ظعَََِخظَش َََظَِيقَِِخظمظاقلََِِرخرََُِرظ ظِ شَلِاليِ وَفِي جِنَايَةِ سِيْبَوَيْهِ أَرادَ أنْ يُشكِّكَ فِي لُغَةِ القُرءانِ وَقَواعِدِهَا وَحَاوَلَ الإِسَاءَةَ إِلَى أَجْمَــلِ لُغَاتِ العَالَــمِ وَأَزْيَنِهَــا وَأَغْنَاهَا وَأَمتَنِهَــا، وَاخْتَارَ الإِمَــامَ العَلَمَ لِذلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ يَعتَرِضُ عَلَى الإِمَامِ وَأَقوَالِهِ لأنَّهُ ليسَ أَهلاً لِفَهْمِ 5سِيْبَوَيْهِ كَلامِهِ حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، فَلِذلِكَ ل تَجِدُ فِي كِتَابِهِ اعتِرَاضًا وَاحِدًا عَلَى كَلامٍ مَنصوصٍ لِسِيبَوَيْهِ، وَلكنَّهُ اخْتَارَ اسمَهُ لَجَذبِ القُرَّاءِ! فَبَعْدَ ثُلاثيَّةِ الظُّلمَةِ كَتَبَ كِتَابَهُ الظَّالِمَ الغَاشِــمَ فَفِيْهِ أَفْصَحَ بأنَّ الإسلامَ لَيْسَ مَعَهُ الحَلُّ الكَافِي وَالدَّواءُ الشَّافِي مِنْ لَدُنْ مَجِيْئِهِ إِلَى عَصْرِنَا، وَقَالَ صَرِيحًا فِي آخِرِ كِتَابِهِ للجَوابِ عَنْ سُؤالٍ طَرَحَهُ وَهُوَ موضُوعُ كِتابِهِ يُجيبُ قائِلاً العلمانية! والتي تعني بالنسبة لي ـ بعيدا عن ضرورة فتح أو كسر العين في تلك الكلمة ـ أن ل تحكم البلاد تحت شعار أو اسم الدين! ولتكن البلاد أينما تكون في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب. وليكن الدين ما يكون إسلاميا ـ مسيحيا ـ يهوديا ـ ســماويا أو غير ذلك عاما أو خاصا. فلا مكان للدين في سياسة البلاد والمواطنة كما رأينا في بحوث كتابنا هــذا. والعلمانية ل تعني الإلحاد والكفر أو الإشراك بل إنها تحترم كل الأديان والمعتقدات السائدة ول تنكر دورها في القيم الروحية والإيمانية والأخلاقية، لكنها تقول لها جميعا ابقي بعيدا عن أمور السياسة والحكم والدولة والوطن، ابقي في المســجد والكنيســة والصومعة وسائر بيوت العبادة... وابقي بعيدا عن الأبنية العامة والوطن والدولة بدءا من الشــارع مرورا بالمدرسة والجامعة والمشفى والعمل وانتهاءً بأية مؤسسة أو مبنى عام 1( الأولى
عدد الصفحات ٥٦٦566 عَجَبًا لهــذَا الرَّجلِ الَّــذي يدَّعِي ضــرورَةَ الرُّجوعِ إِلَى كتــابِ اللهِ تَعالَى وَتَطبيقِهِ، وَمعَ هذا يَكتُبُ هذه الأَسطُرَ الظَّالِمَةَ! فَهذا الإِسلامُ الأَمريكيُّ الَّذي جَاءَ بِهِ أُوزونُ إِسلامٌ غيرُ الإِسْلامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الأَكرَمُ ژ فَلا يَعترفُ بِهِ مُسلِمٌ مُؤمنٌ بالقُرءانِ الكَريمِ! فالإِسلامُ الَّذي نعرِفُهُ جاءَ ليُخرِجَ النَّاسَ منَ الشِّرْكِ والظُّلمِ إلَى التَّوحيدِ وَالعِبَادَةِ، وَجاءَ بِنُصوصٍ تُنْكِرُ مَبدَأَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ وَلَمْ يَختَلِفْ علَمَاءُ الإِسلامِ فِي كونِ الْمُشَرِّعِ المخَالِفِ لِمَا جَاءَ بِهِ الإِسلامُ ﮮ ﮭكَافِرًا، وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذلِكَ آياتٌ مِنْ كِتابِ اللهِ تَعالَى، كَمَا قالَ تَعالَى: ﴿ ﯞ ﯝ ﯜ ﯛ ﯙﯚ ﯘ ﯗ ﯖ ﯕ ﯔ ﯓ ﮱ ﮰ ﮯ ﴾ الشورى.ﯥ ﯤ ﯣ ﯢ ﯡ ﯟﯠ ﮟ ﮞوَقَالَ بُوجوبيَّةِ إِطَاعَتِهِ وَكَمَا أنَّ لَهُ الخَلْقَ فَيَجِبُ أَنْ يكونَ الأَمْرُ لَهُ: ﴿ ﴾ الأعراف.ﮦ ﮥ ﮤ ﮣ ﮡﮢ ﮠ ﯛ ﯚ ﯙ ﯘوَقالَ تَعالَى فِي كُفرِ الْمُشرِّعينَ: ﴿ ﯧﯨ ﯦ ﯥ ﯤ ﯣ ﯢ ﯡ ﯠ ﯟ ﯞ ﯝ ﯜ ﴾ التوبة.ﯰ ﯯ ﯮ ﯬﯭ ﯫ ﯪ ﯩ أمَّا الحُكمُ بِغَيْــرِ مَا أَنْزَلَهُ فَلا يَخرُجُ مِنْ حَالتٍ: إِمَّــا أَنْ يكونَ كُفرًا أَكْبَرَ يُخرِجُ صَاحِبَهُ مِنَ المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يكونَ ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا حَسَبَ حَالِ الحَاكِمِ، كَمَا قالَ تَعَالَى: ﴾ المائدة.ﮬ ﮫ ﮪ ﮩ ﮨ ﮧ ﮦ ﮥ ﮤ· ﴾ المائدةﯯ ﯮ ﯭ ﯬ ﯫ ﯪ ﯩ ﯨ ﯧ· ﴾ المائدةﭽ ﭼ ﭻ ﭺ ﭹ ﭸ ﭷ ﭶ ﭵ·
عدد الصفحات ٥٦٧ظعَََِخظَش َََظَِيقَِِخظمظاقلََِِرخرََُِرظ ظِ شَلِاليِ ثُمَّ يَقُولُ فَخَامَــةُ الْمُهَنْدِسِ ديموقراطيا مسالما أقُولُ: وَللهِ الحَمدُ وَالمِنَّةُ لَقَدْ أَفْصَحتَ عَنْ هُويَّتِكَ وَمَا كُنتَ وَمَاذَا أردتَ مِنْ هذه الهَرَواتِ وَالجَعْجَعَاتِ وَالصَّيحاتِ! ثُمَّ يُدافِعُ فِي آخِرِ أَنْفَاسِ هَذَا الكِتابِ عَنْ أسيَادِهِ وَيَقولُ التي تعم بعض المجتمعات الإســلامية والعربية اليــوم ل خير فيها ول تبني مجتمعا متطورا مستقلا، وقد أثبت التأريخ فشلها. علما أن براءة اختراعها تعود إلى أيام الحــرب العالميــة الثانيــة عندما طبقهــا الكاميــكازي (الطيارون النتحاريون اليابنيون) ضد الحلفاء والأميركيين. وكانت نتيجتها الهزيمة لدولة اليابان التي كانت من أعظم وأقوى الدول آنذاك أقُولُ: قَدْ وَصَلَ هذا الرَّجلُ من خدمَةِ أمريكَا إلَى عبادَتِهَا بحيثُ ل يرَى لهَا نَقصًا وَل يَتَكَلَّمُ عنْ جَرائمِهَا بحقِّ اليابانيِّينَ وَإبادَةِ بِلادِهِم وخَرابِ عَيشــهِمْ 1( قَالَ الأســتاذُ الدُّكتورُ عُثْمَانُ ـ كَثَّرَ اللهُ فَوَائِدَهُ وَعَوائِــدَهُ ـ بالعلمانية ول بالديمقراطية إل لإبعاد الإســلام وتكميم أفواه المســلمين، لأن العلمانية إذا كانت فصلا للدين والدولة، فلماذا يرضون بعدم تدخل الدين في أمور الدولة، بينما يريدون من الدولة أن تتدخل في أمور الدين وتحدد حتى خطب الجمعة ونوع التدين؟ أليس هذا كيلا بمكيالين؟! فإما أن تمنعوا من تدخل الثنين، وإما أن تسكتوا. وإذا كانت الديمقراطية عبارة عن حكم الشعب ورأي الأكثرية، فلماذا ل يرضون بالأكثرية إن كانت مؤيدة لتطبيق الشــرع الإســلامي، وصوتت لصالحه؟! أبعد هذا الســتبداد من استبداد؟ 2(
عدد الصفحات ٥٦٨568 وَقَتْلِ أطْفَالِهِم وَشــيوخِهِم، وَكَانَتْ لَمْ تُفرِّقْ بينَ الإِنْسانِ وَالجَمَادِ فِي التَّدميرِ وَالإِبادَةِ، يَكْفِي لأَمريكَا أَنْ تَكونَ نَاكَازَاكِي وَهيرُوشيمَا نُقْطَةً سَوْدَاءَ عَلَى جَبينِهَا إِلَى الأَبَدِ، وَلكنَّ الخَادمينَ لَهَا عُميٌّ عَنْ رُؤيَتِهَا. فَهَلْ نَكْسَةُ يَابانَ وَتَدميرُهَا بِسَبَبِ الفِدائِيينَ أَمْ كَانَ عَمَلُ الفِدائيينَ لأَجْلِ إِنقَاذِ بِلادِهِمْ حَيثُ هَاجَمَتْ أَمريكَا وَالمُتحَالِفونَ مَعَها هُجومًا شَرِسًــا عَلَى اليَابانِ بَريًّا وَبَحريًّا وَجويًّــا؟! فَهَذا التَّارِيخُ مَكتوبٌ لِمَــنْ أَرادَ مَعرِفَةَ خيانَةِ أوزونَ وَتَحرِيْفِهِ! وَلَيْسَ هَذا فَحَسبُ بَلْ جَاءَ أوزونُ بالدِّفَاعِ عَنِ المَسيحيينَ دِفَاعًا إِلَى العَظْمِ فِي كِتَابِهِ المســلمينَ مُتخلِّفونَ فِي كُلِّ الأَدوارِ، قــالَ وَاصِفًا إِخوانَهُ مِــنَ الْمَغضوبِ عَلَيْهِم وَالضَّالِّينَ وســرى الجمود في مجتمعهم حتى بلغ أحاسيســهم فتبلدت المشــاعر وسادت البغضــاء... وأصبح اختطــاف وقتل الأبرياء وذبحهم شــجاعة وبطولة تســتحق وبجدارة أن تسمى بطولة الأنذال... أخيرا ل يسعني إل أن أثني على أصل الديانات السماوية التي سبقت الإسلام وأخص الأخوة المسيحيين في الغرب الذين استحقوا وبجدارة المكانة والسيطرة التي وصلوا إليها لأنهم عرفوا الله حقا وجعلوا من دينهم خير ديانات القرن الواحد والعشرين في محبة الله ومحبة الإنسان وَليسَتْ لِي وَقْفَةٌ عَلَى كَلامِهِ وَل أَلُوْمُهُ عَلَى هذا التَّصريحِ إِلَّ أنَّهُ كَانَ منَ الوَاجِبِ أَنْ ل يُخفِيَ هُويَّتَهُ عَنِ القُرَّاءِ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ وَل يَظْهَرَ كَمُناضِلٍ عَنْ دينِ اللهِ تعَالَى ذَابّ عَنِ الإِسلامِ فِي البِدَايَةِ! 1( 2008/
عدد الصفحات ٥٦٩ظعَََِخظَش َََظَِيقَِِخظمظاقلََِِرخرََُِرظ ظِ شَلِاليِ وَلكنَّهُ يَعلَمُ جيِّدًا أنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ عَنْ مَذْهَبِهِ وَأَعرَبَ عَنْ بَاطِنِهِ لَفَرَّ مِنْهُ القُرَّاءُ وَلَمْ يَقبَلُوا عَلَيْهِ إِقْبَالَهُمْ عَلَى رَجلٍ مُخْلِصٍ لِدِيْنِ اللهِ تَعالَى! فَمِنْ هُنَا تَنْتَهِي قِصَّةُ الوَهْمِ وَالخِيانَةِ، قِصَّةُ الخِيانَةِ مِنَ الأَمَانَةِ، أُسْــطُورَةُ الْمَلامَةِ وَالإِهَانَةِ، قِصَّةُ الفُجُورِ وَالخِدَاعِ، قِصَّةُ تَروِيجِ البَاطِلِ وَالضِّيَاع، فَهَا قَدْ بَدَا يُرْفَعُ عَنِ المُدَّلِسِ الحِجَابُ وَالقِنَاع! أَخيرًا: يَا باحِثًا عَنِ الحَقيقَةِ بالجُهدِ وَالْمُثابَرَة، يَا عَطْشَانَ الحَقِّ إِيَّاكَ وَدُعَاةَ الْمُسامَرَةِ وَالمُشاجَرَة، فَلا تَغْتَرَّ بكُلِّ شِــعَارٍ خَفَّاق، فَكَمْ خَفَّاقٍ لَيسَ تَحتَهُ إِلَّ النِّفَاق، فَلا يَخْدَعَنَّكَ لَمَعَانُ الشِّعَاراتِ، فَكَمْ لمِعٍ أَتَى بَالوَيلاتِ وَالحَسَراتِ، فَلا تؤمِنْ بِكُلِّ دَاعٍ للإِصْلاحِ، فَكَمْ مِنْهُمْ بَكَى مِنْهُ الإِصْلاحُ وَالصَّلاح، وَكَمْ مِنْ فَلاحٍ فَرَّ مِنَ الفَلاحِ فِرَارَ الجَبانِ مِنَ الكِفَاح! فَلا تَتأثَّرْ بِسحْرِ كَلامِ مُدَلِّسٍ للفِكْرِ مُخْتَلِس، وَلَوْ أَتَاكَ بِزُخْرُفِ القَوْلِ فَليسَ إِل المُعَانِدَ المُفْلِس، فَلَوِ ادَّعَى حِمَايَةَ القُرءانِ وَالإِسلام، فَهُوَ كَلامٌ فَارِغٌ يَتَبَجَّحُ بِهِ حَتَّى الأَنْوَكُ الطَّغَام، وَقالَهُ صَاحِبُنَا أُوزونُ حَتَّى رُفِعَ الغِطَاءُ وَاللِّثام كَلِمَتِي الأَخيرَةُ لجَنَابِ الْمُهنْدِسِ زَكَريَّا أوزونُ: يَا مَنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ، وَثَقُلَ فِي البَاطِلِ رَأسُهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ هَجْسُــهُ، وَيَنْطِقُ بَاطِلاً جَهْرُهُ وَهَمْسُهُ، وَقَريبٌ حَتْفُهُ وَقَفْسُهُ، أَشْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ فَقَدْ دَنَا الأَجَلُ الْمَحتُوم، وَبَانَ سِرُّكَ الْمَكْتُوم، وَظَهَرَ أَمْرُ الصَّحيحِ مِنَ الْمَكْلُوم، وَالبَاطِلُ زَائلٌ فَهُوَ الأَجَلُ الْمَخْتُوم، وَل يَخرُجُ مِنْهُ إِلَّ الشَّرُّ الْمَشْؤُوْم، فَارْجِعْ إِلَى رُشْدِكَ وَدَعِ الجِنَايَةِ فِي حَقِّ العُلُوم 1( العِلميِّ، بَعيدًا عَنِ العَاطِفَةِ وَالضَّغينَةِ، وَكَذلِكَ لهذا الغَرَضِ تأتِي ترجَمَةُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ علَيْهِ سَحَائِبُ الرَّحمَةِ مُتَأخِرَّةً! واللهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ! 2(
عدد الصفحات ٥٧٠570 [ فَاســتَيقِظوا إِنَّ خَيرَ العِلْــمِ مَا نَفَعَالَقَد بَذَلتُ لَكُم نُصحــي بِلا دَخَلٍ فَمَــن رَأى رَأيَهُ مِنكُم وَمَن سَــمِعَاهَــذا كِتابي إِلَيكُــم وَالنَذيــرُ لَكُم ✿ ✿ ✿
عدد الصفحات ٥٧١571 مَوْلِدُهُ وَنِسْبَتُهُ وَنَشْأتُهُ هُوَ مُحَمَّدُ بــنُ إِدْرِيْسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عُثْمَانَ بنِ شَــافِعِ بنِ السَّــائِبِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عَبْدِ يَزِيْدَ بنِ هِشَامِ بنِ الْمُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ، أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّ، ثُمَّ الْمُطَّلِبِيُّ، الشَّافِعِيُّ، الْمَكِّيُّ، الغَزِّي هَاشِمٍ وَالِدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وُلِدَ الشَّافِعِيُّ فِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ وَمَائِةٍ يَتِيْماً فِي حَجْرِ أُمِّهِ، فَخَافَتْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، فَتَحَوَّلَتْ بِهِ إِلَى مَحْتِدِهِ 1( 2( 393/2( عَبْدِ البَرِّ، ص 276/51( وَالنِّهَايَةُ 3( ص 4( مَنْ هُوَ الإِمَامُ الشَّاافِعِيُّ؟
عدد الصفحات ٥٧٢572 عَامَيْنِ، فَنَشَأَ بِمَكَّةَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّمْيِ، حَتَّى فَاقَ فِيْهِ الأَقْرَانَ، وَصَارَ يُصِيْبُ مِنْ 1( عَشْرَةِ أَسْهُمٍ تِسْعَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى العَرَبِيَّةِ وَالشَّرْعِ، فَبَرَعَ فِي ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ طَلَبُهُ للعِلْمِ كَانَ للإِمَامِ مُسْــلِمِ بنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ ـ مُفْتِي مَكَّــةَ ـ وَدَاوُدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَــنِ العَطَّارِ، وَعَمِّهِ؛ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ شَــافِعٍ ـ فَهُوَ ابْنُ عَمِّ العَبَّاسِ جَدِّ الشَّافِعِيِّ ـ وَسُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيِّ، وَسَعِيْدِ بنِ سَالِمٍ، وَفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، وَعِدَّةٍ ثُمَّ ارْتَحَلَ ـ وَهُوَ ابْنُ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ سَــنَةً، وَقَدْ أَفْتَى وَتَأَهَّلَ لِلإِمَامَةِ ـ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، فَحَمَلَ عَنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ (الْمُوَطَّأَ)، عَرَضَهُ مِنْ حِفْظِهِ [ عَشْــرًا وَصَــارَ البَحْــرَ بِالعِشْــرينِبلغَ الكَمَــالَ وَمَــا تَجَــاوَزَ عُمْرُهُ وَحَمَلَ عَنْ: إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَبِي يَحْيَــى ـ فَأَكْثَرَ ـ وَعَبْدِ العَزِيْــزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَعَطَّافِ بنِ خَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ، وَإِبرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ، وَطَبَقَتِهِم. وَأَخَذَ بِاليَمَنِ عَنْ: مُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ، وَهِشَامِ بنِ يُوْسُفَ القَاضِي، وَطَائِفَةٍ. 4( وَبِبَغْدَادَ عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ الحَسَــنِ؛ فَقِيْهِ العِرَاقِ، وَلَزَمَهُ، وَحَمَلَ عَنْهُ وِقْرَ 1( 2( 6071( البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ 3( 6071( 205/1( 4(
عدد الصفحات ٥٧٣ظعَََِخظَشَق ظََِِش رَِتقنقَِ بَعِيْرٍ. وَعَنْ: إِسْمَاعِيْلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ ل يُحْصَى فِي هذِهِ التَّرجَمَةِ اليَسِيْرَةِ تَلمِيْذُهُ كَانَ الإِمَامُ قِبْلَةَ طُلاَّبِ العِلْمِ فِيْ كُلِّ بَلَد، وَنَهَلُوا مِنْ مَنْهَلِهِ الصَّافِي وَشَكَرُوا لَهُ إِلَى الأَبَد، لأنَّ حَلَّ الْمَشَــاكِلِ بِبَابِهِ مَنُوْط، وَيَصيرُ عِنْدَهُ عَالِمًا مَنْ كَانَ مِنَ التَّفَهُّمِ قَنُوط، فَازْدَحَمَ عِنْدَهُ الطُّلاَّبُ وَازْدَهَرَتْ فِي إِيوَانِهِ الْمجَالِس، بَحِيْثُ لَمْ ِ التَّلامِذَةِ مُنَافِس. يَكُنْ وَل يَكُونُ لَهُ فِي كَثْرَة فَحَدَّثَ عَنْهُ: الحُمَيْدِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ القَاسِــمُ بنُ سَــلاَّمٍ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَسُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الهَاشِمِيُّ، وَأَبُو يَعْقُوْبَ يُوْسُفُ البُوَيْطِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيْمُ بنُ خَالِدٍ الكَلْبِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بنُ يَحْيَى، وَمُوْسَى بنُ أَبِي الجَارُوْدِ الْمَكِّيُّ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ ِ الْمَكِّيُّ ـ صَاحِبُ الحَيْدَة . وَالأَصْمَعِيُّ، وَخَلْقٌ كَثيرٌ ل يُمْكِنُ تَعْدَادُهُمْ كَثْرَةً 1( 6071( البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ 2( مُهِمُّ جِدًّا، يُفِيدُكَ مُقَدِّمَتُهُ أَكثرَ مِنَ الْمَضمُونِ، لأنَّ فِيْهَا إِحْسَاسَ العَالِمِ الرَّبَّانِي عِنْدَمَا يَقَعُ البَلاءُ بالأُمَّةِ الإِسلاميَّةِ، وَتُعَلِّمُكَ كَيْفَ يَكُونُ مَوقِفُ مَنْ يَحْمِلُ هَمَّ الأُمَّةِ، وَتَتَعلَّمُ منهَا دَرْسَ البَذْلِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَقَــوْلِ الحَقِّ دونَ الخَوفِ مِنْ أحَدٍ أَوْ: لَوْمَةِ لئِمٍ، أمَّــا الْمَضمُونُ ففِيهِ مَا يَتلَعْثَمُ اللِّســانُ وَيخرسُ فِي وَصفِهِ مِنْ حُجَجِهِ القَويَّةِ الْمَتينَةِ الرَّصِينَةِ وَقَمْعِ البَاطِلِ بالبُرْهَانِ الَّذِي ل يُقَاوَمُ، فرَحِمَ اللهُ هذا الإِمَامَ الهَمَّامَ وَكَثَّرَ فِي الأُمَّةِ أَمثَالَهُ. 3( فِي: (طَبَقَاتِ الشَّافِعيَّةِ) عَلَى حُروفِ الْمُعْجَمِ
عدد الصفحات ٥٧٤574 تَصَانِيْفُهُ وَتَوالِيْفُهُ للإِمَامِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَسَايَرُ مَعَ النُّجُوم، ل سِيَّمَا فِي الأُصُوْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْمُعَوَّل، وَفِي جَمِيْعِ العُلومِ أَسْهَمَ مَا بَيْنَ مُخْتَصَرٍ وُمُطَوَّل، وَهِيَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ نُعَرِّفَ بِهَا وَهُنَاكَ مَجَالٌ للبَحْثِ فَأَنْتَ مِنْهُ مُخَوَّل، وَهِيَ تَبْلُغُ مائَتَي جُزْءٍ العِلْمِ رَدٌّ عَلَى كُلِّ مُتَشَدِّقٍ بالبَاطِلِ يَتَقَوَّل. فَمِنْهَا: (الأُمُّ، الْمُسْنَدُ، السُّنَنُ، الرِّسَــالَةُ القَدِيمَةُ، الرِّسَالَةُ الجَدِيْدَةُ، إِبْطَالُ الِستِحْسَانِ، جِمَاعُ العِلْمِ، أَحْكَامُ القُرآنِ، الدِّيوَانُ الشِّعْرِيُّ...)، وَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ البَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ كُتُبِهِ بأسْمَائِهَا، ثُمَّ قَالَ وَهُنَاكَ كُتُبٌ أُخْرَى لَمْ تَصِلْ إِلَى الإِمَامِ البَيْهَقِيِّ. مِحَنُهُ وَالنَّايْلُ منهُ إِنَّ الْمِحَنَ سُنَّةُ اللهِ تَعالَى فِي كُلِّ مَنْ يَظْهَرُ بالعِلْمِ وَالفَضْلِ، يَكُونُ مَحسُودًا بينَ الجِيرَانِ وَالأَهْــلِ، فَيَتَعَرَّضُ لأنْوَاعِ الأَذَى وَالكَرْب، حَتَّــى يتَأَهَّلُوا لإِنَارَةِ الطَّرِيْقِ وَالدَّرْب، وَلَقَدْ تَعَرَّضَ الإِمَامُ لِلأَسْرِ وَالإِخْراجِ مِنَ البِلاَدِ، وَصَارَ مُشَرَّدًّا ِ، وَصَفَاءَ قَلْبِهِ وَصَدْرِهِ، ِ بينَ العِبَادِ، حَتَّى أَظْهَرَ اللهُ حَقِيْقَةَ أَمْرِه مُطَرَّدًا فِي عَصْرِه ِ. وَغَزَارَةَ عِلْمِهِ وَقَصْدِه قَالَ الذَّهبِي وَلَحَ لِلْمُنْصِفِيْنَ أَنَّ كَلاَمَ أَقْرَانِهِ فِيْهِ بِهَــوَىً، وَقَلَّ مَنْ بَرَزَ فِي الإِمَامَةِ وَرَدَّ عَلَى 1( الْمُخْتَصَرُ فِي البَشَرِ لِبنِ شاهنشَاه 2(
عدد الصفحات ٥٧٥ظعَََِخظَشَق ظََِِش رَِتقنقَِ مَنْ خَالَفَهُ إِلَّ وَعُودِيَ ـ نَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الهَوَى ـ وَهَذِهِ الأَوْرَاقُ تَضِيقُ عَنْ مَنَاقِبِ هَذَا السَّيِّدِ ذَكَاوؤُهُ الْخَارِقُ وَجُهْدُهُ الجَبَّاارُ كَانَ الإِمَامُ فِي طَلَبِ العِلْمِ اهتَلَّ اهِتِلاَلَ الهِلاَلِ فَأَنَارَ، وَأَضَاءَ الطَّريْقَ لِمَنْ يأتِي بَعْدَهُ كَشَمْسِ النَّهَار، فَصَارَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الزَّمَانِ لَهُ لِسَانًا، فَيَدْعُونَ لَهُ: اللهُمَّ أَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ وَأَنِلْهُ غُفْرَانًا، وَتَعَجَّبَ الخَلْقُ مِــنْ أَمْرِهِ وَانْدَهَشَ، وَبِكَثْرَةِ مَجهُودَاتِهِ سَعِدَ وَانْتَعَشَ. وَكَانَ ذَا ذَكاءٍ وَفِطْنَةٍ بحَيثُ يَتَعَلَّمُ قَبْلَ كُلِّ النَّاسِ وَيَفُوقُ الْمُشْتَغِلَ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ، وَيَشتَغِلُ جَاهِدًا مُجِدًّا باذِلً لِيُتْقِنَ الفَنَّ الَّذِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ، كَمَا أنَّهُ اشتَغَلَ بالرَّمْي وَأتْقَنَهُ إِتْقَانًا عَجِيْبًا، حَكَى عَنْهُ الرَّبِيعُ الْمُؤَذِّنُ قَائِلا: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: كُنْتُ أَلْزَمُ الرَّمْيَ، حَتَّى كَانَ الطَّبِيْبُ يَقُوْلُ لِي: أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكَ السِّلُّ ِ وُقُوْفِكَ فِي الحَرِّ. قَالَ: وَكُنْتُ أُصِيبُ مِنَ العَشَرَةِ تِسْعَةً مِنْ كَثْرَة أَمَّا فِي طَلَبِ العِلْمِ فَلَمْ يَكُنِ الإِمَامُ يَمْلِكُ الصُّحُفَ وَالأَوراقَ لِيَكْتُبَ فِيْهَا كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِــهِ . الدِّيْوَانِ، فَأَسْتَوْهِبُ الظُّهُوْرَ، فَأَكْتُبُ فِيْهَا وَأَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ حَتَّى طَعَامُهُ اليَوْمِيُّ، وَلَمْ يَكُنْ عندَهُمْ مَا يُعْطُونَ الْمُعَلِّــمَ كَأُجرَةٍ للتَّعليمِ، وَرَضِيَ الْمُعلِّمُ بأَنْ يَقومَ الشَّــافِعِيُّ بتَعليمِ 1( 2( الكُل 3( أَعلامِ النُّبَلاءِ
عدد الصفحات ٥٧٦576 رِفَاقِهِ مِنَ الصِّبيَانِ فِي غِيَابِ الْمُعَلِّمِ، مُقَابِلَ الأُجْرَةِ لَهُمْ شَيئًا وَمَعَ هَذا كُلِّهِ فإِنَّ الإِمَامَ تَصَبَّرَ للعِلْمِ وَأَعْطَى كُلَّ أَوقاتِهِ لَهُ فَفَتَحَ اللهُ تَعالَى فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ، كَمَا !عَلَيْهِ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِحْفظِ كِتابِهِ وَجُمْلَةٍ مِنْ أحاديثِ نَبيِّهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنَّهُ سَــمِعَ الشَّــافِعِيَّ يَقُوْلُ: حَفِظْتُ القُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سَــبْعِ سِنِيْنَ، وَحَفِظْتُ (الْمُوَطَّأَ) وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ خُلُقُهُ الرَّافِيْعُ كَانَ بَفَضَائِلِ الأَخْلاقِ وَفَوَاضِلِهِ تُشِــيرُ إِلَيْهِ الأَصَابِع، وَيُبَجَّلُ بِهَا بَيْنَ كُلِّ سَاجِدٍ وَرَاكِع، تُذْكَرُ نُعُوتُهُ الحَسَنَةُ وَمَنَاقِبُهُ الْمُنِيفَةُ فِي جَمِيْعِ الأَمْصَار وَالأَقْطَارِ، وَمَا نَاحَتْ حَمَامُ الأَيْكِ عَلَى غُصْنِ الأَشْــجَارِ، وَتَتَلأَلأَُ تَلأَلؤَ الَّلآلِئِ فِي اللَّيلِ البَهِيمِ وَالنَّهَار. وَكَانَ مِنْ شِيَمِهِ الكَرِيْمَةِ أَنَّهُ ل يَمْدَحُ نَفْسَهُ بالعِلْمِ، وَل يَفْرَحُ بِذلِكَ، وَل يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ بينَ النَّاسِ وَيُحْمَدَ عَلَى عِلْمِهِ كَمَا قَالَ الرَّبيعُ: سَــمِعْتُ الشَّــافِعِيَّ يَقُوْلُ: 4( وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا العِلْمَ ـ يَعْنِي: كُتُبَهُ ـ عَلَى أَنْ لَ يُنْسَبَ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ 5( وَقَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّــافِعِيَّ يَقُوْلُ: وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ أُعَلِّمُهُ النَّاسُ، أُوْجَرُ عَلَيْهِ وَلَ يَحْمَدُونِي 1( 2( 3( 4( 29/10( 5( 6(
عدد الصفحات ٥٧٧ظعَََِخظَشَق ظََِِش رَِتقنقَِ وَرَوَى ذلِكَ عَمْرُو بنُ سَوَّادٍ أنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: كَانَتْ نَهْمَتِي الرَّمْيِ، وَطَلَبِ العِلْمِ، فَنِلْتُ مِنَ الرَّمْيِ حَتَّى كُنْتُ أُصِيبُ مِنْ عَشْــرَةٍ عَشْــرَةً، وَسَكَتَ عَنِ العِلْمِ. فَقُلْتُ: أَنْتَ ـ وَاللهِ ـ فِي العِلْمِ أَكْبَرُ مِنْكَ فِي الرَّمْيِ وَكَانَ عاقِلاً عَالِمًا حَلِيْمًــا بَصِيْرًا، وَعَرَفَ للمُقَابِلِ حَقَّــهُ وَحُرِيَّتَهُ كَمَا قَالَ يُوْنُسُ الصَّدَفِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ، نَاظَرْتُهُ يَوْماً فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ افْتَرَقْنَا، وَلَقِيَنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوْسَى، أَلَ يَسْتَقيمُ أَنْ نَكُوْنَ إِخْوَاناً وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ يُعَلِّقُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ عَلَى هذَا الْمَوقِفِ قَائِــ عَقْلِ هَذَا الإِمَامِ، وَفِقْهِ نَفْسِهِ، فَمَا زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتَلِفُوْنَ [ بَلِيْــغٌ وَإِنْ مَــدَّ البَيَــانُ لَــهُ يَــدَاسَــلامٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ يَبْلُــغُ وَصْفَهُ وَكَانَ ل يَشُقُّ عَلَى أَحَدٍ وَل يَسْتَخْدِمُ أَحدًا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ كَمَا حَكَى عَنْهُ الرَّبيعُ بنُ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: مَرَّ الشَّــافِعِيُّ يَوْمًا بِالْحَذَّائِينَ فَسَقَطَ سَوْطُهُ مِنْ يَدِهِ فَقَامَ ِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَه! أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْتَ؟ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخَذَ السَّوْطَ وَمَسَحَهُ بِيَدِه ِ إِلَى كُمِّهِ أَوْ: جَيْبِهِ آثَرْتَنِي عَلَى نَفْسِكَ! كَيْفَ أُؤَدِّي شُكْرَكَ؟ ثُمَّ تَنَحَّى وَضَرَب بِيَدِه فَأَخْرَجَ مِنْهُ دَنَانِيرَ لَ أَدْرِي خَمْسَةً أَوْ: عَشَــرَةً أَوْ: أَكْثَرَ ـ وَأَكْبَرُ ظَنِّي عَشَرَةٌ ـ وَقَالَ لِي: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَاعْتَذِرْ عَنِّي عِنْدَهُ فَإِنِّي لَمْ يَحْضُرْنِي غَيْرُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ 1( 2( 3( 4( 5(
عدد الصفحات ٥٧٨578 وَقَالَ الْمُزَنِيُّ كُنْتُ عِنْدَ الشَّــافِعِيِّ يَوْمًا وَدَخَلَ عَلَيْهِ جَارٌ لَــهُ خَيَّاطٌ فَأَمَرَهُ بِإِصْلاحِ أَزْرَارِهِ فَأَصْلَحَهَا، فَأَعْطَاهُ الشَّافِعِيُّ دِينَارًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْخَيَّاطُ وَضَحِكَ! فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: خُذْهُ فَلَوْ حَضَرَنَا أَكْثَرُ مِنْهُ مَا رَضِينَا لَكَ بِهِ. فَقَالَ الْخَيَّاطُ: إِنَّمَا دخلتُ إِلَيْكَ لأُِسَلِّمَ عَلَيْكَ. فَقَالَ الشَّــافِعيُّ: فَأَنْتَ إِذًا زَائِرٌ وَضَيْفٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُرُوْءَةِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ بالزَّائرِ وَلَ بالضَّيفِ وَكَانَ رَحِيْمًــا بِتَلامِذَتِهِ وَصَبُــورًا عَلَيْهِم كَمَا جَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُــفَ : 5الْهَرَوِيِّ أنَّهُ قَالَ: سَــمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُــلَيْمَانَ يَقُولُ: قَالَ لِيَ الشَّــافِعِي « يَرْجِعُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ التَّاجُ السُّــبْكِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ حَيْثُ قَالَ (فَتَاوِيهِ): كَانَ الرَّبِيْعُ بَطِيْءَ الْفَهْمِ فَكَرَّرَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً أَرْبَعِيْنَ مَرَّةً فَلَمْ يَفْهَمْ وَقَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ حَيَاءً! فَدَعَاهُ الشَّــافِعِيُّ فِي خَلْوَةٍ وَكَرَّرَ عَلَيْهِ حَتَّى فَهِمَ [ فَالحُســنَ أضْمَرَ وَالْمَلاَحَــةَ أظْهَرَابَلَغَ الكَمَــالَ عَلَى اختِــلافِ فُنُونِهِ سُــبْحَانَ اللهِ! أَتَعْلَمُ لِمَاذَا رَفَعَ اللهُ قَدْرَهُ وَأبْقَى ذِكْرَهُ وَمَجْدَهُ شَــائِعَيْنِ بينَ ِ الأَفعَالِ الرَّفيعَةِ الَّتِي ل يَعْرِفُ الطَّاعِنُونَ إِلَيْهَا سَبِيْلا. الأَنامِ؟ بِسَبَبِ هذِه وَهَذا كُلُّهُ مُخـالِفٌ لتَـزوِيرَاتِ جَنَابِ الْمهنْدِسِ وَتدلِيسَــاتِهِ فِـي حَقِّ هـذَا الجَبَلِ. 1( 2( 3(
عدد الصفحات ٥٧٩ظعَََِخظَشَق ظََِِش رَِتقنقَِ مَعْرِفَتُهُ الْمُرْهَفَةُ بِالشِّعْرِ وَقَدْ كَانَ أُعْجُوبَةً فِي الشِّعْرِ حَيْثُ يحْفَظُ أَشْعَارَ العَرَبِ كَثِيْرًا وَلَ تَكَادُ تَجِدُ بيتًا يُقرَأُ إِلَّ وَهُوَ يَعْرِفُ قَائِلَهُ، كَمَا قَالَ الزَّعْفَرَانِي أَعْلَمَ مِنَ الشَّــافِعِيِّ، كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ وَأَفْصَحَ النَّاسِ وَكَانَ يُقْــرَأُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ الشِّعْرِ فَيَعْرِفُهُ، مَا كَانَ إِل بَحْرًا وَلَهُ أَشْعَارٌ راقِيَةٌ بَدِيْعَةٌ فِي الزُّهْدِ وَالحِكْمَةِ وَبَيانِ اِعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالغَزَلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَغْرَاضِ الشِّــعْرِيَّةِ، ولِكنَّ الطَّابِعَ الغَالِبَ عَلَى أَشْعَارِهِ هُوَ الزُّهْدُ وَالحِكمَةُ وَالرَّقَائِقُ، فَلَوْ لَ خَشْــيَةُ التَّطويلِ لَسَــرَدْنَا طَرَفًا مِنْهَا، وَلكنَّ دِيوَانَهُ 2( مَطْبوعٌ عِدَّةَ طَبَعَاتٍ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ شاءَ [ لَكُنْــتُ اليَــوْمَ أَشْــعَرَ مِــنْ لَبِيْــدِوَلَــوْلَ الشِّــعْرُ بِالعُلَمَــاءِ يُــزْرِي 1( 2( يَرَىَ البَاحِــثُ أَبياتًا تُوجَدُ فِي دِيوانِ الإِمَامِ الشَّــافِعِيِّ وَالإِمَامِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَالشَّــاعِرِ العَبَّاسِيِّ أَبي العَتَاهِيَةِ، كَمَا هُوَ الحَالُ فِي هذَا قَدْ كَانَ مِنِّي) وَهذَا [ الشَّــافِعِيِّ وَأبِي العَتَاهِيَةِ وَإِلَى بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ أيْضًا، وَالسَّــبَبُ فِي ذلِكَ أَنَّ هُؤلءِ الثَّلاثَةَ (عَلِيًّا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا العَتَاهِيَةِ) يَشــتَرِكُونَ فِي كَثْرَةِ أبياتِ الزُّهْدِ وَالحِكْمَةِ، فَنَسَبَ الْمُحَقِّقُونَ بَعْضَ الأَبياتِ إِلَى الثَّلاثَةِ مَعًا، أَوْ: إِلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، فَلِذلِكَ عَلَيْكُــمْ بالتَّحقيقِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الكُتُبِ التَّاريخِيَّةِ قبلَ النَّشرِ وَالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم مِنَ الدَّواوِينِ الْمَطبوعَةِ جَازِمًا، وَهذَا قَدْ حَصَلَ لِدَارِ الْمَعْرِفَةِ وَدَارِ الجِيلِ وَدَارِ صَــادِرٍ وَغِيرِهَا مِنَ الدُّورِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مُعْظَمَ الأبياتِ الْمَنسُــوبَةِ إِلَى أميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ كَذِبٌ ل إِسْنَادَ لَهَا، وَمَعَ هَذَا يُدْحِضُ التَّارِيخُ أَكْثَرَهَا.
عدد الصفحات ٥٨٠580 الإِمَامُ وَتَمَكّنُهُ فِي العَرَبيَّاةِ عَلَمًا مِنْ أَعلامِ اللُّغَةِ، فَيَعْرِفُ عَنْهَا الفُضْلَةَ 5كَانَ الإِمَامُ الشَّــافِعِي والبُلْغَة، وَيَشْــهَدُ بِذلِكَ القَاصِي وَالدَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مَثِيْــلُ وَل كُفْءٌ لَهُ يُدَانِــي، وَاعتَرَفَ بِفَضْلِ عَرَبِيَّتِــهِ فَطَاحِلُ عُلَمَاءِ اللُّغَــةِ وَأَرْبَابُهَا، وَخَضَعَ لِمَعْرِفَتِهِ بِهَا مُعَلِّمُهَا وَأُســتَاذُهَا، كَمَا وَضَعَ الإِمَامُ أبُو مَنصُورٍ الأَزْهَرِيُّ ـ صَاحِبُ تَهْذِيبِ اللُّغَةِ ـ كِتَابًا فِي شَرْحِ غريبِ أَلْفَاظِهِ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ أَشارَ إِلَى أنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى دَوَاويــنِ الفُقَهَاءِ وَالعُلَماءِ وَلكنَّهُ لَــمْ يَجْدْ مِثْلَ إِمَامِنَا الشَّــافِعِيِّ، فَقَالَ بُرْهَانَــهُ وَلَقَّاهُ رِضْوَانَــهُ ـ أَثْقَبَهُمْ بَصِيْــرَةً وَأَبْرَعَهُمْ بَيَانًــا وَأَغَزْرَهُمْ عِلْمًا وَأَفْصَحَهُمْ لِسَانًا وَأَجْزَلَهُمْ أَلْفَاظًا وَأَوْسَعَهُم خَاطِرًا، فَسَمِعْتُ مَبْسُوْطَ كُتُبِهِ وَأُمَّهَاتِ أُصُوْلِهِ مِنْ بَعْضِ مَشَايْخِنَا، وَأَقْبَلْتُ عَلَى دِرَاسَتِهَا دَهْرًا وَاسْتَعَنْتُ عَرَبِيَّةً 5بِمَا اسْــتَكْثَرْتُهُ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ عَلَى تَفَهُّمِهَا، إِذْ كَانَــتْ أَلْفَاظُهُ مَحْضَةً وَمِنْ عُجْمَةِ الْمُوَلَّدِيْنَ مَصُوْنَةٌ وَيَكْفِيْهِ أَنْ يَكُونَ الأَصْمَعِيُّ تَلْمِيذًا مِنْ تَلامِذَتِهِ فِي اللُّغَةِ والشِّعْرِ، كَمَا صَرَّحَ بأنَّهُ قَرَأَ دِيوَانَ الهُذَلِيِّينَ وَشِعْرَ الشَّنْفَرَى عَلَى الإِمَامِ وتَكْفِيْهِ شَــهَادَةُ الإِمَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ هِشَــامٍ اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ قَالَ: طَالَتْ مُجَالَسَتُنَا لِلشَّافِعِيِّ، فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ لَحْنَةً قَط 1( 2( ص 3( .)316/14(
عدد الصفحات ٥٨١