َظلقَش ُقاََظعَِش ََِِعَِش َِرظخلَعِ الله، وإن تفرع فروع الأســباب التي يقبل بها عنهما، كما أحلّ وحرّم، وفرض وحدَّ: بأسباب متفرقة كما شاء جلّ ثناؤه ((ل يسئل عما يفعل وهم يسئلون)) الأنبياء ـ أقُولُ: إنَّ الإِمَامَ لَم يَربِطْ فَهْمَــهُ وَمُصْطَلَحَهُ بِطَاعَــةِ اللهِ وَرِضَاهُ كَمَا أوهَمَ المهندِسُ، بلْ: رَبطَهُمَا بالَوحْي الثَّانِي (أَعْنِي السُّنَّةَ الغَرَّاءَ)، وَالمهندِسُ يحاولُ جَاهِدًا أنْ يقُولَ بأنَّ الشَّافِعيَّ هوَ أوَّلُ مَنِ استَخدمَ السُّنَّةَ وَرآهَا تَشرِيعًا، ويُريدُ أنْ يَرسَخَ هذا فِي ذهنِ القُرَّاءِ، وَلكنَّنَا بيَّنَّا خِلافَ ذلِكَ قبلَ قليلٍ! ثُمَّ يقُولُ المهندِسُ فلماذا لم يأمر النبي الكريم بجمعها وكتابتها إلى جانب كتاب الله؟ أولنقل لماذا لم يعرفها هو بنفسه؟ وفي هذه الحال أل يعتبر النبي مقصراً في إتمام الرسالة وجمعها للناس جميعاً؟! ثم ما حال الناس الذين سبقوا الإمام الشافعي دون أن يعرفوا على مر أكثر من قرن ونصف (ولد الشافعي الحكمة هي سنة رسول الله وأنها المصدر الرديف لشرع الله وأمره؟!! أخيرا فإن الإمام الشــافعي ـ انطلاقاً من مصطلح الســنة ـ اعتبر ما فعله النبي ( ژ ) تشريعاً للبشرية جمعاء وكأن النبي ( ژ ) جاء ليعلم الناس أبسط الأمور من التغوط والنظافــة الذاتية وانتهاء بالحكمة المنشــودة مروراً ببيت الزوجية تحت شعار ل حياء في الدين!!! وقد فات الإمام الشافعي الحضارات العظيمة التي كانت سائدة آنذاك قبل بعثة النبي الكريــم بدءاً من الحضارة الفرعونية ونظامهــا العمراني والزراعي 1( وسَيأتِي فِي تَرْجَمَتِهِ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى
عدد الصفحات ٢٩٤294 والجتماعــي والعســكري وانتهــاء بالتعاليــم والمفاهيــم الزرادشــتية والكونفوشوسية مروراً بحضارة الإغريق ومابين النهرين وتشريعات حمورابي اليى دخلت في أدق تفاصيل تنظيم الدولة والمجتمع والجيش أقُولُ: إنَّ المهندِسَ يريدُ أنْ يُكَدِّرَ الحَقَّ كُلَّمَا وَجَدَ فُرْصَةً، فَهُوَ يَهْمِسُ وَإِذَا رَأى الْمَصْلَحَةَ فِي الصّياحِ يَصيحُ وَيُنادِي بأعلَى صَوتهِ: يا مَعْشَرَ النَّاسِ مَا كَانَتِ السُّنَّةُ تَشــريعًا حَتَّى جاءَ الشَّــافِعيُّ وَجَعَلهَا حُجَّةً ودينًا، مَعَ أنَّ الجميعَ يَعرِفُ خِلافَ ذلِــكَ، لأنَّ هُناكَ أدلَّةً كثيــرَةً عَلَى قبولِ الأحاديثِ النَّبويَّــةِ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ نَفْسِهَا وَأقوالِ الصَّحَابَةِ وَأفْعَالِهِم ـ وَعَلَى رأسِهِمُ الخُلَفَاءُ الأرْبَعَةُ ـ وَمِنَ العَقْلِ وَالْمَنطِــقِ، وَذَكَرْنَا هُنَا طرَفًا مِنْهَا وَذَكَرْنَا فِــي الكِتَابِ الأَوَّلِ طَرَفًا آخَرَ، ولعلَّ اللهَ أنْ يُيَسِّرَ لَنَا إِتْمَامَ كِتَابِنَا الْمُسْتَقِلِّ فِي ذلِكَ. أمَّا أمرُ الرَّسُولِ ژ وَإِذْنُهُ بكِتَابَةِ السُّنَّةِ فَقَدْ مَضَى وَتَكلَّمْنَا عَنْهُ فِي الكِتَابِ 1( الأوَّلِ وَأشْبَعْنَا القَوْلَ هُنالِكَ وَذكَرَنَا أدلَّةً قاطِعَةً فَليُرَاجَعْ أمَّا إِعْجَــابُ أوزونَ بِتِلْكَ الحَضَــاراتِ الَّتِي ذكَرهَا مَعَ تَعَاليمِ زَرَادَشْــتَ وَكُونفوشيوسَ، فلا شكَّ أنَّ فيهَا أشياءَ حَسَنةً، ولكنَّ العَجيبَ أنَّ أوزونَ يُشوِّهُ سُمعَةَ المسلمينَ وَحَضَارَتَهُم وَل يَتكلَّمُ عنْهُم بِنِصْفِ مَدْحٍ وَل شَطْرِ ثَناءٍ، وَلكنَّهُ يُثْنِي عَلَى كُلِّ الأديانِ الوَضعيَّةِ وَالْمُحرَّفَةِ وَالفَلْسَــفَاتِ الْمَاديَّةِ، وَقَدْ كَانَ يَصِفُ المســيحيَّةَ بخيرِ الأَديانِ كَمَا قالَ فِي كِتابِهِ (لَفَّقَ المسلِمُونَ كانوا وما زالــوا أبعد أهل الأرض عــن جديد دين الله... وســرى الجمود في مجتمعهم حتى بلغ أحاسيسهم فتبلدت المشــاعر وسادت البغضاء... وأصبح اختطاف وقتل الأبرياء وذبحهم شــجاعة وبطولة تســتحق وبجدارة أن تسمى 1(
عدد الصفحات ٢٩٥َظلقَش ُقاََظعَِش ََِِعَِش َِرظخلَعِ بطولة الأنذال... أخيرا ل يسعني إل أن أثني على أصل الديانات السماوية التي سبقت الإسلام وأخص الأخوة المسيحيين في الغرب الذين استحقوا وبجدارة المكانة والسيطرة التي وصلوا إليها لأنهم عرفوا الله حقا وجعلوا من دينهم خير ديانات القرن الواحد والعشرين في محبة الله ومحبة الإنسان وَمِنْ هُنَا جَاءَ لِيُكْمِلَ مَا بَــدأَ بِهِ منْ تبجِيلِ غيرِ المسْــلِمينَ وَتفضيلِهِم علينَا، ولكنَّهُ يَتجَاهَلُ مَا في هــذِهِ الحَضاراتِ وَالدِّياناتِ وَالفَلْسَــفَاتِ مِنَ الخُزَعْبَلاتِ وَالأَباطيلِ! وَلكنَّهُ كَمَا قيلَ: [ ولكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيِ الْمَسَاوِيَاوعيــنُ الرِّضَا عَن كلِّ عَيــبٍ كَلِيلةٌ ✿ ✿ ✿ 1( 2008/
عدد الصفحات ٢٩٦296 يَتَكلَّمُ المهندِسُ عنِ الفَرْقِ بينَ الرَّسولِ وَالنَّبيِّ كَلاَمًا عجيبًا، وَهوَ معلومٌ عنْ أعدَاءِ السُّــنَّةِ الْمُعَاصِريــنَ، وكَانَ أوزونُ ذكَرَهُ في جنايَتِهِ فــي حَقِّ الإِمَامِ البُخَاريِّ، وَجدَّدَ بِــهِ العَهْدَ مَرَّةً أُخــرَى وَقالَ مصطلح السنة عن الرســالة أو النبوة عند الإمام الشافعي خاصة وأنه ـ حسب مدرســة الترادف ـ يتداخل عنده مفهوم كلمة (الرســالة) التي تأتي منها كلمة الرسول و(النبوة) التي تأتي منها كلمة النبي، ويظهر ذلك جلياً في معظم نتاجه الفكري حيث يتم دائماً استبدال كلمة الرسول بالنبي والعكس صحيح، فعلى ســبيل الذكر ـ ل الحصر ـ نجده يقول تحت عنوان: (بيان فرض الله في كتابه اتباع نبيه ثناؤه أنه جعله علماً لدينه.. إلخ. ا.هـ ما أبان الله خلقه من فرضه على رسوله أتباع ما أوحى إليه) يقول قد فرض على نبيه اتباع أمره وشهد له بالبلاغ عنه وشهد به لنفسه. ا.هـ فكما نلاحظ يقول في عنوانيه الرئيسيين (اتباع نبيه) ويذكر الرسول. وفي (فرضه على رسوله) يذكر النبي ( ژ ) حتى أنه عندما يذكر النبي يأتي بدليل من الذكر الحكيم فيه الرســول والعكس صحيح، فمثلاً تحت عنوان (فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه) يورد قوله تعالى: !الفَرْقُ بينَ الرَّاسُولِ وَالنَّابِيِّ
عدد الصفحات ٢٩٧ش تظاَََِلُعظَش اََِخَقَرظش َِرقَت « عنوان سنة نبيه يورد قوله تعالى « أقُولُ: إنَّ مُشــكِلَةَ أوزونَ العُظْمَى وَمُصِيْبَتَهُ القُصــوَى هِيَ عَدَمُ فهمِ كَلامِ المخَالفِ وَالِعتراضُ عليــهِ، فإنَّكَ إِذَا لَمْ تَفْهَمْ كَلامًــا فَكَيْفَ تَعْتَرِضُ عليهِ؟ فيُمكِنُ أنْ يكُونَ الحَقُّ مَعَهُ وأنتَ لَسْتَ عَلَى شَيْءٍ! إنَّنَا لَمْ نُخلِّطْ بينَ الرَّسُولِ وَالنَّبيِّ، ولكِنْ بينَهُمَا عُمومٌ وخصُوصٌ. فالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي أُرْسِلَ بِرِسَالَةٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيْغِهَا، أمَّا النَّبيُّ فَبُعِثَ للإِنْذارِ دونَ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ فالأَوَّلُ كُمُوسَى عليِهِ السَّلامُ وَالثَّانِي كَأخِيْهِ هَارونَ. فَعَلَى ذلِكَ كُلُّ رَسُــولٍ نَبيٌّ فِي الوَقتِ ذاتِهِ وَليسَ العَكْسُ، فَكَلامُ الإِمَامِ كُلُّه يَنْدَرِجُ تحتَ هذا وأنَّهُ استَخدَمَ الِسْمَينِ مَعًا للَّذِي أُنزِلَ إِليهِ 5الشَّافِعي الكِتابُ، فهذا ل غُبارَ عَلَيْهِ لأنَّهُ يَحْمِلُ صِفَتَيِ الرِّسَالَةِ وَالنَّبَإِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، ولكنَّ مُشكِلَةَ أوزونَ هِيَ مُشْكِلَةٌ مَنهَجيَّةٌ حَيْثُ إنَّ مُقَدِّمَاتِ قِيَاسِهِ فَاسِدَةٌ فلذلِكَ تَكُونُ النَّتَائِجُ مَغلُوطَةً ساقِطَةً، لأنَّهُ أخْطأَ فِي التَّعريفِ وَالْمَاهيَةِ فكيفَ ل يُخْطِئُ في النَّتيجَةِ والحُكمِ؟ ثمَّ قالَ أوزونُ وكلمة (النبي) لنصل من خلالهما إلى مفهوم الرســالة المنشودة. وسأكرر هنا ماذكرته في كتابي الســابق عبد الله رجل حمل صفتين معاً: هما صفة الرسول (من الرسالة) وصفة النبي (من النبوة)... نجد أنه من مقــام النبوة يقوم محمد النبــي ( ژ ) بالجتهاد والعمل حسب المعطيات والإمكانيات والأرضية المعرفية السائدة ويصحح له
عدد الصفحات ٢٩٨298 من خلال ذلك المقام، لذلك نجد أن تصويب العزيز الحكيم يكون دوماً من مقام النبوة كما في قوله تعالى مرضاة أزواجك والله غفور رحيـم له أســرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم عبر جبريل الأمين في كتابه العزيز فهو معصوم 8والأوامر التى أوحاها له ا فيها من الوقوع في الخطأ وقد عصمه الله من ذلك، وعليه فإن الطاعة في كتاب الله هي للرسول في مقام الرسالة حيث نجد قوله تعالى دائماً في إطاعة الرسول ل النبي كما في قوله تعالى وصدق من وصف أقواله بـ (الحديث النبوي الشريف) إذ ليس لدينا أحاديث رسولية لأن رسالة رسولنا محمد ( ژ ) هي كتاب الله الذي حفظناه في السطور والصدور 1( ِ كمَا بيَّنَهَا قولُهُ تعَالى في سُورةِ الحُجُرَاتِ: (يا أيُّهَا الَّذِي...)، وكيفَ يجهَلُ عظَمَةَ مقَامِ النُّبوَّة الَّذينَ آمَنُوا ل تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَل تَجْهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ....) فَإِذَا كانَ مجرَّدُ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى النَّبيِّ وَجَهْرِ القَوْلِ لَهُ مُحْبِطًا للأَعْمَالِ فكيفَ فكيفَ بِمُخَالَفَةِ ِ.! وَهَلْ يرى أوزونُ تحريمَ رفعِ الصَّوتِ عليهِ ولكنْ ل يَرَى في مخالَفَةِ أمرِهِ أيَّ بأسٍ أَوْ أمرِه حَرَجٍ؟معَ أنَّ الكُلَّ يعلمُ بأنَّ المخالفةَ أعظمُ من مجرَّدِ رفعِ الصَّوتِ أوِ الجَهْرِ بالقَولِ.! ول أدري كذلكَ كيفَ فَاتَهُ الأَمْرُ بِطَاعَةِ النَّبيِّ وَعَدَمِ مَعْصِيَتِهِ في مَعْرُوفٍ في سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ في آيةِ امتِحَانِ المؤمِنَاتِ (يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَــاءَكَ.....وَل يَعْصِيْنَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ضَعْ تَحْتَ قَوْلِهِ (وَلَ يَعْصِيْنَكَ فِي مَعْرُوفٍ) أَلْفَ وَأَلْفَ خَطٍّ. وَكيفَ فَاتَهُ عِتَابُ اللهِ تَعَالى عِتَابًا شَــدِيدًا لِبَعْضِ نِسَــاءِ النَّبيِّ في مخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبيِّ ـ وليسَ ِ التَّحريمِ (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبيُّ إِلى بَعْضِ أَزْوَاجهِ حَدِيْثًا.... الرَّسُولَ ـ كَمَا فِي الآيةِ الكريمةِ في سُورة إِنْ تَتُوبَا إِلى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ...)، أَلَيْسَ في كُلِّ ذَلِكَ أَدِلَّةٌ وَاضحةٌ لوجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبيِّ ژ .؟! (أ.د.عُثْمَانُ).
عدد الصفحات ٢٩٩ش تظاَََِلُعظَش اََِخَقَرظش َِرقَت أقُولُ: أيُّهَا القَــارِئُ الحبيبُ لقدْ تَكلَّمنَا عنْ هــذا الموضُوعِ وتَناقُضِ أوزونَ 1( وَاضطِرابِهِ فيهِ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ لَعلَّكَ تُراجِعُهُ « ﭢالنَّقْلِ، بلِ الرَّســولُ مُبَلِّغٌ لكَلامِ اللهِ تَعَالَى وشارحٌ لَهُ، كَمَا قال تعالَى: ﴿ ﴾ النحل.ﭮ ﭭ ﭬ ﭫ ﭪ ﭩ ﭨ ﭧ ﭦ ﭥ ﭣﭤ ) زالَ الإِشــكالُ، لأنَّ ﭬ ﭫ ﭪ ﭩ ﭨإذَا تدبَّرتَ قــولَ اللهِ تَعالى ( البَيانَ يحتاجُ إِلَى تفْصِيْلٍ وزِيادَةِ إِيضاحٍ وَأحْــكَامٍ لم تُذكَرْ فِي الكِتابِ، لَو لم يكُنْ كذلكَ وفَهمَ الناسُ كلامَ رَبِّهِمِ خِلالَ الكِتابِ وَحْدَهُ لَمَا أَرســلَ اللهُ تعالَى الرَّسُولَ إلَيْهِم واكتَفَى بالكِتَابِ فَقَط. وكذلِكَ له حَقُّ التَّشريعِ فِيَما لَمْ يأتِ بِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللهِ، كَمَا قَالَ تعَالَى: ﮋ ﮊ ﮉ ﮈ ﮇ ﮆ ﮅ ﮄ ﮃ ﮂ ﮁ ﮀ ﭿ ﭾ ﭽ﴿ ﮘ ﮗ ﮖ ﮕ ﮔ ﮓ ﮒ ﭟ ﮐ ﮏ ﮎ ﮍ ﮌ ﴾ التوبة.ﮙ ل يخفى على ذِي عَقْلٍ أنَّ القرءانَ الكَريمَ أُنزِلَ باللُّغَةِ العَرَبيةِ، فَلا بُدَّ من مُراعَاةِ هذه اللُّغةِ عنْدَ تفْســيرِ آياتِهَا لأنَّ كلَّ نصٍّ عِنْدَمَا يُفسَّرُ ينبغي أنْ تُرَاعَى لتَفسيرِهِ اللُّغَةُ الَّتِي كُتِبَ بِهَا ليكونَ تفسيرًا صحيْحًا مَقْصُودًا. ِ الآيةِ الكريمةِ رأينَا أنَّ الرَّسولَ ژ لَهُ صلاحيةُ إذا طَبَّقنا قواعِدَ اللُّغَةِ على هذه التَّحْرِيْمِ كَما يُحَرِّمُ اللهُ تَعَالَى، لأنَّ الـمُقرَّرَ فِي اللغةِ: (الْعَطْفُ يَقتَضِي الْمُغَايَرَةَ 1( 2( للزركشي الجوامعِ
عدد الصفحات ٣٠٠300 خلالَ ذلكَ العطفِ نَعْلَمُ أنَّ اللهَ ســبحَانَهُ وتعالَى ذكرَ لنفْسِهِ العَلِيَّةِ تحريْمًا وكذلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ تَحْريمًا آخَرَ وهو لرســولِهِ ومصْطَفَاهُ ژ ، وهذا الأسلوبُ يقتضِي أن يكونَ الأوَّلُ غيرَ الثانِي، وَيَجبُ أن يكونَ بينهمَا تفَاوتٌ فِي النِّسْبَةِ كَمَا هنالِكَ تَفاوتٌ فِي اللفْظِ. نَضربُ مثــالً لتَقْرِيْبِ الأَذْهَانِ لِفهمِ هذه القَاعِــدَةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: (جَاءَ مُعلِّمٌ وَمُهَنْدِسٌ). إذا قُلنا جَاءَ معلِّمٌ وعطفْنَا عَلَيْهِ مُهَنْدِسًــا، فَهذا العطفُ يقْتَضِي التَّغايُرَ بينَ الأوَّلِ والثَّانِي، يعنِي يجِبُ أن يكُونَ الشَّخْصُ الأوَّلُ الَّذِي يحمِلُ صفَةَ التَّعلِيمِ غيْرَ الثَّاني الَّذِي يحمِلُ صفةَ الهَنْدَسَةِ. فعَلَى هذا نقولُ: إنَّ للهِ تَشــريْعًا وهوَ القرءانُ الكريمُ ولِرَسولِهِ تَشْرِيعًا وهو سُنَّتُهُ ژ وَل أنْسَى تعليقَ الشَّيخِ الْمُحَقِّقِ مُحمَّدِ بنِ الشَّيْخِ طَاهِرٍ البَرْزِنجيِّ ـ شَافَاهُ اللهُ تَعَالَى وَعَافَاهُ ـ علَى كَلامِ أوزونَ فِي كِتابِي الأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: في كتابِ اللهِ ِ آيَةٌ واحدةٌ تَهْدِمُ كلَّ ما بَنَاهُ أُوزونُ وَأَسْيَادُهُ وَأَذْيَالُهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى في سُورَة الأَعْرَافِ: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُــولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ) فَفِي اللَّحْظةِ الَّتي كَانَ فِيْهَا عليه السَّــلامُ نَبِيًّا كانَ رَسُــوْلً فَلا فَصْلَ بينَ المقَامَيْنِ بِحَقِّــهِ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَطَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُهُ على الوجُوبِ نبيًّا كَانَ أَوْ: رسول، ثُمَّ في نهايةِ الآيةِ تَخْويلٌ مِنَ اللهِ سبحانَهُ لِنَبِيِّهِ بِأَنَّ لَهُ حَقَّ التَّشريعِ: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ 1(
عدد الصفحات ٣٠١ش تظاَََِلُعظَش اََِخَقَرظش َِرقَت فَهذا القَوْلُ الَّذي قالَهُ أوزونُ بأنَّ الرَّسُولَ ژ يَجتَهِدُ في غيرِ القُرآنِ وَيُمكنُ أنْ يُخْطِئَ ســواءٌ في أمورِ الدِّينِ أوِ: الدُّنيا فقولٌ باطِــلٌ، وإِذا قُلنا بهذا القَوْلِ لَ يَبْقَى بينَ الرَّسولِ وَبينَ الْمجتَهِدِ ثَمَّةَ فَرقٌ جَوْهَرِيٌّ، وَهَذِهِ هِيَ كَارِثَةٌ بعيْنِهَا. وَحَقَّقَ فِي الْمَسْألَةِ 5نَجْعَلُ خِتَامَ كَلامِنَا مَا قالَهُ الشَّيخُ مُحمَّد رَشِيْد رضَا تَحْقِيقًا بَدِيْعًا، حيثُ قالَ ِ فِيهِ؟ أَمْ بِوَحْيٍ آخَرَ لَ ذِكْرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ، هَلْ هِيَ مِنْ رَأْيِ النَّبِيِّ ژ وَاجْتِهَادِه غَيْرِ الْقُرْآنِ؟ أَمْ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِاسْتِئْنَافِ التَّشْرِيعِ؟ وَالْخِلاَفُ مَشْهُورٌ، وَرَجَّحَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ژ يُسْأَلُ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَيَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَ قِيَاسٍ لِقَوْلِــهِ تَعَالَى: (بِمَا أَرَاكَ اللهُ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ژ أُمَّتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَ تَمْثِيلٍ). وَنَقُولُ: لَ يَتَّجِهُ الْخِلاَفُ إِلَّ فِي الأَْحْكَامِ الدِّينِيَّةِ الْمَحْضَةِ، وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الْمَدَنِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ فَقَدْ أُمِرَ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيهَا، وَكَانَ يَرَى الرَّأْيَ فَيَرْجِعُ عَنْهُ لِــرَأْيِ أَصْحَابِهِ، وَعَاتَبَــهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَعْــضِ الأَْعْمَالِ الَّتِــي عَمِلَهَا بِرَأْيِهِ ژ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي غَزَوَاتِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَتَبُوكَ، وَلَ يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِوَحْيٍ. ، وَفِيمَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ مِنْ 8الرَّسُولُ ژ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ أَمْرِ دِينِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مَسْــأَلَةِ تَلْقِيــحِ النَّخْلِ حِينَ ظَنَّ أَنَّــهُ لَ يَنْفَعُ فَتَرَكَهُ بَعْضُهُمْ لِظَنِّهِ فَخَسِرَ مَوْسِمَهُ حَدَّثَتْكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
عدد الصفحات ٣٠٢302 إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ فَوَّضَ إِلَى الْمُسْــلِمِينَ أُمُورَ دُنْيَاهُمُ الْفَرْدِيَّةَ وَالْمُشْتَرِكَةَ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ، بِشَرْطِ أَلَّ تَجْنِيَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَهَدْيِ شَرِيعَتِهِمْ فَجَعَلَ الأَْصْلَ فِي الأَْشْــيَاءِ الإِْبَاحَةَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ الْمُؤْمِنِينَ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَرِجَالُ الشُّورَى بِالتَّبَعِ لِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَأَرْشَدَ إِلَى رَدِّ أُمُورِ الأَْمْنِ وَالْخَوْفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسِّيَاسَــةِ وَالْحَرْبِ وَالإِْدَارَةِ إِلَى رَسُــولِ اللهِ وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ ✿ ✿ ✿ 1(
عدد الصفحات ٣٠٣303 ثُمَّ يَتَطَرَّقُ المهنْدِسُ إلَى القَوْلِ بأنَّ فِي القُرآنِ بَيَانَ كُلِّ شَــيْءٍ، وَيَسْــتَدل ﭷ ﭶ ﭵ ﭴ ﭳ ﭲ ﭱ ﭰ ﭯبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴾ النحل.ﭸ وَيقُولُ لَسنَا بحاجَةٍ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ژ ، وَيَكْفِينَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دونَ غَيْرِهِ. يُمكِنُ أنْ يُقَالَ: قَدْ عَلِمنَا أنَّ اللهَ تَعَالَى ذكَرَ فِي كِتَابِهِ حُجِّيِّةَ السُّــنَّةِ، ِ الآياتِ؟! وَأنَّ العَقْلَ يُقَرِّرُ حُجّيَّتَهَا، ولكِنْ كَيْفَ نُفَسِّرُ هذِه ِ غيرُ مقبُــولٍ وَيَرْفُضُهُ الوَاقِعُ أقُولُ: إنَّ هذَا التَّفْسِــيْرَ مِنَ الْمُهَنْدِسِ وَغَيْرِه وَيعتَرِفُ بِرَفْضِهِ هؤلءِ النَّاسُ أنْفُسُــهُم، كَيْفَ؟ إِذا أردتَ أنْ تَتيَقَّنَ مِنْ جَوابِي فَاسألْ كُلَّ مَنْ فسَّرَ الآيَةَ عَلَى أنَّ في القُرآنِ كُلَّ شيءٍ، وَقُلْ لَهُ: هَلْ فِي القُرآنِ كُلُّ العُلُومِ الكَونيَّــةِ وَالتَّجريبيَّةِ وَالفَلَكيَّةِ وَباقِي العُلُومِ الأُخرَى؟ ل شَــكَّ أنَّهُ يقولُ: ل لَيْسَ كذلِكَ فالآيَةُ ليسَتْ عَلَى إِطْلاقِهَا بلْ تَقْصِدُ الشَّريعَةَ. فَقُلْ لَهُ: أينَ 1( ل ضيرَ ول حرجَ ول إشكالَ في بقاءِ هذا النصِّ (تبيانًا لكلِّ شيءٍ) وأمثالِهِ على العمُومِ، لأن للبيانِ القرآنيِّ نوعينِ، النوعُ الأوَّلُ: بيانٌ مباشِرٌ منَ القرآنِ نفسِهِ كآياتِ الميرَاثِ مثلا، والنَّوعُ الثَّانِي: بيانُ إِحَالَةٍ، يُحِيلُكَ إلى غيرِهِ، كما في إِحَالَتِهِ النَّاسَ إلى أهلِ الذِّكْرِ مِنْ أهلِ الكتَابِ في قولِهِ تَعَالَى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لَ تَعْلَمُونَ) وَكذَلِكَ إِحَالَتُهُ للعَقْلِ وَللسُّنَّةِ. وَثَمَّةَ تقسِيمٌ آخرُ للبَيَانِ القُرآنيِّ إلى بَيانٍ تَفْصِيْلِيٍّ وَبَيَانٍ إِجْمَالِيٍّ. هَلْ فِي القُرآنِ الكَرِيْمِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ؟
عدد الصفحات ٣٠٤304 وَجْهُ التَّخصِيْصِ؟ وَبِمَ أخرَجْتَ العُلُومَ الكَونِيَّةَ وَالإِنسَانِيَّةَ مِنْ (لكُلِّ شيءٍ) مَعَ كونِهَا مِنْ صِيَغِ العُمُومِ؟ فأيَّ شَــيءٍ أجَابَ وَجَعَلَهُ مُخَصِّصًا فقُلْ لَهُ: أهُناكَ أقْــوَى منَ التَّخصِيصِ بالقُرآنِ الكَريمِ، حيثُ أعْطَى الرَّسولَ حَقَّ التَّشريعِ وَالتَّحلِيلِ وَالتَّحْريمِ بالوَحْي الثَّانِي، (أعنِي: السُّنَّةَ الْمُطَهّرَةَ)، كَمَا ذَكَرنَا آياتٍ كَثيرَةً؟ وَل يَخْفَى أنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَعْنِ جَمِيعَ أمُورِ الدِّيــنِ دَقيقِهَا وَجَليلِهَا، لأنَّهُ تَعَالَى أرسَلَ الرَّسُــولَ لِيُبيِّنَ الشَّــريعَةَ وَيُفَسِّرَ القُرآنَ وَيُوضِّحَ مُشْــكِلَهُ وَيُبيِّنَ مُجمَلَهُ، فإِذا كَانَ القُرآنُ ليسَ بحَاجَةٍ إلَى بيانٍ وَإيضَاحٍ وَفيهِ كُلُّ شــيءٍ، فَأينَ مُهِمَّةُ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؟! وَبالتَّالِي فإنَّ الآيَةَ الَّتِــي تَليهَا تُبيِّنُ أنَّ هُناكَ مُبْهَمَــاتٍ بِحَاجَةٍ إلَى بيانٍ ﮀ ﭿ ﭾ ﭽ ﭼ ﭻوَإِيضَاحٍ، قَالَ تَعَالَى عَقِبَ هذِهِ الآيَةِ: ﴿ ﮊ ﮉ ﮇﮈ ﮆ ﮅ ﮄ ﮃ ﮂ ﮁ ﴾ النحل.ﮋ ِ الألفَاظُ الَّتِي اسْــتُخْدِمَتْ كُلُّهَا غيرُ بيِّنَةِ وَهيَ بحَاجَةٍ إِلَى البيَانِ، فَمَا فَهذِه العَدْلُ وَالإِحسانُ اللَّذَانِ يأمُرُ اللهُ تَعَالَى بِهِمَا؟ وَمَا الفَحْشَاءُ وَالمنكَرُ وَالبَغْيُ الَّتِي يَنْهَى عَنْهَا؟ وَمَا دَقَائِقُهَا وَمَــا حَدُّهَا أصلا؟ لأنَّ العُقُــولَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الإِدراكِ وَالتَّقْرِيْرِ فالشَّيءُ الوَاحِدُ تَراهُ حَسَنًا وَعَدلً وَأنَا أراهُ سَيِّئًا وَظُلْمًا وَبالتَّالِي فَالنُّفوسُ مُتَمايلَةٌ إلَــى إِعْطَاءِ حَقِّهَا وَل يُهِمُّهَا حقُّ الآخرينَ حَتَّى تُنْصِفَهُ، فلِذلِــكَ هذه الألفَــاظُ بحاجَةٍ إَلَى ضبْــطٍ لِمَنْعِ هــواءِ ذَوي الأهواءِ وَحَجْرِهِم، فَلِذلِكَ نكونُ بحَاجَةٍ إلَى بيَانٍ وَيكونُ فِي السُّنَّةِ الغَرَّاءِ. ِ القَضَايا العَقْلِيَّةَ بإِطْنَابٍ. 1(
عدد الصفحات ٣٠٥َظلََتقََش ِّااُقَش اظاقلََقَلظُظَُِِمِلتَْظََتي وَيُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ الآيَةُ بأنَّ فِي القُرآنِ الكَرِيْمِ بَيَانَ كُلِّ الْمسَــائلِ الشَّرعيَّةِ ضِمْنًا، لأنَّ اللهَ تَعالَى أمرَ باتِّبَاعِ السُّنَّةِ، فيكُونُ مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ شِرعَةً، وأنَّ اللهَ تعالَى شَــرَّعَ الإِجماعَ وَالقِياسَ لِمَا ل نَصَّ فيهِ، فيكُونُ مَا شُرِّعَ عَنْ طَريقِهِمَا « : 5شُــرِّعَ بالقُرآنِ بِالوَاسِــطَةِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ الرَّازِي الْقُرْآنُ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَــيْءٍ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعُلُومَ إِمَّا دِينِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ دِينِيَّةٍ، أَمَّا الْعُلُومُ الَّتِي لَيْسَــتْ دِينِيَّةً فَلاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذِهِ الآْيَةِ، لأَِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا مَدَحَ الْقُرْآنَ بِكَوْنِهِ مُشْــتَمِلاً عَلَى عُلُومِ الدِّينِ فَأَمَّا مَا لَ يَكُونُ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ فَلاَ الْتِفَاتَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا عُلُومُ الدِّينِ فَإِمَّا الأُْصُولُ، وَإِمَّا الْفُرُوعُ، أَمَّا عِلْمُ الأُْصُولِ فَهُوَ بِتَمَامِهِ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَأَمَّا عِلْــمُ الْفُرُوعِ فَالأَْصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ إِلَّ مَا وَرَدَ عَلَى سَــبِيلِ التَّفْصِيلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَ تَكْلِيفَ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَّ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ بَاطِلا، وَكَانَ الْقُرْآنُ وَافِيًا بِبَيَانِ كُلِّ الأَْحْكَامِ، وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْقُرْآنُ إِنَّمَا كَانَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَــيْءٍ، لأَِنَّهُ يَدُلُّ عَلَــى أَنَّ الإِْجْمَاعَ وَخَبَرَ الْوَاحِدِ ِ الأُْصُولِ كَانَ ذَلِكَ وَالْقِيَاسَ حُجَّةٌ، فَإِذَا ثَبَتَ حُكْــمٌ مِنَ الأَْحْكَامِ بِأَحَدِ هَــذِه الحكم ثَابِتًا بِالْقُرْآنِ، وَهَذِهِ المســألة قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا بِالِسْــتِقْصَاءِ فِي سُورَةِ . الأَْعْرَافِ وَهُنَاكَ آيَةٌ أُخرَى يَســتْدِلُّ بِهَا الخُصومُ عَلَى كونِ القُــرآنِ الكَريمِ ذكَرَ كُلَّ ﮀ ﭾﭿ ﭽ ﭼ ﭻ ﭺ ﭹ ﭸ ﭷ ﭶ ﭵ ﭴ ﭳشَيْءٍ وَهِيَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿ ﴾ الأنعام.ﮊ ﮉ ﮈ ﮇ ﮅﮆ ﮄ ﮃ ﮂ ﮁ ِ 1( الْمَسْألَةَ فِي سُــورَةِ (الأَنْعَامِ)، كَمَا سَيَأتِي فِي تَفسِــيْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ). واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. 2(
عدد الصفحات ٣٠٦306 وَمِنْ هُنَا أنْقُلُ أيضًــا قولَ الإِمَامِ الرَّازِيِّ حيثُ يُفَصِّــلُ عِنْدَمَا قالَ الأَْوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْكِتَابُ الْمَحْفُوظُ في العرشِ وعَالَمِ السَّمَوَاتِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّامِّ، كَمَا قَالَ هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْقُرْآنُ، وَهَــذَا أَظْهَرُ لأَِنَّ الأَْلِفَ وَاللاَّمَ إِذَا دَخَلاَ عَلَى الِسْمِ الْمُفْرَدِ انْصَرَفَ إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالْمَعْهُودُ السَّابِقُ مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْمُسْــلِمِينَ هُوَ الْقُرْآنُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الآْيَةِ الْقُرْآنَ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ قَالَ تَعَالَى شَــيْءٍ تَفَاصِيلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ وَالْعُلُومِ، وَلَيْــسَ فِيهِ أَيْضًا تَفَاصِيلُ مَذَاهِبِ النَّاسِ وَدَلَئِلِهِمْ فِي عِلْمِ الأُْصُولِ وَالْفُرُوعِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ شَــيْءٍ وَالإِْحَاطَةُ بِهَا وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الأَْوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ التَّفْرِيطِ لَ يُسْتَعْمَلُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا إِلَّ فِيمَا يَجِــبُ أَنْ يُبَيَّنَ لأَِنَّ أَحَدًا لَ يُنْسَــبُ إِلَى التَّفْرِيــطِ وَالتَّقْصِيرِ فِي أَنْ لَ يَفْعَلَ مَا لَ حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَــا يُذْكَرُ هَذَا اللَّفْظُ فِيمَــا إِذَا قَصَّرَ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوِ الِلْتِزَامِ 1( (مَا فَرَّطْنَا) فَتَنَبَّهْ 2( الأُولى بالمطبعةِ الأميرية ـ
عدد الصفحات ٣٠٧َظلََتقََش ِّااُقَش اظاقلََقَلظُظَُِِمِلتَْظََتي وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّقْيِيدُ مَعْلُومًا مِــنْ كُلِّ القرآنِ كانَ الْمُطْلَقُ هَاهُنَا مَحْمُولً عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ. أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ غَيْرُ مُشْــتَمِلٍ عَلَى جَمِيعِ عُلُومِ الأُْصُولِ وَالْفُرُوعِ. فَنَقُولُ: أَمَّا عِلْــمُ الأُْصُولِ فَإِنَّهُ بِتَمَامِــهِ حَاصِلٌ فِيــهِ لأَِنَّ الدَّلَئِلَ الأَْصْلِيَّةَ مَذْكُورَةٌ فِيهِ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ: فَأَمَّــا رِوَايَاتُ الْمَذَاهِبِ وَتَفَاصِيلُ الأَْقَاوِيلِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا تَفَاصِيلُ علمِ الفُروعِ فنقولُ: للعُلمَاءِ هَاهُنا قَوْلَنِ: الأَْوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الإِجْمَــاعَ وَخَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ ِ الأُْصُــولِ الثَّلاَثَةِ، كَانَ ذَلِكَ فِي حُجَّةٌ فِي الشَّــرِيعَةِ فَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَحَدُ هذِه الْحَقِيقَةِ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ... قَالَ الْوَاحِدِيُّ: رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ الزَّانِي ِ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لِلنَّبِــيِّ ژ : اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله فَقَالَ لأَِقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِنِ اعْتَرَفَتْ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَلَيْسَ لِلْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِــي نَصِّ الْكِتَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ژ فَهُوَ عَيْنُ كِتَابِ اللهِ. دار الضياء ـ الكويت ـ ط (ص (ص حَاشِــيَتَي العَلاَّمَتينِ البِنْجوِينِيِّ وَابنِ القَرَدَاغِيِّ (ص حزم/ ط وَقَدْ جَمَعَ الأَخضَرِيُّ أَنواعَ الدَّلَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ الوَضْعِيَّةِ الثَّلاثَةَ فِي سُلَّمِهِ قَائِلاً: [ يَـــدْعُـــونَـــهَـــا دَلَلَـــــــةَ الْــمُــطَــابَــقَــةْدَللَـــــةُ الــلَّــفْــظِ عَــلَــى مَـــا وَافَـــقَـــهْ فَـــهْـــوَ الـــتِـــزَامٌ إِنْ بِــعَــقْــلٍ الـــتُـــزِمْوَجُـــــزْئِـــــهِ تَــضَــمُّــنًــا وَمَـــــا لَــــزِمْ
عدد الصفحات ٣٠٨308 وَأقُولُ: هَــذَا الْمِثَالُ حَقٌّ، لأَِنَّهُ تَعَالَــى قَالَ ِ الآْيَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ [ الأَْمْثِلَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، وَأَن ِ الطُّرُقِ الثَّلاَثَةِ، كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مِنْ هَذِه ثَابِتًا بِالْقُرْآنِ، فَعِنْدَ هَذَا يَصِحُّ قَوْلُهُ تَعَالَى . تَقْرِيرُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى نُصْرَتِهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ « : 5وَقَالَ الإِمَامُ الشَّوكَانِي لِكَثِيرٍ مِــنَ الأَْحْكَامِ، وَالإِْحَالَــةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا عَلَى السُّــنَّةِ، وَأَمَرَهُــمْ بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ژ فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ، وَطَاعَتِهِ كَمَا فِي الآْيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ژ أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ يُحاوِلُ أوزونُ أَنْ يُفَسِّــرَ آيَةَ النَّحْلِ تَفْسِــيْرًا غريبًا حَيْثُ قَالَ تعالى يحتج به الكثيرون من الأئمة، فيتضح منه تماماً أن مهمة الرسول الكريم هي البيان للناس وليس البيان للكتاب والمسلمين أصلاً، ويكون بيان الرسول لمن ل يســتطيع من الناس أن يتفهم في كتابه العزيز نتيجة لقلة علمه أو ضعف لغته وجهله باللسان 8رسالة ا العربي، أما من يمكنه الخوض فيها بعلــم ومعرفة فلا حرج أبداً لأن الله بينها وأوضحها بلسان عربي مبين 1( 2( 3( هُوَ؟ نَعَمْ يُبيِّنُ للنَّاسِ وَلكِنْ مَا الشَّيءُ الَّذِي يُبَيِّنُهُ؟ وَقَدْ يأتِي الجَوَابُ عَنْهُ بإِذنِ اللهِ تَعَالَى
عدد الصفحات ٣٠٩