مختصر كتاب " تعريف عام بدين الإسلام للشيخ علي الطنطاوي" جمع وترتيب " أبومحمد بن عبد الحميد" غفر الله له ولوالديه ولأهله أجمعين ....نائماً في ليالي الشتاء ، متمتعاً بدفء الفراش ، ولذة المنام ، فتسمع قرع المنبه يدعوك إلى الصلاة ، فتحسّ صوتاً من داخلك يقول لك: (قم إلى الصلاة). فإذا جئت تقوم ، سمعت صوتاً آخر ، يقول لك : ( نم قليلاً ) . فيعود الصوت الأول يقول : ( الصلاة خير من النوم ) . فيقول الثاني : ( النوم لذيذ ، والوقت متسع ، فتأخر دقائق ) . ولا يزال الصوتان يتعاقبان ، تعاقب دقات الساعة : ( نم . قم . نم . قم ..) . هذا هو العقل ، وهذه هي النفس . وهذا مثال يتكرر آلاف المرات ، في آلاف الصور ، كلما عرض للمرء مثل هذا الموقف فوقف أمام لذة محرمة تدعوه نفسه إلى غشيانها ، وكان في قلبه إيمان ، يدفع عقله إلى منعه منها ، وعلى مقدار ما يكون من انتصار العقل ، تكون قوة هذا الإيمان . وليس معنى هذا أن ينتصر العقل دائماً ، وأن لا يقارب المسلم المعاصي أبداً . فالإسلام دين الفطرة ، دين الواقع ، والواقع أن الله خلق خلقاً للطاعة الخالصة ، ولمحض العبادة ، هم ( الملائكة ) ، ولم يجعلنا الله ملائكة ، وخلق خلقاً شأنهم المعصية والكفر هم ( الشياطين ) ، ولم يجعلنا كالشياطين ، وخلق خلقاً لم يعطهم عقولاً ولكن غرائز ، فلا يُكلّفون ولا يسألون ، وهم ( البهائم والوحوش ) ، ولم يجعلنا الله وحوشاً ولا بهائم . فما نحن إذن ؟ ما الإنسان ؟ الإنسان مخلوق متميز ، فيه شيء من:- الملائكة وشيء من الشياطين. وشيء من البهائم والوحوش . فإذا استغرق في العبادة ، وصفا قلبه إلى الله عند المناجاة ، وذاق حلاوة الإيمان في لحظات التجلّي ، غلبت عليه في هذه الحال الصفة المَلَكية ، فأشبه الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وإذا عضّه الجوع ، وبرّح به العطش ، وانحصرت آماله في رغيف يملأ معدته ، وكأس تبلّ صداه ، أو تملّكته الشهوة ، وسيطرت على نفسه ( الرغبة الجنسية ) ، فغلا بها دمه ، واشتعلت به عروقه ، وامتلأ ذهنه بخيالات الشبق وأمانيه ، غلبت عليه في هذه الحال الصفة البهيمية ، فكان كالفحل أو الحصان ، أو ما شئت من أصناف الحيوان . هذه حقيقة الإنسان ، فيه الاستعداد للخير ، والاستعداد للشر ، أعطاه الله الأمرين ، ومنحه o العقل الذي يميز به بينهما o والإرادة التي يستطيع بها أن يحقق أحدهما
عدد الصفحات ١فإن أحسن استعمال عقله في التمييز ، وأحسن استعمال إرادته في التنفيذ ، ونمى استعداده للخير ، حتى تخلّق به وأنجزه ، كان في الآخرة من السعداء . وإن كانت الأخرى ، كان من المعذّبين . وما العقل؟ وما أهميته؟ إنه قيد. إن لفظه مشتق من الأصل الذي اشتق منه العقال أي الحبل الذي يقيد به الجمل. إن المعاصي لذيذه لأنها توافق طبيعة النفس. إنك تجد لذه في سماع الغيبه والمشاركه فيها لأنها تشعرك بأنك خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل. والسرقه لذيذه لأن فيها امتلاك المال بلا كد ولانصب. والزنا لذيذ لأن فيه إعطاء النفس هواها والغش لذيذ لأنه يوصل إلي النجاح بلا جهد. ولكن الإنسان حين يفكر ويستعمل عقله يجد أن هذه الحريه المؤقته لاتساوي مابعدها من سجن في جهنم طويل. ليس منا أحد لم يقارف في عمره معصيه ولم يجد لهذه المعصيه لذه أقلها أنه آثر متعة الفراش مره علي القيام لصلاة الفجر. فماذا بقي في أيدينا من هذه اللذه التي أحسسنا بها قبل عشر سنين؟ وليس منا أحد لم يكره نفسه علي أداء طاعه ز ولم يحمل لهذه الطاعه ألما أقله الجوع والعطش في رمضانز فماذا بقي في أنفسنا الأن من ألم الجوع ؟ لاشيء ذهبت لذات المعاصي وبقي عقابها . وذهبت آلام الطاعات وبقي ثوابها التسويف والتأجيل: إن كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله ، ولكنه يؤجّل ويسوّف . أنا كنت أقول : إذ حججتُ تبتُ وأنبت ، ثم رأيت أني حججت وما تبت . وكنت أقول : إذا بلغت الأربعين تبتُ وأنبت ، فبلغتها وما تبت ، وجاوزت الستين وما تبت ، وشبت وما تبت . ليس معنى هذا أني مقيم على المحرمات ، مرتكب للفواحش ، لا وبحمد الله . ولكن معناه ، أن الإنسان يرجو لنفسه الصلاح ، ولكنه يسوّف ، يظن أن في الأجل فسحة ، يحسب أن العمر طويل ، فيرى الموت قد طرقه فجأة. وما الموت ؟ ما حقيقته ؟ إن لحياة الإنسان مراحل:- فمرحلة وهو جنين في بطن أمه ومرحلة وهو في هذه الدنيا ومرحلة وهو في البرزخ بين الدنيا والآخرة ، من يوم موته إلى يوم القيامة والمرحلة الدائمة وهي الحياة الحقيقية ، مرحلة الآخرة . ونسبة كل مرحلة لما قبلها كنسبة ما بعدها إليها. إن سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الأم ، كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا ، وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ . إن الجنين يحسب دنياه هذا البطن ، ولو عقل وفكر ، وسئل وأجاب ، لقال بأن خروجه منه موت محقق ، ولو كان في البطن توأمان ، فولد أحدهما قبل الآخر ، ورآه نزل قبله ، ففارقه وقد كان معه ، لقال بأنه مات ، ودفن في الأعماق . ولو رأى المشيمة التي كانت من جسده ، ملقاة مع القمامة لظن بأنها هي أخوه ، وبكى عليها كما تبكي الأم حين ترى جسد ولدها الذي كانت تخشى عليه مسّ الغبار قد أودع التراب ، لا تدري أن هذا الجسد كالمشيمة ، قميص توسخ وألقي ، ثوب انتهى وقته ، وانقضت الحاجة إليه . هذا هو الموت ، إنه ( ولادة جديدة ) ، خروج إلى مرحلة أطول وأرحب من مراحل الحياة .
عدد الصفحات ٢ ماذا يطلب الإسلام منا- إن الإسلام يطلب من المسلمين:- أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين وفي المال أغنى الأغنياء وفي العلم - العلم كله - أعلم العلماء وأن يعرف كل مسلم حق جسده عليه بالغذاء والرياضة وحق نفسه بالتسلية والإجمام والمتعة بغيرالحرام وحق أهله بالرعاية وحسن الصحبة وحق ولده بالتربية والتوجيه والعطف وحق المجتمع بالعمل على كل ما يصلحه كما يعرف حق الله بالتوحيد والطاعة ماهو الإسلام ؟ قلت مرة لتلاميذي : ( لو جاءكم رجل أجنبي ، فقال لكم : إن لديه ساعة من الزمن ، يريد أن يفهم فيها ما الإسلام ، فكيف تفهمونه الإِسلام في ساعة ؟ ) . قالوا: ( هذا مستحيل ، ولا بد له أن يدرس التوحيد والتجويد ، والتفسير والحديث والفقه والأصول ، ويدخل في مشكلات ومسائل ، لا يخرج منها في خمس سنين ) . قلت : ( سبحان الله ، أما كان الأعرابي يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم ، فيعرف الإِسلام ويحمله إلى قومه ، فيكون لهم مرشداً ومعلماً ، ويكون للإِسلام داعياً ومبلغاً ؟ وأبلغ من هذا ، أما شرح الرسولُ الدينَ كلّه في حديث ( سؤال جبريل ) بثلاث جمل ، تكلم فيها عن : الإِيمان ، والإِسلام ، والإِحسان ؟ فلماذا لا نشرحه اليوم في ساعة ؟ فما الإِسلام ؟ وكيف يكون الدخول فيه ؟ كل نِحلة من النحل الصحيحة والباطلة ، وكل جمعية من الجمعيات النافعة والضارة ، وكل حزب من الأحزاب الخيّرة والشريرة ، لكل ذلك ( مبادئ ) وأسس فكرية ، ومسائل عقائدية ، تحدد غايته وتوجه سيره ، وتكون كالدستور لأعضائه وأتباعه . ومن أراد أن ينتسب إلى واحد منها ، نظر أولاً إلى:- (المبادئ ) ، فإن ارتضاها واعتقد صحتها ، وقبل بها بفكره الواعي وبعقله الباطن طلب ( الإنتساب ) إلى الجمعية ، فانتظم في سلك أعضائها ومتبعيها فوجب عليه أن يقوم بالأعمال التي يلزمه بها دستورها ، ويدفع رسم الأشتراك الذي يحدده نظامها وكان عليه - بعد ذلك - أن يدل بسلوكه على إخلاصه لمبادئها فيتذكر هذه المبادئ دائماً ، فلا يأتي من الأعمال ما يخالفها ، بل يكون بأخلاقه وسلكوه ، مثالاً حسناً عليها ، وداعيةً فعلياً لها . فالعضوية في الجمعية هي: (عِلْم ) بنظامها (اعتقاد ) بمبادئها (إطاعة ) لأحكامها
عدد الصفحات ٣ (سلوك ) في الحياة موافق لها هذا وضع عام ، ينطبق على الإِسلام . فمن أراد أن يدخل في دين الإِسلام عليه أولاً أن يقبل أسسه العقلية ، وأن يصدق بها تصديقاً جازماً ، حتى تكون له (عقيدة ) وهذه الأسس تتلخص في :- أن يعتقد أن هذا العالم المادي ليس كل شيء وأن هذه الحياة الدنيا ليست هي الحياة كلها . فالإنسان كان موجوداً قبل أن يولد ، وسيظل موجوداً بعد أن يموت ، وأنه لم يُوجِد نفسَه ، بل وجد قبل أن يعرف نفسه ، ولم توجده هذه الجمادات من حوله ، لأنه عاقل ولا عقل لها ، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد o هو وحده الذي يحيي ويميت o وهو الذي خلق كل شيء ، وإن شاء أفناه ، وذهب به o وهذا الإله لا يشبه شيئاً مما في العوالم ، قديم لا أول له ، باق لا آخر له ، قادر لا حدود لقدرته o عالم لا يخفى شيء عن علمه ، عادل ولكن لا تقاس عدالته المطلقة بمقاييس العدالة البشرية o هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها ( قوانين الطبيعة ) ، وجعل كل شيء فيها بمقدار ، وحدّد من الأزل جزئياته وأنواعه ، وما يطرأ عليه ( على الأحياء وعلى الجمادات ) من حركة وسكون ، وثبات وتحوّل ، وفعل وترك o ومنح الإنسان عقلاً يحكم به على كثير من الأمور ، التي جعلها خاضعة لتصرفه o وأعطاه عقلاً يختار به ما يريد ، وإرادةً يحقق بها ما يختار o وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة ، فيها يُكافَأ المحسن في الجنة ، ويُعاقَب المسيء في جهنم . وهذا الإله واحد أحد ، لا شريك له يعبد معه ، ولا وسيط يقرّب إليه ويشفع عنده بلا إذنه ، فالعبادة له وحده خالصة ، بكل مظاهرها . له مخلوقات مادية ظاهرة لنا ، تُدرَك بالحواس ، ومخلوقات مغيَبة عنا ، بعضها جماد وبعضها حيّ مكلّف . ومن الأحياء ما هو خالص للخير المحض ، ( وهم الملائكة ) ومنها ما هو مخصوص بالشر المحض ( وهم الشياطين ) وما هو مختلط ، منه الخيِر والشرير ، والصالح والطالح ( وهم الإِنسُ والجن ) وأنه يختار ناسا من البشر هم: الرسل الرسل ناساً من البشر يختارهم الله عز وجل ينزل عليهم المَلَك بالشرع الإلهي ليبلّغوه البشر . وأن آخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي ، خُتمت به الرسالات ، وبدينه الأديان ، فلا نبي بعده الشرائع كتب وصحائف أُنزلت من السماء ، ينسخ المتأخر منها ما تقدّمه أو يعدّله . وأن آخر هذه الكتب هو القرآن ، وقد حُرِفت الكتب والصحف قبله ، أو ضاعت ونُسيت ، وبقي هو سالماً من التحريف والضياع .. فالقرآن هو دستور الإِسلام ، فمن صدق بأنه من عند الله ، وآمن به جملةً وتفصيلاً سمي ( مؤمناً ) . والإِيمان بهذا المعنى ، لا يطّلع عليه إلاّ الله ، لأن البشر لا يشقون قلوب الناس ، ولا يعلمون ما فيها . لذلك وجب عليه ليعدّه المسلمون واحداً منهم ، أن يعلن هذا الإِيمان بالنطق بلسانه بالشهادتين . وهما : ( اشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله) فإذا نطق بهما صار
عدد الصفحات ٤مسلماً أي : o (مواطناً ) أصيلاً في دولة الإِسلام ، وتمتّع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم o وقَبِل بالقيام بجميع الأعمال التي يكلّفه بها الإسلام . وهذه الأعمال ( أي العبادات ) قليلة ، سهلة ، ليس فيها مشقة بليغة ، وليس فيها حرج. أولها : الصلاة أن يركع في الصباح ركعتين يناجي فيهما ربه ، يسأله من خيره ، ويعوذ به من عقابه ، وأن يتوضأ قبلهما أي يغسل أطرافه ، أو يغسل جسده كله ( إن كانت به جنابة ( وأن يركع في وسطه أربعاً ، ثم أربعاً ، وأن يركع بعد غياب الشمس ثلاثاً ، وفي الليل أربعاً . هذه هي الصلوات المفروضة ، لا يستغرق أداؤها كلها نصف ساعة في اليوم ، لا يُشترط لها مكان لا تؤدَى إلا فيه ، ولا شخص معين ( أي رجل دين ) لا تصح إلا معه ، ولا واسطة فيها ( ولا في العبادات كلها ) بين المسلم وربه . الثاني :الصيام أنَ في السنة شهراً معيناً ، يقدم فيه المسلم فطوره ، فيجعله في آخر الليل بدلاً من أن يكون في أول النهار ، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس ، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء ، فيكون من ذلك شهر صفاء لنفسه ، وراحة لمعدته ، وتهذيب لخُلُقه ، وصحة لجسده ، ويكون هذا الشهر مظهراً من مظاهر الاجتماع على الخير ، والتساوي في العيش . الثالث : الزكاة أنه إذا فضل عن نفقات نفسه ، ونفقات عياله ، مقدار من المال محدود ، بقي سنة كاملة لا يحتاج إليه ، لأنه في غنى عنه ، كُلّف أن يُخرج منه بعد انقضاء السنة ، مبلغ ( 5,2 )في المئة ، للفقراء والمحتاجين ، لا يحس هو بثقلها ، ويكون فيها عون بالغ للمحتاج ، وركن وطيد للتضامن الاجتماعي ، وشفاء من داء الفقر ، الذي هو شر الأدواء . الرابع : الحج أن الإِسلام رتب للمجتمع الإِسلامي ، اجتماعات دورية : اجتماع بمثابة مجالس الحارات ، يُعقد خمس مرات في اليوم ، مثل حصص المدرسة ، هو ( صلاة الجماعة ) ، يوثّق كل عضو فيه عبوديته لله بالقيام بين يديه ، ويكون من ثماره أن يعين الأقوياء الضعيف ، ويعلّم العلماء الجاهل ، ويسعف الأغنياء الفقير ، ومدة انعقاده ربع ساعة . فلا يعطل عاملاً عن عمله ، ولا تاجراً عن تجارته ، وإذا تم الاجتماع وتخلف عنه مسلم فصلّى في بيته ، لم يُعاقَب على تخلفه ولكن فاته ثواب حضوره . واجتماع لمجالس الأحياء ، يُعقد مرة في الأسبوع ، هو ( صلاة الجمعة ) ، ومدة انعقاده أقل من ساعة . وحضوره واجب على الرجال . واجتماع كمجالس المدينة ، يعقد مرتين في السنة ، وهو ( صلاة العيد ) ، وحضوره ليس على سبيل الإِلزام ، ومدى انعقاده أقل من ساعة . واجتماع ، هو كالمؤتمر الشعبي العام ، يُعقد كل سنة في مكان معين ، هو في الحقيقة دورة توجيهية ورياضية وفكرية ، يكلَف المسلم بأن يحضره مرة واحدة في العمر ، إذا قدر على حضوره ، وهو ( الحج) هذه هي ( العبادات ) الأصلية التي يُكلَف بها.
عدد الصفحات ٥ ومن العبادات أن يمتنع عن أفعال معينة ، أفعال يُجمع عقلاء الدنيا على أنها شر ، وأن الواجب الامتناع عنها ، كالقتل بلا حقٍ ، والتعدّي على الناس ، والظلم بأنواعه ، والمسكر الذي يغيّب العقل ، والزنا الذي يذهب الأعراض ، ويخلط الأنساب ، والربا ، والكذب ، والغش ، والغدر ، والفرار من الخدمة العسكرية التي يراد منها إعلاء كلمة الله ، ومنها ( بل من أشدها ) عقوق الوالدين ، والحلف كاذباً ، وشهادة الزور ، وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة ، التي تجتمع العقول على إدراك قبحها وشرها . وإذا قصر المسلم في القيام ببعض الواجبات ، أو ارتكب بعض الممنوعات ، ثم رجع وتاب وطلب العفو من الله ، فإن الله يعفو عنه وهذه هي ( التوبه ) . وإن لم يتب فإنه يبقى مسلماً معدوداً في المسلمين ، ولكنه يكون (عاصياً ) يستحق العقاب في الآخرة ، ولكن عقابه مؤقت ، لا يدوم دوام عقاب الكافر . أما إذا أنكر بعض المبادئ ، أي العقائد الأصلية ، أو شكّ فيها ، أو جحد واجباً مجمعاً على وجوبه ، أو حراماً مجمعاً على حرمته ، أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن ، فإنه يخرج من الدين ، ويعتبر مرتداً تُنزع عنه الجنسية الإِسلامية . والردة أكبر جريمة في الإِسلام ، فهي كالخيانة العظمة في القوانين الحديثة ، جزاؤها - إن لم يرجع عنها ويتنصّل منها - الموت . قد يترك المسلم بعض الواجبات ، أو يأتي بعض الممنوعات ، وهو معترف بالوجوب والحرمة ، فيبقى مسلماً ، ولكنه يكون ( عاصياً ) ، أما الإيمان فلا يتجزأ ، فلو آمن مثلاً بتسع وتسعين عقيدة ، وكفر بواحدة فقط ، كان كافراً . وقد يكون المسلم غير مؤمن ، كمن انتسب إلى حزب أو جميعة ، وحضر اجتماعاتها ، ودفع اشتراكاتها ، وقام بواجب العضو فيها ، ولكنه لم يقبل بمبادئها ، ولم يقتنع بصحتها ، بل دخل فيها للتجسس عليها ، أو فساد أمرها . وهذا هو ( المنافق ) الذي ينطق بالشهادتين ، ويؤدي العبادات ظاهراً ، ولكنه غير مؤمن بالحقيقة ولا ناجٍ عند الله ، وإن كان عند الناس معتبراً من المسلمين ، لأن الناس لهم الظواهر ، والله وحده يطّلع على السرائر والقلوب . فالمنافق هو مسلم غير مؤمن المسلم المؤمن:- فإذا آمن الإِنسان بــ:- الأسس الفكرية للإِسلام ، وهي التصديق المطلق بالله ، وتنزيهه عن الشريك والوسيط ، وبالملائكة ، وبالرسل ، وبالكتب ، وبالحياة الآخرة ، وبالقدر ونطق الشهادتين وصلى الفرائض ، وصَام رمضان ، وأدى زكاة ماله إن وجبت عليه الزكاة ، وحج مرة في العمر إن استطاع وامتنع عن المحرمات المجمع على حرمتها ؛ فهو مسلم مؤمن ، ولكن ثمرة الإيمان لا تظهر منه ، ولا يُحِسّ بحلاوته ، ولا يكون مسلماً كاملاً ، حتى يسلك في حياته مسلك المسلم المؤمن . ولقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهاج هذا السلوك ، بجملة واحدة ، كلمةٍ من جوامع الكلم ، ومن أبلغ ما نطق به بشر ، كلمةٍ تجمع الخير كله ، خير الدنيا ، وما في عَقِبه من خير الآخرة. هي : أن يتذكر المسلم في قيامه وقعوده ، وخلوته وجلوته ، وجدّه وهزله ، وفي حالاتها كلها ، أن الله مطلع عليه ، وناظر إليه ، فلا يعصيه وهو يذكر أنه يراه ، ولا يخاف أو ييأس وهو يعلم أنه معه ، ولا يشعر بالوحشة وهو يناجيه ، لا يحس بالحاجة إلى أحد وهو يطلب منه ويدعوه ، فإن عصى - ومن طبيعته أن يعصي - رجع وتاب ، فتاب الله عليه . كل ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ، في تعريف ( الإِحسان ) : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . "
عدد الصفحات ٦العقيدة تَعْريفاتٌ تعريف الشك : إذا كنت في مكة مثلاً ، وسألك سائل : هل في الطائف الآن مطر ؟ لا تستطيع أن تقول : ( نعم ) ، ولا تستطيع أن تقول : ( لا ) . لأن من الممكن أن يكون في الطائف في تلك الساعة مطر ، ومن الممكن أن يكون الجو فيها صحواً لا مطر فيه ، إمكان وجود المطر خمسون في المئة مثلاً ، وإمكان عدمه خمسون ، تساوى الطرفان فلا دليل يرجّح الوجود ، ولا دليل يرجح العدم . وهذا هو الشك . تعريف الظن: فإن نظرت وأبصرت في جهة الشرق ( والطائف شرقي مكة ) غيوماً تلوح على حواشي الأفق من بعيد ، رجح عندك رجحاناً خفيفاً أن في الطائف مطراً . وهذا الرجحان الخفيف لإمكان الوجود ، هو ما يسمونه ( الظن ) . فأنت تقول : أظن أن في الطائف الآن مطراً ، فالظن : ستون في المئة مثلاً ( نعم ) ، وأربعون ( لا ) تعريف غلبة الظن: فإن رأيت الغمام قد ازداد وتراكم ، واسودّ وتراكب ، وخرج البرق يلمع من خلاله ، ازداد ظنك بنزول المطر في الطائف ، فصار لـ ( نعم ) سبعون أو خمس وسبعون في المئة ، كان هذا ما يسميه علماؤنا بـ ( غلبة الظن ) ، فأنت تقول لسائلك : يغلب على ظني أن في الطائف الآن مطراً . تعريف اليقين العلم: فإن أنت ذهبت إلى الطائف ، فرأيت المطر بعينك ، وأحسست به على وجهك ، أيقنت بنزوله ، وعلماؤنا يسمون هذا اليقين ( علماً ) الله رب العالمين: إذا جاءك من يقر بأن الله هو الخالق ، وهو الرب ، فهل تعتبره بهذا وحده من المؤمنين ؟ . لا .. إن ذلك وحده لا يكفي ، لأن أكثر الأمم القديمة كانت تقول به ، كفار قريش ، الذين بُعث محمد صلى الله عليه وسلم لإنكار شركهم ، وتسفيه عقائدهم ، وكُلّف بحربهم ، كانوا إذا سئلوا عنه اعترفوا به ولم ينكروه . بل إن إبليس - وهو شر الخلق - ما أنكر أن الله ربه ، تنبهت إلى هذا من قوله { :رَبِ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } ..، وقوله { :رَبِ فَأَنْظِرْنِي } . فهو مقر بأن الله ربه . !
عدد الصفحات ٧تعريف الإيمان كما ورد في الكتاب والسنه وعلي ألسنة العلماء- هو: o الإعتقاد بالله ربا واحدا o ومالكا مختارا متصرفا o وإلها مفردا بالعباده, لايشرك معه غيره في كل ماهو من جنس العباده. o والإعتقاد بكل ما أوحي به إلي نبيه من : خبر الملائكه والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره وصاحب هذا الإعتقاد هو المؤمن فإن نقص شيئا منه أورده أوتردد في تصديقه فقد صفة الإيمان ولا يعد من المؤمنين. الله مالك الكون : يتصرف فيه تصرف المالك الحر بملكه . يحيي ويُميت ، هل تقدر أن تدفع عن نفسك الموت ، وتمنحها في الدنيا الخلود ؟ يمرض ويشفي ، هل تقدر أن تشفي من حرمه الله الشفاء ؟. الإله المعبود: لذلك يقر أكثر الناس بأنه هو مالك الملك ، المتصرف بالكون ، ولكن هل يكفي هذا ليكون مؤمناً ؟ . لا .. بل لا بد معها من الإيمان أنه وحده الإِله المعبود . إذا اعترفت بأن الله موجود ، وأنه رب العالمين ، وأنه مالك الملك ، فلا تعبد معه غيره ، ولا تقابل غيره بأي صورة من صور العبادة ، وقد أراني الله معنى لسورة الناس ، فيه رد على من يقر بوجود الله وبربوبيته وملكه ، ولكنه لا يوحّده توحيد الألوهية ، معنى لم أجد من المفسرين من ذكره ، وأرجو أن يكون صواباً . يقول الله عز وجل : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَاسِ ، مَلِكِ النَاسِ ، إِلَهِ النَاسِ ) فلماذا كرر لفظ الناس ، وعمد إلى الإِظهار بدلاً من الإِضمار ؟ فلم يقل مثلاً : ( رب الناس ، وملكهم ، وإلههم .. ؟! ) . الذي ظهر لي : كأن ربنا - والله أعلم - يقول لهم : ( هذه ثلاث قضايا ، متماثلة متكاملة ، كل قضية مستقلة بنفسها ، مع ارتباطها بأختها . فهو:- o {ربُ النّاسِ }أي خالقهم وحافظهم o وهو { :مَلِك النّاسِ }أي مالكهم المتصرف فيهم o وهو { :إله النّاسِ }أي المستحق وحده لعبادتهم ، ولا يجوز أن يكون له شريك فيها ... ومقتَضى ذلك أن تصدقوا بالقضايا الثلاث ، أو أن تنكروا القضايا الثلاث ، فما بالكم : تصدقون بالأولى والثانية ، وترفضون الثالثة ؟ . تَوحيدُ الألوهِيَةِ الإيمان بأن الله رب العالمين ، وأنه مالك الكون ، عمل من أعمال القلب ، عقيدة يعتقدها الإِنسان ، أما الإِيمان بأنه الإِله ، فلا يقتصر على الاعتقاد ، بل يتعداه إلى السلوك والعمل ، وإلى القيام بالعبادة ، وإفراد الله بها ، فإن استنكف عن عبادته أو عبد معه غيره لم يكن مؤمناً ، وإن صدق واعتقد أن الله هو رب العالمين ، ومالك الكون . فما هي العبادة ؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال و الأفعال الظاهرة و الباطنة
عدد الصفحات ٨فهي كل عمل نافع لم يمنعه الشرع يعمله المؤمن ابتغاء ثواب ا يأكل ليتقوي علي الطاعه فيكون أكله بهذا القصد عباده, وينكح ليعف نفسه وأهله فيكون نكاحه عباده, وبمثل هذا القصد يكون كسبه المال عباده فكل عمل مباح إن قصد فاعله قصدا فيه رضا الله كان عباده. روح العبادة: والعبادة لها روح ولها جسد ، فروحها العقيدة التي دفعت إليها ، والغاية التي عملت من أجلها . وجسدها عمل الجوارح ، من لفط اللسان ، وحركات الجسم . الصلاة مثلاً حركات وألفاظ ، قيام وقعود ، وركوع وسجود ، وتلاوة وذكر وتسبيح ، لكن هذا كله جسد الصلاة ، فإن لم يكن الدافع اليه توحيداً صحيحاً ، وعقيدة سليمة ، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله ، وطلب رضاه ، كانت الصلاة جسداً ميتاً لا روح فيه . الأساس في توحيد الألوهية: الأساس أن نعتقد أن الله وحده هو النافع وهو الضار ، ولا بد لهذا من شيء من البيان : الله خالق كل شيء ، أوجد العوالم ، وبث فيها من كل شيء ، وأعطانا العقول وقال لنا : فكروا بعقولكم في هذه الأشياء التي خلقتها ، وانظروا ماذا في السموات والأرض ، فنظرنا فوجدنا أن الله الذي خلق هذه الأشياء ، قد سلط بعضها على بعض ، فالنار إذا مست الشجرة اليابسة أحرقتها ، والماء إذا صب على النار أطفأها ، والبعوضة إذا لدغت الإِنسان أصابته بالبرداء ( الملاريا ) . التحليل والتحريم لله وحده ولما كان الله قد جعل للنفع الأخروي سبباً ، وهذا السبب هو عمل الواجب وجعل للضرر الأخروي سبباً ، وهذا السبب هو فعل الحرام كان التحريم والتحليل - الذي يترتب عليه الثواب والعقاب - لله وحده ، وليس لأحد أن يقول برأيه : هذا حلال وهذا حرام ، وليس لأحد أن يوجب أمراً لم يوجبه الله ، أو يحرّم أمراً لم يحرمه الله . ومن أعطى حق التحليل والتحريم لغير الله ، يكون قد عبده من دونه ، أو شاركه معه في عبادته. حب الله وخشية الله: حب الله الذي يحسه المؤمن فهو حب غير مقيد ولا محدود ، بل إن ما نحبه في الدنيا ، إنما نحب فيه الخالق الذي خلقه وأوجده ، وسخّره لنا وأقدرنا على الانتفاع به ، أو التلذّذ بمرآه أو ملمسه . والإنسان يخشى كثيراً من المخلوقات ، يخشى النار المشتعلة ، والوحش المفترس ، والسمّ المميت ، والظالم القوي . ولكنها خشية محدودة مقيدة ، هي البعد عن الضرر الكامن في المخوف ، أو الناشئ عنه ، فإذا أمن الضرر ذهب من نفسه الخوف . أما خوف الله فمطلق غير مقيد ولا محدود . وحب الله والخشية منه ، هما من أسس التوحيد ، وهما روح العبادة . إن حب الله بــــ:- o طاعته وإيثار مرضاته على شهوات النفس ووساوس الشيطان o واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء له { :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَهَ فَاتَبِعُونِي } ..فالاتباع هو مقياس الحب . وخوفه باجتناب محرماته ، وإيثار لذة الثواب في الآخرة ، على المعصية في الدنيا .
عدد الصفحات ٩آيات الصفات لقد وصف ربنا نفسه في القرآن بالفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معانٍ أرضية ، ومقاصد بشرية ، مع أن الله ليس كمثله شيء ، وهو الرب الخالق ، تعالى على أن يشبه المخلوقين ، ولا يمكن أن تفهم هذه الألفاظ حين إطلاقها على الله ، بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين إطلاقها على المخلوق . نحن نقول فلان عليم ، وفلان بصير ، ونقول إن الله عليم ، بصير ، ولكن الكيفية التي يَعلَم بها العبد ويبصر ، ليست هي التي يعلم بها ربنا ويبصر . وعلم العبد وبصره ليس كعلم الله وبصره . كذلك نقول استوى المعلم على منبر الفصل ، ونقول استوى الله على العرش ، نحن نعرف معنى الاستواء ( القاموسي ) ونطبقه على المعلم ، ولكن هذا المعنى لا يمكن أن يكون هو بذاته المقصود حين نقرأ {الرَحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) . هذا كله متفق عليه بين العلماء ، فهم جميعاً مقرون بأن آيات الصفات هي كلام الله . فإذا قال الله { :ثُمَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }، لم يستطع أحد أن يقول : ما استوى . وهم جميعاً معترفون بأن المعنى ( القاموسي ) البشري لكلمة ( استوى ) ليس هو المراد من قوله {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) . ولكنهم مع ذلك اختلفوا اختلافاً كبيراً ، في المراد المقصود ، بعد اتفاقهم على ترك التعطيل والتشبيه . ولقد نظرت فوجدت أن هذه الآيات على ثلاثة أشكال: 1. آيات وردت على سبيل الإخبار من الله كقوله { :الرَحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }فنحن لا نقول : إنه ما استوى ، فنكون قد نفينا ما أثبته الله . ولا نقول : إنه استوى على العرش ، كما يستوي القاعد على الكرسي ، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق ، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله ، وأن لله مراداً منه لم نفهم حقيقته وتفصيله ، لأنه لم يبيّن لنا مفصلاً ، ولأن العقل البشري - كما قدمنا - يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه . 2. آيات وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة والمشاكلة هي كقول القائل: قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه ... ... فقلت اطبخوا لي جُبّةً وقميصاً وقول أبي تمام في وقعة عمّورية ، يرد على المنجمين الذي زعموا أن النصر لا يجيء إلا عند نضج التين والعنب : تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت ... ... جلودهم قبل نضج التين والعنب والآيات الواردة على هذا الأسلوب كثيرة ، كقوله تعالى { :نَسُوا اللَهَ فَنَسِيَهُمْ ). فكلمة (نَسُوا ) جاءت على المعنى ( القاموسي ) للنسيان ، وهو غياب المعلومات عن الذاكرة ، ولكن كلمة (فَنَسِيَهُمْ ) جاءت مشاكلة لها ، ولا يراد منها ذلك المعنى ، لأن الله لا ينسى { :وَمَا كَانَ رَبُكَ نَسِيّا) . ونقول بعبارة أخرى : إن كلمة ( نسوا ) استعملت بالمعنى الذي وضعت له ، وكلمة (فَنَسِيَهُمْ ) استعملت بغير هذا المعنى . ومثلها قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ }اتفق الجميع على أنها معيّة علم لا معيّة ذات ، لأن صدر الآية ينص على أن الله استوى على العرش . ومثلها قوله {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُهَا الثَقَلانِ }، وقوله {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَهُ }، وقوله {يُخَادِعُونَ اللَهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) .
عدد الصفحات ١٠كل هذه الآيات لا يجوز فهمها بالمعنى القاموسي ، المادّي ، بل بمعنى يليق به جلّ وعلا . 3. آيات دلت على المراد منها آيات أخرى ، كقوله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) . تدل على المراد منها آية : ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَ الْبَسْطِ ) . ويفهم منها أن بسط اليد يراد به الكرم والجود ، ولا يستلزم ذلك ( بل يستحيل ) أن يكون لله تعالى يدان كأيدي الناس والحيوان ، تعالى الله عن ذلك . وقد جاء في القرآن قوله : (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }، و {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }، والقرآن {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) . وليس للرحمة ولا للعذاب ولا القرآن ، يدان حقيقيتان . المحكم والمتشابه: بيّن الله في القرآن ، أن فيه:- o آياتٍ محكمات ، واضحة المعنى ، صريحة اللفظ o وآيات وردت متشابهات ، وهي التي لا يَضِحُ المعنى المراد منها تماماً ، بل تكثر أفهام الناس لها ، وتتشابه تفسيراتها حتى يتعسر أو يتعذر معرفة المراد منها ، وآيات الصفات منها ، وأن على المؤمن ؛ أن لا يطيل الغوص في معناها ، ولا يتتبعها فيجمعها ، ليفتن الناس بالبحث فيها موقف المسلمين منها وكيف فهموها: المسلمون الأولون ، وهم سلف هذه الأمة ، وخيرها وأفضلها ، لم يتكلموا فيها ، ولم يقولوا إنها حقيقة ، ولم يقولوا إنها مجاز ، ولم يخوضوا في شرحها ، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله. فلما انتشر علم الكلام ، وأُوردت الشبه على عقائد الإِسلام ، وظهرت طبقة جديدة من العلماء انبرت لرد هذه الشبه ، تكلم هؤلاء العلماء في آيات الصفات ، وفهموها على طريقة العرب ، في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة إذا لم يكن فهمها على طريقة العرب ، في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة إذا لم يمكن فهمها به إلى معنى آخر ، وهذا ما يسمى : ( المجاز ) ، أو ( التأويل ) وهو موضوع نزاع بين العلماء طويل . والحق أن هذه الآيات نزلت من عند الله ، من أنكر شيئاً منها كفر ، وأنّ من عطّلها تماماً ، فجعلها لفظاً بلا معنى كفر ، ومن فهمها بالمعنى البشري ، وطبّقه على الله ، فجعل الخالق كالمخلوق كفر . والمسلك خطر ، والمفازة مهلكة ، والنجاة منها باجتناب الخوض فيها ، واتباع سنن السلف ، والوقوف عند حد النص ، وهذا ما أدين الله به ، وما أعتقده . مظاهر العبادة القلب الذي يؤمن بأن النفع والضرر كله من الله ، وأن التحليل والتحريم لله ، وأن الحب المطلق والخوف المطلق والطاعة المطلقة لله ، يمتلىء عظيم الله ، ويستشعر معنى ( الله أكبر ) ، فيصغر معه كل شيء في جنب الله .
عدد الصفحات ١١ولما كان في أعمال الإِنسان ما يدل على التعظيم المطلق ، كالدعاء والصلاة ، والركوع والسجود ، والنذر والذبح ، والتسبيح والتهليل ، فإن المؤمن لا يصنعها إلا لله ، فلا يصلي لسواه ، ولا يركع ولا يسجد إلا له ، ولا يقول لأحد غيره : سبحانك ، و لا يطلب غفران الذنوب إلا منه ، لأن هذه كلها من مظاهر التعظيم المطلق ، الذي هو سرّ العبادة. المؤمن يتخذ الأسباب ، ثم يطلب المسبَب من الله ، وما لا يعرف الناس له سبباً يطلبه من الله وحده ، يدعوه ويقول : " يا ألله " ، ويعتقد أن بابه مفتوح ، وأن إجابته حاصلة ، ولا يدعو غيره بدله ، ولا يدعو غيره معه ، ولا يتخذ غيره وسيطاً في الدعاء بينه وبينه . هذا هو الدعاء الذي هو مخّ العبادة . غاية العبادة : قلت : إن للعبادة جسداً هو الألفاظ التي ينطق بها اللسان ، والأعمال التي تقوم بها الأعضاء ، ولها روح وروحها العقيدة التي دفعت إليها ، والغاية التي عملت من أجلها ، أي النتائج التي قصدها من عملها . وقد شرحت جانباً من هذه العقيدة ، وسألُمُ الآن بطرف من هذه المقاصد . المقصد الصحيح للعبادة : أن يكون الباعث عليها ، والمقصود بها رضا الله ، فلا نعملها للمال ، ولا للجاه ، ولا لنيل إعجاب الناس ، ولا نتخذها سلّماً إلى متع الدنيا ، ولا نريد بها الشهرة بالصلاح . وهذا المقصد الصحيح يسمى ( الإخلاص ) ، وما يداخله من المقاصد الأخرى يدعى ( الرياء ) ، والذي يحدّد المقصد من العمل هو ( النية ) . والله لا يسألنا يوم القيامة عن الأعمال فقط ، بل يسألنا : لماذا عملناها ؟ وقد يكون العمل صالحاً في ذاته ، ولكن لم يصح المقصد منه ، ولم تسلم النية ، ولم تكن خالصة لله ، فيتحول صلاحه إلى فساد ، وحسنه إلى قبح . جميع أعمال الإِنسان النافعة تكون له بالنية عبادة ، فتشمل العبادة الحياة كلها ، ويكون المرء متعبداً في طعامه وشرابه ، وقيامه وقعوده ، وكسبه وزواجه ، ومن هنا يكون الفهم الصحيح لقوله تعالى { :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ وَالْأِنْسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ ). فتكون العبادة بهذا المعنى الشامل ، هي غاية الخلق . وتعريف النية هو أن تتصور العمل قبل أن تعمله ، وأن تعرف لماذا تعمله. الخلاصة: فتلخص من هذا أن توحيد الألوهية ، وهو القسم الأخص من الإِيمان بالله ، هو أن نعتقد أن النفع والضرر كله من الله وحده ، فلا تطلب النفع إلا منه ، إما عن طريق السنن التي وضعها لهذا الكون المسماة بقوانين الطبيعة ، وإما منه رأساً بالدعاء ، تدعوه وحده ، لا تدعو غيره ، ولا تدعوه مع غيره ، ولا تتخذ اليه وسيطاً ، ولا تستعين إلا به بالأسباب التي جعلها طريقاً للنفع ، مع ملاحظة أنه هو النافع لا مجرد السبب ، وأن تخصه بالحب المطلق الدافع إلى الطاعة المطلقة ، والخشية الدافعة إلى اجتناب المحرمات ، وأن تخصه بالتعظيم المطلق ، وبكل ما يدل عليه من قول وعمل ، وأن تقصد رضاه وحده ، لا تقصد بعبادتك الدنيا وأهلها. البحث العلمي وأهميته في الإسلام ولما كان الله قد أعطانا العقول ، وأمرنا بالنظر في أسرار الوجود ، وفي سننه العجيبة ، وقوانينه التي أوجدها فيه ، وكان علينا امتثال أمر الله ، كان درس العلوم الطبيعية ، واكتشاف أسرار الوجود عبادة ، بشرط ألاّ تقف عند معرفة القانون ، بل تفكر في الإله العظيم الذي أوجده ، فتزداد بهذا الفكر إيماناً بالله ، وإخلاصاً في عبادته ، وشرط آخر : هو أن تستعمل هذه الأسرار فيما ينفع الناس ، ويرضي الله ، لا فيما يضرهم ويؤذيهم ، ويسبب في الأرض الفساد . شبهة وردها: يسأل كثيرون : ما بال الكافر يعمل على ما ينفع الناس ، يوزع الصدقات ، ويبني الملاجىء والمستشفيات ، ويفتح المدارس ، ثم لا يكون له عندكم ثواب في الآخرة ؟ والرد : أن الله لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى ، ولا يحرم محسناً ثمرة إحسانه ، بل يعطيه ما يطلبه ، أليس الجزاء الأعظم أن تعطي المحسن ما يطلبه ؟ .
عدد الصفحات ١٢فإن كان المحسن مؤمناً ، مصدقاً بالآخرة ، وطلب ثوابها ، أعطاه الله ثواب الآخرة ، وإن كان ( هو نفسه ) لا يريد إلا الدنيا ، والشهرة ، والذكر الحسن ، وأن تكتب الجرائد عنه ، ويسجل التاريخ اسمه ، أعطاه ما يطلبه . هو لا يريد الآخرة ، فلماذا تحزن أنت ، وتعترض إذا لم يمنح ثوابها ؟. جدال في غير طائل : امتلأت كتب علم الكلام بالجدال : في ( الصفات ) و ( الذات ). ووجه الحق في هذه المسائل ، هو رفض البحث فيها ، والجدال عليها ، وهي ( إذا استعرنا لغة المحاكم ) دعوى مردوة شكلاً : أولاً : لأن السلف وهم أفضل المسلمين وخيار هذه الامة ، من الصحابة والتابعين الكبار ، ما عرفوها ، ولا بحثوا فيها ، وكان دينهم أسلم وإيمانهم اصح ، وهم قدوتنا في ديننا . ثانياً : لأن من يدقق في أقوال الفرق المختلفة ، يجدها كلها مبنية على أساس واحد ، هو قياس الخالق على المخلوقين ، وتطبيق منطق العقل البشري ، وأحوال النفس الإنسانية على الله . وذلك باطل ، لأن الخالق لا يشبه المخلوق ، ولأن الله ليس كمثله شيء . ثالثاً : لأن هذه الامور كلها ، مما وراء المادة ، أي من عالم الغيب ، وقد تقدم في القاعدة الخامسة من قواعد الإِيمان ، أن العقل قاصر حكمه على عالم المادة ، لا يستطيع أن يحكم على ما وراء المادة ، ولا يستطيع أن يدركه . وجه الحق فيها: وأنا أدعو إلى شيء جديد ، شيء هو أقرب إلى الحق ، وهو أنفع لنا ، هو أن ننقل الموضوع من جدال في صفات الله ، إلى سلوك في الحياة . وما مثل من يصنع هذا ومثل من يجادل في صفات الله ، إلا كمثل طلاب المدرسة ، الذين يقال لهم : إنها ستأتي لجنة عليا من الوزارة تتولى هي امتحانكم ، فالعاقل منهم يقول : إذا كانت هذه اللجنة ستتولى الامتحان ، فينبغي أن أستعد وأدرس ، ولا أدع من المنهج المقرر شيئاً لا أحفظه ، والأحمق يجادل في هذه اللجنة ، كيف يكون امتحانها ، هل تتولاه كلها أم أفراد منها ، وهل عددها ( شفع ) أم ( وتر ) ، وهل تجيء بالسيارة أم بالطيارة ، ولا يزال في هذا وشبهه حتى يأتي يوم الامتحان ، وهو لم يُعِدّ له شيئاً . إن الله لا يسألنا يوم القيامة عن شيء مما بنى عليه المتكلمون جدالهم ، وأقاموا عليه مختلف مذاهبهم ، وملؤوا به كتبهم . ولو كان ذلك من شروط الإِيمان ، لبحث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فنتركه كله مَظاهِرُ الإِيمَانِ التلميذ الذي يؤمن بأن الامتحان قريب ، لم يبق دونه إلا أسبوع ، ثم لا يستعد له ، ولا يهتم به ، بل يشتغل عنه باللهو واللعب ، لا يكون كامل الإِيمان بقرب الامتحان . والتائه الذي ترشده إلى الطريق الموصل ، فيصدقك ويؤمن بكلامك ، ثم يمشي إلى الشمال بدلاً من اليمين ، لا يكون تام الإِيمان بصدق المرشد . فالإيمان الكامل تبدو آثاره في أعمال المؤمن ، وفي سلوكه . الإِيمان والعمل: الإِيمان لا ينفك عن العمل . ولذلك قرن الله الإِيمان بالعمل الصالح { :إِنَمَا الْمُؤْمِنُونَ الَذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَلُونَ ، الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ وَمِمَا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً { . } ...إِنَمَا الْمُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَى يَسْتَأْذِنُوهُ { . } ...قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَذِينَ هُمْ عَنِ اللَغْوِ
عدد الصفحات ١٣مُعْرِضُونَ ، وَالَذِينَ هُمْ لِلزَكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلَا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، وَالَذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ { . } ...لَيْسَ الْبِرَ أَنْ تُوَلُوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَ الْبِرَ مَنْ آمَنَ بِاللَهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَبِيِينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَبِيلِ وَالسَائِلِينَ وَفِي الرِقَابِ وَأَقَامَ الصَلاةَ وَآتَى الزَكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَرَاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ...). o الإِيمان يزيد : مِن العلماء مَنْ نظر إلى الإِيمان ، باعتباره عقيدة ، لا تقبل التجزئة ، فلا يكون المرء إلا واحداً من اثنين : مؤمناً ، أو كافراً ، ولا توسط بينهما ، فذهبوا إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص . ولكن الجمهور نظر إليه ، مقروناً بالعمل الصالح ، فرأوه يزيد بازدياده ، وهذا هو الحق الذي وردت به النصوص القاطعة ، قال تعالى : {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً { . }فَأَمَا الَذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً { . }وَمَا زَادَهُمْ إِلَا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) . o ترك العمل لا يكفر : والعلماء من أهل السنة متفقون على أن مجرد ارتكاب المحرم من غير إنكار لحرمته ، وترك الواجب من غير إنكار لوجوبه ، ولا استخفاف به ، يعرّض صاحبه لعذاب الآخرة لكنه لا يكفّر صاحبه ، ولا يخلده في النار . وما ورد في الحديث ، من أن الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن ، معناه أنه لا يكون ساعة الزنا ذاكراً أن الله مطلع عليه ، ولو ذكر ذلك لمنعه منه حياؤه من الله . ولو أن فاسقاً أعد عُدّة الزنا ، وهَمَ ، فرأى أباه يطل عليه ويراه ، هل يستطيع أن يمضي فيه ، أم يمنعه منه الحياء من أبيه ؟ فكيف لا يمنعه الحياء من الله ، وهو ذاكر أنه يراه ؟ o ثمرات الإِيمان لخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الصحيح , في قوله في تعريف الإِحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . " الذكر: وما أمر الله بشيء في القرآن ما أمر بالذكر ، ولا أثنى على أحد ما أثنى على الذاكرين . والذكر في لسان العرب الذي نزل به القرآن ذكران : ذكر القلب ، وذكر اللسان ، وكلاهما ورد في القرآن . من ذكر القلب قوله { :فَإِنِي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَا الشَيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }أي : أن أتذكره ويخطر على بالي . ومنه : ( اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ { . } ...يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَهِ عَلَيْكُمْ ) . ومن ذكر اللسان قوله { :وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ { . } ...وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ { . } ...اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِكَ { . } ...وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَهِ عَلَيْهِ ) . فاذا أردت أن تتحقق لك صفة الذاكر ، فتذكر بقلبك ( أي : بعقلك ) وأنت وحدك ، وأنت في الملأ ، وأنت في السوق ، وأنت في الطريق ، وتذكر في كل وقت ، وعلى كل حال ، أن الله يراك ، فلا تعمل إلا ما يرضيه ، فإن أدّيتَ واجباً فاذكر أنك تؤديه امتثالاً لأمره ، وإن تركت محرماً فاتباعاً لنهيه ، وإن عملت مباحاً فاقصد به وجهاً تستحق به الثواب ، وإن عرض لك طريقان ، فاختر منهما ما يدنيك من الجنة ويباعدك عن النار ، وإن نسيت فأذنبت ذنباً ، ثم تذكّرت فتب منه ، واطلب العفو عنه .
عدد الصفحات ١٤ن عملت مباحاً فاقصد به وجهاً تستحق به الثواب ، وإن عرض لك طريقان ، فاختر منهما ما يدنيك من الجنة ويباعدك عن النار ، وإن نسيت فأذنبت ذنباً ، ثم تذكّرت فتب منه ، واطلب العفو عنه . (إِنَ الَذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
عدد الصفحات ١٤واذكر بلسانك ، فإن أفضل الذكر ذكر اللسان مع حضور القلب ، فإن كان الفكر غائباً لا يعي ما يقول اللسان ، كان ذكره كلاماً بلا معنى ، كذكر بياع الكعك في الشام ينادي : ( الله كريم ) ، لا يقصد ذكر الله ، ولكن بيع الكعك بين الخوف والرجاء وأن يكون المؤمن بين الخوف من عقاب الله ، والرجاء لعفوه ، يذكر أن الله سريع الحساب وأنه شديد العقاب ، فيغلب عليه الخوف ، ويذكر أنه عفوّ رحيم وأنه أرحم الراحمين ، فيغلب عليه الرجاء . فإن ملأ قلبه الخوف وحده ، يكون قد يئس من رحمة الله { :إِنَهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَهِ إِلَا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) . وإن ملأ قلبه الرجاء وحده ، يكون قد أمن مكر الله { :فَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَهِ إِلَا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) . إن الخالق لا يشبه المخلوق ، والخوف منه ليس كالخوف من مخلوقاته ، فأنت تخاف من الأسد الذي يواجهك كاشراً عن أنيابه ، مالئاً الجو بزئيره ، وأنت وحدك أمامه أعزل بلا سلاح ، ولكن خوف الله ليس كخوف الأسد ، لأن الأسد يمكن درء خطره عنك ، ولو أرادك به ، والله رب الأسد وخالقه ، لا يمكن دفع قضائه إذا كتبه عليك . فالمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء ، إذا وقف في الصلاة فقال{ :الرَحْمَنِ الرَحِيمِ }استشعر الرجاء ، وإن قال { :مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ }أحسّ الخوف . وأكثر المسلمين اليوم ، غلّبوا الرجاء على الخوف ، والأمل بالعفو على توقي العقاب . على أن المسلم إذا أتى الفرائض واجتنب المحرمات يكون من الخائفين المتقين ، لكنه يخسر الدرجات العالية في الجنة ، فهو كالتلميذ الذي يحصل أقل درجات النجاح ، لا يرسب في فصله ، ولكن لا ينال تقديراً ولا مكافأة ، ويكون نجاحه ( وسطاً ) ، لا ( جيداً ) ، ولا (ممتازاً ) التوكل قال الله تعالى { :إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُوا ) . وقال { :إِنَ اللَهَ يُحِبُ الْمُتَوَكِلِينَ ) . فما هو التوكل ؟ وما حقيقته ؟ لقد تقدم القول بأن الله جعل فيما خلق من الأشياء النافع والضار ، وجعل من سنن الكون ما هو سبب للنفع ، وما هو سبب للضرر ، فهل التوكل على الله ترك الأسباب ؟ . لقد كان في المتصوّفة من يرى التوكل في ترك السبب ، لا يعمل لتحصيل الرزق ، وينتظر أن يصل إليه رزقه بلا عمل ، ويدع مريضه بلا تطبيب ، ويرجو أن يناله الشفاء بلا دواء , ويدع طلب العلم ، ويعتقد أن العلم يأتيه بلا طلب. وهذا مخالف للشرع ، فالشرع يقول { :فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَهِ ) . ويقول : " يا عباد الله تداووا " ، ويقول { :وَتَزَوَدُوا }، ويقول : " طلب العلم فريضة " ، فمن ترك طلب العلم وزعم أنه يأتيه فقد خالف الشرع والطبع . ومن الأجانب الذين يعيشون بالمادة وحدها ، وللمادة وحدها ، من يعتقد أن الأسباب هي التي تصنع المسبَبات ، وأن الدواء يشفي بذاته ، والسعي هو الذي يوصل وحده إلى النجاح . وهذا مخالف للواقع ، فإنه قد يوجد السبب ولا يوجد المسبَب ، قد يحصل التداوي ولا يكون الشفاء ، وقد يكون في المستشفى مريضان في غرفة واحدة ، المرض لديهما واحد ، والطبيب واحد ، والدواء واحد ، فيموت الأول ، ويبرأ الثاني .
عدد الصفحات ١٥