المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب تعريف عام بدين الإسلام للشيخ علي الطنطاوي

أبو محمد بن عبدالحميد

صفحة ٣ من ٤

فإذا يئسوا منهم عمدوا إلى مالك ، رئيس حرس جهنم . ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُكَ ) .فأجابهم الجواب الصارم الحاسم ، قال :( إِنَكُمْ مَاكِثُونَ ) . فيفكرون في أن يفتدوا أنفسهم ، كما كانوا يفتدون الدنيا بالمال ، ولكن هيهات : ( وَلَوْ أَنَ لِلَذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ، وَبَدَا لَهُمْ سَيِئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) . فلا تفيدهم هذه المحاولات شيئاً ، ويبقَوْن في جهنم : ( وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ، كُلَمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُوا فِيهَا }وقيل لهم :(ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) . أحاديثهم واختلافهم: وأهل جهنم في نزاع وجدال : ( كُلَمَا دَخَلَتْ أُمَةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَى إِذَا ادَارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَارِ قَالَ لِكُلٍ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ، وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْ تُمْ تَكْسِبُونَ ... هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَهُمْ صَالُو النَارِ ، قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ، قَالُوا رَبَنَا مَنْ قَدَمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَارِ ، وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَا نَعُدُهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ، أَتَخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ...إِنَ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَارِ ...وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا رَبَنَا أَرِنَا الَذَيْنِ أَضَلَانَا مِنَ الْجِنِ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ) . حوار بين أهل الجنة وأهل النار: سبق ما يشير إلى أن أهل الجنة يستطيعون أن يطلعوا على أهل النار ، وفي القرآن أن هؤلاء وهؤلاء يتنادَوْن ويتحدثون . ( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَةِ أَصْحَابَ النَارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَنَ مُؤَذِنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَهِ عَلَى الظَالِمِينَ ...وَنَادَى أَصْحَابُ النَارِ أَصْحَابَ الْجَنَةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَهُ قَالُوا إِنَ اللَهَ حَرَمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ، الَذِينَ اتَخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُ نْيَا ) . الأعراف: الذي يُفهم من الآيات ، أن ( الأعراف ) مكان بين الجنة والنار . يقوم فيه مدة من الزمان مَنْ قَصُرَتْ به حسناته عن دخول الجنة ، ولم تبلغ سيئاته إدخاله النار ، يَرَوْن منه الجنة ويأملون في دخولها ويخاطبون أهلها ، ويَرَوْن النار ويعوذون بالله منها ويكلمون أصحابها ، وبينهما ( أي بين أهل الجنة وأهل النار ) حجاب . (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا ( أي أهل الأعراف ) وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( في دخولها ) ، وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَارِ قَالُوا ( أي قال أهل الأعراف ) رَبَنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَالِمِينَ ) . ورأَوْا في جهنم ناساً يعرفونهم ، كانوا في الأرض من الجبارين ، يعتزون بجموعهم وأتباعهم وجماهير العامة التي تؤيدهم ، فيتكبرون

عدد الصفحات ٢٩

َبَنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَالِمِينَ ) . ورأَوْا في جهنم ناساً يعرفونهم ، كانوا في الأرض من الجبارين ، يعتزون بجموعهم وأتباعهم وجماهير العامة التي تؤيدهم ، فيتكبرون بذلك ويطغَوْن فنادُوهم وقالوا لهم : ( مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ؟ !) . فيا ربِ افتح أبصارنا حتى نرى الحقائق الدالة عليك ، ونوِر بصائرنا حتى نبصر الطريق الموصل إليك ، وجنِبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وارزقنا رضاك والجنة ، وأعذنا من غضبك والنار ، يا عفوّ يا غفّار .

عدد الصفحات ٢٩

الإِيمَان بالقَدَرِ معنى القدر والقضاء : الذي يُفهم من الآيات التي ذكرت القدر كقوله تعالى : ( إِنَا كُلَ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ). وقوله عن الأرض : ( وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) . وقوله عن القمر : ( وَالْقَمَرَ قَدَرْنَاهُ مَنَازِلَ ) . الذي يفهم منها أنّ القدر ، هو السنن التي سنها الله لهذا الكون ، والنظام الذي سلكه به ، والقوانين الطبيعية التي سيّره عليها ، وأنّ كل ما فيه قد خُلق بمقادير معينة ، ونسب محددة ، فما من موجود إلا وقدر قبل إيجاده مقداره وعدد ذراته ، وكمية العناصر التي يتألف منها ونوعها .. إلخ وأنا أوضح الفرق بين القدر والقضاء بمثال {وَلِلَهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى }العمارات التي تقام تعلق عليها لوحة فيها : إن التصميم للمهندس الفلاني ، والتنفيذ للمقاول الفلاني ، فالمهندس يرسم الخريطة ويعين علو البناء وسمك الجدران ، وما يوضع فيها من الحديد و( الإِسمنت ) والحجر ، ونسبة كل منها ، وما يكون فيها من أبواب ونوافذ ، يقدر ذلك ويحدده ، هذا مثال القدر . والمقاول ينفذ ما قدره المهندس ، وهذا مثال القضاء . وكلاهما لله وحده . وكما يمكن للمهندس أن يبدّل ( إذا أراد ) في بعض تفصيلات التصميم ، فالله من رحمته جعل الدعاء والصدقة سبباً في رفع بعض ما كان مقدَراً ، قدّرها وحده ، ورفعها بالدعاء وحده ولو كان كل ما يفعل العبد مجبراً عليه من الأزل ، لا يبدَل ولا يعدَل ، وليس له اختيار فيه ، لم يبق من فائدة لبعثة الأنبياء ، وجهاد الكفار ، ولا للدعاء . وقد دعا الأنبياء والخلفاء الراشدون وصلحاء كل أمة ، طالبين دفع البشر ، وجلب الخير. الثواب والعقاب هذا معنى القدر بوجه عام ، وهو يشمل كل موجود أوجده الله ، قدر الله مقاديره وأحواله ، وعلم ما سيكون له وما يكون منه ، ومن جملة مخلوقات الله الإنسان . وهنا تعترض مشكلة طالما خاض فيها الخائضون ، وطالما كثر فيها الجدال ، هي أمر الثواب والعقاب . إذا كان كل ما يقع في الكون مرسوماً ومعلوماً عند الله من قبل ، وكانت سنن الله لا تبديل لها ولا تغيير ، فكيف يكون الثواب والعقاب ؟. والجواب الإِجمالي : أنه لا بد من التفريق بين وضع الإِنسان المشاهد ( الملموس ) ، وبين صفات الله وأعماله ، وهي مغيَبة ، لا يستطيع العقل أن يحكم عليها ، ولا يصل إلى إدراكها ، ولا يعرف عنها إلا ما جاء بطريق الوحي .  الإنسان مخير: الإِنسان له حرية ، له ( عقل ) يستطيع أن يحكم به على الأمور المادية ، ويميّز به بين الخير والشر ، وله ( إرادة ) يستطيع أن يعمل بها الخير أو أن يعمل الشر . وإذا كانت يدي سليمة ما بها مرض أو شلل ، فأنا أستطيع أن أرفعها ، فهل في الناس من يدَعي أنني لا أستطيع رفع يدي ؟ وإذا كنت قادراً على رفع يدي رفعتها لأعطي فقيراً ديناراً ، أو رفعتها لأضرب بريئاً بالعصا ، فهل هذا كذلك ؟ أليس إعطاء الفقير حسنة تستحق الثواب ، وضرب البريء سيئة تستوجب العقاب ؟ .  والإنسان مجبر: لقد استطعت أن أحرك يدي بإرادتي ، لأن الله جعل عضلاتها خاضعة لي ، ولكني لا أستطيع التحكم في عضلات قلبي ومعدتي .

عدد الصفحات ٣٠

 حر مخيَر في حدود الطاقة البشرية: فالإنسان حر مخيَر في حدود الطاقة البشرية ، وكونه مجبراً - في بعض الحالات - لا ينفي عنه صفة الحرية , فهو ( إنسان حر ) ، يتصرف ضمن الحدود الإِنسانية ، وليس إلهاً ليصنع ما يشاء .  الثواب والعقاب منوط بالحرية: فإن لم تكن حرية فلا عقاب . المكره على فعل الشر لا يعاقب عليه . والله إنما يؤاخذنا على ما نملك الخيار في فعله أو تركه . وإذا كانت المحاكم البشرية ، بعدالتها النسبية ، تقدر ظروف المتهم ودوافعه ، وبيئته واستعداده ، وترى تقدير ذلك من العدل ، فهل يُترك ذلك في حكمة رب العالمين ، التي فيها العدالة المطلقة ؟ وهل يعاقب المذنب الناشئ من والِدَيْن فاسِقَيْن ، وبيئة فاسدة ، والذي عاش طفولة مهمَلة مشرّدة ، كمن أذنب الذنب نفسه ، وهو ناشئ في أفضل البيئات ، مولود من خير الآباء .  مقاييس العدالة: على أن أكثر علماء الكلام قد أخطؤوا أكبر الخطأ ، حين طبقوا على الله مقاييس العدالة البشرية . تنبّهت إلى هذه الحقيقة بواقعة وقعت لي ، أسردها الآن فيها عبرة ، وإن لم يكن موضع سردها هذا الكتاب كنت سنة ( 1331 )أدرِس في مدرسة إبتدائية في الشام ، وكنت في فورة الشباب وعنفوانه ، وفي رأسي خواطر ، وفي نفسي غرور ، وعلى لساني بيان واندفاع ، فعرضت لي شكوك في مسألة القدر ، كنت أسأل عنها العلماء ، فلا أجد عندهم الجواب الشافي لها ، فيدفعني الغرور إلى جدالهم وإزعاجهم . حتى جاء يوم كنت فيه في المدرسة ، وكنت أؤدب تلميذاً بالضرب ، ( وكان الضرب من وسائل التأديب في تلك الأيام ) ، ففجر الولد وتوقّح ، وجعل يصرخ ويقول : ( هذا ظلم .. أنت ظالم ..) . !! ثقوا يا أيها القراء ، أني لما سمعت ذلك سقطت العصا من يدي ، ونسيت الولد والمدرسة ، ورأيت كأني كنت في ظُلْمة فأضيء لي مصباح منير ، فقلت لنفسي : إن التلميذ يرى ضربي إياه ظلماً ، وأنا أراه عدلاً . والعمل واحد ، وإذا ذهب يشكو إلى أهله قالوا له : لا ما هذا ظلم ، هذا عدل ، إنه يضربك لمصلحتك . فإذا كان التلميذ لا يحق له أن يطبق مقاييسه الناقصة على عدالة المعلم ، فكيف أطبق أنا مقاييسي البشرية للعدالة على الله ؟ . ألا يمكن أن يكون الفعل الذي أراه ظلماً هو عين العدل ؟ الولد المريض يرى الإِبرة التي يدخلها الطبيب تحت جلده ظلماً ، وهي في رأي أبيه عدل كل العدل ، لأن الولد نظر إلى ألمها ، والأب أبصر أثرها في شفاء الولد . مع النصوص: لا بد قبل الكلام على النصوص من التذكير بهذه القواعد : 1. إن عمل العقل منحصر بفهم النصوص ، ولا يستطيع أن يدرك من نفسه حقيقة القدر بالتفصيل ، لأنه - كما قدمنا - عاجز عن الخوض فيما وراء المادة ، لذلك ينبغي اجتناب المابحث التي لم يوضِحها النص. 5. أن نعرف أن الاصل هو القرآن ، فإن تعارضت آية منه وحديث من أحاديث الآحاد ، ولم يمكن التوفيق بينهما على شكل مقبول أخذنا بالآية 3. أنه لا يمكن أن يكون في القرآن أو صحيح الحديث نص صريح ، ينكر وجود أمر واقع مشاهد ملموس ، لأن الذي أنزل القرآن هو الذي أوجد الواقع ، ولا ينفي ربُنا ما أوجده . 4. إن كثيراً من النصوص التي يُفهم منها الإِجبار ونفيُ الاختيار عن الإِنسان كقوله تعالى :( هُوَ الَذِي يُصَوِرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ) .

عدد الصفحات ٣١

ف يملك الوليد الذي صُوِر بنتاً أن يجعل نفسه صبياً ، ولا الأسود اللون أن يصيِر لونه أبيض . ومثلها قوله تعالى :( وَرَبُكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) . وما يشير إلى الأحداث الكونية التي هي فوق طاقة الإِنسان كقوله : (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ) . ومثلها :(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَهُ بِضُرٍ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَا هُوَ ) . وما يدل عى الظروف المؤدية إلى الصلاح أو الفساد ، وليست من صنع الإِنسان ، كقوله : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) . ومن الآيات التي جاءت فيها كلمة الهداية بمعنى الدلالة والإِرشاد ، كقوله { :وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ ) . وقوله :(إِنَا هَدَيْنَاهُ السَبِيلَ إِمَا شَاكِراً وَإِمَا كَفُوراً ) . الذي ظهر لي : أن أكثر هذه النصوص ، تشير إلى الأمور التي تؤثر في صلاح الإِنسان وفساده بعض التأثير ، وليست من صنعه ، وقد قدمت القول بأن الله لا يؤاخذ العبد عليها ، ولا يمكن أن يجبر الله عبده على أمر بحيث لا يستطيع تركه ثم يعاقبه عليه . هذه هي النصوص التي وقف عندها أصحاب الفرق المنحرفة ، فأساؤوا فهمها ، وأخطؤوا في تطبيقها . وكان عليهم : 1. التفريق بين آيات الإخبار عن مشيئة الله وقدرته وتصرّفه في ملكه ، والآيات المتعلقة بالثواب والعقاب . 5. اعتبار مجموع النصوص لا الوقوف عند أفرادها ، ومن تتّبع مجموع النصوص رأى أن القرآن يثبت للإِنسان الحرية والإرادة ، اللتين يترتّب عليهما الثواب والعقاب . فمن يقرأ قوله تعالى عن القرآن { :يُضِلُ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً }يفهم منه بادي الرأي أن الهدى والضلال أمر مقرر ، قدّره الله على العباد ، فجعل هؤلاء ضالين ، وهؤلاء مهتدين . ولكن إذا انتبه إلى قوله تعالى { :هُدىً لِلْمُتَقِينَ }، وقوله { :وَمَا يُضِلُ بِهِ إِلَا الْفَاسِقِينَ } ، علم أن الهدى والضلال ليس إلزاماً من الله ، ولكنه تبع لحالة المرء ، فإن كان متَقياً كان القرآن هدى له ، وإن كان فاسقاً كان له ضلالاً وتبقى مع ذلك الشبهة قائمة ، فيقول القائل : وما يدريني إذا كان الله قد جعلني مع المتقين أو جعلني مع الفاسقين ؟ فإذا انتبه إلى قوله تعالى { :لِلْمُتَقِينَ ، الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ وَمِمَا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ...، وقوله { :إِلَا الْفَاسِقِينَ ، الَذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ }، علم أن المسألة ليس فيها إجبار ، وأن مردها إلى صفات وأعمال داخلة في نطاق حرية الإِنسان وطاقته. فإن عملتَ الثلاث الأولى كنت بذلك من المتقين ، فاستحققتَ الهداية ، وإن عملت الثلاث الأخرى كنت بذلك من الفاسقين ، فاستحققت الضلال. بحث عقيم: وهنا يرد قولهم : هل عملت السوء بمشيئة الله أم لا ؟ هل كنت أستطيع ألا أعمله ؟ وهل خَلَقت أنا عملي ؟ وأمثال هذه الأمور التي ملأ بحثها كتب علم الكلام . وذلك كله بحث عقيم ، لأن الخالق لا يقاس على المخلوقين ، والعقل لا يحكم على الله وصفاته ، والله لا يُسأل عما يفعل ، وإنما يسألنا عن أفعالنا ، والله عادل لا شك في عدله وخير لنا أن ننظر إلى أنفسنا ، وأن نحسن استعمال عقولنا ، ونعمل على توجيه إرادتنا إلى الخير ، وندع المباحث المتعلقة بالله ، التي لم يتكلم فيها السلف ولا شغلوا أنفسهم بها .

عدد الصفحات ٣٢

 الاحتجاج بالقدر: ومن العصاة من يحتج لعصيانه بالقدر ، تقول للزاني : لم زنيتَ ؟ فيقول : لأنه قُدِر علي ! وهي حجة واهية ، مردودة من وجهين : 1- لأن الحساب والعقاب يكون على العمل ، وعلى الدوافع إليه والبواعث عليه . وهذا الزاني لم يطّلع على اللوح المحفوظ ويَرَ أن الزنا مكتوب عليه - كما يزعم - ويذهب ليزني تنفيذاً لحكم القدر ، وإنما تبع الشهوة ، وطلب اللذة العاجلة ، واستجاب لنداء الشيطان . وقد احتج المشركون بمثل هذه الحجة فقالوا : ( لَوْ شَاءَ اللَهُ مَا أَشْرَكْنَا ) . فرد الله عليهم بقوله : ( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ؟ ) . أي : من أين عرفتم قبل أن تشركوا أن الشرك مقدر عليكم ؟ وهل جربتم الإيمان فوجدتم أنه ممتنع عليكم ؟ . 5- أن لو كان هذا المحتج بالقدر صادقاً لرضي بكل ما يقدره الله عليه ، من فقر ومرض وجوع ، وفَقْد حبيب ، وذهاب مال ، والمشاهد أنه لا يرضى بذلك ، وهو مقدَر عليه ، ولا يسكن إليه ، بل هو يعمل لجمع المال ، ودفع المرض ، وإذهاب الجوع ، ويألم لفَقْد الحبيب ، وذهاب المال . فلماذا سخَر قواه كلّها ، واستعمل عواطفه لجلب لذة الدنيا ، ودرء الألم فيها ، ولم يسخِر عقله لقمع الشهوة ، ومنع النفس من الحرام الذي ترغب فيه ، وهو يعلم ما في عقبه من العذاب .  تقديس الأموات: ذلك ( رد فعل ) لسوء حاضرنا ، وجلال ماضينا . الإِيمَان بالغَيْبِ عالم الغيب : قدمنا في ( قواعد العقائد ) أن الحواس لا تصل إلى إدراك كل موجود ، وأن في الوجود عوامل حقيقية ، لا ندركها بحواسنا ، أقربها إلينا الروح التي يحيا بها كل واحد منا . من ينكر وجود الروح ؟ لا أحد .من أدرك ( ماهية ) الروح ؟ لا أحد . فالعالَم المدرَك المشاهد ، هو الذي سماه القرآن : ( عالم الشهادة ) ، والعالم المغيَب عن حواسنا - عالم ما وراء المادة - هو : ( عالم الغيب أما عالم الشهادة فيستوي في الإِيمان به والتصديق بوجوده الناسُ جميعاً ، حتى الحيوان الأعجم يدرك بحسّه وجودَه . فلا فضل في الإِيمان به لأحد على أحد ، لأن ذلك من ( العلم الضروري ) . ولكنّ الفضل في الإِيمان بالغيب ، فيمن يؤمن بما لا يراه ويصدّق بوجوده ، اعتماداً على صدق الخبر به . وهذا ما يمتاز به المتقون ، ولذلك جعل الله أول صفة وصف بها المتقين ، في أول سورة البقرة ، أنهم { :الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) . كيف نؤمن بالغيب ؟ نؤمن بالغيب ولم يعطنا الله الحواس التي ندركه بها ؟ إننا لو تُركنا لحواسنا نعتمد عليها وحدها ، ولعقولنا نحكم بها على ما جاء من طريق الحواس فقط ، لبقينا على جهلنا بما وراء المادة ، فكان من حكمة الله ، ومن رحمته بنا ، أنه لم يترك العقل في عجزه عن إدراكها ، بل أخبره بما يحتاج إليه من خبرها . وهذا الإِخبار ليس صادراً عن الطاقة الإِنسانية ، ولكنه آتٍ من خارجها بطريق من الطرق الثلاثة :

عدد الصفحات ٣٣

الأول - أن يضع الله هذه الأَخبار في الإِنسان ، بإلهام أو بمنام ، أو بنوع من التلقّي الذي لا عمل فيه للإِنسان ، ولا يستطيع الوصول إليه باجتهاد ، فيحس بها ، ويعبر عنها . الثاني - بأن يسمعها من غير أن يرى قائلها الحقيقي ، فتصل إلى أذنه ويدركها ويعيها . الثالث - ( وهو الأعم الأكثر ) أن يرسل الله واحداً من مخلوقاته الخيِرة ، المطيعة المغيَبة عنا ، التي تسمى الملائكة ، إلى واحد من البشر ، يختاره الله ويصطفيه ، فيبلغه رسالة الله ، ويأمره أن يبلغها الناس . فهذه ثلاثة طرق ليس لها رابع . (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِمَهُ اللَهُ إِلَا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) . الغيب الذي يجب الإِيمان به: والغيب الذي هو ركن الإِيمان ، والذي يكفر منكره ويخرج من ملة الإِسلام ، هو ما جاء في القرآن . أما الغيب الذي ورد في السنة الصحيحة ، فلا يكفر منكره ويخرج من الملة ، بل يفسق . وهذا الفرق بين الكتاب والسنة يحتاج إلى شيء من البيان . ذلك أن ما أبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي ، وما نطق به من الحديث ، هما في الأصل في درجة واحدة من الحجية . o فالقرآن وحي من الله بلفظه ومعناه o والحديث وحي من الله بالمعنى ، واللفظ لفظ الرسول ، قال تعالى : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَا وَحْيٌ يُوحَى ) . والصحابة الذين سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم الآية يبلغها ، والحديث ينطق به ، لم يكونوا يفرِقون بينهما ، في وجوب العمل ، وفي الحجية . ولكن الفرق نشأ من الرواية والنقل ، فالقرآن نُقل نقلاً متواتراً ، بحيث نجزم بأن النص الذي في المصحف ، هو الذي نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي بلغه محمد أصحابه ، ما نقص منه شيء ، ولا زيد فيه شيء ، ولا أبدل منه شيء . أما الحديث فَنَقَل جلّه ( إن لم نقل كله ) آحاد عن آحاد ، ولقد بذلك علماء الحديث في تمحيص روايته ، والفحص عن رجاله ، أقصى ما تصل إليه الطاقة البشرية ، ولكنا لا نقطع مع ذلك بأن الحديث الذي رواه ( البخاري ) و ( مسلم ) وأصحاب السنن ، قد قاله صلى الله عليه وسلم ، وأنه نقل بلفظه ، كما نقطع بأن ما في المصحف هو القرآن المنزل . ولما كانت العقيدة أساس الدين ، ويترتب على الإِخلال بها الكفر والردة ، وكان لا يحكم على مسلم بالردة ما دام في الأمر احتمال ألا يكون كفر ، لذلك قلنا : إن من أنكر عقيدة جاءت بصريح القرآن يكفر ، ومن أنكر عقيدة وردت في صحيح السنة يفسق ولا يكفر . هذا إن ردها عناداً وخلافاً ، أما إذا كان من أهل الحديث ، العارفين بعلله ، ورد الحديث لعلة في سنده أو متنه ، فلا شيء عليه . المغيّبات : المغيّبات التي أخبر بها الشرع ، ويجب بها الإيمان ، ويترتب على إنكارها الكفر ، هي:- o الملائكة والجن ، والكتب والرسل ، واليوم الآخر وما فيه من الحساب ، وما بعده من الثواب والعقاب ، والقدر ، وما جاء في القرآن عن خلق السماوات والأرض ، وخلق الإنسان ، وكل ما أخبر به القرآن . أقسام الغيب: عالَم الغيب على أقسام ، كل قسم منها يسمى غيباً :

عدد الصفحات ٣٤

1- قسم لم ندركه نحن ولكن أدركه غيرنا من البشر ، كقصة يوسف مثلاً ، سماها الله غيباً لأن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه لم يدركوها بحواسهم ، لم يَرَوْها ولم يسمعوا بها ، ولكن بني إسرائيل ، ( أعني أولاد يعقوب ) يوسف وإخوته ، أدركوها وعاشوها ، وكانت هي وقائع حياتهم . 5- وقسم لم يدركه البشر ، وإن كان من الممكن عقلاً أن يدركوه لو قدم الله موعد إيجادهم ، كالحوادث التي كانت في الأرض من قبلهم وأخبار المخلوقات التي كانت تسكنها ، ولكنهم لم يعرفوا عنها في الواقع ، وعن أخبار خلق أبيهم آدم ، وبداية الحياة البشرية ، إلا ما جاءهم من طريق الوحي . 3- وقسم لا يمكن إدراكه بالحواس ، ولا الحكم عليه بالعقل ، ولا الإحاطة بحقيقته بالخيال ، كصفات الله ، وما غيّبه عنا من مخلوقاته ، كالملائكة والجن والشياطين ، وأحوال يوم القيامة ، وما بعده من الحساب والثواب والعقاب . شبهة وردها: قد يقول قائل : إن من أمور الغيب التي استأثر الله بها إنزال الغيث والعلم بما في الأرحام ، فكيف تخبر النشرة الجوية عن جوّ الغد ، أصحو أم ماطر ؟ ويكشف العلم عما في بطن الحامل : هل هو ذكر أم أنثى ؟ والجواب: 1- إن الذي أنزل القرآن هو الله ، وإن الذي خلق الكون وما يقع فيه هو الله ، فلا يمكن أن يأتي في القرآن نص صريح قاطع بإنكار أمر قائم مشاهَد ملموس . وإذا وجدنا نصاً يظهر منه مخالف للواقع ، ندقّق النظر فيه ، فنرى أن المعنى المقصود منه غير ما بدا لنا 5- النشرة الجوية إنما تخبر عن المطر بعد رؤية أسبابه ، وتمام خلقه ، وبيان ذلك أن المطر الذي ينزل في سواحل الشام مثلاً ، تبيّن ( من العلم بسنن الله في الكون ) أن سببه الهواء الذي يجيء من البحر الأطلسي ، فيمر بمضيق جبل طارق ، فيصطدم بكتلة هوائية راكدة ، فتشكل السحب من اختلاف درجة حرارة الهواء القادم والهواء الراكد ، فإذا رأوه علموا استناداً إلى معرفة سنن الله أنه سيتوجه إلى ساحل الشام بعد كذا . فهو كمن شاهد موزِع البريد من نافذته ، وقدّر متى يصل إلى داره ، فقال لأهله : سيأتي موزع البريد بعد خمس دقائق , ما علم في الحقيقة الغيب ، ولكن رأى الواقع قبل أن يراه غيره . ومثله من يخبر عن نوع الجنين بعد تشكيله . وأما إنشاء السحاب ، وإنزال المطر في أرض كتب الله عليها الجفاف ، ومنعه عن أرض أنزله الله عليها ، ومعرفة جنس الجنين ، وهو لا يزال حُوَيْناً منوياً ، أو حويناً صادف بويضة ، فهذا هو المراد من الآية والله أعلم . الإِيمَان بالمَلائِكةِ وَالجِنِ الوحي وإمكانه ولزومه: الوحي ممكن عقلاً ، لأن الله قادر على خلق الملائكة ، واصطفاء الرسل ، وشرع الأحكام ، لا يمنع العقل ذلك ، بعد أن آمن بوجود الله ، وقدرته وإرادته . وهو واقع فعلاً ، لأن الخبر الصادق ورد به ، وقد قدمنا أن الخبر الصادق طريق من طرق العلم ( بمعنى اليقين ) ، وأننا نوقن بما نصدق الخبر به كما نوقن بما نراه ونسمعه . وهو لازم إذ لولاه لاقتصر البشر على عالم المادة ، ولجهلوا ما وراءه ، ولكانوا كالأنعام والمواشي ، يعيشون لدنياهم وحدها , لا يتصلون بربهم ، ولا يعملون لآخرتهم . ولولاه لفقد السمو الخلقي ، والرفعة الإِنسانية . ومهما أوردوا من نظريات في علم الأخلاق ، وفي الأساس الذي تُبنى عليه ، فإن الأخلاق إذا لم تُبْنَ على أساس من العقيدة ، كان بناؤها على كثيب من الرمل ، لأن الإِنسان مفطور على حب نفسه ، وجلب النفع لها ، ودرء الأذى عنها ، فلا يعمل عملاً لا يكون له فيه لذة أو كسب

عدد الصفحات ٣٥

ولو أن رجلاً لا يملك إلا ديناراً يدخره لعشائه ، ورأى صندوقاً لمساعدة الأيتام ، هل يضع الدينار في الصندوق إذا كان لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويبيت طاوياً ولا يخبر بذلك أحداً يراه ؟ أما المؤمن فإنه يضعه في الصندوق لأنه يعلم أن الله يراه ، ويعطيه بدله سبعمئة دينار يوم القيامة . المؤمن وحده هو الذي يعمل الخير ، رآه الناس أم لم يَرَوْه ، شكروه أم لم يشكروه ، أثابوه وعوّضوه عنه أم لم يثيبوه ولم يعوِضوه . ولو حاسب الله الناس في الآخرة على ذنوبهم ، ولم يرسل إليهم رسلاً يعرّفونهم شرع ربهم ، لاحتجّوا وقالوا { :رَبَنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَبِعَ آيَاتِكَ ) . ولادَعوا أنهم لو بُلِغوا الرسالة لعملوا بها ، ولو عرفوا الشريعة لاتّبعوها فكانت الرسالات {لِئَلَا يَكُونَ لِلنَاسِ عَلَى اللَهِ حُجَةٌ بَعْدَ الرُسُلِ } . شبهة وردها: يقول ناس : لماذا لم يهد الله الناس كلهم إلى طريق الجنة ؟ ولماذا وضع في نفوسهم الشهوة ثم عاقبهم على الزنا ؟ وغرز فيهم حب المال وحاسبهم على جمعه من غير الحلال ؟ والجواب : أولاً - إن الله لا يقال له ( لماذا ) لأنه لا يُسأل عما يفعل ، ولأنه الحاكم المطلق له الأمر وله الحكم ، ثم إن هذا القول كقول طلاب المدرسة : لماذا لا يعطوننا أسئلة الامتحان من أول السنة ، ولماذا أخفَوْها عنا ، وكلّفونا الاستعداد لها ؟ إنهم أخفوها ليجدّ الطالب ويقرأ المقرر كله ، ولو أعطيناه أسئلة الامتحان من الآن ، لما بقي معنىً للامتحان . والدنيا دار ابتلاء ، والابتلاء في لغة العرب الاختبار ( الامتحان ) ، ليتميز الطائع من العاصي ، والمستقيم من المنحرف ، ولولا حواجز السباق لما بان الخائر الضعيف من الفارس المغوار . ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ، ولو أراد لخلقهم للطاعة الخالصة كما خلق الملائكة ، ولكن هكذا شاء ، ولا رادّ لما يشاء ، ولا يُسأل عما يفعل ، ونواصينا بين يديه ، ونحن ملك له راجعون إليه ، ما لنا رب غيره ولا إله سواه ، إن شاء عذّبنا وإن شاء عفا عنا ، ونحن نسأل الله عفوه ورحمته ، ونعوذ به من عذابه ، لأننا لا نستطيع أن نتخلص من عذابه إلا بعفوه ، ولا نستطيع أن ننال العفو إلا منه وحده . الملائكة: وجود الملائكة ثابت وارد في القرآن ، فمن أنكر شيئاً مما ورد في القرآن من خبرهم كفر ، والذي ورد من خبرهم وصفتهم في القرآن هو 1- أنهم خُلقوا قبل البشر ، وخبّرهم ربّنا أنه : ( جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِمَاءَ ) . 5- أنهم خُلقوا للطاعة الخالصة : ( وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَ ) . فهم :( لا يَعْصُونَ اللَهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .. وَيُسَبِحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ .. يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) . 3- وأن الله لما أتمّ خلق آدم ، علّمه الأسماء وامتحنهم بالسؤال عنها فلم يعرفوها حتى أعلمهم آدم بها ، فلمّا بان فضله بذلك عليهم ، أمرهم بالسجود له ، سجود تحية لا سجود عبادة . 4- أنهم يتشكلون بأشكال مادية أحياناً ، ويظهرون بصورة بني آدم ، ففي قصة مريم :( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ). 2- وأن مقرهم السماء ينزلون منها إلى الأرض بأمر الله :(وَمَا نَتَنَزَلُ إِلَا بِأَمْرِ رَبِكَ ) . 6- وأنهم درجات وأصناف في أصل الخلقة وفي مقام العبودية ، جعلهم الله :( رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ... وَمَا مِنَا إِلَا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) .

عدد الصفحات ٣٦

فمنهم من ينزل بالوحي وهو جبريل : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَهُ نَزَلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَهِ ... وَإِنَهُ لَتَنْزِيلُ رَبِ الْعَالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الْأَمِينُ ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) . ومنهم ملك الموت الموكَل بقبض الأرواح : ( قُلْ يَتَوَفَاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَذِي وُكِلَ بِكُمْ ) . 7- ومن أعمالهم التي خبر القرآن عنها ، أنهم يثبّتون المؤمنين في المعارك :(إِذْ يُوحِي رَبُكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِي مَعَكُمْ فَثَبِتُوا الَذِينَ آمَنُوا ) . ويبشرون المؤمنين عند الموت ويؤنّبون العاصين :(إِنَ الَذِينَ قَالُوا رَبُنَا اللَهُ ثُمَ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا ... إِنَ الَذِينَ تَوَفَاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ) 8- أنهم لا يتناكحون ولا يتناسلون ، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة . هذا جل ما جاء في القرآن من خبر الملائكة ، وفي السنة الصحيحة كثير من أخبارهم . جاءت في أحاديث آحاد ، لكن صحت روايتها ، وثبت سندها . ومن أنكر شيئاً مما ورد في القرآن عن الملائكة أو غيرهم كفر . والإيمان بالملائكة أحد أركان العقائد الإسلامية : ( آمَنَ الرَسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌ آمَنَ بِاللَهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ...). ثمرة الإيمان بالملائكة: ازدياد الشعور بعظمة الله ، واستشعار رحمته ، إذ وكّل الملائكة بالدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم ، والتحرز عما أمكن من المعاصي ، حين يتذكر أنهم يسجّلون عليه كل ما يقوله ويفعله ، والإِقدام والشجاعة في الجهاد ، حين يتصور أنهم يؤيدون المجاهدين ، بأمر رب العالمين ، والعمل للجنة ليكون ممن يسلّمون عليه ، والبعد عن أسباب دخول النار لئلا يكون ممن يوبّخونه . ومن ثمراته الإجمالية التشبه بهم في لزوم الطاعة ، واجتناب العصيان ، وتقوية الجانب الملائكي في الإِنسان . الجن: خبّر الله في القرآن بأنه خلق خلقاً آخر ، تعجز عيوننا عن رؤيتهم على صورهم الأصلية ، كما تعجز عن رؤيته الملائكة ، ورؤية الأشعة التي هي فوق البنفسجية وتحت الحمراء , وهذا الخلق هو الجن . والذي يجب الإيمان به ، ويكفر منكره ، هو ما جاء من أخبارهم في القرآن ، وإن لم يخصِصه الله بالذكر ، ويجعله من أركان الإيمان صراحة كالإيمان بالملائكة . 1- خبّر القرآن أن الجن خُلقوا من النار . ولا يلزم من هذا أن يكونوا ناراً تحرق ما تمسه ، ولا يمنع أن يكون الله قد حوّلهم فيما بعد إلى طبيعة أخرى . فالإنسان خُلق من الطين ، ولكنه لم يبق طيناً بل أنشأه الله خلقاً آخر على سنة الله في الكون ، إذ يحوّل المخلوقات من حال إلى حال . فيجعل من ( الخلية ) أحياء مختلفي الصفات والهيئات والطبائع ، ويجعل من ( البذرة ) اليابسة شجرة خضراء الأوراق ملونة الأزهار . 5- وخبّر أنهم خلقوا قبل خلق الإِنسان : ( وَالْجَانَ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَمُومِ ) . 3- وأنهم يروننا ولا نراهم ( يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) . 4- وأنهم مُكلَفون مثلنا ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ وَالْأِنْسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ ... وَتَمَتْ كَلِمَةُ رَبِكَ لَأَمْلَأَنَ جَهَنَمَ مِنَ الْجِنَةِ وَالنَاسِ أَجْمَعِينَ ...) .

عدد الصفحات ٣٧

2- وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهم كما بلغتهم من قبلها رسالة موسى : ( قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) . 6- وأنه كان منهم الصالحون والعاصون وأنهم كالبشر أصناف : ( وَأَنَا مِنَا الصَالِحُونَ وَمِنَا دُونَ ذَلِكَ كُنَا طَرَائِقَ قِدَداً ... وَأَنَا مِنَا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَا الْقَاسِطُونَ ) . 7- وأن الله سخرهم لسليمان :(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ (1 )وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ) . 8- وأنهم لا يعلمون الغيب , لذلك لبثوا يعملون لسليمان بعدما مات : (مَا دَلَهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَا خَرَ تَبَيَنَتِ الْجِنُ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) . 3- وأن الله تحداهم ، كما تحدى البشر أن يأتوا بمثل القرآن : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) . 11- وأنهم كانوا يتحسسون أخبار السماء من الملائكة ، فلما جاء الإسلام مُنعوا من ذلك ورُمُوا بالشهب : ( وَأَنَا كُنَا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ). الشياطين: وهم كفار الجن ، أبوهم إبليس. الشياطين في القرآن : 1- الشيطان هو العدو الأول للبشر ، أخرج أباهم من الجنة ، وهو يعمل على منعهم من دخولها ويبعدهم عن طريقها . ويغريهم بسلوك طريق النار ، وهم مع ذلك يتبعونه ويَدَعون شرعَ الله إلى وسواسه ، وهديَ الأنبياء إلى ضلاله . وقد وبّخهم الله على فعلهم وعلى هذه الحماقة منهم ، إذ يستجيبون لعدوهم الذي يريد العذاب لهم ، ولا يستجيبون لربهم الذي يدعوهم ليغفر لهم ويرحمهم : ( أَفَتَتَخِذُونَهُ وَذُرِيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظَالِمِينَ بَدَلاً ) . 5- دلت هذه الآية على أن الشياطين يتناسلون ، ويكون لهم ذرية وأنهم جميعاً ذرية إبليس . 3- سلط الله الشيطان على الناس ، ولكنه لم يعطه القدرة على النفع والضرر ، ولم يمنحه القوة التي لا تُدفع ، بل أعطاه الكيد : (إِنَ كَيْدَ الشَيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ... وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئاً إِلَا بِإِذْنِ اللَهِ ...وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ ...) . 4- عمله الوسواس والإغراء بالشر والدعوة إلى القبائح : ( يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ... يَعِدُهُمْ وَيُمَنِيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَيْطَانُ إِلَا غُرُوراً ) . برنامجه كله ينحصر في الشر والفحش والخلاف ، وأول مادة في هذا البرنامج وأول ما فتن به آدم وحواء ، التكشّف والتعرّي ، ولبس القصير من الثياب : (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَكُمُ الشَيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ) .

عدد الصفحات ٣٨

فكان نزع الثياب ، وإبداء العورات ، أول مادة في هذا القانون الشيطاني . ومن شأن إبليس أن يحسّن في عيون أتباعه ( السيّءَ ) حتى يَرَوْه حسناً ، ويجمّل لهم القبيح فلا بصرونه قبيحاً : (وَزَيَنَ لَهُمُ الشَيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). ومن شأنه أن يدفع أولياءه إلى إثارة الشبه في وجوه المؤمنين ، وشغلهم عن دعوتهم دعوة الحق بالجدال والمراء ، وقد نبّهنا الله إلى ذلك ، وقال لنا :( وَإِنَ الشَيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ...) . فلا تستجيبوا لهم ولا تسقطوا في شركهم : ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) . ومن شأنه أن يشغل المؤمن عن ذكر ربه حتى ينساه ، فيقدم على المعاصي ، فالعاصون :(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَهِ ) ولكن : ( الَذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَيْطَانِ ( فأنساهم ربهم ) تَذَكَرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) . (الَذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَيْطَانِ ( فأنساهم ربهم ) تَذَكَرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) . 2- لكن الشيطان رغم دأبه على الإفساد ، وثباته على عداوة بني آدم ، وأنه يأتيهم عن أيْمانهم وعن شمائلهم ، ومن أمامهم ومن خلفهم ، وأنه يقعد لهم كل مرصد ، وأنه يستفِزّهم بصوته ويجلب عليهم بخيله ورَجِلِه ، وأنه يشاركهم في الأموال والأولاد ... إنه على هذا كله لا يملك إلا الوسواس ، والإغراء بالشر ، لا يقدر على نفع لهم ولا ضر ، وحين يتجادل الكفار والشياطين في الآخرة ، يقول لهم : ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ...) . ولما دعا إبليس ربه أن يؤجّل موته ، وأجابه : (قَالَ رَبِ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِنَنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) . قال الله عز وجل : ( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَا مَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ... إِنَهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَلُونَ ، إِنَمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَذِينَ يَتَوَلَوْنَهُ وَالَذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِ كُونَ ) . 6- وهو يخذل أتباعه ويتخلى في ساعة العسرة عنهم ، ويخون عهدهم : (وَإِذْ زَيَنَ لَهُمُ الشَيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ ( أي : يوم بدر للمشركين من أهل مكة ) لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَاسِ وَإِنِي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ }يعني الملائكة التي نزلت يومئذ لتأييد المؤمنين ، {إِنِي أَخَافُ اللَهَ ). الإِيمَان بالرُسُلِ الرسل جميعاً بشر ، لا يختلفون عنهم في شيء. ليس فيهم شيء من الألوهية ، لأن الألوهية لله وحده ، ولكنهم بشر يوحى إليهم ، وقد عجبت الأمم الاولى من الوحي فقال لهم الله عز وجل راداً عليهم ، مبيِناً أنه لا مكان لعجبهم : ( أَكَانَ لِلنَاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَاسَ وَبَشِرِ الَذِينَ آمَنُوا ) . وعجبوا أن يكون الرسول من البشر ومنعهم من الإِيمان : ( أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَهُ بَشَراً رَسُولاً ) .

عدد الصفحات ٣٩

فردّ الله عليهم بأن الرسول إنما يكون من جنس من أُرسل إليهم ، فالبشر يُرسل إليهم رسول من البشر : ( لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً ) . وناقشوا رسلهم : ( قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَا بَشَرٌ مِثْلُنَا ... قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَ اللَهَ يَمُنُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }وقد منَ علينا فأوحى إلينا الشريعة ، وأمرنا بتبليغها . ( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً }فرد الله عليهم مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَا إِنَهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) . وقال لهم رداً عليهم :( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَ لا يُنْظَرُونَ ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ( أي : على هيئة رجل ) وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) . حقيقة الرسول: الرسول بشر يمتاز بالوحي ، وقد قال تعالى لمحمد : ( قُلْ إِنَمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَ ) . وقد أكد بشريته باستعمال ( إنما ) وهي تفيد الحصر والقصر ، وتنفي عنه ما ينافي البشرية ، ثم أكدها مرة ثانية بقوله : ( مثلكم ) . هو مثلنا في تكوين جسده ، وطبيعة خَلقه ، ولكنا لسنا جميعاً لا في خُلُقه ، ولا في مزاياه ولا في عظمته . فإذا كان بشراً مثلنا ، يجوز عليه ما يجوز علينا ، فهل يخطئ كما نخطئ ؟ والجواب : 1. إن الخطأ إما أن يكون في مجال التبليغ عن الله ، وفي بيان الشريعة . وهذا النوع من الخطأ يستحيل وقوعه من الرسل جميعاً ، لأن الرسول {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَا وَحْيٌ يُوحَى ) . ويستحيل أن تقع من الرسول ( بعد رسالته ) معصية ، أو يأتي ما يجرح العدالة أو يُخِلّ بالمروءة أو ينافي الكمال ، لأن الله جعله قدوة ، وأمر المسلمين أن يتأسّوا به ، وأن يتبعوه في فعله : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) . وهذه الأسوة ثابتة للرسل جميعاً : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) . وذلك يقتضي العصمة من ارتكاب المعاصي وإتيان النقائص . 5. وإما أن يكون الخطأ في أمر شرعي اجتهد فيه الرسول ، ولم ينزل عليه فيه شيء من ربه . وهذا النوع من الخطأ ممكن وقوعه من الرسل ، ولكن الله لا يقرّهم على الخطأ بل يبيّن لهم وجه الصواب فيه ، كما وقع من الرسول في قصة الأعمى ، وفي قصة أسرى بدر ، اجتهد فبيّن الله له أنه لم يصب في اجتهاده . وقد فكّرت في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم يوم جاءه الأعمى ، وقلت لنفسي : لو لم ينزل الله هذه الآيات من ( عبس وتولى ) ، وعرض موقفه على عقلاء الدنيا وساستها وعلمائها ، هل كان فيهم أحد يقول بأن في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم ما يُنتقد أم يقرر الجميع أن الذي فعله هو عين الصواب ؟ .

عدد الصفحات ٤٠

رجال من كبار القوم يتألّفهم ويحاول أن يكسبهم لنصرة الدعوة ، فيأتي واحد من أتباعه يسأله عن مسالة ليست مستعجلة ، ولا ينشأ عن تأخيرها ضرر ، وهو يستطيع أن يسأل عنها في كل وقت ، فيُرجىء جوابه حتى ينتهي مما هو فيه . هل يفعل أحد من الناس غير هذا ؟ هل في الدنيا من لا يقول بأن عمل الرسول هو الذي يَرَوْنه الصواب ؟ . إنه هو الصواب في مقياس المنطق البشري ، ولكن لما نزل الوحي بمقياس آخر ، تبين أن ميزان الله أقوم من موازين الناس ، وأن حكم من خَلَق العقل أصح من حكم العقل ، بل هو الحكم القويم ، وحكم العقل هنا هو المعوّج المنحرف . 3- وإما أن يكون الخطأ في أمر من الأمور الإِدارية والحربية ، وهذا أيضاً ممكن وقوعه لأن الرسول بشر ، يفكر في هذه الأمور تفكيراً بشرياً ، وقد كان الصحابة يسألونه في مثل هذه الأحوال : هل القرار الذي قرره بأمر من الله ووحي ، أو باجتهاد منه ؟ فإن خبّرهم بأن ليس لديه فيه أمر من الله ، وأنه رأي شخصي ، عرضوا عليه آراءهم فأخذ بها أو ردّها . 4- أما الأمور الدنيوية الخالصة ، فكان الرسول يتكلم فيها برأيه الشخصي ، وقد يخطئ في الأمور الصناعية والزراعية والطبيّة التي لا يعرفها في العادة إلا أهلها ، كما أخطأ في مسألة تأبير ( أي تلقيح ) النخل ، وليس في هذا عيب أو نقص ، لأنه لا يُطلب من العظيم ولو كان عالماً - ولو كان أكبر علماء الدنيا - أن يعرف كل الذي يعرفه أرباب الصناعات ، ورجال الزراعة والتجارة ، وسائر المهن . ومسألة تلقيح النخل مسألة زراعية فرعية ، أبدى فيها صلى الله عليه وسلم رأياً عارضاً ، لم يُلزمهم به ولم يحملهم عليه ، ولم يقل لهم إنه من الدين ، وإن الله أوحى به ، فلما تبين له خطؤه قال : " أنتم أعرف بأمور دنياكم " الرسول لا يعلم الغيب: قال تعالى { :قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِي مَلَكٌ إِنْ أَتَبِعُ إِلَا مَا يُوحَى إِلَيَ ... قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَا مَا شَاءَ اللَهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَنِيَ السُوءُ إِنْ أَنَا إِلَا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) . الرسل كثيرون وأصول الرسالات واحدة: بيّن الله في القرآن أن لكل أمة من الأمم رسولاً أرسله الله إليها : ( وَإِنْ مِنْ أُمَةٍ إِلَا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ... وَلِكُلِ أُمَةٍ رَسُولٌ ) . ولكن الله لم يذكرهم جميعاً في القرآن ، بل ذكر بعضاً منهم : ( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) . ولكنهم جميعاً بُعثوا بتوحيد الله ، والتصديق باليوم الآخر ، واتباع ما شرع الله . فأصول الإسلام هي نفسها أصول الديانات السابقة ، التي بُعث بها الرسل الأولون : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَى بِهِ نُوحاً وَالَذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلا تَتَفَرَقُوا فِيهِ ) . أرسل كل رسول إلى قومه وجعل رسالته إليهم بلسانهم ليكلِمَهم ويُفهمهم : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِنَ لَهُمْ ...) . وختم هذه الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجعلها عامة للناس جميعاً ، وجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده ، ولا وحي ينزل من السماء بعد أن انقطع بموته ، وكان بها كمال الدين وإتمام النعمة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) .

عدد الصفحات ٤١

 سؤال وجوابه: قد يسأل سائل : كيف كانت رسالة محمد للناس كلهم ، وكانت رسالة كل رسول إلى قومه ، وكيف بقيت إلى يوم القيامة لا تُنسخ ولا تُعدّل ، وقد نُسخت الشرائع من قبلها وعُدّلت ؟ . والجواب ( والله أعلم ) : إن شريعة الإسلام جاءت مرنة ، تصلح لكل زمان ومكان . وبيان ذلك أن العقائد والعبادات في الإسلام جاءت بها نصوص قطعية مفصّلة ، لا تقبل التعديل ولا التبديل ، لأن العقائد والعبادات لا تتبدل بتبدل الأزمان ، ولا تختلف باختلاف الأعراف . والأوضاع الدستورية والمعاملات المالية والأحوال الإِدارية ، التي يؤثر فيها تبدل الزمان واختلاف العرف ، جاءت فيها نصوص عامة هي كالأساس والدعائم في البناء ، وتُرك لنا أن نضع لكل زمان ما يصلح له بشرط المحافطة على هذه القواعد . وأمثل على ذلك بأمثلة أعرضها عرضاً موجزاً : من الأمثلة : أن الإِسلام أوجب أن يكون الحاكم منتَخَباً برأي الأمة ، وأن يكون فيه من الصفات ما يمكنه من القيام بأعباء الحكم ، وأن يلتزم بالدستور الإِسلامي الذي هو القرآن ، وأن يستشير أهل الحَلّ والعقد . وترك لنا تحديد أسلوب الانتخاب ( أي البيعة ) ، وطريقة تعيين أهل الحَلّ والعقد ، وكيفية الاستشارة ... إلخ . وألزمنا أن نحكم بين الناس بالعدل ، ولكنه ترك لنا رسم الطريق الموصل إلى العدل ، وأن نحدد أسلوب تعيين القضاة وأصول المرافعات وفتح لنا باب ( الاستصلاح ) ، فكل أمر فيه مصلحة للمجتمع الإِسلامي ، وليس في الشرع ما يوجبه أو ينهي عنه ، إذا أمر به الحاكم المسلم ، صار واجباً دينياً ، كالقوانين المالية ، وقانون أصول المحاكمات ، والأنظمة الإِدارية ، كنظام السير ، ونظام البلديات ، وأمثالها . فالإسلام فيه من المرونة ما يجعله صالحاً لكل زمان ومكان ، ولكن بعض الفقهاء المتأخرين - لضيق أذهانهم - يضيّقون على الناس ما وسعه الشرع ، حتى يضطروهم ( كما قال ابن القيم في كتاب الطرق الحكيمة ) إلى ابتغاء التوسعة ، في غير ما جاء به الإِسلام . وسبب آخر : هو أن الأمم كانت ( على عهود الرسل الأولين ) تعيش في عزلة ، لا تقاربَ بينها ولا اتصال ، إلا على الدواب والجمال ، فتعارفت الأمم بعد رسالة محمد ، ودنا البعيد ، وطُويت للمسافر الأرض ، حتى وصلنا إلى زمان تُلقى فيه الخطية في أميركا ، فيسمعها مَنْ في الصين قبل من كان قاعداً أمام الخطيب ، وصارت الدنيا كأنها بلد واحد ، والأمم كلها أمة واحدة ، ولو أن المسلمين قاموا بما يجب عليهم من الدعوة لدينهم ، وتبليغ رسالة الإسلام ، لعمت هذه الدعوة الأرض كلها . الإسلام لا يفرق بين الرسل: وإذا كان في اتباع الأنبياء ( ممن يدعون الأنتساب إلى واحد منهم ) من يطعن على غير نبيه ، فإن الإسلام أوجب على المسلم تعظيم الأنبياء والرسل جميعاً ، فإذا أساء القول في واحد منهم أو طعن عليه ، خالف طريق الإسلام : (آمَنَ الرَسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌ آمَنَ بِاللَهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) فالمسلم يحب موسى وعيسى وغيرهما كما يحب محمداً ، ويجلّهم ويكبرهم كإكباره محمداً وإجلاله . واليهودي الذي دخل النصرانية لما جاء بها المسيح لم يخسر موسى ، ولكنه ربح معه عيسى . والنصراني الذي يدخل اليوم في الإسلام لا يخسر عيسى وموسى ، ولكن يربح معهما محمداً ، وصلى الله على محمد وعلى جميع الأنبياء المرسلين . الرسل في القرآن: المسلم يعتقد أن القرآن كلام الله ، نزل به جبريل على محمد ، وبلغه محمد كما سمعه من جبريل ، وأن ما بين دفّتي المصحف هو القرآن كله ، كما نزل به جبريل ، فمن أنكر شيئاً منه أو شكّ فيه ، خرج من الإِسلام .

عدد الصفحات ٤٢

وقد ورد في القرآن ذكر خمسة وعشرين نبياً ، جُمعت أسماؤهم في خمس آيات هي قوله تعالى : ( وَتِلْكَ حُجَتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَ رَبَكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌ مِنَ الصَالِحِينَ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) . وقوله تعالى :(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَهُ كَانَ صِدِيقاً نَبِيّاً ، وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ) . وقوله :( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً .. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً .. وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌ مِنَ الصَابِرِينَ ) . وذكر آدم ولم يصرح بأنه كان رسولاً ، ولكن قد تدل الآيات التي ذكر فيها على ترجيح القول برسالته . خمسة وعشرون ، منهم من اقتصر على ذكر اسمه كإدريس وذي الكفل ، ومنهم من أورد قصته موجزة كإسماعيل وإسحاق ويونس ، ومنهم من أورد قصته مفصلة كإبراهيم وموسى ويوسف وعيسى . وكل ما جاء به في القرآن من قصص الأنبياء حقٌ وصدق يجب الإيمان به : ( تِلْكَ الرُسُلُ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَمَ اللَهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) . المعجزات: لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى القدس ، فذهب وعاد في ليلة واحدة لم تستطع قريش أن تصدق ذلك ، وعدّته مستحيلاً ، لأنه لا يمكن تحقيقه بوسائلها المعروفة وهي الإِبل والدواب ، ولكن هذا المستحيل صار اليوم أمراً ممكناً مألوفاً ، لا يُعجب منه ولا ينكره أحد . ولو قيل لأكبر علماء الطبيعة قبل قرن أو قرنين من الزمان : إن الناس سيركبون متن الريح بمراكب من الحديد والفولاذ ، ويخترقون نطاق الهواء ، ويسجلون حديث المحدث وخطبة الخطيب فيُسْمعونها من شاؤوا متى شاؤوا ، ولو مات المحدث والخطيب ، لقال : إن ذلك مستحيل ، مع أنه وقع اليوم وصار معروفاً . فكيف تحقق المستحيل ؟ الجواٍب : إن المستحيل قسمان ، مستحيل في العادة ، كالأمور التي ذكرتها . ومستحيل في العقل كاجتماع النقيضين ، والوجود والعدم مثلاً . فلا يكون الرجل نفسه موجوداً في هذا الوقت في هذا المكان ، وهو غير موجود فيه . وكتبدُل هويّة الشيء فلا يكون الكتاب ملعقة ، في الوقت الذي يكون فيه كتاباً . المستحيل في العقل لا يتصوّر وقوعه ، أما المستحيل في العادة ، فقد رأينا كيف أن العلم ( علم العبد بقوانين الطبيعة ) صيّره ممكناً . فهل يعجز الخالق الذي أوجد هذه القوانين أن يصيّره ممكناً ؟. ! لا شك في قدرته على ذلك ، فوقوع المستحيل في العادة ممكن لله عز وجل ، فإذا صح الخبر به تحقّقنا من وقوعه ، وأيقنّا به . الكرامات: وقد جاء في القرآن ذكر ثلاثة أنواع فيها وقوع المستحيل في العادة . نوع وقع على يد الرسل لمّا تحدّتهم أقوامهم ، إثباتاً لرسالتهم ، وتأكيداً لصدقهم ، ويسمى المعجزة , فإبراهيم أُلقي في النار ، فبدّل الله طبيعة النار المحرقة وجعلها برداً وسلاماً ، وموسى ألقى عصاه فانقلبت حيّة , وكذلك كل ما جاء في القرآن من المعجزات . ونوع وقع على يد وليٍ لله صالح ، كوجود الطعام عند مريم في المحراب . ونوع وقع على يد كافر ، كما صنع السامِرِيّ لبني إسرائيل من الحُلِيّ عجلاً له خوار ، وتسمى استدراجاً .

عدد الصفحات ٤٣