ف الأسباب وحدها توجد المسبَب حتماً ، ولا إهمالها يجوز عقلاً ، بل الذي يدعو إليه العقل ، ويأمر به الشرع ، هو أن يتخذ المرء الأسباب كلها ، ثم يسأل الله تحقيق النتائج . قيِد الناقة وتوكَلْ على الله في حفظها ، واقرأ دروسك كلها وتوكل على الله ، واسأله النجاح في الامتحان . هذا هو التوكل الحقيقي ، ليس التوكل في إهمال الاسباب ، وتعطيل سنن الله في الكون ، ولا في نسيان أن الله هو النافع الضار ، وابتغاء النفع ( حقيقة ) من سواه . الشكر ويكون بعد ذلك راضياً عن الله ، مهما منعه أو أعطاه ، فيتحقق بصفة الشكر . ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ... ) . ( وَسَيَجْزِي اللَهُ الشَاكِرِينَ ) . والشكر من ثمرات الإِيمان ، وإذا أحسن إليك عبد من عباد الله فلم تشكره ، كنت مقصراً عنه ، مسيئاً إليه ، مع أنه واسطة ، والمحسن الحقيقي هو الله . فكيف لا تشكر الله ، والله هو الذي أنعم عليك بنعمة السمع والبصر ، والصحة والأمن ، وسخر لك ما في الارض ، وأعطاك من النعم ما لا تستطيع عدّه ولا إحصاءه ؟ إن الإِنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا عند فقدها ، إن وجعه ضرسه رأى أعظم النعم في زوال الألم ، فإن زال عنه نسي هذه النعمة . وإن احتاج يوماً إلى دينار ولم يجده عرف نعمة الغنى ، فإن هو استغنى نسيها . وإن انقطع التيار الكهربائي ، وشمل الدار الظلام عرف نعمة النور ، فإن وجده لم يعد يدرك قَدْره . o تشكر الله بلسانك بحمده والثناء عليه ، فتقول : ( الحمد لله .. ربِ لك الحمد ) . o وتشكر الله بعملك فتفيض من هذه النعم على من حُرِم منها ، وشكر الغني أن يعطي الفقير ، وشكر القوي أن يساعد الضعيف ، وشكر صاحب السلطان أن يقيم الحق ويسير بالعدل . فإن كنت من ذوي اليسار ، وكان على مائدتك خمسة ألوان ، وكان جارك جَوْعان ، فلم تعطه شيئاً لم تكن من الشاكرين ، ولو قلت بلسانك ألف مرة : ( الحمد لله ) . وتشكر الله بقلبك فتكون راضياً عنه ، قانعاً بما قسم لك ، لا تسخط ولا تستقل النعم ، ولا تحسد أحداً على ما أعطاه الله . فمن جمع شكر القلب بالرضا عن الله ، وشكر العمل بأن يفيض على المحرومين من فضل النعم ، وشكر اللسان بأن يكثر من حمد الله ، كان من الشاكرين حقاً . الصبر والمسلم بين نعمتين ، إن أصابه خير فشكر كان له أجر ، وإن مسه ضر فصبر كان له أجر ، فلا يعدل أجر الغني الشاكر ، أو يزيد عليه ، إلا أجر الفقير الصابر . (وَلَنَجْزِيَنَ الَذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . وينقسم الصبر إلي:- الصبر على المصائب فهذه الحياة الدنيا ، ليست دار نعيم ، وليست تخلو من المكدرات ، من انحراف الصحة ، أو ضياع المال ، أو فَقْد الحبيب ، أو غدر الصديق ، أو ذهاب الأمن ، هذه طبيعتها التي لا تتغير ... قال تعالى {:وَلَنَبْلُوَنَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَمَرَاتِ وَبَشِرِ الصَابِرِينَ }لأنهم مع الأيام ينسون المصاب ، ويجدون الثواب ، وغيرهم يحمل الألم ، ولا ينال شيئاً .. الصبر عن المعاصي
عدد الصفحات ١٦صبر الشاب الذي يرى العورات البادية ونفسه تميل إليها ، فيغض بصره من خوف الله عنها ، ويعرف سبيل اللذات المحرمة ، فيمنع نفسه عن سلوكها ، على رغبته فيها . صبر الموظف الذي تعرض عليه الرشوة ، تعدل راتبه عن ستة أشهر ، فيكفّ يده عنها ، على حاجته إليها ، فلا يقدم عليها . صبر التلميذ في الامتحان إذ يتمكن من سرقة الجواب من الكتاب ، فلا يقدم عليها ، وإن كان نجاحه منوطاً بها . المعاصي لذيذة للنفس ، فإن امتنع عنها ، مع تمكنه منها ، كان مع الصابرين . الصبر على الطاعات على القيام لصلاة الفجر ، وترك لذة المنام ودفء الفراش ، في الغداة الباردة ، على احتمال الجوع والعطش في شهر الصيام ، في الصيف الملتهب . على إكراه النفس المُحِبّة للمال على إخراج الزكاة وبذل الصدقة .. فمن احتمل ذلك وحده قاصداً ثوابه ، كان من : ( الَذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَلُونَ { . }أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا { . }وَمَا يُلَقَاهَا إِلَا الَذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَاهَا إِلَا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ) . الانقياد لحكم الشرع والإِسلام في اللغة هو التسليم : ( أسلم ) و ( سلم ) بمعنى واحد . فالولد يستسلم لأبيه ثقةً به ، والمحب يستسلم لمحبوبه ميلاً إليه ، والمهزوم يستسلم لمن هزمه خوفاً منه . أما المؤمن فيسلم لحكم ربه استسلاماً مطلقاً ، يطيع له كل أمر ، ولو لم يعرف الحكمة منه ووجه المنفعة فيه ، ويدع كل ما ينهى عنه ، ولو لم يدرك سر نهيه عنه . وهذا الاستسلام له جانبان : o جانب عملي ، هو الامتثال بالقول والعمل ، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله o وجانب نفسي هو الذي نبحث عنه الآن ، ونحن نتكلم عن الإِيمان . هذا الجانب هو الرضا القلبي بحكم الشرع ، واطمئنان النفس إليه ، وأن نعمل الواجب أو نترك الحرام عن اقتناع ، ليس في قلوبنا تبرّم به ، ولا سخط عليه ، قال تعالى : (فَلا وَرَبِكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَى يُحَكِمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) . وهذا هو الجانب العملي . ( ثُمَ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُوا تَسْلِيماً ) وهذا هو الجانب النفسي . فلا يكفي مجرد الاحتكام إلى الرسول ، إذا لم يكن في قلوبنا اعتقاد صحة هذا الحكم ، والرضا به ، والاطمئنان إليه . ( إِنَمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا - بألسنتهم مقرّين معترفين بقلوبهم - سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ومن الناس من يسأل دائماً عن حكمة الشرع في كل أمر ونهي ، كأنهم لا يطيعون إلاّ إذا عرفوا الحكمة ، وللشرع حكمة لا شك فيها ، ولكنها قد تبدو لنا ، بالنص أو بالاستنباط ، وقد تخفى علينا ، أفنعصي ربنا إذا لم تظهر حكمة شرعه لنا ؟. ! ومن حقه تعالى علينا أن نطيع في المنشط والمكره ، والموافق لنا والمخالف لرغبتنا . شدة ولين ومن مظاهر الإيمان ودلائله ، أن يكون الحب في الله والبغض في الله .
عدد الصفحات ١٧فالمؤمن يحب إذا أحب للدين ، ويبغض إذا أبغض للدين . فإذا أحب تجلى فيه كرم النفس ورقة الطبع ، وبدا منه التسامح والبذل ، يذلّ لأخيه ولا يرى ذلك ذلاً ، ويؤثره على نفسه بالشيء ولو كانت به حاجة إليه . وإذا أبغض ظهر منه الغضب لله ، والشدة في الدفاع عن دينه ، والبأس في قتال أعدائه ، فهو يجمع بين اللين والشدة ، والرقة والغلظة على أعداء الدين أنصار الشيطان . لا يكرههم على الإسلام إكراهاً ، بل يمنعهم أن يعترضوا سبيله ويحاربوا دعوته ، فإن اطمأنوا لدعوتنا ودخلوا في ديننا صاروا منا ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإن سالموا دعوتنا سالمناهم وحفظنا لهم حقوقهم وإن بقُوا على دينهم . ( مُحَمَدٌ رَسُولُ اللَهِ وَالَذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) { .أَذِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) . هذه حال المؤمنين ، لما كانوا من المجاهدين ، فلما تركنا الجهاد ، وخالفنا الشرع ، وصارت شدّتُنا على أنفسنا ، ولينُنا أمام أعدائنا ، سلّط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا ، فملك بلادنا ، وتحكّم فينا . التوبة والاستغفار إن الله من رحمته بالإنسان فتح له باب التوبة . قال له : إنك تستطيع أن تمحو من صحيفتك كل ذنب عملتَه ، فكأنه ما كان ، بل ربما سجّلتُ لك حسنةً مكان السيئة التي كانت عليك ، كدفتر التاجر يكون مقيَداً فيه أن له عليك مئة دينار ، فلا يكتفي بأن يسامحك بها ويمحوها لك ، بل ينقل قيدها من صفحة الدَيْن الذي عليك ، إلى صفحة الدَيْن الذي لك . قال تعالى : (إِلَا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِلُ اللَهُ سَيِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَهُ غَفُوراً رَحِيماً ) . وباب التوبة مفتوح ، ما دام المرء صحيحاً معافى ، فإنْ تاب التوبة الصادقة قبلت توبته ، ولا يغلق إلا ساعة الاحتضار , فتكون توبته حينئذ من قبيل تحصيل الحاصل ، لأن التوبة هي الرجوع الاختياري إلى الله ، وقد أرجع كرهاً وجبراً ، فلم يعد ينفعه الإقرار ، بعد أن فقد الاختيار ، قال تعالى : ( إِنَمَا التَوْبَةُ عَلَى اللَهِ لِلَذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِئَاتِ حَتَى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارٌ ..) . وأول شروط التوبة 1. الانقطاع عن الإساءة والعزم على أن لا يعود إليها. إن للتوبة روحاً وجسداً o فروحها استشعار قبح المعصية o وجسدها الامتناع عنها . ولكنه إذا اقتصر على المعرفة ، ولم يعمل بمقتضاها ، واستمر ماشياً في الطريق المنحرف لم ينفعه علمه بانحرافه ، بل إنه يكون أكبر ذنباً ، وأعظم تبعة ، لأن الذي ينحرف وهو لا يعرف ، له بعض العذر ، ولكن الذي يعرف الطريق ، وينحرف عنه عمداً ، لا عذر له 2. أن يجعل الإِحسان بدل الإِساءة ، والإِصلاح مكان الإِفساد ، أي أن يحقّق التوبة ، بتبديل العمل ، وتعديل السلوك . ( كَتَبَ رَبُكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أَنَهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { . }فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَ اللَهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ { }إِلَا الَذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا { . }إِلَا الَذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) . ومن الإصلاح أن يكون تركك الذنب حقيقياً ، وأن تعزم عزماً صادقاً على ألا تعود إليه . فإن عقدت على ذلك العزم الصادق ، ثم غلبتك النفس ، أو حملتك الظروف ، فعُدتَ إليه .
عدد الصفحات ١٨عَلَيْهِمْ ) . ومن الإصلاح أن يكون تركك الذنب حقيقياً ، وأن تعزم عزماً صادقاً على ألا تعود إليه . فإن عقدت على ذلك العزم الصادق ، ثم غلبتك النفس ، أو حملتك الظروف ، فعُدتَ إليه . ثم تُبتَ قُبلت توبتك ، ولو تكررت العودة وتعددت التوبة .
عدد الصفحات ١٨أما إن خالط عزمك تردّد من الأصل ، وقلتَ في نفسك : إذا اشتدت رغبتي رجعت ثم تبت ، لا تكون توبتك صادقة ولا مقبولة هذا في التوبة من حقوق الله. أما حقوق الناس : إن كنتَ ظلمتَ أحداً ، أو أكلتَ ماله ، أو آذيتَه في جسده أو في عرضه ، أو شهدتَ عليه زوراً ، أو اغتبتَه أو وَشَيْتَ به ، أو أشعتَ عنه قالة السوء ، فلا بد في ذلك وأمثاله من أن تؤدي إليه حقه ، أو ينزل لك عنه ويسامحك به ، أو يرحمك الله فيرضيه عنك ، وإلا لم تُقبل توبتك ، وأَخَذَ المظلوم يوم القيامة من حسناتك ، أو حمل عليك من سيئاته . وباب التوبة مفتوح مهما كثرت الذنوب ، فلا ييأس أحد من عفو الله ، فإن اليأس من عفو الله أكبر من كل ذنب . ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَهِ إِنَ اللَهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعاً ) . فالتوبة هي ترك للسيّء ورجوع إلى الحسن أما الاستغفار فهو طلب الغفران من الله ، وقد أمر الشرع به ، وحثّ عليه: ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَ تُوبُوا إِلَيْهِ { . }وَاسْتَغْفِرُوا رَبَكُمْ ثُمَ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَ رَبِي رَحِيمٌ وَدُودٌ { . }وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَكُمْ ثُمَ تُوبُوا إِلَيْهِ ) . وجاء مثل ذلك على لسان كل رسول ، ينصح به قومه ، ويدلهم به على طريق العفو من الله ، والنجاة من عذابه . o درجات المذنبون- والمذنبون على درجات : أما الذين ماتوا على كفرهم فلا أمل لهم في المغفرة { :إِنَ اللَهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) . والمشركون في الأصل أشد كفراً من أهل الكتاب ، ولكن الجميع في حكم هذه الآية سواء ، فلا يقال لمن مات كافراً : ( رحمه الله ) ، ولا : ( غفر الله له ) ، ولا يقال له : ( المرحوم أو المغفور له فلان ) . وأما العصاة من المسلمين ، الذين ماتوا بلا توبة فأمرهم إلى الله ، إن شاء غفر لهم { :وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }، وإن شاء عذبهم بالنار ، لكنهم لا يخلدون فيها ، ولا يستهن أحد بعذاب النار ، ولا يستخِفّه ، فإن نار الدنيا وهي نعمة ، لا يطيق أحد احتمالها دقائق ، فكيف نعرّض أنفسنا لعذاب جهنم دهوراً ؟ . وأما التائبون فيتوب الله عليهم بمنه وكرمه . هذا الذي يتوب من بعد الذنب ، أما الذي يتوب منه ، ويتنبه لنفسه ، ويدركه خوف ربه ، قبل إتمام الذنب ، ويتركه لله مع شدة الرغبة فيه ، وعظم الميل إليه ، فله أعظم الثواب ، كمن يستزله الشيطان ، فيدفعه إلى الزنا ، حتى إذا تمت له أسبابه ، وشرع به أو هَمَ ، فذكر الله ، فأعرض عنه ، وشهوته متعلقة به ونفسه راغبة فيه . وأين من يقدر على ذلك إلا إن أمدّه الله بقوة منه ؟ فلا يجرب هذه التجربة أحد ، فإنه يكون كمن يتناول جراثيم المرض الخطر ، إن نجا منه اكتسب مناعة تجعله أقوى ممن لم يدنُ منه المرض ، ولكن احتمال حصول المناعة من المرض واحد في المئة ، واحتمال الهلاك به تسعة وتسعون ، هذا في مرض الجسد ، أما الكف عن الذنب ، فإنه لا يكسبه مناعة من العودة إليه . فمن أراد السلامة من الشر فليبتعد عنه ، وليقطع أسبابه ، وليسد الطريق إليه ، ويهجر من الناس من يرغّبه فيه ، ويدعوه إليه ، فإن الصاحب ساحب ، والمرء على مذهب خليله ، وقديماً قالوا : ( قل لي من ترافق ، أقل لك من تكون ). فلينتبه لذلك الناشئون ، ويطلبوا من الله العون .
عدد الصفحات ١٩الإِيمَانُ باليومِ الآخِرِ الحياة الأخرى: هذه هي الحياة الحقيقية ، من أصيب بقصر النظر لم يرها ، ومن ابتلي بضعف العقل لم يصدق الخبر عنها ، ومن كان له بصر يرى ، وعقل يدرك ، رأى أن حياة الإِنسان مراحل . فلقد كان يوماً منطوياً على نفسه ، مكوّماً في بطن أمه ، يعيش بين أحشائها ، ولو كان يفكر يومئذ لظن أن هذه هي الحياة فهو يتمسك بها ، لا يخرج منها إلا مرغماً . ولو كان ينطق لحسب هذا الخروج موتاً ودفناً في الأعماق ، مع أنه ( ولادة ) ، وانتقال إلى عالم أرحب ، هو هذه الدنيا . والذي نراه نحن موتاً ، وخروجاً من هذه الدنيا ، هو في الحقيقة ولادة ، وانتقال إلى عالم أرحب ، إلى عالم البرزخ ، البرزخ بين الدنيا المادية الفانية ، والحياة الأخرى الباقية . الاستعداد للموت: الإنسان ينسى الموت ، ولكن المؤمن يذكره دائماً ، ويكون أبداً على استعداد لاستقباله ، يستعد بالتوبة والاستعفار ورد الحقوق ، كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه ، فشكر الله على ما وفقه إليه من خير ، واستغفره مما وقع منه من شر , ويستعين على ذلك بالصبر والصلاة وفعل الخير ابتغاءَ رضا الله ، واحتساباً لما عنده . ساعة الموت من أدلة الإِيمان : تأمل قوله تعالى { :فَلَوْ إِذَا بَلَغَتِ }أي الروح {الْحُلْقُومَ }، وجاءت ساعة الموت التي لا مهرب منها ، {وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ }تحفّون بالمحتضَر الحبيب إليكم العزيز عليكم {تَنْظُرُونَ }تظهرون العاطفة ، تستنجدون الطب ، تبذلون الجهد ، تعانقونه تحدبون عليه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ }لأن حواسكم لا تدرك إلا عالم المادة ، وقد أوشك بأن يدخل عالم ما وراءها {فَلَوْ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ }- كما تزعمون - وغير خاضعين لرب الكون ومالكه ، وكان لكم شيء من الأمر {تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }تردون الروح إلى الجسد بعدما خرجت منه ، تسخرون لذلك عقولكم وعلومكم وأموالكم . فإن لم تستطيعوا ، فلم لا تقرون بأن لهذا الكون ربّاً ، مالكاً لكم ، هو أحياكم وهو يميتكم وهو بعد ذلك يحييكم ؟ . شبهة تافهة : قرأت لبعض الملحدين فصلاً يسألون فيه ساخرين ، يقولون : إذا كان يموت في لحظة واحدة ميت في أميركا وميت في الصين ، فكيف يقبض مالك الموت روحيهما ؟ . الجواب : أولاً : إن مثل المَلَك بالنسبة لأرضنا ، كمثل أحدنا لو انحنى على قِرْبة فيها آلاف النمل ، أو كأس فيها ملايين الجراثيم . بل إن الملك من الملائكة أكبر من ذلك بالنسبة إلينا ، وما كرتنا الأرضية في كفه إلا كحبة قمح في كف واحد من البشر .. هذه واحدة . والثانية : إن لملك الموت أعواناً في قبض الأرواح ، قال تعالى { :حَتَى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِطُونَ ) يوم القيامة: الإيمان باليوم الآخر ( يوم القيامة ) الركن الثاني من أركان العقائد ، ولا يكاد يُذكر الإيمان بالله في القرآن ، حتى يُقرن به الإِيمان باليوم الآخر . والمؤمن يذكره دائماً ، فيكثر من الخير ابتغاء ثوابه ، ويبتعد عن الشر ما استطاع خوف عذابه . موعد الساعة لقد صرح القرآن ، بأنه لا يعلم موعدها أحد من الخلق ، ولا يعلمه إلا الله وحده { :يَسْأَلونَكَ عَنِ السَاعَةِ أَيَانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِي لا يُجَلِيهَا لِوَقْتِهَا إِلَا هُوَ }، وأنها لا تأتي إلا بغتةً ، وأن أمرها {كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) . ولكن ورد في القرآن أنه يسبقها أحداث غريبة تقع في هذا الكون :
عدد الصفحات ٢٠منها : أنه يخرج من الأرض دابة تكلم الناس ، وهذا خبر حق ، من الغيب الذي لا يُدرَك بالعقل البشري ، ولا نعلم عنه إلا ما أعلمنا الله به ، والله لم يبين لنا ما هي هذه الدابة ؟ وما صفتها ؟ فوجب الإِيمان بها ، وترك الكلام فيها بلا دليل سمعي ثابت . ومن ذلك : دكّ سد يأجوج ومأجوج ، وخروجهم منه . والله لم يبين من هم يأجوج ومأجوج ، وأيّ الأمم هم ، وما بلدهم ، وأين يقع السد ، فإن استطعنا تحديد ذلك بالبحث والاستقراء ، ووصلنا إلى نتيجة لا تخالف خبر القرآن ، قلنا بها ، وإلا صدقنا بخبر القرآن مجملاً ، ووقفنا عند حدوده ، قال تعالى { :وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَذِينَ كَفَرُوا ) وأمور أخرى ورد بها الحديث الصحيح ، ولم يصرح بذكرها القرآن ، منها : أنه يُرفع العلم ، ويَظهر الجهل ، ويُشرب الخمر ، ويظهر الزنا ، ويقل الرجال ، ويكثر النساء ، وتندر الأمانة ، وتضطرب موازين المجتمع فيرتفع المنخفض وينزل العالي ، ثم يكون ظهور ( الدجال ) ، ونزول ( عيسى ) ناصراً لشريعة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وعلى إخوانه المرسلين . ابتداء الساعة: الذي يظهر منن آيات الساعة في القرآن الكريم، أن ابتداءها يكون بزلزال هائل ، لا يشبه ما عرف الناس من الزلازل ، يقع - والله أعلم - والحياة البشرية لا تزال مستمرة على الأرض ، والناس لا يزالون أحياء في الدنيا ، فيصاب المجتمع البشري بفزع عام ، ورعب شامل ، يبلغ من شدته أن الأم تذهل عن رضيعها ، على ما رُكّب في طبعها من الحنوّ عليه ، والمَيْل إليه ، والحوامل يسقطن من الرعب ما في بطونهن ، والناس يكادون يفقدون عقولهم الواعية ، فيغدون كأنهم سكارى {وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَ عَذَابَ اللَهِ شَدِيدٌ ) ومما يرجِح القول بأن هذا الزلزال قبل القيامة قوله تعالى : ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ، وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ؟ ) . حوادث فلكية: يوم القيامة ، وما يكون فيه ، وما يأتي بعده ، هو - كما تقدم القول - من الأمور الغيبية ، ليس للحواس إحاطة به ، كما تحيط بالمخلوقات المادية ، ولا للعقل البشري حكم عليه ، كما يحكم على الحوادث الدنيوية ، وعمله كله في فهم النصوص ، وإدراك معناها . وفي القرآن نصوص صريحة ، تدل على أن كثيراً من السنن الكونية ، التي سميناها - اصطلاحاً - قوانين الطبيعة ، تطرأ عليها تبديلات وتعديلات ، فكأن استمرارها منوط باستمرار هذه الحياة الدنيا ، فإن انتهت مدتها انتهى أمد هذه القوانين . من هذه الحوادث ، أن الجبال تصيبها رجفة أرضية هائلة ، تفتّت صخورها حتى تصير كالقطن المنفوش ، ويغدو الجبل العظيم تلاً متداعياً ، وكثباً مهيلاً ، ثم تنسف نسفاً ، فتسير كما تسير كُثبان الرمل ، ثم تغدو سراباً ، وتصير الأرض كلها قاعاً مستوياً . كل هذا خبّر به القرآن ، وخبّر أن البحار تتفجر مياهها ، ثم تتبخر . والكواكب ينثر عقدها ، ويتبدل مسيرها . والقمر يجمع مع الشمس . والسماء تُكشط وتنشقّ وتنفطر ، ثم تُطوى كما تطوى الرسال في السجل الكبير ، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبدّل فكأنها غير الأرض ، وأن السماء تبدّل فكأنها غير السماء . وكل هذا خبر به القرآن . النفح في الصور: والذي جاء في القرآن : أنه يُنفخ فيه فيفزع من في السماوات ومن في الأرض ، ويُنفخ فيه فيُصعق من في السماوات ومن في الأرض . والظاهر من القول : أنهما نفختان ، وربما كانت - وهذه أرجح - نفخة الفزع هي نفخة الصعق ، فلا يبقى بعد ذلك من الأحياء أحد إلا مات {إِلَا مَنْ شَاءَ اللَهُ }، وتمضي مدة الله أعلم بمداها ، لم يخبرنا الله عنها ، ثم ينفخ نفخة البعث ، فتعود الحياة لكل ميت ، ويبعثون من قبورهم {يَنْظُرُونَ { }إِلَى رَبِهِمْ يَنْسِلُونَ ) البعث والحشر:
عدد الصفحات ٢١}، وتمضي مدة الله أعلم بمداها ، لم يخبرنا الله عنها ، ثم ينفخ نفخة البعث ، فتعود الحياة لكل ميت ، ويبعثون من قبورهم {يَنْظُرُونَ { }إِلَى رَبِهِمْ يَنْسِلُونَ ) البعث والحشر: يبعث كل ميت على الحالة النفسية التي مات عليها ، يظن أنه لم يمر عليه إلا ساعة أو ساعات .
عدد الصفحات ٢١وقد أقام الله للناس أمثلة على ذلك في الدنيا ، منها : الذي مرّ على القرية الخالية الخاوية فقال : ( أَنَى يُحْيِي هَذِهِ اللَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ) . وأهل الكهف الذين ناموا ثلاثمئة وتسع سنين ، ثم قاموا يظنون أنهم ناموا ساعات ، وبعثوا يشترون بنقودهم التي أُلغي التعامل بها ، وهم لا يدرون . هذه حال الناس عند البعث ، يظن كل منهم أنه نام قليلاً واستيقظ ، يتناقشون فيما بينهم : (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) ، {وَقَالَ الَذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . يظنون أنهم لا يزالون في الدنيا ، ولكن هول الموقف يقطع كل رابطة بينهم {فَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ }يرى المرء صديقه الحميم فلا يسأل عنه ولا يهتم به . لا يهتم أحد إلا بنفسه ، يهرب من أخيه وأمه وأبيه ، ومن زوجته وبنيه . بل إنه يضحّي بهم ويقدمهم فدية له ، لو كان يُقبل منه الفداء ، ويُتركون أمداً - الله أعلم بمدته - يموج بعضهم في بعض ، ثم يُجمعون فيُساقون إلى الحشر .. يُساقون جميعاً . البشر كلهم ، من آدم إلى آخر واحد من ذريته ، من مات منهم على فراشه ، ومن غرق في البحر ، ومن أكله السبع ، ومن سقط من الطيارة ، ومن أُحرق بالنار وذُري رماده في الهواء ، يعيدهم الذي أوجدهم من العدم أول مرة ، ويجمعهم جميعاً ، ويساقون إلى أرض المحشر ، هم والجن والشياطين والوحوش {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) . ثم يأمر ربنا بجهنم فتبرز للناس من بعيد ، ويقول لهم : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَيْطَانَ إِنَهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ، هَذِهِ جَهَنَمُ الَتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) . ويأمر ربنا فَيُفرز المجرمون ويمتازون فيُعرفون : فيتمنى كل منهم أنه لم يكن بشراً ، ويقول { :يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ) . ثم يجمع الله الكافرين في جهنم ، مع الذين كانوا يعبدونهم من دون الله ، ويظنونهم آلهة من الجن والشياطين ، وما اخترعوا من أسماء ما لها حقائق ، وما أنزل الله بها من سلطان وينظر الضعفاء إلى المستكبرين ، الذين جعلوا أنفسهم في الدنيا ( زعماء ) ، فقادوا قومهم إلى الشرك وإلى الكفر ، فاستنصروهم فقالوا: {إِنَا كُنَا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَا مِنْ عَذَابِ اللَهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ }، فأجابوهم بالبراءة منهم ، وأقروا بعجزهم عن أن يغنوا عنهم ولا عن أنفسهم شيئاً ، ووقف الجميع خاضعين خانعين ، قد ذلوا جميعاً أمام رب العالمين ، وذهبت الألوهيات المزعومة ، ومحيت الزعامات الباطلة المكذوبة ، وانفصمت عرى الحلف الشيطاني بين الكفار وما كانوا يعبدون من مخلوقات ، وتبرّأ كل معبود بالباطل ممن كان يعبده ، حتى الشيطان يعترف لمن تبعه بكذبه فيقول { :لَمَا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَ اللَهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) . ويتملص من التبعة ويلقيها كلها عليهم ، مُقِرّاً بضعفه وعجزه في الدنيا ، وأنه لم يكن يملك إلا الوسوسة والتضليل ، ما كان له من حول ولا طَوْل ، ولا كان يقدر على نفع ولا ضرّ ويقول : ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ { . }إِنَ كَيْدَ الشَيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) . الحساب
عدد الصفحات ٢٢كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ { . }إِنَ كَيْدَ الشَيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) . الحساب ولا بد من الوقوف للحساب ، فيقام ميزان العدل المطلق ، الذي لا يضيع مثقال حبة من خردل ، ولا ذرة من غبار ولا أصغر من ذلك ، تُحصى على المرء أعماله كلها ، وتُقدَر ظروفه كلها ، وتبرز نياته الخيرة وإخلاصه القلبي ، فتكون ثقلاً له في جانب الحسنات من الميزان ، وما كان في قلبه من نفاق أو رياء ، فيكون ثقلاً عليه في جانب السيئات من الميزان محاكمة عادلة ، لا ينفع فيها الإنسانَ إلا عملُه الذي قدّمه ، وعفو ربه الذي يرجوه ، ورحمته التي يؤمّلها .
عدد الصفحات ٢٢وشفاعة الآخرة ليست كشفاعة الدنيا ، فالشفيع في الدنيا يدخل على الحاكم يدلّ عليه بمودته له أو جاهه عنده ، يلزمه الشفاعة ولو كان في قرارة نفسه لا يريدها ، فيحابي بها موظفاً ، أو يبرئ بها متهماً ، أما الشفاعة في الآخرة فتكون عندما يريد ربنا برحمته العفو عن أحد ، ويريد بكرمه تشريف أحد ، يجعله سبباً ظاهراً لهذا العفو ، فيأذن له بالشفاعة له ، فيشفع بإذنه وأمره . الشهود والبينات: محاكم الدنيا ، التي يتولاها حكام من العباد ، لها عدالة بشرية محدودة ، ووسائل للإِثبات ظاهرة معدودة ، ولكن محاكمات الآخرة قاضيها رب الأرباب ، وعدالتها مطلقة لا حدّ لها ، وبيّناتها شهادات الأنبياء ، والملائكة الذين كانوا يحصون الأعمال ، ويدوّنون الحسنات والسيئات ، والصحف التي دُوّنت فيها هذه الإِحصاءات ، واعترافات المذنبين ، وشهادات الأعضاء . شهادة الرسل: إذا كان يوم الحساب أُحضر النبيون كما قال تعالى { :وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَبِيِينَ ). وكانت محاكمة كل أمة وفق شريعتها ، بحضور نبيها : ( وَتَرَى كُلَ أُمَةٍ جَاثِيَةً كُلُ أُمَةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا { . }فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِ أُمَةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُ لاءِ شَهِيداً ) . الكتب والصحف: هذه الصحف التي تسجَل فيها أعمالنا كلها في الدنيا ، تكون مطوية مخفية ، سراً لا يدري به الخلق . فإن تاب العبد من ذنوبه المدوّنة فيها التوبة الصادقة ، مُحيت منها ، وإلا بقيت فيها ، فإذا حل يوم الحساب ، نُشرت وأُعلنت ، كنتائج الامتحانات تكون سرّاً عند الفاحصين فلا يعلم برسوب الراسب سواهم ، فإذا جاء وقت إعلانها عرف بذلك الناس ، وافتضح الراسب في أهله وبين إخوانه ، ولكن الفضيحة هنا على رؤوس الخلائق جميعاً ، وهي الفضيحة الكبرى ، والراسب هنا يسقط في جهنم ويخسر - إن كان كافراً - سعادة الأبد ، ويلقى العذاب الدائم . تُنشر الصحف وتوزَع ، فيلقى كل إنسان كتابه منشوراً ، ويقال له { :اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) . فمن كانت حسناته التي دَوَنها مَلَك اليمين أكثر ، ناوله كتابه بيمينه بشارة له بأنه سوف {يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }، فإذا رأى ما فيه فرح واستبشر . يطلع على نجاحه الإخوان والأقران ، يقول : ( هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ ، إِنِي ظَنَنْتُ - أي : إني أيقنت في الدنيا - أَنِي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ) ومن كانت سيئاته التي دَوَنها مَلَك الشمال أكثر ، ناوله كتابه بشماله فيبكي على نفسه ، ويوقن بهلاكه ، ويقول : ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ، مَا أَغْنَى عَنِي مَالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِي سُلْطَانِيَهْ { . }وَأَمَا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ، وَيَصْلَى سَعِيراً ) . ويقرأ المجرمون كتبهم ، فيرون كل عمل عملوه مدوَناً فيها {أَحْصَاهُ اللَهُ وَنَسُوهُ }، فيقولون متعجبين { :يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً ) . وأيقنوا أنهم ظلموا أنفسهم { :وَ يَظْلِمُ رَبُكَ أَحَداً ) . وندموا على ما فرّطوا ، حين اتّبعوا وسوسة الشيطان ، وهوى النفس الأمّارة بالسوء ، فمقتوا لذلك أنفسهم ، وإذا هم : (يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ )
عدد الصفحات ٢٣ الدفاع ثم الإقرار: ثم إذا وقف الكفار للحساب ، لجؤوا إلى الإِنكار ، وحلفوا كذباً على براءتهم ، يظنون أنهم أمام حاكم من البشر ، ممن لهم الظواهر ، ونسوا أنهم أمام رب العالمين ، الذي يطّلع على ما في النفوس ، ويعلم ما تكن الضمائر . ( فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ) . يقولون { :وَاللَهِ رَبِنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ ) فيمسك الله بألسنتهم ، ويمنعهم من أن ينطقوا ، ويأمر أعضاءهم التي مارست الحرام فتقرّ بما صنعت ، وتنطق اليد معترفة بما اجترحت من حرام والرِجْل بما مشيت إليه من حرام . ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) . فإذا أُخذوا بإقرارهم ، وثبت الذنب عليهم ، عاتبوا أعضاءهم : (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَهُ الَذِي أَنْطَقَ كُلَ شَيْءٍ !!) . لذلك يؤنبهم ربهم ويقول لهم : (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُ مْ وَلا جُلُودُكُمْ ) . وكيف يفر المرء من جلده وبصره وسمعه ، وهو معه قائم به . ( وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَ اللَهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَا تَعْمَلُونَ ، وَذَلِكُمْ ظَنُكُمُ الَذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . وهذه عاقبة كل كافر بالله ، منكر ليوم الحساب ، لا يمتد إلى أبعد من هذه الدنيا ، يجحد الآخرة وهي آتية لا ريب فيها ، ويختفي بذنبه من الله ، والله مطلع عليه ، وأعضاؤه التي يمارس بها الذنوب ستشهد عليه ، فكيف يتوارى من شاهد ، هو معه ، لا يستطيع أن يفارقه ؟ . اللهم عفوك وغفرانك ، واستر علينا في الآخرة ، كما سترت علينا في الدنيا وأنت الغفار الستار . الحساب ونتائجه: الحساب أنواع ، منه الحساب اليسير كحساب الذين أُعطوا كتابهم بأَيمانهم ، ومنه الحساب الشديد كحساب القرية التي عتت عن أمر ربها . ويخرج الناس بنتيجة الحساب وهم أصناف : o السابقون المقربون o وأصحاب الميمنة o وأصحاب المشأمة . ( فَأَمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَتُ نَعِيمٍ ، وَأَمَا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَأَمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِبِينَ الضَالِينَ ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ , وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ، إِنَ هَذَا لَهُوَ حَقُ الْيَقِينِ ، فَسَبِحْ بِاسْمِ رَبِكَ الْعَظِيمِ ) . ورود جهنم: ويمرون جميعاً على صراط من فوق جهنم ، يسرعون باجتيازه بمقدار قربهم من الله ، واستكثارهم من الحسنات ، فينجو منها المتقون ، ويسقط فيها الظالمون ، قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ، ثُمَ نُنَجِي الَذِينَ اتَقَوْا وَنَذَرُ الظَالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) . وفي سورة ( أَلْهاكم التكاثر ) قوله تعالى : ( لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ ، ثُمَ لَتَرَوُنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) .
عدد الصفحات ٢٤أما الرؤية الأولى : فهي - والله أعلم - ورود المتقين عليها ، الذي يكون معه النجاة منها ، وأما الرؤية الثانية : فهي ورود الظالمين عليها ، سقوطهم فيها . وربما كانت الرؤية قبل الحساب ، حين تبرز الجحيم فيراها الناس كما قدمنا . الجنة : أوصاف الجنة التي وردت في القرآن ، كقوله تعالى { :تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }، وأن أهلها يُحَلَوْن فيها من أساور من ذهب ، ولؤلؤاً ، وأن لباسهم فيها حرير ، وأن فيها أنهاراً من لبن ، وأنهاراً من خمر ، وأنهاراً من عسل ، وأن فيها الحور العين ، والغلمان . كل ذلك جاء على وجه التقريب إلى الأفهام ، لأن اللغات البشرية موضوعة في الأصل للتعبير عن الأشياء الأرضية ، ومن المحقق أن أنهار الجنة ليست كأنهار الدنيا ، ولا لبنها وعسلها وخمرها كخمر الدنيا وعسلها ولبنها , ولا حورها كنساء الأرض... إلخ والذين فصّلوا في وصفها من المفسرين ، لم يستندوا في ذلك إلى دليل وكان منتهى جهدهم أن قاسوا الآخرة على الدنيا , ، كما قاس المتكلمون عدالة الله وصفاته ، على ما عرفوا من الصفات البشرية ، والعدالة البشرية ، فتخبطوا في متاهات وضلالات ، كان ينجيهم منها ، ويبعدهم عنها ، أن يقفوا عند حدود النصوص ، وأن يسلكوا مسلك السلف ، وأن يقروا بعجز العقل عن إدراكها ، والخيال عن تمثيلها . ومن هذه المباحث السقيمة ، والمجادلات العقيمة ، ما قالوه عن الحور العين ، وهل الاستمتاع بهن كالاستمتاع بنساء الدنيا ، ونسوا أن هذه المتعة على شكلها المعروف ، غايتها الحمل وبقاء النسل ولا داعي لذلك في الأخرة ، فكان الحق أن نؤمن بكل ما ورد في القرآن ، ثم نشتغل بالعمل الصالح الذي يوصلنا إلى الجنة ، بدلاً من المناقشة في تفصيل أمرها ، والخلاف على وصف حقيقة ما فيها ، مما لم يذكره القرآن لنا . o دخول الجنة: وليس دخول الجنة بالتمني والتشهي ، ولكن بالإِيمان والطاعة { .لَيْسَ بِأَمَانِيِكُمْ وَلا أَمَانِيِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) . (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَةَ وَلَمَا يَعْلَمِ اللَهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَابِرِينَ ؟) . فإذا انتهى الحساب ، واجتاز المؤمن الصراط ، تحققت النجاة . ( وَسِيقَ الَذِينَ اتَقَوْا رَبَهُمْ إِلَى الْجَنَةِ زُمَراً حَتَى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَهِ الَذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) . o وصف الجنة: أما سعتها فإن عرضها عرض السماوات والأرض ، ولا تعجبوا من هذا فإن الأخرة بالنسبة لهذه الدنيا كهذه الدنيا بالنسبة لبطن الأم . أما يرى الجنين بطن الأم دنياه كلها ؟ أو ليست دار واحدة من دور الدنيا أوسع من دنيا الجنين بآلاف المرات ؟ . هذه الجنة (أُعِدَتْ لِلْمُتَقِينَ ) ، ومن هم المتقون الذين أُعدّت لهم ؟ وماذا كانوا يصنعون ؟ لعلنا نصنع مثلهم فنكون معهم ، لقد بيّن أن المتقين هم : ( الَذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَرَاءِ وَالضَرَاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَاسِ .. وَالَذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) . هذه بعض صفات المتقين ، فمن اتصف بها بعد تصحيح العقيدة ، وصدق التوحيد ، أدخله الله بكرمه وَمنِه هذه الجنةَ التي أعدّها لهم . والجنة درجات : ففيها جنة النعيم وهي أبعد من أن ينالها كل واحد :
عدد الصفحات ٢٥( أَيَطْمَعُ كُلُ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَةَ نَعِيمٍ ) . وهي للسابقين السابقين {أُولَئِكَ الْمُقَرَبُونَ ، فِي جَنَاتِ النَعِيمِ ) . وفيها الجنة التي سماها الله ( الغرفة ) ، ووعد بها عباد الرحمن ، الذين وصفهم في سورة الفرقان بأنهم الذين يجمعون صحة الاعتقاد ، واستقامة السلوك ، وكثرة العبادة ، وعلو الأخلاق ، فدل ذلك على أن ( الغرفة ) درجة عالية في الجنة ، خص بها هؤلاء الذين جمعوا صفات الكمال ، وصبروا على مشقة القيام بها ، وصرف النفس عن رغبتها في التملّص منها . في الجنة { :جَنَاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ }، وأن فيها مكاناً اسمه : ( جنة المأوى ) ، ومكاناً اسمه : ( جنات عدن ) ، ولمن خاف مقام ربه جنتان ( لا جهة واحدة ) ، وأن فيها ما دعاه بـ ( علّيّين ) ، دَلَ ذلك على أن نعيمها درجات ، وأهلها منازل . أهل الجنة وأحوالهم: يجتمع أهل الجنة بإخوانهم وأهلهم { :ادْخُلُوا الْجَنَةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) . ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَكِئُونَ ) . ( وَالَذِينَ آمَنُوا وَاتَبَعَتْهُمْ ذُرِيَتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَتَهُمْ ) . يجتمعون على وُدٍ وصفاء {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ }وحقد . تُصَفّ لهم الأَسِرّة والأرائك ، فتكون مجالسهم عليها : ( مُتَكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) يقعدون عليها :( إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) عليها فرش بطائنها من شيء نفيس ، سماه ربُنا ( الإِستبرق ) وحولهم جنتان ملتفتان ، ثمارهما قريبة من أيديهم ، دانية منهم . يخدمهم فيها خدم صغار : ( غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ... يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ... يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، بَيْضَاءَ لَذَةٍ لِلشَارِبِينَ ، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ) والطعام ( يطاف ) به :( عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ ) . أما شرابهم فيحمل إليهم :( بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) . يؤتى إليهم بكل ما يريدون من طعام { :وَفَاكِهَةٍ مِمَا يَتَخَيَرُونَ ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ ... فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ، وَظِلٍ مَمْدُودٍ ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ، وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ... لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً ... تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَعِيمِ }فوجوههم {نَاعِمَةٌ ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) . يقصدون من أركان الجنة حيث شاؤوا ، يتقابلون فيها ويتحدثون { :تَحِيَتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) . لا يقولون إلا خيراً {وَهُدُوا إِلَى الطَيِبِ مِنَ الْقَوْلِ ... وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ، قَالُوا إِنَا كُنَ ا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( خائفين من دخول النار ) ، فَمَنَ اللَهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَمُومِ ) . وهذا : من ثمرة الدعاء والاستغفار :( إِنَا كُنَا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَهُ هُوَ الْبَرُ الرَحِيمُ ) . فإذا تحدثوا تذكروا في أحاديثهم أيام الدنيا ، وأحوال أهلها ، وما كان من أمرهم فيها ، وما انتهَوْا إليه في الآخرة . ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِي كَانَ لِي قَرِينٌ ، يَقُولُ ( ساخراً معانداً ) أَإِنَكَ لَمِنَ الْمُصَدِقِينَ ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَا لَمَدِينُونَ ؟). قال ( أي المؤمن في الجنة لإِخوانه فيها) :( هَلْ أَنْتُمْ مُطَلِعُونَ }على أهل النار لتروه فيها ؟ . ودل ذلك على أنهم يستطيعون الاطلاع عليهم .(فَاطَلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) .
عدد الصفحات ٢٦قال له ( وهذا وما يأتي بعده يدل على أن أهل الجنة وأهل النار يتبادلون الحوار) (تَاللَهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) . ويمنّ عليهم ربهم الحور العين ، يزوّجهم بهن . ( وَزَوَجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ... كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) . أنشأهن إنشاءً ، فجعلهن :(أَبْكَاراً ، عُرُباً أَتْرَاباً ... قَاصِرَاتُ الطَرْفِ ( من الحياء ) ، لَمْ يَطْمِثْهُنَ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ ) . وأهل الجنة {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَهُمَ وَتَحِيَتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَهِ رَبِ الْعَالَمِينَ ) . يقولون :(الْحَمْدُ لِلَهِ الَذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَهُ ... لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِنَا بِالْحَقِ ) . ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ... لا يَمَسُهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ... لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ... وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِ بَابٍ ) . يحيونهم ويهنئونهم يقولون :(سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَارِ ... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُ الْأَعْيُنُ ... إِنَ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ... وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) . اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء ، وعفوك ومغفرتك - وأنت العفوّ الغفور - أعذنا من عذاب النار ، وأدخلنا الجنة بسلام . جهنم: المتبادر إلى الأذهان أن جهنم كالنار التي نعرفها في الدنيا ، لكنها أشد منها ، حتى إنها لا تقاس من شدتها بها ، وإنْ ماثلتها في نوعها ، ولكن الذي يبدو لمن ينعم بالنظر في وصف القرآن لها ، أنها من نوع آخر ؛ إذ لو كانت ناراً من نار الدنيا ، لأحرقت كل شيء ، فتركته فحماً . مع أن جهنم فيها شجر ، وفيها ماء ، وفيها ظلّ ، وإن كان ظلها وماؤها وشجرها للتعذيب لا للنعيم . ونار الدنيا تحرق من يدخل فيها فيموت ، فيستريح من ألمها ، وجهنم - نعوذ بالله منها - ألم دائم لأهلها . ( لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) . لا تحرق الجلود فتُذهِبَها ، ولكن تنضجها ، وكلما نضجت جلودهم بدّلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ، وأهلها يعيشون ويفكرون ، ويتذكرون ويختصمون . وفي جهنم شجرة ، ولكنها شجرة الزَقُوم ، التي : ( تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ، طَلْعُهَا كَأَنَهُ رُؤُوسُ الشَيَاطِينِ ) . وفي جهنم طعام ، وأهلها يأكلون ، ولكنهم آكلون من ثمر هذه الشجرة الخبيثة . ( فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ... إِنَ شَجَرَتَ الزَقُومِ ، طَعَامُ الْأَثِيمِ ، كَالْمُهْلِ ( عكر الزيت ) يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ) . وفي جهنم شراب ، فيها ماء ، ولكنه ماء صديد ، يسقى منه الكافر ، فهو { :يَتَجَرَعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ ) . فإذا أكلوا من هذه الشجرة ، وشربوا بعدها من الحميم ، من هذا الماء الذي وصفه القرآن ، وهم من شدة عطشهم يشربون منه شُرْبَ الهيم ، شرب الإِبل الهائمة العطشى ، ثم يُصَبُ من فوق رؤوسهم من هذا الحميم {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) . وفي جهنم ثياب ، ولكنها من نار :( فَالَذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ )
عدد الصفحات ٢٧وفي جهنم ظِلّ وظُلَلٌ ، ولكنها من نار :( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }، إنَهُ {ظِلٍ مِنْ يَحْمُومٍ ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ) . هذه عاقبة من آثر الدنيا وترفها ، وأصرّ على الكفر ، وأنكر البعث . (إِنَهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ، وَكَانُوا يُصِرُونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَا لَمَبْعُوثُونَ ؟ ...لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَا مَا شَاءَ رَبُكَ إِنَ رَبَكَ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ ) . دخول النار: إذا انتهى الحساب ، وحقت كلمة العذاب على الكفار ، يُساقون إلى جهنم زمراً . فتغتاظ جهنم نفسها من كفرهم وإصرارهم ، وإعراضهم عن رسل ربهم . وخزنة جهنم لا ينقضي عجبهم من حماقتهم وعنادهم فهو يعودون إلى سؤالهم : ( تَكَادُ تَمَيَزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ !) . فلم يسعهم إلا الاعتراف .( قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَلَ اللَهُ مِنْ شَيْءٍ ) . فقالت لهم الملائكة :( إِنْ أَنْتُمْ إِلَا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ). فأقروا بأنهم كانوا صُمّاً لا يسمعون ، وكانوا قد عطلوا عقولهم فلا يفكرون ، وأنهم لو كانوا سمعوا المواعظ ، وفكروا في أنفسهم وفي الكون من حولهم ، لاستدلوا بذلك على الله ، فآمنوا به واتبعوا رسله ، وما وصلوا إلى جهنم . ( وَقَالُوا لَوْ كُنَا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِي أَصْحَابِ السَعِيرِ ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَعِيرِ ). جهنم سجن :جهنم {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ) يوزَع أهلها عليها {لِكُلِ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) . وهي مغلقة بمزاليج ضخمة ، كأنها الأعمدة :( إِنَهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ، فِي عَمَدٍ مُمَدَدَةٍ ) . وهم يُلْقَوْن فيها في مكان ضيق {مُقَرَنِينَ }مربوطاً بعضهم ببعض . وقد أعد الله لهم {سَلاسِ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ) . محاولات للخروج: عمّر الله الإِنسان في الدنيا دهراً ، وأعطاه فيها عقلاً يختار به ما يريد ، وإرادةً ينفّذ بها ما يختار ، فاختار بعض الناس سلوك طريق جهنم ، وعملوا ما يوصلهم إليها ، فلما بلغوا راحوا يحاولون الخروج منها ، ويَعِدون أنهم إن أُعيدوا إلى الدنيا آمنوا وأصلحوا ، يحسبون الامر كامتحانات الدنيا ، فمن رسب في دورة ، استدرك النجاح في أخرى ، لا يدرون أن من خرج من الدنيا لا يعود إليها ، ومن دخل النار من الكفار لا يخرج منها ، فحق عليهم قول الله عزّ وجلّ : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِنَا بِالْحَقِ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَذِي كُنَا نَعْمَلُ ؟ ...وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَذِي كُنَا نَعْمَلُ ) . فيلجؤون إلى خزنة جهنم ، كما يلجأ السجين إلى حُرّاس السجن ، يظن أنهم يملكون له نفعاً ، أو يدفعون عنه ضرّاً ، يقولون : ( لِخَزَنَةِ جَهَنَمَ ادْعُوا رَبَكُمْ يُخَفِفْ عَنَا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ ، قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِنَاتِ قَالُوا بَلَى ، قَالُوا ( لهم ساخرين منهم ) : فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَا فِي ضَلالٍ ) .
عدد الصفحات ٢٨