117 أقُولُ: يرجِعُ الختلافُ بينَ العُلَماءِ وأبي حنيفةَ إلى الِختلافِ اللُّغويِّ في الخمرِ، حيثُ يــرى بعضُ أئمَّــةِ اللُّغةِ أنَّ الخمرَ هِــيَ عَصيرُ العِنَــبِ وَحْدَهُ: « بأنَّ الِسْمَ لِعَصِيْرِ العِنَبِ حَقِيْقَةٌ وَلِمَا عَدَاهُ مَجَازٌ، فَعَلَى ذلِكَ أَخرَجُوا بَعْضًا مِنْ هذِهِ الأَشْرِبَةِ مِنَ التَّحْريمِ، كَمَا سَنَنْقُل أقوالَهُم فِيْهَا. وقالَ الآخَرُونَ ـ وَهوَ الصَّحِيْحُ ـ بأنَّهَا عَامٌّ لجَمِيْعِ الْمُسْكِرَاتِ، كمَا قالَ بِهِ الفيرُوز آبَادِيّ واســتدَلَّ لرأيهِ بدَليْلٍ مَعقُولٍ مُقْنِعٍ، قَائِ العِنَبِ، أَوْ: عَامٌّ.. والعُمُومُ أَصَحُّ، لأَنَّها حُرِّمَتْ، ومَا بالمدِينةِ خَمْرُ عِنَبٍ، وَمَا كَانَ شَرَابُهُم إلَّ البُسْرَ والتَّمْرَ يَعْنِي: أنَّ الخَمْــرَ حُرِّمَتْ وَلَم يَكُنْ بالْمَدِيْنَةِ عَصِيرُ الشَّــعيرِ وَالعِنَبِ، فَإِذَا حَصَرْنَا الخَمْرَ فِي عَصِيْرِ هَاتَيْنِ الشَّــجَرَتَيْنِ كَانَ النَّهْــيُ لِمَعدُومٍ غَيرِ مَوجُودٍ، وَكَانَ الأَوْلَى أنْ يأتِيَ القُرآنُ بِذكْرِ الْمَوجُودِ لَ الْمَعدُومِ. وَقالَ صاحِبُ تاجِ العَروسِ فِي شرحِ كَلاَمِ صَاحِبِ القَامُوسِ وَتَذْيِيْلٍ عَليهِ: « 1( 2( سَبَبُ اختِلفِ مُتَقَدِّمِي الأحنافِ !مَعَ الجُمهُورِ وَالتّرجيحُ
عدد الصفحات ١١٨118 الرَّاغِبُ والصّاغانِــيُّ وغَيرُهما منْ أَربَابِ الشْــتِقَاقِ، وتَبِعَهــم الْمُصَنِّفُ فِي البصَائرِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمهُ اللهُ تَعَالى، والكُوفِيِّيــنَ، مُرَاعَاةً لفِقْهِ اللُّغَةِ: (أَوْ عَامٌّ)، أَيْ: مَا أَسْكَرَ من عَصِيرِ كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّ الْمَدَارَ على السُّكْرِ وغَيْبُوبَةِ العَقْلِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارهُ الجَمَاهِيرُ وهذَا ما صرَّحَ بهِ أميرُ المؤمنينَ عمرُ الصَّحابةِ أجمعينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ وكما ل يخفَى على أحدٍ أنَّ (مَا) من ألفاظِ العُمُومِ فيصيرُ كلُّ خامرٍ للعقلِ وَساتِرٍ له خمرًا سواءٌ أكانَ في العنبِ أو غيرِهِ، وهذا إجماعُ الصَّحابةِ، ول شكَّ أنَّ قولَ واحدٍ منهم حجَّةٌ في اللغةِ فكيفَ بإجماعِهِم وإطباقِهِم؟! قَالَ الإِمَامُ الخطَّابيُّ (ت قَوْلَ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْل ِالكَلامِ أنَّ الخَمْرَ إِنَّمَا هُوَ عَصِيْرُ العِنَبِ النَّيِّءُ الشَّدِيْدُ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ بَاطِلٌ. وَفِيْهِ دَلِيلٌ على فَسَــادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ لَ خَمْرَ إِلَّ مِــنَ العِنَبِ والزَّبيبِ والتَّمرِ. أل ترى أنَّ عمرَ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّــعِيرِ وَالعَسَــلِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتَّخَذُ مِنَ العِنَبِ وَالتَّمْرِ، 1( 2( الحموي 3(
عدد الصفحات ١١٩َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ وَكَانُوا يُسَــمُّونَها كُلَّهَا خَمْرًا، ثم أَلحقَ عمرُ شَرابٍ وَجَعَلَهُ خَمْرًا، إِذْ كَانَ في مَعْنَاهَا لِمُلابسَتِهِ العقلَ ومُخامرتِهِ إيَّاهُ وَقَد جاءَ الإِمَامُ ابنُ بطَّالٍ (ت إلَيْهِ في الرَّدِّ على من زعمَ أنَّ الخمرَ في العِنَبِ وحدَهُ، وعلَّقَ على أثرِ عُمَرَ قائلاً: « شرابٍ يُتَّخذُ من غيرهِ فغيرُ محرَّمٍ ما دونَ السُّكْرِ منه. قال المهَلَّبُ: وهذا التفسيرُ من عمرَ مُقْنِعٌ، ليسَ لأحدٍ أنْ يَتسوَّرَ فيقولَ: إنَّ الخمرَ منَ العنبِ وحدَهُ، فهؤلء أصحَابُ النبيِّ وهم فصَحَاءُ العربِ، والفقهَاءُ عنِ اللهِ ورسُولهِ قد فسَّروا مَا حرَّمَهُ اللهُ وقالوا: إنَّ الخمرَ مِنْ خمسَة ِأشياءَ، وقد أخبرَ عمرُ بذلكَ حِكَايةً عما نزلَ مِنَ القُرآنِ، وتفسِيرًا للجُمْلَةِ، وقال: الخمرُ ما خامرَ العقلَ، وخطبَ بذلك على منبرِ النبيِّ ‰ بحضرة الصحابةِ من المهاجرين والأنصارِ وغيرِهم، ولم يُنْكِرْهُ أحدٌ منهم فصارَ كالإجماعِ، وهذا ابنُ عمرَ يقولُ مِنْهَا شَــيْءٌ وإنْ قلي ـ: عمرُ بنُ الخطَّابِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ وأبو مُوســى كانَ لا مُخَالِفَ فِيْهِ الأشعريُّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، وأبو هريرةَ، وسعدٌ، وعائشةُ. ومنَ التابعينَ: سعيدُ بنُ المسيِّبِ، وعروةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، في تَابِعِي أهلِ المدينةِ. ومِنْ أهلِ الكُوفَةِ: ابنُ مسعودٍ، رُويَ عنهُ في نَقِيْعِ التمرِ أنَّهُ خمرٌ، 1( 2( 3( بِالْمَدِينَةِ ـ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّ قَلِيلا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ
عدد الصفحات ١٢٠120 وبهِ قالَ الشَّــعبيُّ، وابنُ أبى ليلى، والنَّخَعِيُّ، والحسنُ البصريُّ، وعبدُ اللهِ ابْنُ إِدريسَ الأَدويُّ، وســعيدُ بنُ جبيرٍ، وطلحةُ بنُ مُصَرّفٍ، كُلُّهُم قالوا: المسكِرُ خمرٌ. وهو قولُ مالــكٍ، والأَوزاعيِّ، والثَّــوريِّ، وابنِ المباركِ، والشَّــافعيِّ، وأحمدَ، وإسحَاقَ، وعَامَّةِ أهلِ الحديثِ. وروى صفوانُ بنُ مُحْرِزٍ قَالَ: سمعت أبا موســى على المنبرِ يقولُ أهلِ فارِسَ: العِنَبُ، وخمرُ أهلِ اليَمَنِ: البِتْعُ، وهُوَ العَسَــلُ، وخمرُ الحبَشَــةِ: السُّكْرُكَةُ، وَهُوَ الأُرْزُ من هذا كُلِّهِ، وَجَبَ أَنْ يُجْرَى كُلُّهُ مُجْرًى وَاحِدًا وَأَلَّ نُفَرِّقَ بينَ الْمُسْــكِرِ مِنَ العِنَبِ، وَالْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ نبَّهَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ على ذلكَ حيثُ ينقُــلُ قولَ الكِرمَانِيِّ وَيتَعَقَّبُ عليهِ ويرَى وجهًا آخَرَ في الرَّدِّ على القَائِلينَ بخمريَّةِ العنَبِ وَحدَهُ، ويقولُ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا تَعْرِيفٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَهُوَ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً، كَذَا قَالَ وَفِيــهِ نَظَرٌ. لأَِنَّ عُمَرَ لَيْسَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ اللُّغَةِ بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْخَمْرُ الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمُهُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اخْتِلاَفًا فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَلَوْ سَــلِمَ أَنَّ الْخَمْرَ فِي اللُّغَــةِ يَخْتَصُّ بِالْمُتَّخَذِ مِــنَ الْعِنَبِ فَالِعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الأَْحَادِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنَ الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ 1( سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ، يَخْطُبُ فَقَالَ مِنَ الْعِنَبِ، وَخَمْرُ أَهْلِ الْيَمَنِ الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ، وَخَمْرُ الْحَبَشِ السُّكْرُكَةُ 2( 3(
عدد الصفحات ١٢١َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ ولكنَّ هذَا مِنَ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ غيرُ مسلَّمٍ بهِ لأنَّ هذَا قولٌ منصُوصٌ لكثيرٍ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابعينَ وَمَنْ بعدَهُم مِنْ عَصْرِ الِسْتِشــهَادِ اللُّغَويِّ، كَمَا نَقَلَهُ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ وغيرُهُ، وَلَمْ يتَعَقَّبْ واحِدٌ منهُم على هذا التَّفسِيرِ وَل يُعْرَفُ عَنْهُم خِلافُ ذلِــكَ، يُمْكِنُ أن يكُونَ تعريــفُ الخليفَةِ تعريفًا شرعِيًّا، ولكنْ: ماذا عَنْ تفســيرِ كُلِّ واحدٍ منهُم؟ وبالتَّالي عَدَمُ ورودِ غيرِ ذلكَ منهُم؟ وبالتَّالي فإنَّ حُجَّةَ الحَافِظِ وَغَيرِهِ قويَّةٌ مِنْ جِهَةِ إلزَامِ المخَالفِ بإدخَالِ جميعِ الْمُسكِراتِ في الخَمْرِ، لأنَّنَا لو فرضنَا أنَّ الخَليفَةَ عمرَ بيَانَ التَّعرِيفِ اللُّغويِّ ورامَ إلى التَّعريفِ الشَّــرعِيِّ فإنَّهُ يكونُ حجَّةً عليهِم لأنَّ الحقيقةَ الشَّرعيةَ والصطِلاحَ الشَّرعيَّ مقدَّمَانِ على الصطِلاحِ اللُّغويِّ كمَا أنَّ الحقيقةَ الشَّرعيَّةَ غلَبَتْ على اللُّغويَّةِ فِي اسمِ الصَّلاةِ وغيرِها، ونحنُ الآنَ في بيانِ الحكمِ الشَّرعيِّ، كَمَا قَالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَةَ في تحقيقِ ذلِكَ عُرِفَ تَفْسِــيرُهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ژ ، لَــمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى الِسْتِدْلَلِ بِأَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَ غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الأَْسْمَاءُ ثَلاَثَةُ ِ وَالزَّكَاةِ؛ وَنَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالشَّــرْعِ كَالصَّلاَة كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ وَنَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالْعُرْفِ كَلَفْظِ الْقَبْضِ وَلَفْظِ الْمَعْرُوفِ فِي قَوْلِهِ قَالَ وَتَفْسِيرٌ لَ يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَ يَعْلَمُهُ إلَّ ِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ِ وَالــزَّكَاة اللهُ، مَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ ژ مَا يُرَادُ بِهَا فِي كَلاَمِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَكَذَلِكَ لَفْظُ
عدد الصفحات ١٢٢122 الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ هُنَاكَ يُعْرَفُ مَعْنَاهَا فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُفَسِّرَهَا بِغَيْرِ مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ژ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَا قَالَهُ الإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ تحقِيقُ دقيقٌ متينٌ فلذلِكَ ننقُلُهُ كما هُوَ الْوَارِدَةُ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ عَلَى صِحَّتِهَــا وَكَثْرَتِهَا تُبْطِلُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ ِ فَلاَ تُسَــمَّى خَمْرًا وَلَ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَ يَكُونُ إلَّ مِنَ الْعِنَبِ، وَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِه يَتَنَاوَلُهَا اسْــمُ الْخَمْــرِ، وَهُوَ قَــوْلٌ مُخَالِفٌ لِلُغَــةِ الْعَرَبِ وَالسُّــنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِلصَّحَابَةِ، لأَِنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَهِمُوا مِنَ الأَْمْرِ بِاجْتِنَابِ الْخَمْرِ تَحْرِيمَ ِ بَلْ سَوَّوْا كُلِّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْعِنَبِ وَبَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِه بَيْنَهُمَا وَحَرَّمُوا كُلَّ نَوْعٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَ اسْــتَفْصَلُوا وَلَ يُشْــكَلُ عَلَيْهِمْ شَــيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ بَادَرُوا إلَى إتْلاَفِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِيهِ تَرَدُّدٌ لَتَوَقَّفُوا عَنِ الإِْرَاقَةِ حَتَّى يَسْتَكْشِفُوا وَيَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيمَ لِمَا كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ بَادَرُوا إلَى إتْــلاَفِ الْجَمِيعِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّحْرِيمَ 1( قَالَ الأًستَاذُ الدُّكتورُ عُثْمَانُ وَالتَّمْرِ، بَيْدَ أنَّ الوَضْعَ الشَّــرْعِيَّ اتَّفَقَ مَعَ الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فِي تَعْمِيْمِــهِ لِكُلِّ مَا يُخَامِرُ العَقْلَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَصْدَرِهِ، سواءٌ اتُخِذَ منَ العِنَبِ أوْ منَ التَّمرِ أوْ منَ الشَّعيرِ أو مِنْ غَيْرِهَا، بِدَليلِ حَدِيثِ ابنِ عمرَ ـ كَما في صَحيحِ مسلمٍ ـ كتابِ الأشربةِ ـ أنَّ رسُولَ اللهِ ژ قالَ خمرٌ، وكلُّ مسكِرٍ حرامٌ. وَإذا تَعَارَضَ الوَضْعَانِ اللُّغويُّ والشَّرعِيُّ مَعَ الوَضْعِ العُرْفِيِّ فإنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ بِلاَ مِرْيَةٍ 2( .)203/8(
عدد الصفحات ١٢٣َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ وَقَدْ ناقَشَ العَلاَّمَةُ النِّحريرُ الْمُلاَّ عَليٌّ القَارِي الفَقِيْهُ الحَنَفِيُّ القائلِينَ بِوجودِ الخَمرِ في العِنَبِ وَحدَهُ، وَأبْطَلَ احتِجَاجَاتِهِم بالأدلَّةِ المقنِعَةِ الأدلَّةِ الأُخرَى وليسَ هاهنا مكانٌ مناســبٌ حتَّى نذكرَ أدلَّتَهُم ومناقَشَتَها، ولكنْ بوســعِكُمُ الرُّجوعُ إلى كتــبِ المتقدِّميــنَ والمتأخِّرينَ لتقِفُوا على مناقشــاتٍ ومناقَضاتٍ لأدلَّتِهِم بِهَا، وكذلكَ ردُودُهُم عَلَى مخالِفِيهم ضَعِيْفَةٌ، فعلَى سبيلِ المثالِ عِنْدَمَا يأتونَ إلَى ذكْرِ حديثِ في جُلِّ كُتُبِ القائلينَ بحَصرِ الخَمْرِ في العِنَبِ ـ إنْ لَمْ نَقُلْ كُلِّهَا ـ حيثُ يقولونَهُ مختصرًا بأنَّ يحيى طَعَنَ فِيهِ أَوْ يَنقلونَهُ نصًّا عَنِ ابنِ مَعينٍ: ثَلاَثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ژ حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ مَعَ أنَّ هذه الأحاديثَ صحيحةٌ ثابتةٌ وصحَّحَها الأئمَّةُ، ول يُعرَفُ هذا عَنِ الإِمامِ ابنِ معينٍ وَل ذِكرَ لَهُ في الكُتُبِ الحديثيَّةِ القديمَةِ، كَمَا قالَ بِهِ الإمامُ ابنُ الجوزي 1( 2( 203/8( للمباركفوري 3( في شرحِ بدايةِ المبتدي للمرغينَانِي تبيينُ الحَقائقِ شــرحُ كنزِ الدَّقائقِ للزَّيلعيّ وَ 4( 5( 6(
عدد الصفحات ١٢٤124 حَتَى قالَ إِمَامُ الحَنَفيَّةِ الحافِظُ الزَّيلَعِي مَعِينٍ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ طَعَنَ فِي ثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ: مِنْهَا هَذَا، وَحَدِيثُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَحَدِيثُ لَ نِكَاحَ إلَّ بِوَلِيٍّ، وَهَذَا الْكَلاَمُ كُلُّهُ لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتِبَ الْحَدِيثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَقَالَ إمَامُ الحَنَفيَّةِ في عَصْرِهِ الْمُحَقِّقُ ابنُ هُمَامٍ مَعِينٍ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ لَهُ بِذَلِكَ وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّ الْبُخَارِيَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فعَلَى ذلكَ عرَّفَ العلماءُ جميعًا ـ مَا عَدَا الإمامَ أبا حنيفَةَ وَالبَعْضَ الآخرينَ ـ الخَمرَ بأنَّهَا سَواءً طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ 4( وَنَجْعَلُ الكَلامَ عن هذا الحديثِ الَّذي رواهُ الإِمامُ مسلمٌ البابِ واللهُ الهادي إلَى الصَّــوابِ، وَنَنتقِلُ بعدَهُ إلَى أقــوالِ أئمَّةِ الحنفيَّةِ وَمَنْ للمَذهَبِ أربَاب. قالَ الحافظُ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ژ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ: عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: مَا هِيَ. قَالَ: الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْــكِرٍ حَرَامٌ. قُلْتُ لأَِبِي بُرْدَةَ: مَا الْبِتْعُ؟ 1( 2( 3( للقرافي والشرحُ الكبيرُ لبنِ قُدَامةَ 4(
عدد الصفحات ١٢٥َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ قَالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ. وَهُوَ عِنْدَ مُسْــلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ وَالْمِزْرُ مِنَ الشَّــعِيرِ وَالذُّرَةِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. ـ قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ژ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ ـ فَقَالَ: أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ.. وَقَدْ سَأَلَ أَبُو وَهْبٍ الْجَيْشَانِيُّ عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَهُ أَبُو مُوسَى، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ژ عَنِ الْمِزْرِ. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: (كُلُّ شَــرَابٍ أَسْــكَرَ) وَأَنَّهُ لَــمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ التَّحْرِيمِ بِحَالَةِ الإِْسْكَارِ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ صَلاَحِيَةُ الإِْسْكَارِ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْكَرِ الْمُتَنَاوِلُ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ السُّؤَالِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ حُكْمِ جِنْسِ الْبِتْعِ لَ عَنِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ لأَِنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّائِلُ ذَلِكَ لَقَالَ أَخْبِرْنِي عَمَّا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ إِذَا سَأَلُوا عَنِ الْجِنْسِ قَالُــوا هَلْ هَذَا نَافِعٌ أَوْ ضَارٌّ مَثَلا؟ وَإِذَا سَــأَلُوا عَنِ الْقَدْرِ قَالُوا كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ؟ ولكنَّ المتقدِّمينَ منَ الأَحنافِ خالفُوا هذَا التَّعريفَ وأخرَجُوا بذلِكَ أنواعًا منَ الأَنبِذَةِ منِ اسْمِ الخَمْرِ، كَمَا نقلَ ابنُ رشدٍ الخِلافَ الوارِدَ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ قَلِيلِهَــا وَكَثِيرِهَا، أَعْنِي: الَّتِي هِيَ مِنْ عَصِيــرِ الْعِنَبِ. وَأَمَّا 1( تَحْريمِهِ وتحريمِ كُلِّ مُسْكِرٍ وَتحريمِ الجِنْسِ ل القَدْرِ، لأَنَّهُم إِنَّمَا سَأَلوا عنْ جنسِ البِتْعِ ل عنِ القَدْرِ المُسْكِرِ منهُ، وَإلَّ لَقَالُوا: ما يَحِلُّ منهُ ومَا يَحْرُمُ. فَوَجَبَ أنْ يكونَ الجَوابُ عنِ الجِنْسِ الْمَسؤُوْلِ عنهُ، لأَنَّهُ لو كانَ جَوابًا للقَدْرِ المُسْكِرِ لكَانَ عُدولً عَمَّا سُئِلَ عنهُ وَذلكَ ل يجوزُ، وهذا هو المَعْروفُ المُعْتَادُ منْ كَلامِ العَرَبِ إنَّهُم إِذَا سَألوا عنِ الجِنْسِ قَالوا: هَلْ هذا الشَّرُابُ نافِعٌ أو ضَارٌّ؟ فإنْ سَأَلوا عنِ القَدْرِ قَالُوا: كَمْ مِقْدَارُ مَا يُشْــرَبُ مِنْهُ؟ الأحكامِ
عدد الصفحات ١٢٦126 الأَْنْبِذَةُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا الَّذِي لَ يُسْكِرُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنْهَا حَرَامٌ، فَقَــالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَــازِ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِيــنَ: قَلِيلُ الأَْنْبِذَةِ ِ حَرَامٌ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنَ التَّابِعِينَ وَسُفْيَانُ وَكَثِيرُهَا الْمُسْكِرَة الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَشَــرِيكٌ، وَابْنُ شُــبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَــائِرُ فُقَهَاءِ ِ هُوَ ِ الْمُسْــكِرَة الْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرِيِّينِ: إِنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ سَــائِرِ الأَْنْبِذَة . السُّكْرُ نَفْسُهُ لَ الْعَيْنُ لِمَاذَ اِشْتَرَطَ الأَحنَافُ عَدَمَ التَّالَهِي فِي الشُّرْبِ؟ وَقَدْ أجازَ الإمامُ أبو حنيفَةَ وأبو يُوسُفَ شُــرْبَ نَبيذِ العَسَلِ وَالبُرِّ وَالشَّعيرِ ونحوِ ذلكَ من غيرِ العِنَبِ إِذَا لَمْ يُسْكِرْ بشَــرْطِ عَدَمِ اللَّهْوِ والطَّرَبِ، كَمَا قالَ الزَّيلَعِي اشْتَدَّ إذَا شَرِبَ مَا لَ يُسْــكِرُهُ بِلاَ لَهْوٍ وَطَرَبٍ وَالْخَلِيطَانِ وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ ِ طُبِخَ أَوْ: ل، وَالْمُثَلَّثُ الْعِنَبِي وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَة قالَ في دُرَرِ الحُكَّامِ الأَْشْــرِبَةِ بَلْ: إذَا شَــرِبَ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ بِلَهْوٍ وَطَرَبٍ عَلَى هَيْئَةِ الْفَسَقَةِ حَرُمَتْ وَقَالَ الْقُهُسْتَانِي الْقِيَامِ، أَوْ فِي الأَْيَّامِ عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ الْقِتَالِ لأَِعْدَاءِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ التَّدَاوِي لِدَفْعِ الآْلَمِ، فَهُوَ الْمَحَلُّ لِلْخِلاَفِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأَْنَامِ 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ١٢٧َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ وخالَفَهُما الإِمامُ محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشَّــيبَانيُّ وَمَذهَبُهُ هُوَ الْمُفتَى بِهِ عندَ الحنفيَّةِ، وَهُوَ مُقرَّرٌ في كُتُبِهِم. كَمَا قَالَ صَاحِبُ الــدُّرِّ المختَارِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى، وَالْخِلاَفُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَصْدِ التَّقَوِّي. أَمَّا عِنْدَ قَصْدِ التَّلَهِّي فَحَرَامٌ إجْمَاعًا وَنَقَلُوا فِي كُتُبِهِم عَنْ أبي حَفْصٍ الكَبيرِ أنَّهُ سُــئِلَ عَنْ هــذهِ الأَنبِذَةِ فَقَالَ: لَ يَحِلُّ شُــرْبُهُ فَقِيلَ: خَالَفْت أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُــفَ! فَقَالَ: لَ لأَِنَّهُمَا يُحِلاَّنِ لِسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ، وَالنَّاسُ فِي زَمَانِنَا يَشْرَبُونَ لِلْفُجُورِ وَالتَّلَهِّي. فَعُلِمَ أَنَّ الْخِلاَفَ فِيمَا إذَا قُصِدَ بِهِ التَّقَوِّي فَأَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّلَهِّيَ فَلاَ يَحِلُّ اتِّفَاقًا وإِذا تَدَبَّرنا هذِهِ الأقوالَ لرأينَا أنَّهَا تَحْرُمُ للتَّلَهِي مَعَ أنَّ المتأخِّرينَ رَأَوْا تحريمَهَا والفُتيا بما قالَهُ الشَّيبَانيُّ كَمَا قَالَ فِي: (الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ مُسْــكِرٌ فَيَحْرُمُ، لأَِنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي كُلِّ شَــرَابٍ.. إذَا قَصَدَ بِهِ اسْتِمْرَاءَ الطَّعَامِ وَالتَّدَاوِي وَالتَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَلَوْ لِلَّهْوِ لَ يَحِلُّ إجْمَاعًا إلَى أنْ قَالَ وَنَحْوِهِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (مُطْلَقًــا) قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا (وَبِهِ يُفْتَــى) ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ 4( »وَذَكَرَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الْكُل وَغَيْرُهُ؛ وَاخْتَارَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَقالَ الإمَامُ ابنُ عابِدين قَوْلً بَدِيْعًا وَهُوَ قَوْلُ الأَْئِمَّــةِ الثَّلاَثَةِ.. حَيْثُ قَالُــوا الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا بِقَــوْلِ مُحَمَّدٍ لِغَلَبَةِ ِ الأَْشْرِبَةِ وَيَقْصِدُونَ الْفَسَادِ. وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ لأَِنَّ الْفُسَّاقَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى هَذِه 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ١٢٨128 اللَّهْوَ وَالسُّكْرَ بِشُــرْبِهَا. أقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا وَسَدُّ الْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّ فَالْحُرْمَةُ عِنْدَ قَصْدِ اللَّهْوِ لَيْسَتْ مَحَلَّ الْخِلاَفِ بَلْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي، يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الأَْزْمِنَــةِ قَصْدَ اللَّهْوِ لَ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ أَصْلا. تَأَمَّلْ ِ الأنواعِ وَقالَ العَينيُّ فِي هذِه . بِحُرْمَةٍ فِي الكُل أمَّا بالنِّسبةِ لِشتراطِ عدمِ التَّلهِي فإنَّكَ ل تجِدُ فِي زَمَنِنا واحِدًا يجوزُ له أن ِ الأنْبِذَةَ على مذهَبِ المجيزينَ لهَا، لأنَّ النَّاسَ ل يَشرَبونَهَا إلَّ غَفْلَةً يشرَبَ هذِه وفِسقًا وفُجورًا فبِذلِكَ يَرتَفِعُ شَرطُ الجَوازِ ويكونُ غَيرَ جائزٍ، وهذا على مذهبِ متقَدِّمي مَذهَبِهِم أمَّا المتأخِّرونَ فأجمَعوا على تَحرِيْمِهَا وعدمِ تناولِهَا كَمَا مَرَّ. وَلكنَّكَ تَجِدُ في بعضِ كُتُبِ الحنفيَّةِ القَوْلَ بأنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ اشــتَرَطَ عَدَمَ قَصْدِ التَّلَهِي لإِبْعَادِ الفِسْقِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالكَفِّ عَنْهُم لأنَّهُم شرِبُوهَا، كَمَا جَاءَ فِي: (الِختِيَارِ لتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ للمَوْصِلِي 3( » . @يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْسِيقِ الصَّحَابَةِ أصُولِ أهلِ السُّنَّةِ في الِعتِقَادِ اِعْتِقَادُ تحليلِ النَّبيذِ 5( للزَّيلَعِي 1( 2( 3( .)324/8( 4( 5( 6(
عدد الصفحات ١٢٩َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ لَ أُفْتِي بِحُرْمَتِهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَفْسِيقَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ أُعْطِيتُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا « . ?مَا شَرِبْته؛ لأَِنَّهُ لَ ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهَذَا غَايَةُ تَقْوَاهُ وَرَوَى المؤرِّخُ الحَنَفِيُّ القَاضِي أبُو عَبدِاللهِ الصَّيْمَرِيُّ عَنْ نُوحِ بنِ أبي مَرْيَمَ يَقُولُ: سَأَلتُ أبَا حَنيفَةَ مَنْ أهلُ الْجَمَاعَةِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَدَّمَ أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَحَبَّ ِ وَشَرِّهِ لم يُكَفِّرْ مُؤمِنًا بِذَنْبٍ وَلم يتَكَلَّمْ فِي اللهِ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ خَيرِه . بِشَيْءٍ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلم يُحَرِّمْ نَبِيذَ الْجَر أقُولُ: هذا الْمُبَرِّرُ ضعيفٌ جِدًّا للأَسْبابِ الآتِيَةِ: أَوَّلً: جَاءَتْ نُصُوصٌ صريحَةٌ منَ الرَّســولِ ژ بتحريمِ نبيذِ الجَرِّ وَرَواهَا جمعٌ غفيرٌ منَ الصَّحابةِ، والأكثرونَ على أنَّهَا نُسِخَتْ بأحاديثِ الإذْنِ ِ، يعني: ل فرقَ إذا قلْنَا المشكلَةُ إذا كانَ النَّبيذُ غيرُ المسكِرِ في الجَرِّ أو في غيرِه بالنَّسخِ وَعَدَمِهِ؟ مَعَ أنَّ العبرةَ بالإســكَارِ وَلَم يَرِدْ عنِ الأصحَابِ أنَّهُم شربُوا مُسكِرًا بَعْدَ أَنْ وَصَلَهُمُ النَّهِيُ، إذًا فَلا داعِيَ لهذا التَّبريرِ. ثانيًا: الآثارُ الَّتِي جاءَتْ عنْ بعضِ الأَصحابِ، ل تكونُ طعنًا فيهِم، لِمَا يلِي: ِ الآثارِ ل تَثبُتُ سَنَدًا. 1 2 مُسكِرًا وَكانَ شُربُهُمُ النَّبِيْذَ الْمُسْــكِرَ إمَّا لأنَّهُم تأَوَّلوهَا كمَا تأوَّلَ بعضُهُم في 1( 2( ومسندُ أحمدَ كمَا قالَ النَّوَويُّ في شرحِ مسلمٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِرَارٍ وَهُوَ هَذَا الْفَخَّارُ الْمَعْرُوفُ
عدد الصفحات ١٣٠130 الخَمرِ ثُمَّ تراجَعُوا بعــدَ أن بُيِّنَ لَهُمُ الحَقُّ، وإمَّا لــم يَصِلْهُمُ النَّهْيُ، وفي كِلتَا الحَالينِ ل يكُونُ طَعْنًا فيهِم. قَبْلَ إِنهَاءِ هذِهِ المســألَةِ أحببتُ أن أنقُلَ تَحْقِيقَ الشَّيخِ المحدِّثِ التّهانويِّ شَيْخِ الحَنَفيَّةِ فِي وَقْتِهِ، عَنْ مَذهَبِ الإِمامِ أبِي حنيفَةَ فِي الحُكمِ بخَمريَّةِ مَا عَدَا عَصيرَ العِنَبِ عَلَى طَريقِ المجَازِ، يقولُ بأنَّهَا ليسَتْ بخَمرٍ أرادَ نفيَ الخمريَّةِ لُغَةً وَعُرْفًا، ومَنْ قالَ: إِنَّهَا منَ الخَمرِ عندَهُ أرادَ إثباتَ الخمريَّةِ شَرْعًا، لكنْ بالظَّنِّ ل بالقَطْعِ، لأنَّ حديثَ: (حَرَّمتُ الخمرَ لعَيْنِهَا وَالسُّــكْرَ مِنْ كُلِّ شــرابٍ)، يُعرِضُ كُلَّ ما وردَ في كونِ شرابِ البُسْرِ، والتَّمرِ، وَنَقيعِ الزَّبيبِ، خَمرًا، كما سيأتي. وهذا أولَى ممَّا ارتَكَبَهُ بعضُ الأحبابِ من تَخطِئَةِ علماءِ المذهَبِ النَّقَلَةِ لَهُ، فَمِنْ أينَ لَنَا أنْ نَعْزِيَ إلَى أبي حَنِيفَةَ قَوْل، ونَجْعَلَهُ مَذهَبًا له بعد تَخْطِئَةِ النَّاقلينَ مَذْهَبَهُ إلينا؟ ولكنْ بعضُ الأحبَابِ مُوْلَعٌ بِتَخْطِئَــةِ الأَكَابِرِ مِنْ أهلِ المذهَبِ، لِيَسْلَمَ لَهُ دَعْوَى التَّفَرُّدِ فِيْمَا يَذكُرُهُ مِنَ التَّحقِيْقَاتِ الَّتِي هِيَ فِي الحقيقَةِ مَأخوذَةٌ من كَلامِهِم، فَاللهُ يَهْدِيْهِ وَيُصْلِحُ بَالَهُ أرجِعُ إلَى صاحِبِ الجِنَايَةِ فَأقُولُ: إنَّ جنابَ المهَندِسِ ذكرَ صَحيحَ مسلمٍ ولم يذكُرْ لنــا الصَّفحةَ ول رقمَ الحديثِ، واكتفَى بذكرِ اســمِ الكتابِ وحدَهُ، وأنت أيها القارئُ الحبيبُ قد تبيَّنَ لكَ في كتابِهِ الأوَّلِ أنَّهُ كُلَّمَا اكتفى باسْــمِ الكتَابِ والإحالةِ على المبهمِ فإنَّ هناكَ دسًّا وكيدًا على العلمِ وجنايةً على أهلهِ. لم يذكُرِ اســمَ الإمَامِ أبي حنيفَةَ مَرّةً واحِدةً في كتَابِهِ، 5فالإمامُ مسلمٌ فكيفَ يَعْــزُو أوزونُ القَولَ إليهِ ويقوِّلُــهُ بما لم يقُلْ؟! وكتابُــهُ الصَّحِيْحُ بينَ 1(
عدد الصفحات ١٣١َظرظلَِش لقراقَ ِلظّظيت قََشوحِِاقَ ظِظَش ََِِْخَقَرظش لتاََُِ أيديكُم فاجْعَلُوه حَكَمًا عدْلً بينَ المهنْدسِ وبينكُمْ لتَعْلَمُوا مَا الأمَانةُ العِلْمِيَّةُ الَّتي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا كَثِيْرًا؟! وبهَذا القَدْرِ علمتَ أنَّ هذَا ليسَ إلَّ هَرْطَقَــةً مَنهَجيَّةً عندَ الخُصومِ كَبَاقِي الهَرْطَقاتِ الَّتِي يُصوِّرونَهَا علمًا وَتحقيقًا. ول بُدَّ هُنَا مِنْ ذكرِ مَسْــأَلَةٍ مُهِمَّةٍ وهِيَ: الكَلامُ عنْ آراءِ المجتهدينَ، وهلْ يجوزُ لنَا أنْ نستدِلَّ بكُلِّ رأيٍ موجُودٍ في الكُتُبِ الفقهيَّةِ؟ وبعبَارةٍ أخرَى: هل قولُ المجتهدينَ جميعًا صوابٌ إذا تبَاينتِ الآراءُ أمِ الصَّوابُ رَأيٌ واحدٌ منْ تلكَ الآراءِ، فإليكَ تفصِيلَ ذلكَ بحولِ اللهِ تَعالَى وَقوَّتِهِ: !هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ؟ إنَّ هذهِ المســألةَ منَ المســائلِ المهمَّةِ الَّتي يَكثُرُ الخَلطُ فيهَا، حيثُ يظنُّ 1( الكَثيرُ أنَّ القولَ الوَاردَ والرأيَ الفِقْهِي مَوجُودًا في الكُتُبِ، وهذا ليــسَ صحيحًا لأنَّ الحقَّ واحــدٌ وَل يَكونُ الحقُّ الشــيءَ وَضِدَّهُ وهذا ما عَليهِ العُقَلاءُ جَميعًا، فَعَلى ذَلِكَ مِنَ الوَاجِبِ عَلَى مَنْ يأتِي مِنْ بعدِهِم النَّظَرُ إلى أدلَّتِهِم ول يختَارُ حسَبَ هَوَاهُ وَحُبِّهِ للقَولِ أوْ: نُصْرَتِهِ للعَالمِ المجتَهِدِ، وَننقُلُ في النِّهَايَةِ أقوالَ العُلَماءِ فِي وجُوبِ التَّحَرِّي والبَحْثِ وعَدَمِ الِكتِفاءِ بوَجْهٍ أو رَأيٍ. فَعلَى ذلكَ نقولُ: إنَّ قولَهُم بأنَّ كُلَّ مجتَهِدٍ مُصِيْبٌ يقصِدُونَ عدَمَ الإِثمِ عِندَ اللهِ تعَالى حيثُ ل يكونُ في المسألَةِ نَصٌّ أو فيهَا نَصٌّ ولم يَبْلُغْ هذا المجتَهِدَ، 1( واحِدَةٍ منْهُمَا أقوالٌ وَتفَاصيلُ، ل مكَانَ هُنَا لِسَردِ الأقوالِ ومُنَاقَشَتِهَا وَنَكْتَفِي بالقَوْلِ الصَّوابِ وَتَقويَتِهِ، وللتَّأصِيْلِ فَعَلَيْكَ بالرُّجُوعِ إلى الكُتُبِ الأصوليَّةِ.
عدد الصفحات ١٣٢132 وإلَّ كَمَا أسلَفْنَا ل يَكونُ الرَّأيُ وَضِدُّهُ صَوابًا فِي آنٍ واحِدٍ، مهمَا قالَ بِتَصوِيبِهِم أكثَرُ المتكلِّمينَ منَ الأشاعرَةِ والمعتَزِلَةِ وَقبَلَهُم الإِمَامُ أبُو حنيفَةَ ليسَ فيهِ نصٌّ منَ الكتابِ أو الســنةِ أمَّا الَّذي فيهِ نــصٌّ فأجمَعوا على تحريمِ مُخَالَفَتِهِ وَتَخْطِئَةِ القائلينَ بِخِلافِهِ. قالَ الجَصَّاصُ في إيضاحِ المرادِ بالإِصابَةِ إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ (وَاحِدًا عِنْدَهُمْ وَنَقَلَ عنِ الكَرْخِيِّ قَوْلَهُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِمَا كُلِّــفَ، وَالْحَقُّ عِنْدَ اللهِ فِي وَاحِدٍ. قَالَ: وَشَــبَّهُوا ذَلِكَ بِالِجْتِهَادِ فِــي الْقِبْلَةِ وَيَجْتَهِــدُ في تَحديدِهِ، فيمكــنُ أن ل يُصِيْبَ التِّجَاهَ، لأنَّ لهَــا اتِّجَاهًا واحِدًا ويمكنُ أنْ يَستَدْبِرَ القبلَةَ ويُصَلِّي، لكنَّهُ مصيبٌ فِي حُكمِ اللهِ تعالَى غيرُ آثِمٍ لأنَّهُ بَذَلَ المجهودَ. ذَكَرَ الخطيــبُ البَغدَاديُّ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُــئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَــرَى لِمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ ثِقَةٌ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ژ سَعَةً؟ قَالَ يُصِيبَ الْحَقَّ، وَمَا الْحَقُّ إِلَّ وَاحِدٌ، لَ يَكُونُ الْحَقُّ فِي قَوْلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ 1( منَ الظَّنِّ، كما أشــارَ إليهِ إِمَامُ الحرمينِ إلَى ذلكَ ثُمَّ اختَارَهُ لَهُ، التّلخيصُ السَّــمعانيَّ نَقلَ عنهُ بأنَّ الحَقَّ واحِدٌ عندَ اللهِ كمَا فــي القواطِعِ للاعتِمَادِ على قولٍ واحدٍ دونَ البحثِ عنِ الدَّليلِ. 2( 3( 4(
عدد الصفحات ١٣٣