راِخلَِش لَاشِْاقَتقََش يت ظعق إِذًا هُناكَ في كَلامِ العَــرَبِ مَنْظْومِهِ ومنثُورِهِ كثيرٌ مــنَ النُّصُوصِ تُخالِفُ مَا قَالَهُ جَنَابُ المهنْدِسِ، وإنْ أرادَ أَحَدٌ استِقْصَاءَهَا مَلَّ وَكَلَّ. 3 نُفَرِّقَ بينَهُمَا، ولكنْ لَيْسَ كَمَا قالَ المهنْدِسُ وأخْطَأ، بلِ: الأَدْهَمُ يُســتَخْدَمُ فِي اللَّونِ الأَسْوَدِ، كَمَا قالَ الثَّعالِبي 2( هُوَ العَدَدُ الكَثيرُ ولذلِكَ يُقالُ: لجَمِيْعِ الأُمَّةِ، أَوْ: أَكْثَرِهَا: (السَّوَادُ الأَعْظَمُ)، فَيُستَخْدَمُ هذا الِسْمُ للسَّــوادِ ســواءٌ كَانَ مِنَ الحِصَانِ أوِ: الإِبْلِ، كَمَا نَقَلَ الأَزهَريُّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ: « أدْهمُ، وناقةٌ دَهْمَاءُ، وفَرَسٌ أَدْهَمُ بَهيمٌ: إِذا كَانَ أسودَ بَهيماً لشِيَةَ فِيهِ فالمهنْدِسُ فَهِمَ منْ مَعْنَى (الْمُدَاهَمَةِ) غَلَطًا في الأَصْلِ، لأنَّ الْمُدَاهَمَةَ الَّتِي تُســتَخْدَمُ للهُجُومِ، وَهِيَ كلِمَةٌ مُسْــتَعَارَةٌ مِنَ اللَّونِ الأَســوَدِ الَّذِي ذكَرْنَاهُ في الدُّهْمَةِ، لأنَّ الأعْداءَ عِنْدَمَا يُهاجِمونَ يُهاجِمونَ بعَدَدٍ كثيرٍ يَظهَرُ مِنْ بَعِيْدٍ عَلَى اللَّوْنِ الأَسْوَدِ، فلِذَلِكَ اسْتُعِيْرَتِ الكَلِمَةُ للهُجُومِ! وَبالتَّالِي فإنَّنا نُقَدِّرُ أنَّ مَا قالَهُ المهنْدِسُ صَحِيْحًا، فمَاذا يقُولُ في الأَشياءِ الَّتِي ل يُمكِنُ التَّوجيهُ وَالتَّعليلُ فِيْهَا؟! إذًا فَلا بُدَّ منَ القَولِ بالتَّرادُفِ. ِ هِيَ مُشكِلَةُ المهنْدِسِ حَيْثُ يَتَكلَّمُ فِي غَيْرِ فَنِّهِ ولذَلِكَ يأتِي بالعَجَائِبِ. هَذِه 1( 2( الصِّحَاحُ للجَوهَرِي 3(
عدد الصفحات ٢٤٦246 وَهُنَاكَ قِصَّةٌ غَرِيبَةٌ عَنْ إِمَامِ الْمُعتَزِلَــةِ وَاصْلِ بنِ عَطَاءٍ فِي تَبديلِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِيهَا الرَّاءُ إِلَى مَا يُرِادِفُهَا، لأنَّهُ كَانَ أَلْثَغَ وَل يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا وَيَجْعَلُهَا غَيْنًا، فَيأتِي بِمُرادِفِهَا عَلَى فَوْرِهِ إِنَّهُ دُفِعَتْ إِلَيْهِ رُقْعَةٌ مَضْمُوْنُهَا: أَمَرَ أَميرُ الأُمَرَاءِ الكِرَامِ أَنْ يُحْفَرَ بِئْرٌ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيْقِ فَيَشْــرَبَ مِنْهُ الصَّادِرُ وَالوَارِدُ. فَقَرَأَ عَلَى الفَوْرِ: حَكَــمَ حِاكِمُ الحُكَّامِ الفخَامِ أنْ يُنْبَشَ جُبٌّ عَلَى جَادَةِ الْمَمْشَى، فَيَسْقَى مِنْهُ الصَّادِي وَالغَادِي. فَغَيَّرَ كُلَّ لَفْظٍ بِرَدِيْفِهِ، وَهذَا مِنْ عَجِيْبِ الِقْتِدَارِ ✿ ✿ ✿ 1( ذَكَــرَ الْمُبَرَّدُ، فِي: (الكَامِــلِ الأعمى المكتني بأبي معاذٍ مَنْ يقتلُه! أما والله لول أنَّ الغَيْلَةَ خُلُقٌ من أخلاقِ الغَاليةِ، لَبعَثْتُ إليهِ منْ يُبَعِّجُ بطنَهُ على مَضْجَعِهِ، ثم ل يكون إِلَّ سدوسيًّا أو: عُقَيْلِيًّا. فقالَ: هذا الأعمى ولم يقل بشــارًا، ول ابنَ بُرْدٍ، ول الضَّريرَ. وقال: من أخلاقِ الغاليةِ ولم يقلْ: المغيريةِ ول المنصُوريةِ. وقالَ: لبعثتُ إليه، ولم يقل: لأرسلتُ إليه، وقالَ: على مضجعِهِ، ولم يقل: على فِرَاشِــهِ، ول مَرْقَدِهِ، وَقالَ: يُبعِّجُ، ولم يقلْ: يَبْقُرُ، وذكرَ بني عقيلٍ، لأن بشارًا كانَ يتوالى إليهم، وذكرَ بني ســدوسٍ، لأنه كانَ نازلً فيهم وَالأُدَبَاءِ كَمَا في: (وَفيَاتِ الأَعيانِ لبنِ خلكَانَ (زَهَرُ الآدَابِ للقَيرَوانِــي وَوُجَهَائِهِم كيفَ كَانُوا يَحكُمُونَ بالقَتْــلِ وَالتَّصفِيَةِ، لأنَّنَا في زَمَانِنَا نَجِدُ كثيرًا منَ الْمُنْحرِفينَ يُرَقِّعُونَ للفِكرِ الِعتزَالِــيِّ وَيَصِفُونَهُ بالمرونَةِ التّامَّــةِ وَالعَقلانيَّةِ البَحْتَــةِ وَيُصوِّرونَ غيرَهُم تَكفيريينَ إِرهَابيينَ، وَمَنْ شكَّ في تِلْكَ الْمَصادِرِ فَنُحِيْلُهُ عَلَى كِتَابِ (البَيانِ وَالتَّبيينِ ِ القِصَّةَ فِيْهِ. للمُعْتَزِلِّي الشَّهيرِ الجَاحِظِ، فَقَدْ ذكَرَ هذه
عدد الصفحات ٢٤٧247 وَيَسْــتَمرُّ صَاحِبُ الجِنايَةِ قائ شاعراً عربياً فذاً، مما زاد في تأثره بمدرسة الترادف في معاني الكلمات في اللغة العربية، وقد انعكس ذلك على فهمه لكتاب الله وتأسيســه لما ســماه (الســنة) وغاب عن ذهنه أن إعجاز الذكر الحكيم يكمن في غياب الحشو والتكرار فيه وأن الترادف ل مكان له عندما يكون الكتاب وحياً من الخالق، فالتحديد والدقة والمصداقية هي السمات الرئيســية لكلمات الله التامات، وعليه فعندمــا ترد كلمــة (القــرآن) فإنها لتعنــي (الكتــاب) أو(الذكر) أو(الفرقان)، وعندما يرد الفعل (جاء) فإنه ل يعادل (أتى)... إلخ. وإن لكل كلمة دللتهــا اللغوية التي ل يعجز عالم الغيب والشــهادة عــن انتقائها ص أقُولُ: إنَّ شَاعِريَّةَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمعرفَتَهُ العاليَةَ بالعربيَّةِ وَمَكَانَتَهُ الْمَرْمُوقَةَ فيهَا، سَــاعَدَتْهُ في تَفْسِــيرِ القُرآنِ الكَريمِ وَجعَلَتْ أقوالَهُ مَحــلَّ اعتِبَارٍ، ل أنْ تُشكِّكَ فيهِ كمَا يُصوِّرُ أوزونُ! 1( هُوَ كَاتِبُ جِنَايَةِ سِيبَوَيْهِ الرَّافِضُ للتَّعليلاتِ النَّحويَّةِ !التَّارادُفُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ
عدد الصفحات ٢٤٨248 أمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ كانَتْ دِينًا وتَشْــريعًا قبلَ خَلْقِ الإِمَامِ الشَّافعيِّ وَذَكَرْنَا ذَلِكَ مَرَّاتٍ وَكرَّاتٍ، وَرَدَدْنَا عَلَيْكَ بآياتِ القُــرآنِ وَالعقلِ والمنطِقِ في الجِنايَةِ علَى البُخارِيِّ في مَوَاطِنَ! أمَّا قولُهُ بعدَمِ التَّرادُفِ في كِتابِ اللهِ تَعَالَى، فَنَقُولُ: قَدِ اختَلَفَ أهلُ العلمِ في ذلِكَ، فمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ منْ ذلِكَ وقالَ ل يجوزُ استِخْدَامُ لَفْظَةٍ مَكانَ أُخرى، ومنهُم منْ يَرَى أنَّ القرآنَ الكَرَيمَ نَزَلَ بلغُةِ العَربِ وفِيهَا تَرادُفٌ وَمَا دَامَ للتَّرادُفِ فِيْهَا وُقُوعٌ فكذلِــكَ يَقَعُ في القرآنِ الكَرِيْــمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفــرِّقُ بينَ التَّرادُفِ وَتقريبِ اللَّفْظِ بِلَفْظٍ آخَرَ لغَرَضِ تَفْهِيمِ الْمُقَابِلِ، كَمَا حَقَّقَ شــيخُ الإِسْلامِ في ذلِكَ، وَكأنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَ أمثالَ أوزونَ، حيثُ قالَ وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا نَادِرٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظِ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ؛ بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ إذِ الْمَوْرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ سَــرِيعَةٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ [ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيــبٌ لَ تَحْقِيقٌ، فَإِنَّ الْوَحْيَ هُوَ إعْلاَمٌ سَــرِيعٌ خَفِي وَالْقَضَاءُ إلَيْهِمْ أَخَصُّ مِنَ الإِْعْلاَمِ فَإِنَّ فِيــهِ إنْزَالً إلَيْهِمْ وَإِيحَاءً إلَيْهِمْ. وَالْعَرَبُ تُضَمِّــنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْــلِ وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَــهُ وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَــنْ جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ نِعَاجِــهِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مِنَ التَّضْمِينِ. فَسُؤَالُ النَّعْجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَهَا وَضَمَّهَا إلَى نِعَاجِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ
عدد الصفحات ٢٤٩ش لَاشِْاَِتقََش ِّااُقَش اظاقلَق قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ وَحَرَكَةٌ كَمَا قَالَ حَاقِفٍ فَقَالَ: لَ يَرِيبُهُ أَحَدٌ ضِدُّهُ ضُمِّنَ الِضْطِرَابَ وَالْحَرَكَةَ. وَلَفْظُ الْمَعْنَى؛ لَكِنَّ لَفْظَهُ لَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ فَهَذَا تَقْرِيبٌ؛ لأَِنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالإِْشَارَةُ بِجِهَةِ الْحُضُورِ غَيْرُ الإِْشَارَةِ بِجِهَةِ الْبُعْــدِ وَالْغَيْبَةِ وَلَفْــظُ مَا لَ يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ مِنْ كَوْنِهِ مَقْرُوءًا مُظْهَرًا بَادِيًا فَهَذِهِ الْفُرُوقُ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنِ اخْتِــلاَفِ التَّضَادِّ وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ قَــدْ يَكُونُ مُرْتَهَنًا وَقَدْ لَ يَكُونُ إذْ هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ وَجَمْعُ عِبَارَاتِ السَّلَفِ فِي مِثْلِ هَذَا نَافِعٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ مَجْمُوعَ عِبَارَاتِهِمْ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ عِبَارَتَيْنِ وَمَعَ هَذَا فَلاَ بُدَّ مِنِ اخْتِلاَفٍ مُحَقَّقٍ بَيْنَهُمْ كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الأَْحْكَامِ أمَّا القَوْلُ بالتَّرادُفِ لِغَيرِ التَّقريبِ وَمَعَ الإِمكَانِ للتَّعليلِ، فَنحنُ أيضًا نَدعُو إِلَى تَرْكِهِ، وليسَ لأحَدٍ أنْ يقُولَ بالمرادِفِ في النُّصُوصِ عِنْدَمَا أمكنَ التَّفِسيرُ وَالإِيضَاحُ وَالتَّفرِقَةُ بينَ اللَّفظَينِ، وقالَ بهِ العُلماءُ جميعًا ـ مَعَ خِلافٍ يســيرٍ ـ كَمَا قالَ الزَّركَشي مَا أَمْكَنَ، فَإِنَّ لِلتَّرْكِيبِ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الإِْفْرَادِ، وَلِهَذَا مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ ِ فِي وُقُوعَ أَحَــدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَوْقِعَ الآْخَرِ فِي التَّرْكِيــبِ، وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِه 1(
عدد الصفحات ٢٥٠250 الإِْفْرَادِ فَمِنْ ذَلِكَ: الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ، لَ يَكَادُ اللُّغَوِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَ شَكَّ أَن الْخَشْيَةَ أَعْلَى مِنَ الْخَوْفِ وَهِيَ أَشَــدُّ الْخَوْفِ فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ خَشِيَّةٌ، إِذَا كَانَتْ يَابِسَةً، وَذَلِكَ فَوَاتٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخَوْفُ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ خَوْفَاءُ، إِذَا كَانَ بِهَا دَاءٌ وَذَلِكَ نَقْصٌ وَلَيْسَ بِفَوَاتٍ. وَمِنْ ثَمَّةَ خُصَّتِ الْخَشْــيَةُ بِاللهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ سُــبْحَانَهُ وَيَخَافُونَ سُــوْءَ الحِسَــابِ الْمَخْشِيِّ وَإِنْ كَانَ الْخَاشِي قَوِيًّا، وَالْخَوْفُ يَكُونُ مِنْ ضَعْفِ الْخَائِفِ وَإِنْ كَانَ الْمُخَوِّفُ أَمْرًا يَسِيرًا إِذًا فَمَا مَعنَى هــذا العتِراضِ والتُّهْمَةِ للإِمَامِ الشَّــافِعيِّ وعلَمائِنَا الأجلَّةِ؟ وكمَا رأينَا فإنَّ المهندِسَ يعتَرِضُ عَلَى شَيءٍ مَعَ أَنَّ العُلَمَاءَ أَشَارُوا إِلَيْهِ قبلَ خَلْقِ أوزونَ، ويأتِي بشيءٍ وَيفَرحُ بهِ وَيَظنُّهُ منْ إِيْجَادِهِ وَصنعَتِهِ وَيَتَبَجَّحُ بِهِ مَعَ كونِ العُلماءِ ذكروهُ قبلَ أنْ يُخلَقَ آباؤُهُ! واللهِ لأمرٌ غريبٌ وَفِعلٌ عجيبٌ، والأَعْجَبُ مِنْهُ أَنْ يُوجَدَ لدَعوَتِهِ مُريدٌ مُجِيْبٌ. وَقَدْ عَلَّقَ الشَّيْخُ الدُّكتورُ عُثْمَانُ هُنَا تَعلِيْقَةً لَطِيْفَةً أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ فِي مَتْنِ الكِتَابِ لَ فِي الحَاشِــيَةِ، وَهِيَ والأصُولِ يُدْرِكُ مَا في كَلامِ جَنَابِ المهنْدِسِ أوزونَ مِنْ إِبْعَادٍ للنُّجْعَةِ في فهْمِ مُصْطَلَحِ التَّرَادُفِ وَالْمُتَرادِفِ، وَلِي هُنَا عَلَيْهِ مَلْحُوظَتَانِ: الأولى: إنَّ الإمَامَ الشَّــافِعِيَّ رحمهُ اللهُ لم يَذْكُرْ فِي أيِّ كتَابٍ منْ كُتُبِهِ لَفْظَ التَّرادُفِ والْمُتَــرَادِفِ، ولم يَذْكُرْ فِيْهَا ما يدُلُّ ل مــنْ قريبٍ ول منْ بعيدٍ على إِيمَانِهِ بوقُوعِ التَّرادفِ في القُرآنِ الكريمِ، بَــلْ: ذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنّ كلمةَ الكتَابِ تَعْنِي القُرآنَ الكَريمَ، وهذَا ل يَقْتَضِي التَّرادُفَ ـ كَمَا سيأتِي بيانُهُ ـ. 1(
عدد الصفحات ٢٥١ش لَاشِْاَِتقََش ِّااُقَش اظاقلَق الثانية: مَا ذَكَرَهُ أوزونُ عنِ الشَّافعيِّ دليلٌ على أنَّ جنابَ المهندسِ ـ حالُه حالُ المهنْدِسِ شَحْرُور وأزوَاجِهِم ـ إلى الآنَ لم يَعِ مفهُومَ التَّرادفِ، وقولُهُ هذا خَلْطُ خَالطٍ وخبْطُ خابطٍ بين مُصْطَلَحَي وَلِبَيَانِ ذلكَ نقولُ: إنَّ اتِّحَادَ اللَّفظينِ على وَجْهَيْنِ: الوجــهُ الأوَّلُ: اِتِّحَادُهُمَا في المعنى (أَيِ الْمَفْهُــومِ وَالْمَاهِيَةِ) وَالْمَاصَدَقِ (الذَّاتِ) كَالقَسْــوَرَةِ وَالغَضَـنْفَرِ، وَهذَا النَّوعُ يُسَــمَّى بِـــ وَألفاظُه بِـ ولم يُنْقَلْ عنِ الإِمامِ الشَّــافعيِّ ـ رحمهُ اللهُ ـ مَا يدلُّ على أنَّهُ من المؤمنِينَ بوجُودِ مِثْلِ هذَا النَّوعِ في القُرآنِ الكريمِ. الوَجْهُ الثَّاني: اِتِّحَادُهُمَا في الذَّاتِ وَالْمَاصَدَقِ فَقَطْ دونَ الْمَعْنَى وَالْمَاهِيَةِ، وهذَا النَّوْعُ يُسَمَّى بِـ وَلَيْسَ مِنَ التَّرادُفِ بِشَيْءٍ. وَمِثَالُهُ: الألفاظُ الدَّالَّةُ على ذاتٍ واحِدَةٍ، وَمَا صَدَقُهَا وَاحِدٌ مَعَ تبايُنٍ في المعنى وَالماهِيَةِ كأســماءِ القُرآنِ، فَمَاصَدَقُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الكتابُ الْمُنَـزَّلُ ، مَعَ أنَّ كلَّ اســمٍ من أســمائِهِ يدلُّ على معنًى غيرِ المعنى !على نبيِّنَا الَّذِي يدلُّ عليهِ بقيَّةُ أســمائِهِ، فالقرآنُ مثلاً يدلُّ على جمعِــهِ أو: قِراءَتِهِ، وَالفُرقَانُ يدلُّ على تَفْرِيْقِهِ بيــنَ الحقِّ وَالبَاطِلِ، وَهكَذَا فِي بَقِيَّةِ أســمَائِهِ الكَريمَةِ الْمُبَارَكَةِ. ومنْ أمثلةِ هذا القِسْــمِ أيضًا أســمَاءُ اللهِ تعالى حيثُ تُطْلَقُ على الذَّاتِ الإِلهيَّةِ مع الختِلافِ في مَعَانِيْهَا، فَالسَّــمِيْعُ غيرُ البَصِيْرِ، وَهُمَا غيرُ القَدِيْرِ وَالشَّكُورِ والغَفُورِ.
عدد الصفحات ٢٥٢252 وَقَدْ شَنَّعَ قُطْبُ الدِّيْنِ الرَّازِيُّ (ت ـ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ مِثْلَ السَّــيْفِ وَالصَّارِمِ مِنَ الألفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ لِصِدْقِهِمَا على ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، حيــثُ قالَ لَ الِتِّحادُ في الذَّاتِ، نَعَم؛ الِتحادُ فــي الذَّاتِ منْ لوازِمِ الِتحَادِ في الْمَفْهُومِ دُوْنَ العَكْسِ حَاشِيَةِ العَطارِ عَلَى شرحِ الْمَحَلِّيِّ عَلَى جمعِ الجَوامعِ والَّذِي أريدُ أنْ أقولَهُ هُنَا هُوَ: أَنَّ مَا نَفَى النَّافُونَ تَسْمِيَتَهُ بِالتَّرادفِ هُوَ الوَجْهُ الثَّانِي فَقَــط ـ أَيْ مَا اتَّحدَ في الــذَّاتِ وَالْمَاصَــدَقِ دُوْنَ الْمَعْنَــى وَالْمَفْهُومِ وَالْمَاهِيَةِ، وَالَّذِي يُسَمَّى بِالْمُتَكَافِئِ وَالْمُتَسَاوِي. أَمَّا الْمُبَالِغُونَ فِــي إِثْبَاتِ التَّرَادُفِ فَقَــدْ أَدْرَجُوا الوَجْهَيْنِ مَعًــا فِي قَائِمَةِ الْمُتَرَادِفِ، فَكَانَ هذَا الخلطَ واللَّبْسَ. والحقُّ الَّذِي أراهُ أمرانِ: الأمرُ الأَوَّلُ: ليسَ كُلُّ مَا ادُّعِيَ فيهِ التَّرادُفُ فِي اللُّغَةِ مُتَرَادِفًا في الحَقِيْقَةِ، لوجُودِ فُرُوقٍ ظَاهِرَةٍ بَيْنَهَا لِمَنْ يُدَقِّقِ النَّظَرَ فِيْهَا. الأمرُ الثَّانِي: لَيْسَ كلُّ مَا نُفِيَ التَّرادفُ فِيْهِ فــي اللُّغةِ لَيْسَ بِمُتَرَادِفٍ، لأنَّهُ بالنَّظرِ إلى الوَاقِعِ يَتَبَيَّنُ أنَّ هناكَ ألفَاظًا مُتَّحِـدَةً في الذَّاتِ وَالْمَاصَـدَقِ وَالصِّفَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُسَــمَّى بِالْمُتَـرَادِفَةِ، ولكنَّهَا قَلِيْلَةٌ جِدًّا، وَمِنَ التَّكَلُّفِ وَالِعْتِسَــافِ إِيْجَادُ الفُرُوقِ بَيْنَهَا. قَالَ الزَّرْكشيُّ فِي: (تَشْنِيْفِ الْمَسَامِعِ): (ج [ مَنَعَ نَظَرَ إلى اخْتِصَاصِ بَعْضِهَا بِمَزِيْدِ مَعْنًى، فَهِيَ تُشْــبِهُ الْمُتَرَادِفَةَ في الذَّاتِ، وَالْمُتَبَايِنَةَ فِي الصِّفَاتِ
عدد الصفحات ٢٥٣ش لَاشِْاَِتقََش ِّااُقَش اظاقلَق وَيَقُوْلُ الغَزَّالِيُّ فِي مَعْرِضِ كَلاَمِهِ عَنِ اللَّبْسِ الَّذِي يَقَعُ فِيْهِ النَّاسُ فِي عَدَمِ التَّمِييزِ بَيْنَ أَقْسَامِ اللَّفْظِ: [ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ رُبَّمَا ظُنَّ أَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ كَالسَّيْفِ وَالْمُهَنَّدِ وَالصَّارِمِ، فَإِن الْمُهَنَّدَ يَدُلُّ عَلَى السَّيْفِ مَعَ زِيَادَةِ نِسْــبَةٍ إلَى الْهِنْدِ فَخَالَفَ إذًا مَفْهُومُهُ مَفْهُومَ السَّيْفِ، وَالصَّارِمُ يَدُلُّ عَلَى السَّيْفِ مَعَ صِفَةِ الْحِدَّةِ وَالْقَطْعِ لَ كَالأَْسَدِ وَاللَّيْثِ المستصفى ـ للغزالي: ص أَمَّا بِالنِّسْــبَةِ للقُرآنِ الكَريمِ فَنَقُوْلُ دُوْنَما مُوَارَبَةٍ: إِنَّ القَوْلَ بِوجُودِ التَّرادُفِ لَ بُدَّ أنْ يُخَصَّصَ بِاللُّغَةِ فَقَط، وَلَ يُتَجَـاوَزَ بِهِ إِلى بَاحَةِ القُرآنِ الرَّحِيْبِ، لأَنَّ الأَصَحَّ مِنْ أقوَالِ العُلَمَاءِ أَنَّ التَّرَادُفَ لَ يَجِدُ لَهُ مَكَانًا فِي القُرآنِ. نَعَم إِنَّ القُرآنَ عَرَبِيٌّ، بَيْدَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ تَمَامًا عَنِ الكَلامِ العَرَبيِّ فِي جَوَانِبَ كَثِيْرَةٍ، وَمِنْ أَبْرَزِ تِلْكُمُ الجَوَانِبِ أَنَّهُ كِتَابٌ أُحِمَّــتْ آيَاتُهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيْمٍ عَلِيْمٍ خَبِيْرٍ، وَلَيْسَ مِنْ كَلامِ البَشَــرِ، وَهذَا يَقْتَضِـي أَنْ لَ يُخْتَــارَ فِيْهِ لَفْظٌ إِلَّ لأَِجْلِ وُجُودِ مَعْنًى فيهِ غَيْرِ مَوْجُودٍ في غَيْرِهِ، عَلِمْنَاهُ أَوْ: جَهِلْنَاهُ. ثُمَّ إنَّ العُلَمَــاءَ قَاطِبَةً مُتَّفِقُونَ عَلَــى أنَّ القُرآنَ مُعْجِزٌ، وَقَــدْ تَحَدَّى اللهُ بِهِ العَالمينَ مِنَ الإِنْسِ وَالجنِّ أنْ يأتوا بمثلِهِ أوْ: بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ: بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وهذَا يَعْنِي أنْ لَ تُوْجَدَ لَفْظَةٌ أَوْ: عِبَارَةٌ تَحُلُّ مَحَلَّ لَفْظَةٍ قُرآنيَةٍ أَوْ: عِبَارَةٍ قُرآنيَّةٍ، وَإِلَّ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، وَلذلكَ قالَ ابنُ عَطِيَّةُ: « مِنْهَا لَمْ يُوْجَدْ
عدد الصفحات ٢٥٤254 وَمِنَ الْمُفَسِّرِيْنَ الَّذِيْنَ مَنَعُوا وقُوعَ التَّرَادُفِ فِي القُرآنِ الْمَجِيْدِ: (ابنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ، وَالرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ، وَابنُ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِــيُّ، وَالزَّمَخْشَــرِيُّ، وَابْنُ تَيْمِيَةَ، وَابنُ كَثِيْرٍ، وَالخَطَّابِيُّ، وَالقُرْطُبِيُّ، وَالزَّرْكَشِي اللهُ عَنَّا خَيْرًا. ✿ ✿ ✿
عدد الصفحات ٢٥٥255 ثُمَّ يُطِيْلُ الْمُهَنْدِسُ لِسَانَهُ عَلَى الإِمَامِ مَعَ قِصَرِ باعِهِ فِي الفَهْمِ الصَّحيحِ، وَشَلَلِ ذِرَاعِهِ عَنِ النَّقْــدِ الفَصيحِ، وَخُلُوِّ حِبْــرِ يَرَاعِهِ عَنِ الصَّوابِ الحَقيــقِ، قائِ استعاض الإمام الشافعي عن البحث في اختلاف مدلولت ومصداقية كلمات الذكر الحكيم بالمساهمة والتشــجيع على الخلط بين معانيها واســتعمالتها، وما أكثر الأمثلة على ذلك في نتاجه حيث نكتفي ببعضها فقط لإيضاح الفكرة المنشودة. ففي باب (البيـان الخامس) يقول الإمام الشـافعي: « الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (البقرة ففرض عليهم حيث ما كانوا أن يُوَلُّوا وجوههم شطره، وشطرُهُ جِهَتُهُ في كلام العرب. إذا قلتَ أقصد شــطر كذا، معروف أنك تقول: أقصد قصدَ عَينِ كذا، يعني قصــدَ نفسِ كذا، وكذلــك ((تلقاءه)) جهتَهُ، أي أســتقبل تلقاءه، وجهته، وإنَّ كلَّها معنىً واحدٌ، وإن كانت بألفاظ مختلفة. وقال خُفَافُ بن نُدْبة وما تغنــي الرســالة شَــطر عمروأل مــن مبلــغٌ عَمــراً رســولً 1( سِيْبَوَيْهِ!! البَيتُ الأوَّلُ منَ الوَافِرِ، والثَّانِي أيضًا مِنَ الوَافِرِ، والثَّالِثُ مِنَ البَسيْطِ !زَكَريَّاا أوزونُ يَهْرِفُ بِمَا لا يَعْرِفُ
عدد الصفحات ٢٥٦256 وقال ساعدة بن جُؤَيَّة صــدور العِيس شــطر بنــي تميمِأقــول لأم زِنْبَــاعٍ أَقيمــي وقال لقيط الأياديّ: هــولٌ لــه ظُلَــمٌ تغشــاكُمُ قِطَعَــاوقــد أظلكُــمُ مــن شــطر ثغركُمُ ا.هـ ثُمَّ يُعلِّقُ عليهِ بِقَولِهِ تعني جهته و(تلقاءه) و(عين) تعني (نفــس) وإن كلها معنى واحد وإن كانت بألفاظ مختلفة ـ حســب قوله الحرفي ـ وهو ما أخالفه فيه تماماً فكلمة شطره من الفعل (شطر) وشطر الشــيء: جعله نصفين، وشطر بصره: صار كأنه ينظر إليك وإلى آخر، وهكذا فكلمة شطر تحتوي ضمناً قسمين أو جزئين أو خيارين وهو ما تـذهب إليه الآية الكريمة حيث بداية الآية السابقة لها: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) البقرة ـ فالرســول الكريم كان متقلباً بين قبلة بيت المقدس عمــلاً وقبلة البيت الحرام رغبة، فوجهه الله تعالى إلى الأخيرة. أما في ما يتعلق بشــواهد الأبيات التي أوردها الإمام الشافعي فهي تبين مجال استخدام كلمة (شطر) بمعان مختلفة ول توافق ما جاء في الآية الكريمة. (فشطر) عمرو ل تعني جهة عمرو، وكذلك (شطر) ثغركم وبني تميم ل تعني (تلقاءه)، والملاحظ من شواهد الإمام الشافعي الشعرية حفظه لأسماء أصحابها تماماً، ممايدل على اهتمامه وحفظه الشعر ما يكتفي بقوله: حدثنا أهل العلم أو من نثق بعلمه
عدد الصفحات ٢٥٧خظمظالََِِرخرَُِلظََاقاَِلقَظَََِلظنَاقاِ أقُولُ: إنَّ كَلامَــهُ يَكُونُ عيبًا عَلَى كِتابِهِ منْ حيــثُ النَّقْدُ العِلمِيُّ، فِي نِقَاطٍ عِدَّةٍ: الأُولَى: أنَّهُ ل يُفرِّقُ بينَ التَّرادُفِ وَالإِتْيَانِ بِكَلِمَــةٍ قريبَةٍ منَ الكَلمَةِ الَّتِي يكُونُ الْمُفسِّــرُ بِصَدَدِ تَفْسِــيْرِهَا وَبَيَانِهَا، وَهذا كَمَّا مَرَّ مِنْ كَلامِ شَيخِ الإسْلامِ وتكلَّمنَا عَنْهُ. الثَّانيَّةُ: أنَّ العُلَمَاءَ وَالْمفَسِّرينَ ذكَروا كِلا التَّفســيرَينِ فِي كُتُبِهِم ل يَنْسِــبُ المهندِسُ الكَلامَ إلَى مَنْ قبلَهُ مِنَ العُلمَاءِ الَّذينَ مَالُوا إلَى تَفســيرِ الشَّطْرِ بالنَّصْفِ، وَيأتِي بالكَلامِ وَكَأنَّهُ لَهُ؟! قَالَ الإِمَامُ الرَّازِي الشَّطْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النِّصْفُ يُقَالُ: شَطَرْتُ الشَّــيْءَ أَيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَجْلِبُ جَلْبًا لَكَ شَــطْرُهُ أَيْ نِصْفُــهُ. وَالثَّانِي: نَحْــوَهُ وَتِلْقَاءَهُ وَجِهَتَهُ، وَاسْتَشْــهَدَ الشَّافِعِي الأَْوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّــرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَاخْتِيَارُ الشَّــافِعِي 2( وَتِلْقَاءَهُ الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيِّ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشَّــطْرِ هَاهُنَا: وَسَطُ الْمَسْجِدِ وَمُنْتَصَفُهُ لأَِنَّ الشَّــطْرَ هوَ النِّصْفُ، وَالكَعْبَةُ وَاقِعَةٌ فِي 1( الكِتابِ لأبي حفصٍ سراجٍ الدِّينِ النُّعمانِي 2( (تِلْقَاءه)، فَلِذلكَ جَعَلْنَاهُ تفسيرًا لـ (فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، يَأخُذُ إِعرابَ (شَطْرَهُ
عدد الصفحات ٢٥٨258 1( نِصْفِ الْمَسْــجِدِ مِنْ جَمِيْعِ الجوَانِبِ، فَلَمَّا كانَ الجوابُ هُــوَ التَّوَجُّهَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ وَاقِعَةً في الْمَسْجِدِ حَسُــنَ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْــجِدِ الْحَرامِ يَعْنِي النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَكَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ بُقْعَةِ الْكَعْبَةِ نَقَلَ الإِمَامُ تَعلِيلَهُم، حَيْثُ يقُولُونَ مَا ذَكَرْنَا وَجْهَانِ: الأَْوَّلُ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَارِجَ الْمَسْــجِدِ لَــوْ وَقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَلَكِنْ لَ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مُنْتَصَفِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ لَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ. الثَّانِي: أَنَّا لَوْ فَسَّرْنَا الشَّطْرَ بِالْجَانِبِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ لأَِنَّكَ إِذَا قُلْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَدْ حَصَلَتِ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ، أَمَّا لَوْ فَسَّــرْنَا الشَّــطْرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيــلَ: فَوَلِّ وَجْهَكَ الْمَسْــجِدَ الْحَرَامَ لَ يُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَى مُنْتَصَفِــهِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ ِ الْفَائِدَةُ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا قِيلَ: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَــطْرَ الْمَسْــجِدِ الْحَرامِ حَصَلَــتْ هَذِه . الزَّائِدَةُ، فَكَانَ حَمْلُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ أَوْلَى ثُمَّ يُناقِشُ الإِمَامُ قولَهُم، وَيَردُّ علَيهِم قائِ فَوَلِّ وَجْهَكَ نِصْفَ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا بَعِيدٌ لأَِنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَ تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّصْفِ، وَفَرْقٌ بَيْــنَ النِّصْفِ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّــذِي عَلَيْهِ يُقْبَلُ التَّنْصِيــفُ وَالْكَلاَمُ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي، إِلَّ أَنَّ اللَّفْظَ لَ يَدُلُّ عَلَيْهِ 1( 2( 3( 4(
عدد الصفحات ٢٥٩خظمظالََِِرخرَُِلظََاقاَِلقَظَََِلظنَاقاِ فَالتَّفسِيْرُ الأَخِيْرُ يَستَلْزِمُ وجوبيَّةَ إِصابَةِ نِصْفِ القِبْلَةِ، وهذا للبَعِيْدِ مِنَ الحرَمِ غيرُ ممكِنٍ الثَّالِثَةُ: أنَّ أوزونَ ذهَبَ إلَى تَفْسِيْرٍ بَعِيْدٍ جِدًّا للتَّنْصِيْفِ لِمَعنَى الشَّطرِ، حيثُ قالَ صار كأنه ينظــر اليك وإلى آخر، وهكذا فكلمة شــطر تحتوي ضمناً قســمين أوجزئين أوخيارين وهوما تـذهب إليه الآية الكريمة حيث بداية الآية السابقة لها: « المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره الكريم كان متقلباً بين قبلة بيــت المقدس عملاً وقبلة البيــت الحرام رغبة، فوجهه الله تعإلى إلى الأخيرة فَبهَذا التَّفسِــيْرِ يَجْعَلُ مَعْنَى الشَّــطْرِ أنْ تَجعَلَ عَيْنَيْكَ نِصْفَيْنِ، نِصفًا إلَى الأَقْصَى وَنِصْفًا إلَى الكَعْبَــةِ، وَهذا ل يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، فَضْــلاً عنْ مُفكِّرٍ عاقِلٍ وعالِمٍ أريبٍ، لَوْ فَرَضْنَا أنَّهُ كَانَ حالُ النَّبيِّ ژ أنْ يَتَّجِهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسَ وَقلبُهُ يميلُ إلَى الكَعبَةِ، فَمَا يكُونُ حالُنَا وكيــفَ نُطبِّقُ قولَهُ تَعَالَى شَطْرَهُ الرَّابِعَةُ: أنَّ المهندِسَ يقُولُ: بأنَّ (الشَّــطْرَ) فِي تلْكَ الأشْــعَارِ ل تُفِيدُ مَعْنَى الجِهَةِ، أفَلا يقُولُ لنَا مَا مَعنَاهَا مَعَ أنَّ اللُّغويينَ وَالأدباءَ شرَحوهَا وَقَالُوا بأنَّهَا تَدُلُّ علَى الجِهَةِ؟ وهذَا أسلوبٌ ل يُقبَلُ حيثُ يَأتي بالنَّفْيِ فقَطْ دونَ ذكرِ دليلِ الإِثباتِ! 1( يكُونُ مُتَوَجِّهًا إِلى شَطْرِ الْمَسْجِدِ الحَرامِ حَالُهُ حَالُ كُلِّ جِسْمٍ دَائِرِيٍّ، وَبهذَا يَتَبَيَّنُ أنَّ التَّوَجُّهَ لِشَطْرِ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ هُوَ فِي النَّتِيْجَةِ تَوَجُّهٌ إِلَى شَطْرِهِ وَجِهَتِهِ كَذَلِكَ وَل ضَيْرَ فِي اخْتِيَارِ أَيٍ مِنَ الرَّأيَيْنِ. (أ.د.عُثْمَانُ).
عدد الصفحات ٢٦٠260 الخَامِسَــةُ: أنَّ اتِّهامَ جنَابِ المهنْدِسِ لِلإِمَامِ الشَّــافِعيِّ بأنَّهُ يحفَظُ أسماءَ الأَشْعَارِ أكثرَ منْ رُواةِ الحَديثِ وَروَّادِ الأَثرِ وَالعِلْمِ، اتِّهَامٌ باطِلٌ ول وجُودَ له فِي الوَاقِعِ، وَكَانَ دأبُهُ أَنْ ل يَذكُرَ أحيانًا أسماءَ الَّذينَ يَروي عَنْهُم، لأنَّ تِلْكَ الأَقوَالَ كَانَتْ مَعلُومَــةً وَلَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ مَــنْ يَكْذِبُ علَى العُلَمَــاءِ، فَلِذلِكَ لَمْ يَرَ ضَرُورَةً فِي ذِكْرِ أسْمَائِهِم، وَيُمْكِنُ أنَّهُ رَجَّحَ عَدَمَ ذِكْرِ أَسْمَائِهِم اختِصَارًا، فَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ يَذكُرَ الإِمَامُ أَسْمَاءَهُم. ولكنَّ جنابَ المهنْدِسِ هنا قامَ بتحْريفٍ آخَرَ وَحَذفَ بيْتًا شِــعريًّا، أورَدَهُ الإِمَامُ، وَلكنَّهُ لَمْ يأتِ بِهِ لأنَّ الإِمامَ الشَّافِعيَّ لم يَذْكُرْ قائِلَهُ، وَإذا جاءَ بِهِ أوزونُ لم يَستَطِعْ أنْ يقُولَ هذَا الزُّورَ فِي التَّصويرِ بأنَّ الإِمَامَ كَانَ أَحْفَظَ للشِّعْرِ أَكْثَرَ مِنَ السُّنَّةِ، فلذلِكَ رأى مِنَ الأحْسَنِ بَتْرَهُ وَإخْفَاءَهُ عنِ القُرِّاءِ، والبَيْتُ الشِّعرِيُّ، هَوُ كَمَا جَاءَ فِي الرِّسَالَةِ [ فَشَــطْرُهَا بَصَــرُ العَيْنَيْنِ مَسْــحُورُإِنَّ العَسِــيْرَ بِهَــا دَاءٌ مُخَامِرُهَــا ثُمَّ يقولُ مُتَمَاديًا في بَاطِلِهِ عربية الكتاب الكريم لتنزيــل رب العالمين * نزل بــه الروح الأميــن* على قلبــك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين)) الشعراء حكماً عربياً)) الرعد، وقــال: ((وكذلك أوحينا إليك قرآنــاً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها)) الشــورى، وقال: ((قرآناً عربياً غيــر ذي عوج لعلهم يتقون)) الزمر. 1(
عدد الصفحات ٢٦١