الحنـك الأعلـى ومــافـُوَيْق الثَّنايا مخرج النون وما فـُوَيْق الضاحك والناب والرباعية والثَّنية مخرج اللام) (1). وقال ابن الجزري في مقدمته عن مخرج اللام (................... وَاللاَّمُ أَدْنَاهَا لِمُنـْتـَهَاهَا) (2). وقد أيدالدكتور غانم قدوري قول سيبويه رغم اعتر اض جمع كبير من علماء العربية والتجويد على رأي سيبويه . ومن المعترضين هو أحمد بـن محمـد الجـزري (3) حيـثاعتـرض علـى عبـارة سـيبويه فـي تحديـد مخـرج الـلام ، فقـال: (والـلام تخــرج مــن المخــرج الخــامس مــن مخــارج اللســان مــن أوَّل حافــة اللســان وطرفــه ومــا يحاذيــه مــن الحنــك الأعلــى مــن الل ِثــة فــي سَمْت الضاحك لَ الثَّنية خلافاً لسيبويه) (4). لكنالدكتور غانم قدوري وقف إزاء هذا القول وقفة المتأ مل فـي قـول سـيبويه وقـول أحمـد ابـن الجـزري وتبـ ين لـه أن أحمـد بن الجزري لم يت ضح له قصـد سيـبويـه مـن نـاحيتيـن: الأولى: الجزء المشارك من الحافة ، يقول الـدكتور غـانم قـدوري : (فقولـه: (مـن أوَّل حافـة اللسـان وطرفـه) غيـر دقيـق؛ لأنَّ أوَّل الحافــة هــي الجــزء المقابــل لأقصــى اللســان ومــا يتَّصــل بــه، وهــي مخــرج الضــاد ، وعبَّــر ســيبويه بكلمــة أدنــى الحافــة عــن الجــزء المتصل بطرفه المستدير ، والتي تشترك بتشكيل مخرج اللام ) (5). وبهـذا يكــون أحمـد بــن الجــزري قـد وصــف مخــرج الضـاد لَ الــلام ، ولــيس هـذا الصــوت مقصــوداً بالوصـف، وإنَّمــا الحــديث عن اللام. و الثانيــة: وهــي تخــص الأســنان التــي تُســامِت المخــرج؛ فيقــول الــدكتور قــدوري : (وقولــه: (فــي سَــمْت الضــاحك لَ الثَّنيــة خلافــاً لسيبويه) قد يكون مقبولًَ ، لو أنَّ سيبويه قصد ذكر مجرى صوت اللام عند ذكر الضاحك والناب والرباعيـة والثنيـة، لكنَّـه أراد أنْ يحــدد موضــع اعتــراض الــنـَّفَس، فــالجزء المســتدير مــن طــرف اللســان المتَّصــل بــأدنى الحافــة يتَّصــل بالل ِثــة المقابلــة للأســنان المذكورة فينسد مجرى النـَّفَس، فيخرج صوت اللام من جانبي الفم، أو الشدق، لكن من أمام مخرج صوت الضاد) (6). وبهــذا يكــون الــدكتور غــانم قــدوري قــد انتصــر لتعريــف ســيبويه، فهــو متفــق معــه فــي تحديــد المخــرج ، ورأى أ ن أحمــد ابــن الجزري لم يكن مصيباً في قوله عن مخرج اللام، وأن قصد سيبويه لم يتضح له. (1) الكتاب لسيبويه2/455. (2) المقدمة الجزرية ص 2. (3) (ابن الإمام ابن الجزي مصنف المقدمة الجزرية ، وصاحب كتاب النشر في القراءات العشر المتوفى سنة 422 هـ (4) انظر: الحواشي المفهمة في شرح المقدمة (المقدمة الجزرية) ص 41. (5) شرح المقدمة الجزرية للدكتور غانم قدوري الحمد ص 256. (6) المصدر نفسه ص256 – 251.

عدد الصفحات ٣٢

33 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وتحديد سيبويه قد تابعه فيه غير واحد من علماء اللغة والتجويد، يقول الرضي : (والـلام يخـرج مـن فـُوَيْـق الضـاحك والنـاب والرباعية والثنية ، لَ من نـَفْس الَسنان وحافة اللسان، وجميع علماء هذا الفن على ما ذكر سيبويه) (1) . مخرج النون : قال سـيبويه فـي مخـرج النـون : (ومـن حافـة اللسـان مـن أدناهـا إلـى منتهـى طـرف اللسـان مـا بينهـا وبـين مـا يليهـا مـن الحنـك الأعلى وما فـُوَيْق الثنايا مخرج النون) (2). وقال ابن الجزري في مقدمته عن مخرج النون (وَالنُّونُ مِنْ طَرْفِهِ تَحْتُ اجْعَلُوا............) (3). وأمــاالــدكتور غــانم قــدوري فقــد قــال فــي صــوت النــون إنــه: (يتكــون بقيــام عــارض فــي الفــم، باعتمــاد طــرف اللســان علــى مــا فـُوَيْق الثنايا (أي على الل ِثة)، وجَرْيِ النـَّفَس من الخيشوم) (4). فهو متفق مع سيبويه في تحديد مخرج النون ، إلََّ أن سيبويه لم يـذكر جريـان الـنفس مـن الخيشـوم، ولـم يكـن سـيبويه يغفـل عن الخياشيم، وإنَّما ذكره مع النون الخفيفة، إذ يقول: (ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة) (5). لكنَّ الدكتورغانم قدوري لم يجد مسـو ِغاً يجعـل النـون الخفيفـة بمخـرج مسـتقل؛ لأنَّ (هـذه النـون فـرع عـن النـون الأصـلية ، ويمكــن الَكتفــاء بمخــرج النــون الأصــلية ، علــى نحــو مــا فعــل ابــن الطحَّــان مــن قبــل) (6)؛ ولهــذا لــم نجــد للخياشــيم ذكــراً فــي المخارج التي ذكرها الدكتور غانم قدوري ، وهو مذهب بعض المحدثين(1). وعدم ذكر الخياشيم مع النون الأصلية التي ذكرها سيبويه ، قد تابعه فيه بعض العلمـاء (4). إ أنَّ علمـاء التجويـد قـد تنبَّهـوا إليها، فيقول الداني: (والنون من طرف اللسان بينه وبين ما فـُوَيْق الثنايا العليا، ويتصل بالخياشيم) (2)،وتابعـه فـي ذلـك بعـض علماء التجويد(15). ممــا تقــدم نلاحـــظ أن الــدكتور غـــانم قــدوري الحمـــد قــد أخـــذ بمــذهب علمـــاء التجويــد بـــذكر وظيفــة الخياشـــيم مــع مخـــرج النون، ورأى أن إضافة الخياشيم لهذا المخرج من الإضافات القيمة التي أضافها علماء التجويد (11). (1) شرح الرضيى على شافية ابن الحاجب 3/253. (2) الكتاب لسيبويه 4/433. (3) المقدمة الجزرية ص 2. (4) أبحا في علم التجويد ص113. (5) الكتاب لسيبويه4/434. (6) المدخل إلى علم أصوات العربية لغانم قدوري ص 24. (1) انظر: علم الأصوات للدكتور كمال بشر ص 144. (4) الأصول في النحو3/455، وسر صناعة الإعراب 1/61. (2) التحديد في الإتقان والتجويد ص 153، والإدغام الكبير للداني ص 121. (15) الإيضاح في القراءات للإندرابي ص 44. (11) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد للدكتور غانم قدوري الحمد ص 116.

عدد الصفحات ٣٣

34 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net مخرج الراء : قال سيبويه: (ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً ؛ لَنحرافه إلى اللام مخرج الراء) (1). فمخــرج الــراء يكــون مــن طــرف اللســان مــع ظهــره ممــا يلــي رأســه وهــو مخــرج الــراء . قــال ابــن الجــزري : (...... والــرَّا يُـدَانِيِـــهِ لِظَهْـر أَدْخُـلُ) (2). قال الشاطبي في البيت1143): (وَحَرْف يُدَانِيهِ إِلَى الظَّهْرِ مَدْخَل ... وَكَمْ حَاذِق مَعْ سِيبَويْهِ بِهِ اجْتَلا). قـال أبــو القاســم شــهاب الــدين عبـد الــرحمن بــن إســماعيل بــن إبــراهيم المقدسـي الدمشــقي المعــروف بــأبي شــامة (المتــوفى: 665هــ) فـي شــرح البيـت : (يعنـي: يــداني النـون وهـو الــراء يخـرج مـن مخرجهــا ، لكنـه أدخـل فــي ظهـر اللسـان قلــيلاً مـن مخــرج النــون؛ لَنحرافــه إلــى الــلام، فهــذا معنــى قولــه: (إلــى الظهــر مــدخل)؛ أي: وحــرف مــدخل إلــى الظهــر يدانيــه، وأورد الشــيخ أبــو عمـرو أن هـذه العبـارة تقتضـي أن يكـون مخـرج الـراء قبـل النـون؛ لأن الـراء أدخـل منهـا إلـى ظهـر اللسـان، وأجـاب بـأن المخــرج بعــد مخــرج النــون وإنمــا يشــاركه ذلــك لَ علــى أنــه يســتقل بــه ألَ تــرى أنــك إذا نطقــت بــالنون والــراء ســاكنتين وجــدت طــرف اللسان عند النطق بالراء فيما هو بعد مخرج النون هذا هـو الـذي يجـده المسـتقيم الطبـع قـال وقـد يمكـن إخـراج الـراء ممـا هـو داخل من مخرج النون أو من مخرجها ولكن يتكلف لَ على حسب إجـراء ذلـك علـى الطبـع المسـتقيم والكـلام فـي المخـارج إنما هو علـى حسـب اشـتقاق الطبـع لَ علـى التكلـف، والهـاء فـي بـه يعـود علـى الظهـر؛ أي: إن سـيبويه وجماعـة مـن الحـذ اق يجعلـــون الـــراء مـــن ظهـــر اللســـان وأنهـــم ثـــم اجتلـــوه؛ أي: كشـــفوه، هكـــذا قـــال الشـــيخ، ويحتمـــل أن تكـــون الهـــاء عائـــدة علـــى المذكور ؛ أي: (وكم من حاذق في صناعة العربية) ؛ أي: ماهر بها اجتلا هذا الحرف بهذا المخرج المـذكور وهـو نـص مـا فـي كتــاب ســيبويه الــذي هــو إمــام نحــاة البصــريين قــال (رحمــه اللــه): ومــن مخــرج النــون غيــر أنــه أدخــل فــي ظهــر اللســان قلــيلاً ؛ لَنحرافه إلى اللام مخرج الراء زاد غيره وقال: غير أن في الراء تكريراً وكذا ما ذكرناه في اللام والنون هو قول سيبويه) (3). لقب هذه الأصوات: أما لقب هذه الأصوات؛ فقال عنه الدكتور غانم قدوري : (الحروف الذَّلَقِي ة، وهي الل ِثوية الغارية: ل، ر، ن) (4). والذَّلَقِي ة من مصطلحاتالخليل الفراهيدي ، إذ يقول: (اعلم أنَّ الحروف الذُلْقَ والشَّفَوِيَّةَ ستَّة وهي: ر، ل، ن، ف، ب، م، وإنَّما سُم ِيَتْ هذه الحروف ذُلْقا لأن الذلَقة في المنطق إن ما هي بطَرَف أَسَلة اللَّسان والشفتين وهما مدرجتا هذه الأحرف الستة، منها ثلاثة ذليقة ر، ل، ن، تخرج من ذَلْقَ اللسان من (طَرَف غار الفم) وثلاثة شفوية: ف، ب، م، مخرجها من بين الشَّفَتيْن خاصة، لَ تعمَلُ الشَّفتان في شَيء، من الحُرُوف الصَّحاح إلََّ في هذه الأحرف الثلاثة)(5). (1) الكتاب لسيبويه4/433. (2) المقدمة الجزرية ص 2. (3 )إبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة ص 146. (4) أبحا جديدة في علم الأصوات والتجويد ص15. (5) انظر: العين للخليل الفراهيدي – المقدمة 1/51، وتهذيب اللغة للهروي 1/31، ومعجم الصوتيات ص 22.

عدد الصفحات ٣٤

35 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net فقــد خــصَّ الخليــل (ل، ر، ن) بلقــب الذَّلَقِي ــة (1) ، وتابعــه فــي اســتخدام الذَّلَقِي ــة ابــن جنــي، بقولــه: (ومنهــا حــروف الذلَقــة، وهي ستة اللام والراء والنون ، والفاء، والباء، والميم لأنَّه يعتمد عليها بِذَلْق اللسان، وهو صدره وطرفه) (2). وواضح أنَّ ابن جني (رحمه الله) أطلق وصف الذَّ لََ قة على الأصوات الستة اللام والنون والراء والفاء والميم والباء . والحــقُّ أن الفــاء والبــاء والمــيم، أصــوات شــفوية لَ شــأن لطــرف اللســان علــى الإطــلاق فــي إخراجهــا ، وبــي ن الــدكتور حســام النعيمي أنَّ ابن جني لم يغفل عن هذا، ولكنَّه أراد التغليب (فكـأنَّهم حـين وجـدوا الـلام والـراء والنـون مـن طـرف اللسـان جعلـوا الَسم لها وضم وا إليها الفاء والميم والباء) (3). إذن لمـــاذا لـــم يعكـــس ابـــن جنـــي المســـألة فيطلـــق عليهـــا (الشـــفوية) بالتغليـــب، لَســـيما أنَّ نصـــف هـــذه الأصـــوات أصـــوات شـفوية؟، قـال الــدكتور حسـام النعيمـي : (بــأنَّ الـذي دعـا غلبــة ذَلْـق اللســان علـى الشـفة فــي التسـمية معنـى الذَّ لَقــة فـي الأصــل) (4)، فقــد جــاء فــي لســان العــرب : (إنَّمــا سُــم يت هــذه الحــروف ذُلْقــاً لأنَّ الذَّ لَقــة فــي المنطــق إنَّمــا هــي بطــرف أســلة اللســان والشفتين وهما مدرجتا هذه الحروف الستة) (5). واســــتبعد بعــــضالعلمــــاء المحــــدثين هــــذا الســــبب، ورأى أنَّ ســــبب التســــمية يرجــــع إلــــى ســــهولة نطــــق أصــــوات (ل، ر، ن) وخف تها؛ لأنَّ الذلَقة من معانيها سهولة النطق (6). ويبدو أنَّ السببين معاً لهما قبـول حَسَـن فـي بيـان وجـه التسـمية، وعـدم اقتصـارها علـى أصـوات (ل ، ر، ن)، وإن كـان قبـول السبب الأو ل أكثر؛ لَن نهاية التصويت باللام والراء والنون لَبد له من المرور بالشفتين. وكأن العلمـاء الـذين جـاءوا بعـد الخليـل وابـن جنــي قـد اقتصـروا علـى الأصـوات الثلاثـة، ومـنهم مكـي القيسـي، والزَّمخشـري، وابن يعيش، وابن الجزري (1)، وتابعهم على ذلك قسم من المحدثين (4). وأمَّا تلقيبها بـــــــ (الل ِثوية الغارية)؛ فيبدو أنَّ الدكتور غانم قدوري قد جمع بين الطرف الثاني الذي يشترك مع طرف اللسان وهو الل ِثة في إخراج هذه الأصوات، هذا ما يخص الل ِثوية، أم ا الغارية، فيبدو أنه أخذه من الخليل أيضاً بأن ذلق اللسان من طرف غار الفم -كما نقلنا النص المتقد ِم عن الخليل - وأكَّد ابن دريد هذا الأمر في جمهرته (2). (1) المصطلح الصوتي في الدراسات العربية ص 253. (2) سر صناعة الإعراب 1/14. (3) الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 323. (4) المصدر نفسه (5) لسان العرب لَبن منظور 11/1512، مادة (ذلق، وانظر: الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ص 323. (6) المدارس الصوتية عند العرب النشأة والتطور ص 32. (1) النشــر فــي القــراءات العشــر 1/251، والرعايــة لتجويــد القــراءة وتحقيــق لفــظ الــتلاوة ص 115، وشــرح المفصــل للزمخشــري لَبــن يعــيش 15/125. (4) الأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس ص 155، ودراسات في فقه اللغة ص 212. (2) جمهرة اللغة لَبن دريد 1/45.

عدد الصفحات ٣٥

36 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net صفة المذلقة: وأما صفة (المذلقة) فهي تعني سرعة النطق بحروف اللام والنون والراء والباء والفاء والميم (1)،فبعضها من ذلق اللسان أي طرفه و حروفه ثلاثة وهي: اللام، والنون، والراء، وبعضها من ذلق الشفة وحروفه ثلاثةً أيضاً وهي: الباء الموحدة، والفاء، والميم، وقد سمى ابن الجزري حروف (فـَرَّ مِنْ لُب ِ) بالمذلقة. حيث قال: (.......... و(فِـرَّ مِـنْ لُـب ِ ) الحـروفِ المُـذْلَقَـهْ) (2). وهذه الستة المذلقة تدخل في بنية ما زاد على الثلاثة، كالرباعي ، والخماسي، ويندر أن نجد كلمة عربية من غير الثلاثي خالية منها إلََّ كلمة (عسجد) (3) في غير القرآن الكريم . والله أعلم. و صفة الحروف المذلقة يقابلها ويضاددها الحروف المصمتة، قال ابن دريد في جمهرة اللغة : (أما المذلقة من الْحُرُوف فَهِيَ سِتَّة وَلها جِنْسَانِ : جنس الش فة، وَهِي الْفَاء وَالْمِيم وَالْبَاء؛ لََ عمل للسان فِي هَذِه الأحرف الثَّلاَثَة ، وَإِنَّمَا عملهن فِي التقاء الشفتين، وأسفلهن الْفَاء ثمَّ الْبَاء ثمَّ الْمِيم. وَالْجِنْس الثَّانِي من المذلقة بَين أسلة الل ِسَان إِلَى مقدم الْغَار الأَْعْلَى، وَهِي: الرَّاء وَالنُّون وَاللاَّم ، وَهن ممتزجات بِصَوْت الغنة لأَِن الغنة صَوت من أصوات الخيشوم، والخيشوم مركب فَوق الْغَار الأَْعْلَى وَإِلَيْهِ يسمو هَذَا الصَّوْت. وَسمعت الأشنانداني يـَقُول: سَمِعت الأَْخْفَش يـَقُول: سميت الْحُرُوف مذلقة لأَِن عَملهَا فِي طرف الل ِسَان، وطرف كل شَيْء ذلقه، وهي أخف الْحُرُوف وأحسنها امتزاجاً بغَيْرهَا، وَسميت الأُْخَر مصمتة لأَِنـَّهَا أصمتت أَن تخْتَص بِالْبِنَاءِ إِذا كثرت حُرُوفه لَعتياصها على الل ِسَان) (4). فالمذلقةهي أخف الحروف، وأسهلها وأكثرها امتزاجاً بغيرها لسرعة النطق بها؛ ولذلك كان لَبد في كل كلمة تتكون من أربعة أحرف أو خمسة ، أن يكون فيها مع الحروف المصمتة حرف من الحروف المذلقة، لتعادل خفة المذلق ثقل المصمت (5). فإذا وجد كلمة خماسية أو رباعية خالية من حروف الذلَقة فإنها تحتمل وجهين : الأول: أن تكون دخيلة أو محدثة مبتدعة - كما قال الخليل. والثاني: أن تكون من بقايا الممات القديم. لهذا كله لَبد من التفريق بين المخرج و الصفة لمنع التركيب والخلط ، لأن المخرج يختص باللام والنون والراء ، و الصفة تختص بـــ (فر من لب). (1) انظر: تهذيب اللغة للهروي (كتاب القاف، وأسرار العربية للأنباري ص 422. (2) المقدمة الجزرية ص 15. (3) انظر: معجم الصوتيات ص22، و الـوجيز فـي علـم التجويـد لمحمـود سـيبويه ، محاضـرات ألقيـت علـى طلبـة كليـة الإمـام الأعظـم - بغـداد ص 12. (4) جمهرة اللغة لَبن دريد 1/45، وهمع الهوامع في شرح جمع الجوامع 3/425. (5) الْثار التربوية لدراسة اللغة العربية ص 452.

عدد الصفحات ٣٦

37 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net يقولالدكتور صبحي إبراهيم الصالح حول هذا: (ويظن بعض الباحثين المحدثين أن القراء والنحاة العرب خلطوا خلطًا كبيراً في تحديد المخارج والصفات (1)، ويستشهدون على ذلك بتردد بعض الحروف بين مخرجين أو أكثر، أو بين مخرج وصفة، أو إسقاط بعض الصفات والتفصيل في بعضها. والحقُّ أن هذا الخلط إنما جاء النحاة من شدة أمانتهم وحرصهم على أن ينقلوا الْراء جميعاً ، فالنون مثلاً عند بعضهم تسمى ذلقية تارة ؛ لأنها تخرج من ذلق اللسان، وخيشومية تارة أخرى ؛ إذ ينطق بها في تجويف الفم وهو الخيشوم؛ وكل يراعي ناحية، وكل جدير أن ينقل قوله، ولَ يهمل. على أنك لو أخذت بمنهج واحد منهم وقنعت بتقسيماته واصطلاحاته لما وجدته يخلط أو يناقض نفسه، وهم جميعاً - بعد هذا كله - أسمح من أن يضيق بعضهم على بعض فيما ذهبوا إليه أو اصطلحوا عليه، فمخارج الحروف وصفاتها تخضع للملاحظة المباشرة ، وكلما تجددت هذه الملاحظة ولدت مصطلحات جديدة، وتسميات مستحدثة، ومن هنا رأينا هؤلَء القرَّ اء - بعد تفصيل رأيهم في صفات الحروف مثلاً - ينبهون إلى التقسيمات الأخرى ويقولون بكثير من الحيطة والحذر: وللحروف صفات أخرى غير مشهورة تركناها خوفاً من الإملال والتطويل) (2). اختلافهم في هل أنالأحرف المصمتة والمذلقة من المخارج أم من الصفات؟ : ذهب بعض أهل الأداء إلى أن صفتي الإصمات والإذلَق ليسا من الصفات ولَ ينبغي أن يضافا إلى المخارج ، ولذلك لم يعدهما المالقي والداني في التيسير ولم يذكرهما الشاطبي (رحمه الله) في منظومته، لأن الإصمات ليس خاص بالحروف بل خاص بالكلمة أي لَ توجد كلمة فيها أربعة أو خمسة أحرف إلََّ وفيها حرف مذلق فلا دخل لهذا التعريف بالصفات وأيضاً الإذلَق حروفه تخرج من طرف اللسان والشفتين فلا دخل لذلك في الصفات؟ إنما هو خاص بالمخرج .. بينما نجد الفريق الثاني من علماء اللغة والصوتيات والتجويد ، وهم الجمهور وعلى رأسهم إمام الفن ابن الجزري قد جعلوهما من الصفات التي لها ضد، وهذا هو الصحيح والمقدم. والله أعلم. نخلص مما تقدم إلى ما يلي: - اختلف علماء الصوتيات في شأن مخارج حروف الذلَقة ، فمنهم من جعلها من حيز واحد وهم؛ من القدامى الفرَّ اء وقطرب وابن كيسان والجرمي و آخرين ، ومن المحدثين الدكتور غانم قدوري الحمد وغيره . ومنهم من جعل لكل من اللام والنون والراء حيز ومخرج خاص به كسيبويه و قد فصَّل في ذلك كما تبين لنا فيما سبق. - واختلف هؤلَء حول جريان النفس في شأن النون من الخيشوم ، فالدكتور غانم قدوري متفق مع سيبويه في تحديد مخرج النون ، إلََّ أن سيبويه لم يذكر جريان النفس من الخيشوم، ولم يكن سيبويه يغفل عن الخياشيم. ووافق الدكتور غانم علماء التجويد في جريان النفس في النون من الخيشوم كالإمام أبي عمرو الداني وغيره ، ورأى أن إضافة الخياشيم لهذا المخرج من الإضافات القيمة التي أضافها علماء التجويد . (1) انظر: مناهج البحث في اللغة ص45. (2) دراسات في فقه اللغة 1/244.

عدد الصفحات ٣٧

38 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net - والتفريق بين المخرج والصفة لَ بأس به لأجل أن يميز القارئ بين المخرج والصفة، فالمخرج يطلق عليه ب الذلقية وحروفه اللام والنون والراء، والصفة يطلق عليها بالمذلقة و حروفها الفاء والراء والميم والنون واللام والباء. وبهذا التفريق نستطيع عزل الحروف الذلقية عن الحروف الشفوية الثلاثة وهي الباء والفاء والميم. - وأما قول بعضهم بأن الإذلَق والإصمات ليسا من الصفات إنما هما من المخارج فهذا تطرف في الرأي والجمهور وعلى رأسهم إمام الفن ابن الجزري قد جعلوهما من الصفات التي لها ضد، وهذا هو الصحيح والمقدم والله أعلم. المبحث الثاني اللمسات في بعض المختلف من صف ات الحروف وفيه المطالب الْتية: - الَستطالة صفة الضاد - الإنحراف صفة الراء واللام - احتلافهم في تكريــــ ـر الــــــــــراء - اختلافهم في بعض مباحث الغنة المطلب الأول: الاستطالة صفة الضاد هناك بعض العلماء وخاصة علماء اللغة و الصوتيات يجمع بين الضاد و غيره من الحروف من حيث صفة الَستطالة ولَ يفرق بينهما . وقد جعل سيبويه للشين صفة الَستطالة، فقال: (إن الشين استطالت حتى اتصلت بمخرج غيرها ) (1). ومن علماء الصوت من يجعل الضاد والظاء توأمان من حيث جميع الصفات، فيقولون إن الظاء استطالت كما استطالت الضاد من حيث المقدار والصوت (2) . (1) انظر: الكتاب لسيبويه2 /416. (2) انظر: المدارس الصوتية عند العرب النشأة والتطور ص 66.

عدد الصفحات ٣٨

39 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net بينما نجد علماء التجويد قد جعلوا الَستطالة فقط في الضاد كأبي عمرو الداني، و الشاطبي، وابن الجزري ، والمرصفي وغيره م، وأما علماء اللغة و الصوتيات فقد اعتبروا الَستطالة في الضاد والشين والظاء كما تقدم في قول سيبويه. فعلماء التجويد يقولون إن لحرف ا لضاد صفة ليس لها ضد تميزه عن غيره من الحروف وه ي الصفة التي بها يُ عرف . لكن كثير اً من الألسن العربية تخلط بين الضاد والظاء خلطاً كبيراً في النطق؛ وذلك لصعوبة النطق بحرف الضاد فهو أصعب الحروف وأشدها على اللسان، ولَ يوجد هذا الحرف في أي لغة أخرى غير العربية. فالَستطالة هي الصفة الوحيدة التي تلازم الضاد دون غيره من الحروف ، وهذا هو الإجماع العام لدى علماء التجويد. قال أبو عمرو الداني في التمهيد: (الحرف المستطيل، وهو الضاد المعجمة، سميت بذلك لأنها استطالت عن الفم عند النطق بها حتى اتصلت بمخرج اللام ، وذلك لما فيها من القوة بالجهر والإطباق والَستعلاء، قويت واستطاعت في الخروج من مخرجها ) (1). تعريف الَستطالة: الَستطالة: وهي في اللغة الَمتداد. وفي الَصطلاح هي امتداد الصوت من أول إحدى حافتي اللسان إلى آخرها (2)، وهذه الصفة لَ تكون إلََّ في الضاد حصراً كما بين ا سابقاً وسبب استطالتها لرخاوتها . قال الشيخ المرصفي في هدايته : (الَستطالة وهي في اللغة الَمتداد. وفي الَصطلاح امتداد الصوت من أول حافة اللسان إلى آخرها وهي صفة لحرف واحد وهو الضاد المعجمة وسمي بذلك لَستطالته مخرجاً وصوتاً حتى اتصل بمخرج اللام) (3). وقال الإمام الشاطبي (رحمه الله) في حرز الأماني ووجه التهاني : (.....كَمَا المُسْتَطِيل الضَّادَ لَيْسَ بِأَغْفَلا). و قال سيبويه: (إن الضاد استطالت لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام) (4). التفر يق بين الضاد والظاء: لَ يفترق الضاد عن الظاء أصلاً من حيث جميع الصفات إلَ بالَستطالة في الضاد، وأما مخرجهما فبي ن الفرق، قال في الرعاية : (ولَ بد للقارئ من التحفظ بلفظ الضاد حيث وقعت ، فهو أمر يقص ِر فيه أكثر من رأيت من القرَّ اء والأئمة لصعوبته على من لم يدرب به، فلا بد للقارئ المجو ِد أن يلفظ بالضاد مفخمة مستعلية مطبقة مستطيلة، فيظهر صوت خروج الريح عند ضغط حافة اللسان لما يليه من الأضراس عند اللفظ بها ، ومتى فرط في ذلك أتى بلفظ الظاء أو الذال ، فالضاد أصعب الحروف تكَلُّفَاً في المخرج وأشدُّ ها صعوبة على اللافظ، وإذا وقعت الظاء بعد الضاد نحو قوله تعالى: ﴿أَنـْقَضَ ظَهْرَك﴾ (الَنشراح : 3 )فلا بد من بيان الظاء وتمييزها عن الضاد (5). (1) التمهيد في علم التجويد ص26. (2) انظر: المنحالفكرية شرح المقدمة الجزرية ص 34. (3) هداية القاري في تجويد كلام الباري 1/42. (4) انظر: الكتاب لسيبويه2 /416، والمدارس الصوتية عند العرب النشأة والتطور ص 66. (5) انظرالرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة الصفحات 154 و152 و125.

عدد الصفحات ٣٩

41 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وقالالإمام الداني: (فتقدم الكلام على أنها تخرج من المخرج الرابع من مخارج الفم، من أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس ، وهي مجهورة رخوة مطبقة مستعلية مستطيلة. واعلم أن هذا الحرف ليس من الحروف حرف يعسر على اللسان غيره ، والناس يتفاضلون في النطق به. فمنهم من يجعله ظاء مطلقاً ، لأنه يشارك الظاء في صفاتها كلها، ويزيد عليها بالَستطالة، فلولَ الَستطالة واختلاف المخرجين لكانت ظاءً ، وهم أكثر الشاميين وبعض أهل المشرق . وهذا لَ يجوز في كلام الله تعالى، لمخالفة المعنى الذي أراد الله تعالى) (1). قال الصفاقسي: (يخرج الضاد من المخرج الرابع من خارج اللسان وهو حرف مجهور رخو مستعل مصمت مستطيل قوي مفخم وقد اتفقت كلمة العلماء فيما رأيت على أنه أعسر الحروف على اللسان وليس فيها ما يصعب عليه مثله وقل من يحسنه من سماسرة العلماء فضلاً عن غيرهم ويقع الخطأ فيها من أوجه ، منها إبدالها ظاء مشالة وهذا هو الكثير الغالب وأهل المغرب الأدنى كلهم عليه لأنهما تقاربا في المخرج وتشاركا في جميع الصفات إلََّ الَستطالة فلولَ الَختلاف في المخرج وفي هذه الصفة لكانا حرفاً ) (2). إذن لَبد من وجود قاعدة يعتمدها القارئ في ا لتَّفريق بين حرفي الضاد والظَّاء أثناء النطق بكلمات القرآن الكريم ؟. قال الدكتور غانم قدوري الحمد : (الضاد صوت صعب الأداء ومن ثم أخذت ألسنة الناس تنحرف في نطقه إلى أصوات أخرى ، ويبدو أنَّ ذلك ظهر في القرون المتقد ِمة حتى وجدنا عبد الوهاب القرطبي يُصر ِح في القرن الخامس أنَّ أكثرَ القُرَّاء ينطقونَها ظاءً ، ثم يأتي ابن وثيق بعد قرن من ذلك ليقول : (قَلَّ من يُحْكِمُها في الناس)، ثُمَّ يقول ابن الجزري في أواخر القرن الثامن : (ألسنة النَّاس فيه مُختلفة وقلَّ مَنْ يُحسنه) (3). ولغرض التفريق بينهما لَبد من النظر إلى: أولًَ - من حيثُ المخرج: فمخرج الضَّادِ هو: إحدى حافتَيِ الل ِسان أو كلتاهما مع ما يُحاذيه من الأضراس العليا وهو من الأحرف الشجْرية على أصح الأقوال. بينما مَخرج الظَّاء يكون من طرف اللسان مع أطراف الثَّنايا العُليا، وهو من الأحرف اللثوية . قال الدكتور أيمن سويد: (الضَّاد من إحدى حافتي اللسان أو كليهما معاً ، وهذا الحرف انفردَتْ به اللغة العربية ، وهو يَخرج من منطقة حافة الل ِسان اليُمنَى أو اليسرى أو هما معاً ، ولكن هذا لَ يَمنع أن تشارك حافة اللسان إلى منتهاها كلها، ولكنَّ الضغط والَعتماد على إحدى حافتي اللسان أو هما معاً ، وهذه المنطقة تقرعُ الجِدارَ الدَّاخليَّ للأضراسِ العُليا ففي هذه المنطقة يقع الضغط، وكانتْ بعض القبائل تضغَطُ على الحافة اليمنى ، والبعض الْخر يضغط على الحافة اليُسرى، والبعض يضغط على الحافتين معاً بتوزيع متعادل ، وعند النطق بالضاد يلتَصِقُ المخرج تمامًا ف ينْحَبِسُ الهواء وراءَ اللسان ، وهذا الَنحباس يسبب الضغط فيندفع اللسان إلى الأمام مل ِيمترات بسيطة، فيصل رأس اللسان إلى منطقة التقاء اللحم (1) التمهيد في علمالتجويد ص 135. (2) انظر: تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين ص 43. (3) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 231.

عدد الصفحات ٤٠

41 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net باللسان مع مراعاة عدم إخراج طرف اللسان ؛ لأنَّه يمكن أن يصل إلى مَخرج الظاء وهو أطراف الأسنان العليا، لذلك نَجِدُ خلطًا بين الضاد والظاء، ومخرج الظاء هو منتهى رأس اللسان مع أطراف الثنايا العليا ). ثانياً - من حيثُ الص ِفةُ : يتشترك الضاد مع الظاء في جميع الصفات وهي الجهر، والرَّخاوة، والَستعلاء، والإطباق، والإصمات. ما عدا الَستطالة فهي صفة خاصة بالضاد. قال في غاية المريد : (وسم ِيت الضاد مستطيلة؛ لَستطالة مخرجها حتى تتصل بمخرج اللام، والحرف المستطيل يمتد الصوت به ولكن لم يبلغ قدر الحرف الممدود، وذلك لأن المستطيل يجري في مخرجه ، والممدود يجري في ذاته؛ حيث إن مخرجه مقدر. والفرق بينهما أن الحرف المستطيل يجري الصوت في مخرجه بقدر طوله ولم يتجاوزه حيث إن الحرف لَ يتجاوز مخرجه المحقق. أما الحرف الممدود فليس له مخرج محقق، وإنما مخرجه مقدر كما عرفت ، فيجري الصوت في ذاته، ولَ ينقطع إلََّ بانقطاع الهواء) (1). فالضاد تتميَّز عن الظَّاء بِمخرجها، وكذلك بصفة الَستطالة فيها ؛ ولذلك يعد حرف الضَّاد ضمن الحروف القويَّة في الجهر، وذلك لَجتماع صفات القوة فيه فيما عدا صفة واحدة وهي الرخاوة ؛ وعلى ذلك ففي نطق الضاد لَبد أن يكون الَعتماد قوياً على المخرج ب ما يتلائم وما في الضاد من قوة الجهر وانحباس النفس. أما الظَّاء؛ ففيها إنزال رتبة في الجهر من الضاد، لأنَّ صفات القوة التي اجتمعت فيها أقل من صفات القو ة في الضاد، لوجود صفة الَست طالة في الضاد وهي من صفات القو ة، فالرخاوة في الظاء تكون أكثر لخر وجِها من ذلق اللسان وأطراف الثنايا العليا، فيكون جريان الصوت فيها أقوى . وقد جمع الشيخ أبو عمرو الداني الكلمات القر آنية المذكور فيها حرف الظاء فقال : (ظَفِرَتْ شُوَاظُ بِحَظ ِهَا مِنْ ظُلْمِنَ ـــــا فَكَظَمْتُ غَيْظَ عَظِيمِ مَا ظَنَّتْ بِنَا وَظَعَنْتُ أَنْظُرُ فِي الظَّهِيرَةِ ظُلَّ ــــةً وَظَلِلْتُ أَنـْتَظِرُ الظ ِلالَ لِحِفْظِنَا وَظَمِئْتُ فِي الظَّلْمَا فَفِي عَظْمِي لَظَ ـــــى ظَهَرَ الظ ِهَارُ لأَجْلِ غِلْظَةِ وَعْظِنَ ـا أَنْظَرْتُ لَفْظِي كَيْ تـُيـَق ِظَ فَظَّهُ وَحَظَرْتُ ظَهْرَ ظَهِيرِهَا مِنْ ظُفْرِنَ ـــــا) (2) التحذير من مشابهةالضاد بالظاء: لقد حذر كثير من العلماء مشابهة الضاد بالظاء ، منهم ابن الجزري (رحمه الله) فقد قال في النشر: (والضاد انفرد بالَستطالة، وليس في الحروف ما يعسر على اللسان مثله، فإن ألسنة الناس فيه مختلفة، وَقَلَّ من يحسنه، فمنهم من يخرجه ظاءً ، ومنهم من يمزجه بالذال ، ومنهم من يجعله لَماً مفخمة ومنهم من يشمله الزاي، وكل لَ يجوز) (3). (1) انظر: غاية المريد في علم النجويد ص 144. (2) انظر: التمهيد في علم التجويد ص135. (3) انظرالنشر في القراءات العشر 1/113.

عدد الصفحات ٤١

42 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وقراءة الضاد ظاءً يؤدي إلى تغيير المعنى، كما قال الداني (رحمه الله) : (منهم من يجعله ظاء مطلقاً لأنَّه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها بالَستطالة - فلولَ الَستِطالةُ واختلافُ المخْرَجَيْنِ لكانتْ ظاءً - وهم أكثـَرُ الشامي ِين وبعضُ أهل المشرق ، وهذا لَ يجوز في كلام الله تعالى ، إذ لو قلنا ﴿الضَّ آل ِين﴾ بالظَّاء كان معناه: الدائمين، وهذا خلافُ مُرادِ الله تعالى، وهو مبطل للصلاة؛ لأنَّ الضَّلال بالضاد، هو ضِدُّ الهُدَى كقوله تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلََّ إِيَّاهُ ﴾ (الإسراء: 61) و﴿وَلَ الضَّال ِينَ ﴾ (الفاتحة 1) ونحوه، وبالظَّاء هو الدَّوام كقوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (النحل: 54) فمثل الذي يجعل الضادَ ظاءً في هذا وشبْهِه كالذَّي يـُبْدِل السين صادًا في نَحو قولِه تعالى : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ (الأنبياء: 3) و﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبـَرُوا﴾ (نوح : 1) فالأول من السر والثاني من الإصرار ) (1). (1) انظر: التمهيد في علم التجويد ص 135.

عدد الصفحات ٤٢

43 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net القاعدة العامة في تمييز الضادعن الظاء: بعد معرفة مخرج وصفة كل من الحرفين نخلص إلى القاعدة العامة للتمييز بين الضاد والظاء ، ففي المخرج أن الضاد من الحروف الشجْرية ومخرجه من إحدى حافتَيِ الل ِسان أو كلتاهما مع ما يُحاذيه من الأضراس العليا، وأما صفته التي تمييزه هي إمتداد الصوت من مخر جه إلى مقدار الأضراس العليا إلى موضع مخرج اللام . ويجب اعتماد الرسم المخصص لكل حرف من الحرفين . التفريق بين الضاد والشين : لقد جمع سيبويه (رحمه الله) بين الضاد والشين من حيث صفة الإستطالة ، وهذا مجانب للصواب عند علماء التجويد، فصفات الحرفين هما. - الضاد فيه الجهر، والرَّخاوة، والَستعلاء، والإطباق، والإصمات. ما عدا الَستطالة فهي صفة خاصة بالضاد. - و الشين فيه الهمس، والرخاوة ، والَستفال، والإنفتاح، والإصمات، والتفشي. فالفرق بينهما في الجهر والهمس، والإستعلاء والَستفال، والإطباق والإنفتاح، والتفشي، والَستطالة. والتفشي معناه: انتشار الهواء في الفم عند النطق بحرف الشين فقط (1)، وقال في غاية المريد (وسم ِيت الشين متفشية؛ لَنتشار الريح في الفم عند النطق بها حتى تتصل بمخرج الظاء) (2). بينما الَستطالةهي امتداد الصوت من أول إحدى حافتي اللسان إلى آخرها . ففي الأولى انتشار الهواء في داخل الفم، بينما في الثانية امتداد للصوت من إحدى الحافتين إلى آخر اللسان. ثم إن سيبويه لم يعد الضاد من الحروف الشجْ رية بل جعله من الحر و ف المستقلة بذاتها، بينما الشين من الحروف الشجْ رية وهذا فرق آخر بينهما يجب التمييز والله أعلم . و بعد أن استبان الفرق بين الضَّاد والظَّاء، والضاد والشين من حيث المخرج والص ِفة، فإن الضاد يتميز عن الظاء وعن الشين من حيث أن مخرج الضاد من إحدى حافتَيِ الل ِسان أو كلتاهما مع ما يُحاذيه من الأضراس العليا كما كان يفعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه . و مخرج الظَّاء هو: من طرف اللسان مع أطراف الثَّنايا العُليا. وأن صفة الضاد الَستطالة بحيث يستطيع القارئ المتمكن من ضبطه مخرجاً وصفة و بالصورة الصحيحة ، ويمكنه التفريق بين صوت كل منهما فلا يخلط بينهما. وصفة الشين التفشي وهو انتشار الهواء في الفم، فالفرق واضح وبين بين الضاد والظاء والشين . لهذا يجب التمييز بينهما ومنع الخلط والتركيب ، قال في تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين : (ومنها جعلها ضاداً غير مشالة كثيراً ما يقع لَتفاقهما في جميع الصفات ولولَ اختلافهما في المخرج وزيادة الَستطالة في الضاد لكان ظاءً فيجب على القارئ الَعتناء به في تمييز إحداهما من الأخرى لئلا يجعل كلاً منهما موضع الأخرى وهو واقع كثيراً وإبدال الضاد الساقطة ظاءً أكثر ليسره على اللسان لَسيما إذا التقتا لفظاً وخطاً نحو ﴿أنـْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أو لفظاً لَ خطاً نحو ﴿يـَعَضُ الظَّالِمَ ﴾ وقد التبس على كثير من القرَّاء الفرق بينهما في مواضع كثيرة من القرآن فيضع إحداهما موضع الأخرى و إن كان (1) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ص 152 و115. (2) انظر: غاية المريد في علم النجويد ص 141.

عدد الصفحات ٤٣

44 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net يحسن النطق بهما وهو لحن لَ تحل القراءة به إذ فيه تغيير اللفظ وإخراج الكلمة عن معناها إما إلى لفظ غير مستعمل في كلام العرب وهو الغالب أو إلى كلمة بمعنى أخر كما في قوله تعالى (الظَّال ِينَ ) يصير بمعنى الدايمين أو الصابرين) (1). (1) انظر: تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين ص 64.

عدد الصفحات ٤٤

45 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net المطلب الثاني: الإنحراف صفة اللام والراء تعريف الإنحراف لغة: الميل والعدول. وَيـُقَالُ : (انْحَرَفَ) عَنْهُ و(تَحَرَّفَ) و (احْرَوْرَفَ) أَيْ مَالَ وَعَدَلَ (1). والإنحراف اصطلاحاً : ميل صوت الحرف عن الموضع الذي احتبس فيه ليجري في موضع آخر. و حروفه: في اللام والراء فقط. كما ذكرها الَمام ابن الجزر ي في مقدمته: (والَنحراف صححا فى اللام والراء) (2). وانحراف اللام أقوى من انحراف الراء ، وصفة الإنحراف فيهما ليس لها ضد وهي تختص فقط بهذين الحرفين ، لفائدة مهمة سنذكرها فيما بعد . وهناك صفات أخرى لهما ، ومن صفاتهما الجهر، والجهر كما قال سيبويه يعني : (حرف أشبع الَعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجرى معه حتى ينقضي الَعتماد عليه ويجرى الصوت فهذه حال المجهورة في الحلق والفم، إلََّ أن النون والميم قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنة. والدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما لرأيت ذلك قد أخل بهما) (3). ولهماأيضاً صفة البينية بين الشدة والرخاوة ، قال المالقي: (وأما الراء فقال سيبويه: إنه حرف شديد جرى الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافي الصوت كالرخاوة ، ولو لم يتكرر لم يجر الصوت فيه وذلك أنك إذا نطقت بالراء تكيف الجزء الناطق بها من اللسان نوعاً من التكيف حال النطق ثم انفلت من ذلك التكيف فيقطع الصوت الذي هو ذات الراء ثم يعود الجزء الناطق إلى ذلك التكيف فيعود النطق بذلك الحرف هكذا مرة بعد أخرى فيحصل في اللسان بحسب سرعة التكيف والَنفلات المتكررين صورة ترعيد وتكرير للفظها، وكل قرعة منها راء مستقلة، لكنه قلما يقدر الناطق على الَقتصار على القرعة الواحدة من غير تكرير إلََّ بعد التدرب والرياضة مع سلامة العضو الناطق. فمن حيث كان سريع التفلت وقطع الصوت كان شديداً ومن عرض فيه التكرار السريع صار الصوت كأنه شيء واحد ممتد لم ينقطع، فأشبه بذلك الرخوة ولهذا قال سيبويه: (جرى فيه الصوت بالتكرير وانحرافه إلى اللام) (4). ومن صفات اللام والراء الَستفال ، والَستفال: يعني انخفاض طائفة اللسان عن الحنك عند لفظها وحروفها سوى أحرف الَستعلاء (خص ضغط قظ). (1) انظر: مختار الصحاح– مادة (ح ر ف) ص 15. (2) المقدمة الجزرية ص 15. (3) انظر: الكتاب4 /434. (4) انظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص 144.

عدد الصفحات ٤٥

46 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وهما أيضاً من الأحرف المنفتحة: والإنفتاح يعني انفراج ما بين ظهر اللسان والحنك الأعلى عند النطق بها. وحروفها سوى أحرف الإطباق التي حروفها (صاد، ضاد، طاء، ظاء). ومن صفاتهما أنهما من الأحرف المذلقة، وسميت بالمذلقة لخروجها من ذلق اللسان أي طرفها والحروف المذلقة مجموعة بعبارة (فر من لب) ، فاللام والنون والراء من ذلق اللسان. والفاء والباء والميم من ذلق الشفة. وما عدا هذه الأحرف فهي مصمتة لأنها من الصمت وهو المنع، قال الأخفش: (لأن من صمت منع نفسه من الكلم والمراد بها أنها ممنوعة من انفرادها في بنات الأربعة والخمسة بمعنى أن كل كلمة على أربعة أحرف وخمسة أصول لَبد أن يكون فيها مع الحروف المصمتة حروف من الأحرف المذلقة وإنما فعلوا ذلك لخفتها عادلوا بها الثقيلة) (1). كيفية الإنحراف : يكون الإنحراف بالنسبة لحرف اللام: عند تصادم حافتي اللسان الأماميتين مع لثة الأسنان الأمامية حُبِسَ الصوت لَنغلاق المخرج فيحيد ويميل الصوت وينحرف للخلف ليجري على الحافتين الخلفيتين للسان. لذلك فإن حرف (اللام) حرف متوسط الصوت فيه انحبس انحباساً ضئيلاً ثم جرى جرياناً ضئيلاً ، فهو حرف بين الشد ة والرخاوة وهو من مجموعة (لن عمر). ويكون الإنحراف بالنسبة للراء: من مكان التقاء الثنيتين العلويتين وسطها غائر ومجوف للداخل بالتالي طرف اللسان يلامس يمناها ويسر اها دون وسطها فالصوت عند خروجه يجد المخرج محكماً من اليمين واليسار فيحبس ثم يحيد عن مساره وينحرف إلى الأمام ليجري في منطقة التقاء الثنيتين العلويتين و الراء أ يضاً حرف متوسط بين الشدة والرخاوة وهو من مجموعة (لن عمر). (1) انظر: المنح الفكرية ص 14.

عدد الصفحات ٤٦

47 تابع الجديد والحصري على شبكة الألوكة www.alukah.net وصفة الَنحراف من الصفات التي لَ إعمال فيها بل هي تلقائي ة. فبضبط المخرج نجد الحرف أخذ صفاته المنضبطة من توسط وانحراف وغيرها . قال المرصفي في انحراف اللام والراء : (ميل الحرف بعد خروجه من مخرجه حتى يتصل بمخرج غيره . وله حرفان اللام والراء على الصحيح وسمي حرفاه بذلك لَنحرافهما عن مخرجهما حتى اتصلا بمخرج غيرهما فاللام فيها انحراف إلى طرف اللسان والراء فيها انحراف إلى ظهره وميل قليل إلى جهة اللام ولذلك يجعلها الألثغ لَماً ) (1). فائدة الَنحراف : تنحصر فائدة الإنحراف في تحسين أداء حرف ي اللام والراء وضبط مخرجه ما. ولو لم يمال بالصوت في الراء لحد التكرير ولما ضبط الإخفات، لأنه انحرف عن مخرج النون، الذي هو أقرب المخارج إليه، إلى مخرج اللام، وهو أبعد من مخرج النون من مخرجه ، فسمي منحرفاً لذلك. قال ابن الجزري : (وَالْحَرْفُ الْمُكَرَّرُ هُوَ الرَّاءُ . قَالَ سِيبـَوَيْهِ وَغَيـْرُهُ هُوَ حَرْف شَدِيد جَرَى فِيهِ الصَّوْتُ لِتَكَرُّرِهِ وَانْحِرَافِهِ إِلَى اللاَّمِ فَصَارَ كَالرَّخْوَةِ ، وَلَوْ لَمْ يُكَرَّرْ لَمْ يَجِرِ فِيهِ الصَّوْتُ ، وَقَالَ الْمُحَق ِقُونَ : هُوَ بـَيْنَ الش ِدَّةِ وَالرَّخَاوَةِ . وَظَاهِرُ كَلاَمِ سِيبـَوَيْهِ أَنَّ التَّكْرِيرَ صِفَة ذَاتِيَّة فِي الرَّاءِ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْمُحَق ِقُونَ ، فـَتَكْرِيرُهَا رُبـُوُّهَا فِي اللَّفْظِ وَإِعَادَتـُهَا بـَعْدَ قَطْعِهَا وَيـَتَحَفَّظُونَ مِنْ إِظْهَارِ تَكْرِيرِهَا خُصُوصًا إِذَا شُد ِدَتْ وَيـَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيـْبًا فِي الْقِرَاءَةِ ، وَبِذَلِكَ قـَرَأْنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ قـَرَأْنَا عَلَيْهِ وَبِهِ نَأْخُذُ) (2). ولو لم يمال بالصوت في اللاموامتد به لَنتقل به من البينية إلى الشدة لأنه من حروف الرخاوة، وكذلك لما تحقق وضبط الإخفات فيه. (1) انظر: هداية القاري إلى تجويد كلام الباري 1/41. (2) النشر في القراءات العشر 1/162.

عدد الصفحات ٤٧