ويجب الإيمان ( أولاً ) بأن الأنواع الثلاثة ممكنة الوقوع ، لأنها وردت في القرآن . ويجب الإيمان ( ثانياً ) على وجه التفصيل ، بكل ما ورد من ذلك في القرآن . أما ما يرويه الناس من الكرامات بنسبونه إلى بعض من يسمونهم أولياء ، فهو خبر يحتمل الصدق والكذب ، فإن كان واقعاً من ولي - والولي هو المؤمن التقي { :أَ إِنَ أَوْلِيَاءَ اللَهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَقُونَ }- ولم يكن فيه معصية ، وصدّقتَ به ، لم يكن عليك من الله شيء ، وإن لم يصح عندك فلم تصدّق به ، لم يكن عليك من الله شيء . أما إن كانت الكرامة المزعومة تشتمل على معصية ، ( كبعض ما يروي الشَعْراني في الطبقات ) ، أو كانت واقعة من غير مؤمن ، أو من غير تقيِ ، فليست كرامة . المعجزة والسحر: لما كانت المباراة بين موسى وبين سحرة فرعون ، ألقَوْا حبالهم وعِصِيَهم ، فرآها الناس حيات وثعابين ، وألقى موسى عصاه فصارت حية ، وأكلت هذه الحيات والثعابين ، فهل الأمران سواء ؟ هل عمل موسى من جنس عمل سحرة فرعون ؟! إذا كان من جنسه فلماذا آمن السحرة ؟ كان عمل السحرة خداعاً للبصر وإيهاماً للناس . أرَوْهم حيات وثعابين مع أن الحبال والعصي لا تزال على حالها ، حبالاً وعصياً . أما عصا موسى فقد تحوّلت ( فعلاً ) إلى حية . لذلك آمن السحرة هذا الإِيمان السريع ، إنهم رأوا شيئاً ليس من السحر ، ولا من التخييل ، ولا من التهويل . شيء هزّ قلوبهم حتى اضطرها إلى الإيمان ، وبلغ منهم الإيمان مبلغاً ، جعلهم يتحدَوْن فرعون ولا يبالون به ، إنهم تصوروا عظمة الله الذي آمنوا به ، فهانت عليهم عظمة فرعون الزائفة ، وربوبيته المكذوبة . لقد صغرت الدنيا في عيونهم فلم يحفلوا بتهديد فرعون إياهم بالصلب وقطع الأعضاء . إن فرعون لا يملك إلا تعذيبهم في الدنيا وما الدنيا في جنب الآخرة ؟ وما عذابها المؤقت عند نعيم الآخرة الدائم ؟ لذلك صرخوا في وجهه مستهينين بقضائه { :فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُنْيَا ) . إني أتمنى والله وأنا المولود في الإِسلام ، الذي تسلسل من آبائه الإِسلام ، أن يكون لي مثل هذا الإيمان الذي كان لسحرة فرعون ، بعد دقائق معدودات من إسلامهم معجزات محمد عليه الصلاة والسلام: المعجزتان الكبريان : القرآن ، وهذه المزايا المفردة ، التي جعله الله بها أهلاً لحمل رسالة الإِسلام . ترجمة حياته صلى الله عليه وسلم كانت في ذاتها معجزة . و محمد صلى الله عليه وسلم هو وحده الذي جمع العظمة من أطرافها , وإن من الظلم لمحمد ، وإن من الظلم للحقيقة ، أن نقيسه بواحد من هؤلاء الآلاف من العظماء الذين لمعت أسماؤهم في دياجي التاريخ ، من يوم وجد التاريخ , وما من أحد من هؤلاء إلا كانت له نواحٍ يحرص على سترها وكتمان أمرها ، ويخشى أن يطلع الناس على خبرها . نواح تتصل بشهوته ، أو ترتبط بأسرته ، أو تدل على ضعفه وشذوذه ، ومحمد هو وحده الذي كشف حياته للناس جميعاً ، فكانت كتاباً مفتوحاً ، ليس فيه صفحة مطبقة ، ولا سطر مطموس ، يقرأ فيه من شاء ما شاء . وهو وحده الذي أذن لأصحابه أن يذيعوا عنه كل ما يكون منه ، ويبلّغوه ، فرَوَوْا كل ما رأَوْا من أحواله في ساعات الصفاء ، وفي ساعات الضعف البشري ، وهي ساعات الغضب ، والرغبة ، والانفعال . وروى نساؤه كل ما كان بينه وبينهن ، هاكم السيدة عائشة تعلن في حياته وبإذنه أوضاعه في بيته ، وأحواله مع أهله ، لأن فعله كله دين وشريعة , لقد رووا عنه في كل شيء حتى ما يكون في حالات الضرورة البشرية ، فعرفنا كيف يأكل ، وكيف يلبس ، وكيف ينام ، وكيف يقضي حاجته ، وكيف يتنظّف من آثارها .
عدد الصفحات ٤٤والعظمة إما أن تكون بالطباع والأخلاق والمزايا والصفات الشخصية . وإما أن تكون بالأعمال الجليلة التي عملها العظيم . وإما أن تكون بالآثار التي أبقاها في تاريخ أمته وفي تاريخ العالم . ولكل عظيم جانب من هذه المقاييس تقاس بها عظمته ، أما عظمة محمد فتقاس بها جميعاً لأنه جمع أسباب العظمة ، فكان عظيم المزايا ، عظيم الأعمال ، عظيم الآثار . والعظماء إما أن يكونوا عظماء في أقوامهم فقط ، نفعوها بقدر ما ضروا غيرها ، كعظمة الأبطال المحاربين والقواد الفاتحين . وإما أن تكون عظمته عالمية ، ولكن في جانب محدود ، في كشف قانون من القوانين التي وضعها الله في هذه الطبيعة وأخفاها حتى نُعمل العقل في الوصول إليها ، أو معرفة دواء من أدوية الأمراض , أو قصة عبقرية ، أو ديوان شعر بليغ ... أما محمد فكانت عظمته عالمية في مداها ، وكانت شاملة في موضوعاتها . وكان مؤمناً بما يدعو إليه ، وكثير ممن نعرف من الدعاة ، قديماً وحديثاً ، يقولون بألسنتهم ما تخالفه أفعالهم .. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان خلقه القرآن أي : أن كل فعل من أفعاله ، وكل خلق من خلائقه ، آيات تتلى ، ومحاضرة تلقى ، وحلقة درس ومجلس وعظ ، لأنها كلها تنظلق بما يأمر به القرآن . وما عُرف عنه أنه ذمّ طعاماً قط , وكان يلبس ما وجد ، ولا يلتزم زيّاً خاصاً ، ولا نوعاً خاصاً ، ولا لوناً خاصاً , وليس في الإسلام محرم من الثياب إلا ثوباً يكشف عن عورة ، ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف عن أكثر من وجهها وكفيها ، وما كان من حرير للرجال ، وما كان من الثياب الخاصة بأهل دين غير الإسلام بحيث إن لبسه لابس ظُنَ أنه منهم ، كلباس الرهبان مثلاً ، وما كان من لباس النساء خاصة يلبسه الرجال ، أو من لباس الرجال خاصة تلبسه المرأة ، وما كان فيه من سرف وتبذير ، وكل ثوب بعد ذلك جائز اتخاذه في الإِسلام . والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يحرّم زينة الله التي أخرج لعباده ، ولا الطيبات من الرزق ، ولا يردّها ، ولا يأباها إن وجدها ، ولكنه لم يكن يحرص عليها ، ويجعلها أكبر همه من دنياه . لقد فرغ كذلك من شهوة الغنى والجاه ، وأنتم تعرفون أن قريشاً عرضوا عليه ما شاء من أموالهم إن شاء الغنى , و السلطان والإِمارة , ولم يتركوا شيئاً مما يعلمون ميل النفوس إليه ، وتعلُقَها به ، إلا بذلوه له ، ليترك دعوته ، فكان يأبى عليهم ما عرضوه ، راثياً لهم مشفقاً عليهم . وفرغ كذلك من أمر الشهوة الجنسية ، ولقد غرّ أقواماً من المستشرقين ، الذين درسوا الرسول بهذه العقلية الأرضية المريضة ، وقاسوه بالمقياس الذي يقيسون به العظماء من رجالهم . فرأوا أنه تزوج تسع نسوة ، فقالوا إنه رجل شهواني , ، يحسبونه من نوع من عرفوا من رجال السيف أو القلم . فنابليون مثلاً الذي أكره أمة كاملة بحكومتها ووجوه شعبها على أن يكونوا ( قوادين ) له ، يوصلونه إلى الفتاة البولونية التي أحب ، وزاد على ذلك فاضطر أبا الفتاة على أن يلزمها الإِثم الذي أراده منها ، وجعل استقلال بولونيا رهناً بتحقيق هذه الرغبة النجسة الفاجرة . وليس ذلك وزر نابليون وحده ، بل إن اسكندر دوماس ، وبيرون ، وغوت ، وبودلير ، والعشرات من أمثالهم كانت كلها كذلك ، وهذه تراجم عظمائهم ، إذا بلغت في أي منها بحث أخباره الجنسية ، زكمت أنفك روائح تلك الأرجاس ، فجاؤوا بهذه العقلية يدرسون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدلوا بقولهم عنه إنه شهواني ، على جهل بعلم النفس ، وجهل بتاريخ محمد ، وبُعْد عن الحياد والنزاهة في البحث . إن أشد أيام الرغبة الجنسية يقظة وثورة هي السن التي بين البلوغ والخامسة والعشرين ، هذه هي السن الخطرة التي ينبغي فيها على كل عاقل وعاقلة أن يحذر فيها كل ما يجر إلى المعصية من التكشف والاختلاط ، ومتابعة النظر إلى المحرمات ، وإدمان الفكر فيها ، ولو كان الاختلاط باسم العلم أو الدرس .
عدد الصفحات ٤٥لتي ينبغي فيها على كل عاقل وعاقلة أن يحذر فيها كل ما يجر إلى المعصية من التكشف والاختلاط ، ومتابعة النظر إلى المحرمات ، وإدمان الفكر فيها ، ولو كان الاختلاط باسم العلم أو الدرس . فأين كان محمد في هذه السن ؟ وما هي حوادث صبوته ؟ لقد كان حرّاً ، في بلد حرّ ، ولو أرادها لم يمنعه منها مانع من رقابة ولا من عرف ، ولقد كان لِداتُه من الشباب غارقين في هذه الملذات ، لا يحرمها عليهم دين ولا قانون إن سيرة محمد مكشوفة للعدو والصديق ، معرّضة لأنظار كل ناقد ، فهل ترون فيها أنه كان في هذه السن من أرباب الصبوات ومن ذوي الشهوة العارمة ومن المقبلين على المتع والملذات ؟ فقد فكر مرة واحدة في أن يمارس بعض ما يمارس لِداتُه من اللهو ، فألقى الله على
عدد الصفحات ٤٥عينيه النوم حتى فاته ما فكر فيه . ولو أنه واقع شيئاً من ذلك فهل كان يسكت عنه خصومه من المشركين ، وقد كانوا حريصين على حربه وإيذائه من كل سبيل ؟ وتزوج وهو ابن خمسة وعشرين ، فهل تزوَجَ الفتاةَ البكر الجميلة ، أم تزوج امرأة في سن أمه أرملةً في الأربعين ؟ وسائر زوجاته أما كان جلّهن أرامل ، تزوجهن زواج المصلحة ؟ وقد أحل الله له أكثر من أربع ، فأعطاه بذلك أكثر من باقي المسلمين ، ولكنه حرمه بالمقابل حقاً منحه لكل زوج ، وهو حق الطلاق . على أن القوة الجنسية ليست عيباً ، وكيف وهي مظهر الرجولة ؟ وفيم تكون الرجولة إن لم تكن في هذا ؟ لكن العيب أن يحيا الرجل لها وحدها ، ولا يفكر إلا فيها ، وأن يطلبها من طريق الحرام . وقصة زواجه بزينب التي يجترّ بتردادها الخصوم ، لا تستحق أقوالهم فيها الرد ، لأنها في الواقع مبنية على تحريف متعمّد للواقع ، أو على سوء فهم ظاهر . وزينب فتاة جميلة ، وهي قريبة من الرسول ، لو كان قد فكّر فيها لتَزَوّج بها ، وكان ذلك لو أراده أكبر أمانيها أو أماني أهلها ، ولكن الله جعلها محوراً لإصلاحين اجتماعيين من الإِصلاحات الإِسلامية ، واحد كانت هي مكان التجربة فيه ، والآخر كان مكانه الرسول نفسه . أراد الإِسلام القضاء على هذه العزلة الجاهلية ، وهذا الشعور الطبقي ، بتزويج زينت - وهي من أشرف أسر العرب - بزيد وهو أسيرٌ متبنَى ، ولا يُعَدُ في نظر هذا المجتمع كفؤاً لها ، فتزوّجته على كُره منها ومن أهلها ، وكانت حياتها سلسة متصلة من المنازعات ، وكان كلاهما يتمنى الفراق ، ولكن الرسول كان يمنعه من طلاقها ، ويقول له : ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَقِ اللَهَ ) . حتى امتلأ الكأس وفاضت ، ولم يبق إلى الاحتمال سبيل .. فطلّقها ! وهنا تجيء التجربة الثانية وهي أصعب وأشق ، ويكون على الرسول حمل عبئها ، بزواجه من زينب ، لإبطال عادة التبنِي ، وبيان أن زوجة المتبنَى لا تحرم على المتبني . والصعوبة فيها في تعريض محمد لأن يَظنَ به هذا المجتمع أنه تزوّج امرأة ابنه ، وهذا الموقف أشق ما مر بالرسول ، ومع ذلك قد احتمله راضياً بأمر الله . فالحكاية ليست كما يظنون ويقدرون . وما يقولونه فيها لغوٌ لا يستحق الرد ، وما عرضتُ له إلا لأبيِن الحق لمن لا يعرفه من القراء. وقوة الجسد هي الانتصار على المقاومة المادية ، وقوة القلب نصر على الخصوم ، وهنالك قوة أكبر ، لأنها نصر على ما هو أكبر من المادة ، ومن الخصم ، هي قوة الخُلُق ، وهي نصر على النفس ، وطبائعها وغرائزها ورغباتها وميولها . وهذه مسألة نفسية مسلَمة ، عبّر عنها الرسول بألفاظ شتى في مناسبات مختلفة ، فقال : " ليس الشديد بالصُرَعَةَ ، ولكنّ الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . " فإن القوة التي تحتاجها للتغلب على غضبك ، وإطفاء ناره في صدرك ، وأن تبدو هادئاً في حركاتك وصوتك ولهجتك تقدّر بمئة ، فهي أصعب بمئة مرة من تلك , وجرِب أن تجيء لغضبان قد أعماه الغضب ، حتى لا يبصر ما أمامه ، فتحاول أن تذكره الخُلُق الحسن ، واللين والعفو ، هل تجد في كل عشرة آلافٍ واحداً يستجيب لك في هذه الحال ؟ . صوّر لو أن رجلاً قتل أحب الناس إليك وأعزهم عليك ، ثم جاءك مستسلماً لدعوتك ( وأنت الداعية ) ، هل تنسى ما ذرفت من ماء العين على قريبك ، وما أرقت عليه من دمع القلب .. وتعفو ؟ . لقد عفا الرسول عن ( وحشي ) قاتل ( حمزة ) ، لما أسلم ، لكن غلبته طبيعته البشرية ، فيما لا يخالف الإسلام ، ولا يضر الرجل ، فقال له : " لا تجعلني أراك " ، فكان يتوارى عن عينيه . وهند ، هند امرأة أبي سفيان ، التي بلغ من حقدها على محمد ودعوته ، أن فعلت ما لا تفعله امرأة ، ولا يفعله إنسان ، ولا يفعله الذئب ، ولا النمر . شقت صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته .. هند التي فعلت في حرب الرسول الأفاعيل ، لقد عفا عنها وبايعها وقَبِل إسلامها .
عدد الصفحات ٤٦لا تفعله امرأة ، ولا يفعله إنسان ، ولا يفعله الذئب ، ولا النمر . شقت صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته .. هند التي فعلت في حرب الرسول الأفاعيل ، لقد عفا عنها وبايعها وقَبِل إسلامها . وأهل الطائف الذين سمعتم بخبر ما فعلوا بالرسول ، لما أسلموا عفا عنهم . وهاكم الموقف الأكبر ، المثل الأعلى في بابه ، في كل العصور : أهل مكة الذين جرعوه وأصحابه الصّاب والعلقم ، وآذوه في جسده ونفسه وعقيدته ، وقالوا عنه : ونالوا منه ومن أصحابه ، وقاطعوه ، وحبسوه في الشِعب ، ووضعوا الشوك في طريقه ، وألقَوْا على رأسه كرش الناقة ، وهو ساجد ، وسخروا منه أنواع
عدد الصفحات ٤٦السخريات ، واستمر ذلك لا يوماً ولا يومين ، ولا سنة ولا سنتين ، ولكن ثلاث عشرة سنة ، ثم حاربوه وذبحوا أقرباءه وأصحابه ، حتى ظفر بهم ، وأقامهم أمامه حول الكعبة ، أذلاّء لا يملكون دفاعاً ، وجاءت ساعة الانتقام .. لا ، دعُوا كلمة الانتقام فإنها لا تليق بالمقام ، ساعة العقوبة المشروعة ، التي يكون فيها الرد على هذه السلسلة الطويلة من التعديات والإساءات ، وها هو ذا يقول لهم : " ما ترون أني فاعل بكم ؟ . " إنهم يذكرون ما صنعوا ويعرفون ما يستحقون ، ولكن يذكرون أيضاً خلق محمد ويعرفون مثله ، فيقولون : " أخ كريم ، وابن أخ كريم. " ويسكتون في انتظار الحكم القطعي ، ولو كان الحكم بقتلهم جميعاً لما وُجد من كتّاب التاريخ الصديق منهم والعدو من يلومه بكلمة ، ولكن حكم محمد كان غير ذلك ، كان مفاجأةً لا يتوقعها أحد ، مفاجأةً أدهشت عصره وكل عصر يأتي بعده ، قال لهم : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " وأنا آسف أن أعرض الموجز ، ولقد كنت أتمنى لو جعلت الفصل عنه وحده ، لأجْلُوه عليكم كما ينبغي أن يُجلى ، هذا الموقف يحتاج إلى قوة عشرة آلاف مصارع . وأنا أعجب لماذا حاول المتأخرون من مؤلفي السيرة الاستكثار من المعجزات ، والتوسع فيها ، وإضافة معجزات لم تكن ، وما حاجتهم إليها ؟ وكل موقف من سيرة الرسول ، وكل جانب من شخصيته ، هو معجزة من أكبر المعجزات . وما المعجزة ؟ أليست الأمر الذي يعجز الناس عن مثله ؟. ! إن صدقه وأمانته معجزة ، ولن أسرد عليكم أمثلة كثيرة ، فالمجال ضيق ولكن أعرض مثالاً واحداً ، حادثة مررت بها في مطالعاتي مئات المرات ، فكنت أقرؤها على أنها خبر عادي ، ثم تنبّهت إليها يوماً فجأة فإذا هي أعجوبة ، وكم في السيرة من أمثال هذه الاخبار !! كلكم تعرفون أنه لما هاجر الرسول إلى المدينة ترك علياً مكانه ليرد الودائع التي كانت عنده لقريش ، فهل فكرتم يوماً ما قصة هذه الودائع ؟ . يردها لقريش لا للمسلمين ، إذ لم يبق أحد من المسلمين في مكة لما هاجر الرسول ، لأنه كان آخر من هاجر ، بقي كما بقي الربان في السفينة الجانحة ، لا يتركها حتى ينزل الركاب جميعاً ، ويصلوا إلى قوارب النجاة ، وهذه مَنْقبة ذكرتها عرضاً . قصة الودائع هي أن قريشاً كانت ( على كلّ ما كان بينها وبين الرسول ) لا تجد من تأتمنه على ذخائرها إلا محمداً ، فتصوروا حزبين مختلفين ، الحرب قائمة بينهما ، حرب اللسان واليد والمبدأ والعقيدة ، ثم يأتمن أفراد الحزب على أموالهم وأوراقهم رجلاً من الحزب الآخر . ! هل سمعتم بمثل هذه الحادثة ؟ وكيف يستودعونها هذا الخصم ، إن لم يكن في أخلاقه وأمانته معجزة من المعجزات ، والشك فيه أحد المستحيلات ؟ . هكذا كان محمد . ! ويومَ بدرٍ ، يومَ مرّ يعدل الصفوف قبل المعركة ، وفي يده قدح ( قطعة من الخشب ) ، فوجد سواد بن غزية بارزاً من الصف ، فدفعه بالقدح في بطنه وقال : " اعتدل يا سواد " ، قال : " يا رسول الله أوجعتني ، وقد بعثك الله بالحق والعدل . " تصوروا هذه المشهدة ، قائد الجيش يجابهه جندي عادي بهذا الكلام ، ماذا ترونه صانعاً به ؟ يؤدبه ؟ يعرض عنه ؟ أو تبلغ به سماحة الصدر ونبالة الطبع ، فيسامحه ويعفو عنه ؟ أو يزيد على الغاية فيقول : " عفواً أنا أعتذر إليك " ؟ . أما رسول الله فقد صنع شيئاً لا يصنعه أحد ، ولا يخطر على بال أحد ، كشف له عن بطنه وأعطاه القدح ، وقال له : " استقد " ، أي : أوجعني كما أوجعتك . أقاد من نفسه وهو سيد البشر . !
عدد الصفحات ٤٧هكذا كان محمد ! كانت سيرة حياته كلها معجزة ، عجز عظماء العالم جميعاً عن أن يتركوا لهم سيرة مثلها . في كل ناحية منها عزة وعظمة ، في قوة جسده ، وتكوينه الرياضي ، في روحه الرياضية ، وأنه لا يستخفه النصر حتى يبطره ، ولا تزلزله الهزيمة حتى تثير غضبه أو تذهب بعزمه . في إقراره بالحق ، في صدق التبليغ عن الله ، حتى إنه بلّغ الآيات التي نزلت في تخطئته وفي عتابه ، وفي احترامه العهود وحفاظه على كلمته ، مهما كلفه الحفاظ عليها من مشقة ونصب ، سواء عنده في ذلك معاملاته الشخصية وشؤون الدولة . في ذوقه وحسّه المرهف ، وأنه هو الذي سنّ آداب الطعام وقرر قواعد النظافة في وضعه مع أصحابه إذ يعلمهم ويعمل معهم ، ويعيش مثلما يعيشون ، ويستشيرهم ويسمع منهم ، ويجلس حيث يجد المكان الفارغ في آخر المجلس حتى كأن القادم عليه لا يراه ، ينظر في وجوه القوم فيقول : " أيكم محمد ؟ . " لأن محمداً لم يكن يمتاز عليهم في جلوسه ، ولا في ثيابه ، كان مثلهم في كل شيء ، في سلوكه المهذّب العفيف مع النساء ، وفي سيرته في بيته ومع أهله ، ومزحه الصادق ، وانطلاق نفسه ، وأنه كا محبَباً إلى كل قلب ، في تواضعه ورفضه أن يُعَدّ ملكاً ، ونهى أصحابه عن القيام له ، وأنه كان يقوم بحاجة أهله ، ويخصف بيده نعله ، وأنه عاش حياة الفقر زهداً في الغنى لا عجزاً عنه ، ولو شاء لكان قصره أفخم من إيوان كسرى ودارة قيصر ، ولكنه اختار الآخرة فكانت دور نسائه جميعاً ، نسائه التسع ، لا يتجاوز طولها كلها (1 ) خمسة وعشرين متراً . وكان منزل عائشة غرفة واحدة مبنية من اللَبِن والطين ، وكانت من الضيق بحيث إنها لم تكن تسع لنومها وصلاته ، فكان إذا سجد دفع رجلها ليسجد في مكانها . أما طعامه فقد حدثت عائشة أنه كان يمر الشهر والشهران ، ولا يوقَد في بيت رسول الله نار ليخبز ليها الخبز ، قالوا : " فماذا كنتم تأكلون ؟ . " قالت : " التمر والماء " ، هذا هو طعام أسرة رسول الله .وفي بيانه وفصاحته ، أنه كان أبلغ من نطق وأبان .. كل ذلك فيه الإعجاز ، وفيه الدليل على أن الله ما اختاره لأسمى الرسالات ، وما جعله خاتم الأنبياء ، حتى أعده لذلك إعداداً جعله واحداً في بني آدم ، ليس له في شمائله نظير صلى الله عليه وسلم . ( اللَهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) . الإِيمَانُ بالكُتُبِ القرآن: القرآن هو معجزة محمد . والذين زعموا أن القرآن من تأليف محمد ، أنكروا عليه أنه نبي ، ولكنهم وصفوه بأنه إله ، ونحن نشهد : “أن لا إله إلا الله وأنه عبد الله ورسوله " ذلك أن القرآن لا يستطيع أن يأتي به بشر ، ولا يمكن أن يأتي به بشر ، ولا يمكن أن يأتي إلا من عند الله . فمن قال إن محمداً ألّفه ، فقد منح محمداً صفة الألوهية . ! وإلا فأروني رجلاً كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب كما كان محمد ، ولم يدخل في عمره مدرسة ، بل لم يكن في بلده مدرسة ، بل هو لم يكن في بلدة كبيرة من بلدان الحضارة ، بل كان في قرية متوارية بين الجبال السود . قرية ليس فيها عالم ولا باحث ، ولا مثقف ثقافة صغار المفكرين في ذلك الزمان ، وهو لم يخرج منها إلا إلى قرية مثلها أو أكبر قليلاً منها ، هي ( بُصْرى ) الشام ، من أرض حَوْران ، ولم يقم فيها إلا يوماً أو أياماً قليلات معدودات .
عدد الصفحات ٤٨هل يمكن لمثل هذا الرجل أن يأتي بمثل القرآن ؟ . ليس في التاريخ كله ، رجل كانت له ظروف محمد صلى الله عليه وسلم ، يأتي بكتاب هو في الأسلوب الأدبي في أبهى صور الجمال ، وهو في مجال التشريع قانون في ذروة الكمال ، وهو في الإِلهيات والإِخبار عن المغيَبات ، يأتي بما لا يعرفه أحد من البشر ، ولا يمكن أن يدركه بنفسه العقل البشري ، وهو في الطبيعة يشير إلى قوانين وظواهر لم يكن يعرفها أحد في عصره ، ولا في العصر الذي تلا عصره ، ولا في العصور العشرة التي جاءت بعد ذلك . فيه إشارات إلى قوانين لم تُكشف إلا بعده بألف وثلاثمئة سنة ، وقوانين لم تُكشف للآن . كتاب أمره الله أن يتحدّى به الناس جميعاً ، فتحدى الإِنس والجن ،: أن يأتوا بعشر سور من أمثال سوره ... أن يأتوا بسورة واحدة .. فعجزوا ! وهذا التحدي قائم إلى الآن ، والعجز مستمر إلى الآن . إعجاز ثابت ، ولكن لا تبحثوا كما بحث علماء البلاغة ، عن مواطن الإعجاز ، فإن موطن الإعجاز ليس في ألفاظه وحدها ، ولا في أخباره عن المغيَبات فقط ، ولا في أمر واحد من الأمور التي ادَعَوا أن الإِعجاز فيها ، بل فيه كله مجتمعاً . وإن كان كل ناظر في القرآن ، يلمح الإِعجاز من الجهة التي ينظر فيها . تعرفون قصة رئيس قسم تحقيق الشخصية ، الذي أسلم لما سمع قوله تعالى { :بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِيَ بَنَانَهُ ) . فكّر : لماذا خصّ ( البنان ) بالذكر ؟ ماذا فيه ؟ فيه بصمات الأصابع ، هذه المعجزة الإِلهية العجيبة ، كم ظهر على الأرض من ناس ؟! إنه ليس فيهم اثنان تتفق بصمة أحدهما وبصمة الآخر . إنها ظاهرة عجيبة ، ولكنها عُرفت من قريب ، لم يكن يعرفها على عهد محمد ولا في القرون العشرة التي تلت عهد محمد . فلا بد إذن أن يكون محمد قد تلقّاها من عند الله ، ولا بد أن يكون القرآن كلام الله . وفي القرآن مئات من أمثال هذه الإِشارة ، لا نزال نجد كل يوم من ينتبه إلى واحدة منها ، كلما درس القرآن دارسٌ بدت له من إعجازه جوانب لم يدركها الأولون ، لأنه لا تفنى عجائبه . لذلك يجب أن يفسَر القرآن في كل زمان تفسيراً جديداً . يفسره الأديب ، ويفسره الحقوقي ، ويفسره الفلكي ، ويفسره عالم النفس ، وعالم الاجتماع ، والمؤرخ ، كل واحد منهم يجد فيه مجالاً لعلمه واختصاصه ، ودليلاً من اختصاصه وعلمه على أن القرآن كلام الله . إن معجزات الرسل الأولين وقعت مرة وانقضت ، ولكن معجزة محمد قائمة تتكرر كل يوم . ومعجزات الرسل دليل من غير جنس الرسالة ، على صحة الرسالة ، ومعجزة رسالة محمد ، هي رسالته نفسها ، صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين . الإيمان بالكتب نحن نؤمن بالقرآن ، وبالكتب المنزلة التي خبّرنا عنها القرآن ، وهذه الكتب هي : ( صحف إبراهيم ) ، و ( صحف موسى ) وهي ( التوراة ) ، و ( زبور داود ) ، و ( إنجيل عيسى ) . والقرآن هو الحاكم عليها ، والميزان الذي يُعرف به صحيحها من الذي حُرِف منها ، قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ مُصَدِقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) . فما أخبرنا الله في القرآن أنه من هذه الكتب آمناً به ، وقلنا بكفر من أنكره ، وما وافق القرآن من أخبار هذه الكتب اعتقدنا أنه باق على صحته ، وأن التحريف لم يصل إليه ، وما جاء من أخبارها مخالفاً لما رواه القرآن عنها اعتقدنا أنه محرَف عن أصله . صحف إبراهيم: خبّرنا الله أن مما جاء في صحف إبراهيم ، ونكرر في صحف موسى : ( أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... وَأَنَ إِلَى رَبِكَ الْمُنْتَهَى ) .إلى آخر هذه الآيات :
عدد الصفحات ٤٩وأن من ذلك قوله :( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِهِ فَصَلَى ، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُنْيَا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، إِنَ هَذَا لَفِي الصُحُفِ الْأُولَى ، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) . التوراة: التوراة منزّلة من عند الله ، فيها هدىً للناس ، وفيها حكم الله ، قال تعالى { :وَكَيْفَ يُحَكِمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَهِ ... إِنَا أَنْزَلْنَا التَوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ ) . ومما خبّرنا به عن أحكام التوراة قوله :(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَ النَفْسَ بِالنَفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِنَ بِالسِنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } وخبّرنا أن فيها بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قال : ( الَذِينَ يَتَبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَ الْأُمِيَ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَوْرَاةِ ) . وأن فيها وصف المؤمنين :( مُحَمَدٌ رَسُولُ اللَهِ وَالَذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعاً سُجَداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَوْرَاةِ ) . الزَبُور : قال تعالى : ( وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ) . وخبّرنا أن مما كتب في الزبور وراثة الصالحين الأرض ، قال تعالى { :وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِكْرِ أَنَ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ ) . ولعل المراد بالأرض الجنة ، لقوله تعالى حكاية عن المؤمنين الذين يدخلونها : (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَهِ الَذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَةِ حَيْثُ نَشَاءُ ..) . الإِنجيل : قال تعالى : ( وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ ) . وبيّن أن الإِنجيل المنزّل ، يشتمل على أحكام تشريعية ، قال تعالى : ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَهُ فِيهِ ). وفيه تعديل لشريعة التوراة :(وَمُصَدِقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَ مِنَ التَوْرَاةِ وَلِأُ حِلَ لَكُمْ بَعْضَ الَذِي حُرِمَ عَلَيْكُمْ ) . وفيه كالتوراة بشارة بمحمد ، ووصف للمؤمنين به . ونحن نؤمن بكل ما أنزل الله من : ( صحف ) ، و ( توراة ) ، و ( زبور ) ، و ( إنجيل ) ، ونحترم سائر الأنبياء وفيهم : ( إبراهيم ) و ( موسى ) و ( داود ) و ( عيسى ) ، صلى الله عليهم جميعاً .
عدد الصفحات ٥٠خَاتِمَة هذه هي العقائد الإِسلامية : من اعتقدها واعتقد بكل ما أخبر به القرآن ، وظهرت آثار هذا الاعتقاد في عمله ، فهو المسلم الكامل . يعمل بالقرآن الذي اعتقد صحته ، لا يكتفي بتلاوته بلا فهم ، ولا بتلحينه والتطريب به بلا علم ، بل يتخذه دستوراً لحياته ، يحلّ حلاله ، ويحرّم حرامه . يعمل ما أوجبه ، ويترك ما نهى عنه. إن كانت ديانات الناس للمعابد وحدها ، فالإِسلام ليس للمسجد وحده ، ولكن للمسجد وللدار وللسوق ، ولقصر الحكم ، وللحرب وللسلم . الإسلام يلازم المسلم دائماً ، يبيّن له ما يُباح له ، وما يحرم عليه . هو معه إنْ خلا بنفسه ، ومعه إن انفرد بأهله ، وهو معه في تجارته وفي عمله ، كل عمل من أعمال المسلم له حكم من الأحكام الخمسة ، ومنها الإباحة الأصلية . وإنْ كانت الديانات الأخرى عبادات فقط ، لا علاقة لها بالسياسة ، ولا بالعلم ، فالإِسلام عبادة ، وقانون مدني ، وقانون جزائي ، وقانون دولي ، ونظام إداري ، ومذهب خلقي ، وهو علم ، وهو سياسة ، وهو عمل ، وهو جهاد ، افتحوا أيّ كتاب من كتب الفقه ، وانظروا في فهرسه ، تروا هذه الجوانب كلها فيه. وإنْ كانت العبادات في الديانات الأخرى صلاة فقط ، فالعبادة عندنا ليست صلاةً وصياماً فقط ، بل إنّ كل عمل ينفع الناس إن قصد به فاعله وجه الله ، كان له عبادة. وإذا فصلوا بين الدين - الذي هو عبادة فقط - وبين العلم ، فالإِسلام دين العلم . أول كلمة نزلت من كتابه كانت ( اقرأ ) ، لم تكن ( قاتل ) ، ولا ( اجمع المال ) ، ولا ( ازهد في الدنيا ) . و ( اقرأ ) هذه أول كلمة أُنزلت من القرآن وجاء بعدها ذكر العلم ، ما منَ الله على الإِنسان بما أعطاه من مال ولا قوة ولا جاه ، بل بأنه علّمه ما لم يعلم. وكل عمل يحتاج إليه مجتمع إسلامي ، يكون تعلمه فرض كفاية على القادرين عليه ، فهل في الوجود دين - إلاّ الإِسلام - يجعل تعلم الكيمياء ، والطب ، والطيران ، من الفروض الدينية ؟. والإِسلام دين الغنى ، الله سمى المال في القرآن خيراً ، فقال: ( وَإِنَهُ لِحُبِ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ). وقال في آية الوصية: ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً } ...أي : مالاً . فينبغي أن يكون المسلمون أغنياء ، ولكن بشرط أن يجمعوا المال من الحلال ، وأن يكون المال في أيديهم لا في قلوبهم . والمال وكل ما في الكون مسخّر للإِنسان . والإِنسان المسلم يُحسّ أنه عبد الله ، ولكنه سيد لما في الكون من أشياء ، يتصرف فيه تصرف السيد ، يستجلب النفع الذي أودعه الله فيه ، فهو يرغب في النافع ولكن لا يعظّمه لذاته ، فإن عظّمه لذاته صار عبداً له ، وكان بذلك قد أشركه في العبادة مع الله. والمال جعله الله لجلب النفع ، فإنْ أنتَ ادخرته وخبأته ولم تنتفع منه صرت خادماً له وعبداً ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تَعِس عبد الدرهم. " والثياب جُعلت لدفع البرد ، وستر الجسد ، فإن عظّمتها لذاتها ، فحفظتَها ورعيتَها ولم تنتفع بها ، صرت عبداً لها ، وقد: "تعس عبد الخميصة. " والإسلام دين القوة ولكن بلا ظلم.
عدد الصفحات ٥١والإسلام للدنيا والآخرة: (رَبَنَا آتِنَا فِي الدُنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ... ). وهو يريد من المسلمين أن يصدقوا الإِيمان ، وأن يتبعوا الشرع ، وأن يكونوا مع هذا أرقى الامم ، وأقوى الأمم ، وأعلم الأمم ، وأغنى الأمم ، ليجمعوا حسنة الدينا وحسنة الآخرة ، وأن يعلم كل مسلم - بعد هذا - أن عليه واجباً آخر ، هو التعريف بالإِسلام ، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلا يكره الناس على الإِسلام {لا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ ). بل يعرض عليهم محاسنه حتى يرغبوا فيه ، ولا يدعو بلسان مقاله فقط ، بل بلسان حاله ، بأن يكون المجتمع الإسلامي صورة مجسِمة لمبادئ الإسلام لا بأن يكون صورة مشوهة لها ، تنفر منها وتبعد عنها كما هي الحال الآن . بأن يكون الداعي قويّ العقل ليقيم الحجة ، عالماً بالإسلام ليحسن العرض ، مثقّفاً بثقافة العصر ليكلّم الناس بلغة العصر ، وأن يكون لطيف المدخل ، خفيف الظل ، لا فظّاً ولا غليظاً ، ولا جافياً عاتياً . وأن يعلم أن الإسلام ملا يفزع من المناظرة ، ولا يهرب منها ، وأن كل شيء في بالدليل وبالحجة والبرهان ، وأنه يطالب بالدليل حتى ممن يدعي ما يخالف الإسلام: ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ... وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ). لو كان له برهان ... ولكن يستحيل إقامة الدليل على خلاف التوحيد . ولو وجد هؤلاء الدعاة إلى الله لدخلت الدنيا كلها في دين الله ، والله أنزل هذا الدين ، وهو قد تعهد بحفظه: ( إِنَا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِكْرَ وَإِنَا لَهُ لَحَافِظُونَ ). فالإسلام باق لا يزول ، والعاقبة له ، ولكن إما أن نعود - نحن المسلمين - إلى ديننا ، فيكون لنا شرف النصر في الدنيا ، وثواب الله في الآخرة ، وإما أن يستبدل بنا قوماً غيرنا يدخلون في الإِسلام ، ويتولّوْن الدعوة إليه والدفاع عنه. ونعوذ بالله من أن يستبدل بنا ، ونسأله أن يردّنا إلى ديننا ، وأن يكتب النصر له على أيدينا ، وأن يغفر لنا ويرحمنا. وآخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين . وبذلك تم الكتاب بحمد الله
عدد الصفحات ٥٢