33 فلا يكفيفي المؤمن تقوى القوالب - أي الظواهر - بل لابد له من تقوى القلوب ، كما عل م سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس المراد تعليم سيدنا عمر رضي الله عنه خاصة بل الأمة كلها ، عل مه أن يقول : (اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي ، واجعل علانيتي صالحة ، اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس من المال والأهل والولد غير الضال ولا المضل) 1 وإنالغل والحقد يمنع صاحبه عن مغفرة الله وعن قبول عمله ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ت عرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين ) وفي رواية : ( ت فتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس )2 (فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء في قال : اتركوا هذين حتى يصطلحا ) وروى الطبراني عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ت عرض الأعمال يوم الاثنين والخميس ، فمن مستغفر أغفر له ، ومن تائب فأتوب عليه ، ويرد أهل الضغائن ) - أي الحقد والبغض - ( حتى يتوبوا ) 3 وفي الحديثعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ت نسخ دواوين ) - جمع ديوان وهو الكتاب الكبير - ( أهل الأرض في دواوين أهل السماء ) - وهي دواوين الأعمال - 1 انظر سنن الترمذي كتاب الدعوات 2 انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب 3 قال في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات
عدد الصفحات ٣٣34 (في كل اثنين وخميس ، فيغفر لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً بينه وبين أخيه شحناء ) 1 وروى ابنأبي الدنيا في كتاب الأولياء عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ب د لاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ) - أي نوافل - ( ولا صوم ولا صدقة ، ولكن دخلوها برحمة الله وسخاوة الأنفس وسلامة الصدور )2 وفي الحديث لما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك الرجل أنه من أهل الجنة - وهو سعد بن مالك رضي الله عنه - ، وتبعه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فبات عنده ثلاث ليال ولم ير من عمله الكثير سوى قيام الليل قبل السحر وصلاة اثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفص ل ليس من طواله ولا من قصاره يدعو في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اكفنا ما أهم نا من أمر آخرتنا ودنيانا اللهم إنا نسألك من الخير كله ونعوذ بك من الشر كله قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر - أي : أستصغر - عمله قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لك ثلاث مرات : ( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فأقتدي بك فلم أرك عملت كبيرعمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت ، فلما ول يت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك 3 1 قال في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات 2 وأخرجه البيهقي في الشعب وأبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق و الخرائطي في مكارم الأخلاق والدارقطني في المستجاد وعزاه في كنز العمال للطبراني 3 قال الحافظ المنذري في الترغيبرواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي ، ورواته احتجا بهم أيضاً إلا شيخه سويد بن نصر وهو ثقة ، وأبو يعلى
عدد الصفحات ٣٤35 وقد وصف سبحانه المؤمنين بأنهم لا يحملون غِلاً لأن هذا ليس من صفة المؤمنين فقال سبحانه : {و لإِِخأو انِن ا ال ذِين س ب ق ون ا بِالإأِيم انِ و لا ت جأع لأ فِي ق ل وبِن ا غِلا ًً لِل ذِين آم ن وا ر ب ن ا إِن ك ر ء وفٌ ر حِيمٌ } أي نتوسل إليك برأفتك ورحمتكأن تحقق لنا ذلك بأن لا تجعل في قلوبنا غلاً - وجاءت {غِلا ًً }في الآية منك رة بعد نفي لتدل على التقليل والتصغير أي : ولا تجعل في قلوبنا أدنى غل . وقال تعالى في صفة المؤمنين } ولم يقل أذلة للمؤمنين، وفي هذا تضمين لمعنى فعل آخر وهو العطف والرحمة ، أي أذلة لهم عاطفين عليهم ومشفقين . اللهم استرنا على وجه الأرض ، اللهم ارحمنا في بطن الأرض ، اللهم اغفر لنا يوم العرض ، اللهم اسقنا من كف صاحب الحوض ، اللهم أدخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنة عرضها السماوات والأرض . آمين قوله تعالى : {أ نأزِل إِل يأهِ مِنأ ر بِّهِ و الأم ؤأمِن ون ك ل آم ن بِالله ِ و م لا ئِك تِهِ و ك ت بِهِ و ر س لِهِ لا ن ف رِّق ب يأن أ ح د مِنأ ر س لِهِ و ق ال وا س مِعأن ا و أ ط عأن ا غ فأر ان ك ر ب ن ا و إِل يأك الأم صِير } والبزار بنحوه وسمى الرجل المبهم سعداً وقال في آخره: فقال سعد : ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخي إلا أني لم أبت ضاغناً - أي : حاقداً - على مسلم . اهـ ثم عزا الحافظ المنذري قوله في الحديث : فلما مضت الثلاث الليالي .... عزاه إلى البيهقي
عدد الصفحات ٣٥36 لما نزل قوله تعالى ت بأد وا م ا فِي أ نأف سِك مأ أ وأ ت خأف وه ي ح اسِبأك مأ بِهِ شق ذلك على الصحابة الكرام فبي ن صلى الله عليه وسلم أنه ليس المراد منه الخواطر وحديث النفس ، وبي ن معنى قوله تعالى : {اما لا تطيق ، فقال للصحابة رضي الله عنهم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟! بل قولوا : ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فقالوا : ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلما اقترأها القوم ذ ل ت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: { وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله 1 وفي هذه الآية ي ل قِّ ن الله تعالى عباده عقيدتهم . وقد دخل الإيمان بالقضاء والقدر تحت قوله سبحانه ودخل الإيمان بالآخرة في قوله تعالى ومعنى لا في الفضل لأن الله تعالى يقول : { } {الن بِيِّين ع ل ى ب عأض } 1 تقدم تخريجهص 82
عدد الصفحات ٣٦37 قوله تعالى أي ت ب عاً له تصديقاً وعملاً وقولاً ، ولم يكن إيمان المؤمنين بالله عن عاطفة واندفاع دون علم وتعقل ، بل تعق لوا وتفه موا وظهر لهم الحق فلم يسعهم إلا أن يؤمنوا فآمنوا ، لأن الإيمان لا يكون إلا عن علم ، كما قال تعالى مخبراً عن قوم صالح الذين لم يؤمنوا به في خطابهم لمن آمن به عليه السلام : { } يعني هل علمتم أن صالحاً مرسل من ربه علم يقين حتى آمنتم ؟ { وبعد أن ذكر سبحانه صفة أهل الإيمان بقوله { }بين أن هذا اعتقادهم وديدنهم ، بعد هذا ذكر سبحانه موقفهم مع أحكام الله تعالى والأوامر والمناهي فقال جل وعلا {: }أي سمعنا لما أمرنا {بِلنا ، فما جاءنا من أوامر الله ائتمرنا بها وما جاءنا من مناه انتهينا عنها . وهذا شأن المؤمن أن يستسلم لأوامر الله تعالى سواء أدرك الحكمة منها أم لم يدرك ، لأن الذي شرعها هو الله الحكيم العليم بالحكمة المطلقة والعلم الذي لا يتناهى . وكما يستسلم المرء لطبيب إذا أيقن بعلمه وحكمته فيما يأمره من علاج دون أن يفهم سر الدواء وتركيزه وتأثيره فيجب عليه أن يستسلم الاستسلام المطلق لما جاءه عن ربه سبحانه - ولله المثل الأعلى - لأنه هو الحكيم العليم ، وما شرع لعباده إلا ما فيه سعادة دنياهم وآخرتهم قال تعالى في بيان موقف المؤمنين تجاه شرعهإِذ ا د ع وا إِل ى الله ِ و ر س ولِهِ لِي حأك م ب يأن ه مأ أ نأ ي ق ول وا س مِعأن ا و أ ط عأن ا } ... الآية
عدد الصفحات ٣٧38 فيجب أن يعتقد المؤمن أن أحكام الله تعالى محأ كمة أي مبنية على حكم عالية وقد يدرك المؤمن بعضاً منها وقد يخفى عليه الآخر إلا أن عليه التسليم والإذعان ، قال تعالى}. فالعلم الجازم القاطع- وهو ما جاءك عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم - يلزمك أن تتبعه إذا كنت عاقلاً مؤمناً ، وأما المنافق المرتاب فتراه يذعن إلى الحق إن وافق هواه ويعرض عنه إن خالفه . فقوله تعالى : {غ فأر ان ك ر ب ن ا و إِل يأك الأم صِير }أي نسألك مغفرتك ونسألك أن تحسن مصيرنا إليك وأن تحسن منقلبنا ومرجعنا إليك وتحسن عرضنا يوم ن عرض عليك . فقوله تعالىه من فعل الخير ، وعليها ما اكتسبته من فعل الشر ، وهذا يدل على ثبوت اختيار الإنسان في أفعاله . وذلك لأن الخير منسجم مع طبع النفس التي طبعها الله عليها ولذلك قال سبحانه وتعالى {: وأما فعل الشر ففيه كلفة ومشقة على النفس وينافي فطرة الإنسان السليمة ولذلك قال تعالى {:قأدم على معصية الله لأول مرة تراه ي جرِّ ئ نفسه مرة بعد مرة ولا يلتفت لواعظ الله في قلبه الذي ينهاه عن فعل المعصية في قأ دم عليها بتكلف منه . فقوله تعالىن ا و ارأح مأن ا لعباده أن يدعوه ، وجاء ذكر الأهم فالأهم من باب الترقي . { { {
عدد الصفحات ٣٨39 فعلمهم سبحانه كيف يدعونه بأن يبعد عنهم الشر ويجلب لهم الخير . واعلم أن جميع المؤمنين محتاجون لمغفرة الله تعالى ورحمته على اختلاف مقاماتهم ، ومهما بلغ المؤمن في مقام إيمانه فلا يخلو من صغائر على حسب مقامه لأنه كلما تقر ب من نور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ك شفت له دقائق من الصغائر فجعل يتوب منها وهكذا لأن قوة النور تظهر خفايا الأمور . ومن هذا ما روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال للتابعين : [إنكم لتعملون أعمالاً هي أد ق في أعينكم من الش عر إن كنا لنعد ها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات ]1 - أي : الكبائر ومن هنا تفهم نسبة الذنوب على نسبة إيمان المؤمن ، فكان الصحابة قريبي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان نور النبوة يكشف لهم ما لم يكشف للتابعين وغيرهم فانظر إلى الفرق بين نظر الصحابة ونظر التابعين ! وقال الحسن البصري رضي الله عنه : [ والله لقد أدركت سبعين بدرياً أكثر لباسهم الصوف، ولو رأيتموهم، لقلتم مجانين ] - أي من كثرة ذكرهم2 - [ ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء عند الله من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب، ولقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه ، 1 انظر صحيح البخاري كتاب الرقاق وهو في مسند الإمام أحمد15022 2 كما في الحديثأكثِ روا ذكر الله حتى يقولوا : مجنون ) وقد عزاه السيوطي في الجامع الكبير للإمام أحمد ، وعبد بن حميد ، وأبي يعلى ، وابن السني ، وابن شاهين فى الترغيب فى الذكر ، وابن حبان ، والحاكم ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والضياء عن أبى سعيد رضي الله عنه
عدد الصفحات ٣٩41 ولقد رأيت أقواماً يمشي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتاً فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله عز وجل، فيتصدق ببعضه ، وإن كان هو أحوج ممن تصد ق به عليه ] 1 وفي الحديث القدسي قالتبارك وتعالى : ( يا عبادي إني حر مت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت ه فاستهدوني أهدكم ) - اللهم اهدنا فيمن هديت ، وهذه الهداية هي هداية المؤمنين - ( يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمت ه فاستطعموني أطعمكم ) - أي اطلبوا الرزق من الله تعالى - ( يا عبادي كلكم عار إلا من كسوت ه فاستكسوني أكأ س ك م ) وهذه أمور وحاجات لا غنى للإنسان عنها وهي كساء وغذاء وهداية ، ثم ذكر سبحانه أمراً هاماً أيضاً يحتاج إليه المؤمن أشد من حاجته إلى الطعام والكساء وهي المغفرة فقال سبحانه : ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ) 2 وفيه وجوب طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى وخرج عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من المسجد بعد أن صلى صلاة العيد فوقف على باب المسجد والناس حوله وراح يدعو فقال : اللهم اغفر لي وارحمني فإنك قلت } وأنا أرجو الله أن أكون منهم ، فإن لم أكن من المحسنين فأنا من المؤمنين وأنت قلت }فإن لم أكن من المؤمنين- أي الكم ل - فأنا من المخلطين وأنت قلت ع م لاً ص الِحًا و آخ ر س يِّئًا ع س ى الله أ نأ ي ت وب ع ل يأهِمأ إِن الله غ ف ورٌ ر حِيمٌ } فإن لم أكن من المخلطين ولم تنلني رحمتك ولم أكن أهلاً لمغفرتك فأنت أهل أن تنالني مغفرتك لأنك قلت : { }فإن لم تنلني أهليتك لمغفرة ذنوبي ولم تغفر لي فهذه أعظم مصيبة فأقول :( إنا لله وإنا إليه راجعون ) 1 رواه أبو نعيم في الحلية عن علقمة بنمرثد وأورده المزي في تهذيب الكمال والحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي في كتابه العاشر من الحنائيات والحسن بن علي الجوهري في حديث أبي الفضل الزهري 2 انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب
عدد الصفحات ٤٠41 وأنت قلتإِن ا إِل يأهِ ر اجِع ون * أ ول ئِك ع ل يأهِمأ ص ل و اتٌ مِنأ ر بِّهِمأ و ر حأ م ةٌ }1 ولما ولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة المدينةكان يمر على الأولاد في الكت اب ويقول لهم : [قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة ] فيقولون هذا ، فيقول :[ آمين، اللهم إن هؤلاء على الفطرة وقد دعوا لي بالمغفرة فاستجب دعاءهم ] 2 وإن من شأن المؤمن أن يكون همه الأكبر أن يغفر الله تعالى له ونسأل الله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين . 1 جاء في الحلية وتاريخ دمشق لابن عساكر مختصراً بلفظ اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني ، رحمتك وسعت كل شيء وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين . 2 انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
عدد الصفحات ٤١42 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرة الرابعة حول تفسير أواخر سورة آل عمران الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : تقدم في المحاضرات السابقة قول الملك لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبشر بنورين أوتيت هما لم يؤت هما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ ) - وفي رواية النسائي وغيره : ( لم تقرأ ) 1- ( بحرف منهما إلا أعطيته 2 وفي رواية( إلا أوتيته ) 3 ولذلك يقال لسورة الفاتحة: [سورة الإجابة] ويقال لخواتيم سورة البقرة : [آيات الإجابة] . وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ) 4 وقد وردت أحاديث في فضل آخر آيتين من سورة البقرة ، ووردت أحاديث في خواتيم سورة البقرة وهي آخر ثلاث آيات منها . 1 انظر السنن الكبرى للنسائي ومستدرك الحاكم كتاب فضائل القرآن 2 انظر صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها 3 كما في شعب الإيمان للبيهقي 4 انظر سنن الترمذي كتاب فضائل القرآن ومستدرك الحاكم كتاب فضائل القرآن وسنن النسائي الكبرى
عدد الصفحات ٤٢43 وهي قوله صلى الله عليه وسلم ( من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة في ليلة ك ف تاه ) 1 - أي أجزأتاه عن قيام الليل أي له فضل قيام الليل وقال الحافظ السيوطي في الدر المنثور : أخرج مسدد عن عمر رضي الله عنه قال : [ما كنت أرى أحداً يعقل- أي بالغاً راشداً - ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة ، فإنهن من كنز تحت العرش ]. وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال : [ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة ، وإنهن لمن كنز تحت العرش ] . وقال الإمام النووي في الأذكار وروى الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود بإسناده عن علي رضي الله عنه قال : [ما كنت أرى أحداً يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة ]. إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم . اهـ 2 وهذا يدل على مواظبة الصحابة على قراءة خواتيم سورة البقرة بعد العشاء أو قبل النوم لما فيها من خصائص في الحفظ والتحصن من الشياطين والأرواح الخبيثة ، كما كانوا يواظبون على قراءة آية الكرسي قبل النوم 3 . واعلم أن قراءة خواتيم سورة البقرة مطلوبة بعد العشاء قبل النوم وأن خواتيم سورة آل عمران مطلوبة آخر الليل بعد النوم ، كما دلت عليه الأحاديث الشريفة . 1 انظر صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها 2 2/223 1 روى البخاري في صحيحهعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : وك لني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعن ك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكر الحديث وفيه : فقال - أي الشيطان له - : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فذكر أبو هريرة هذا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ص د ق ك وهو كذوب ، ذاك شيطان ) .
عدد الصفحات ٤٣44 جاء في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : [بِت عند خالتي ميمونة ]- إحدى زوجاتسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاهرات رضي الله عنهن جميعاً - [فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطرحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها ] - وفي رواية[ فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء ]- - وإذا كنت تحت السماء فانظر إلى السماء ليس بينك وبينها حجاب من سقف ونحوه - [ فجعل صلى الله عليه وسلم يمسح النوم عن وجهه] وفي رواية[فرفع رأسه إلى السماء فقال( سبحان الملك القدوس ) ثلاث مرات ] 1 [ثم قرأ الآيات العشر الأواخر من آل عمران حتى ختم، ثم أتى شن اً معل قاً فأخذه فتوضأ ، ثم قام يصلي ، فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم جئت فقمت إلى جنبه فوضع يده على رأسي ثم أخذ بأذني فجعل يفتلها ] - وكان قد وقف إلى اليسار فأخذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمين - [ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ثم صلى ركعتين ]- اثنتي عشرة ركعة - [ ثم أوتر]2 وفي رواية [ثم قام صلى الله عليه وسلم فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة ]3 فكان صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ لقيام الليل قرأ خواتيمسورة آل عمران وعلى هذا درج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله تعالىإِن فِي خ لأقِ الس م او اتِ و الأأ رأضِ و اخأتِلا فِ الل يألِ و الن ه ارِ لآ ي ات لأِ ولِي الأأ لأب ابِ }... إلى آخر السورة هذه الآية وصف الله تعالى بها عباده المقربين أولي الألباب . فقوله تعالىإِن فِي خ لأقِ الس م او اتِ و الأأ رأضِ مخلوقاتها أو في تخليقها يعني في إيجادها وإنشائها على المعنى المصدري . 1 انظر مستدرك الحاكم كتاب معرفة الصحابة والدعاء للطبراني 2 صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن واللفظ له وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها 3 صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن
عدد الصفحات ٤٤45 { ، وهذا ما ل ف ت إليه سبحانه بقوله : {ى الإأِبِلِ ك يأف خ لِق تأ * و إِل ى الس م اءِ ك يأف ر فِع تأ * و إِل ى الأجِب الِ ك يأف ن صِب تأ * و إِل ى الأأ رأضِ ك يأف س طِح تأ } وكلما عظ م وكبر البناء في نظرك عظم وكبر في نظرك الباني ، فما أعظم السموات وما فيها ، وما أعظم بانيها ؟! كل هذا يدلك على عظمة الله تعالى في قدرته وعلمه وحكمته سبحانه . قوله سبحانه السماء ، أما إبل الأرض فهي الجمال التي تحمل الأثقال وتطوي المسافات الشاسعة وتصبر على العطش والجوع ، وأما الإبل السماوية فهي السحب . والعرب تشبِّ ه السحب المليئة بالأمطار بالإبل وهذا ما قاله سبحانه : {}وهذا من حيث لونها واجتماعها إلى بعضها وما تحمله من أثقال ، قال تعالى : {و ي نأشِئ الس ح اب الثِّق ال }. ولا تقل إنه لا يجوز أن يراد بالكلمة الواحدة الحقيقة والمجاز في آن واحد فإن هناك ما يعرف بعموم المجاز . فلفت سبحانه النظر من عالم الأرض إلى السحب في السماء ، ثم عاد بك إلى الجبال وعالم الأرض كيف سطحت - أي ج علت مذللة مبسوطة للماشية عليها - ولا ينافي هذا أنها كروية الهيئة كما هو معروف عند جمهور العلماء . والأدلة على ذلك كثيرة منها اختلاف مواعيد الشروق وغيرها . قوله تعالىو اخأتِلا فِ الل يألِ و الن ه ارِ منهما يخلف الآخر ، وكذلك اختلافهما في الطول والقصر والظلمة والنور ويجدر هنا ذكر الآيات الأقِي ام ةِ م نأ إِل هٌ غ يأر الله ِ ي أأتِيك مأ بِضِي اء أ ف لا ت سأم ع ون * ق لأ أ ر أ يأت مأ إِنأ ج ع ل الله ع ل يأك م الن ه ار س رأم دًا إِل ى ي وأمِ الأقِي ام ةِ م نأ إِل هٌ غ يأر الله ِ ي أأتِيك مأ بِل يأل ت سأك ن ون فِيهِ أ ف لا ت بأصِر ون وهناك فرق في قوله تعالى الأأ لأب ابِ خالق بارئ مصور قوي عليم ، وهذا الاستدلال بالعالم على الخالق . وأما أولوا الألباب فقد عقلوا وآمنوا أن هناك خالقاً بارئاً ولكنهم راحوا يبحثون عن الحكمة من وراء هذه المخلوقات وأنها لم ت خلق للعبث واللهو والباطل وأنها مسخرات للإنسان ،
عدد الصفحات ٤٥46 وأنه لابد من يومآخر ترجع فيه الخلائق إلى ربها فيثاب المحسن ويعاقب المسيء ولذلك قالوا كما أخبر عنهم سبحانه {:ه ذ ا ب اطِلاً س بأح ان ك ف قِن ا ع ذ اب الن ارِ أي : يوم الرجوع إليك . وقد وصف سبحانه أولي الألباب بالذكر فقال جل وعلا {وقعوداً وعلى جنوبهم} ووصفهم بالفكر، فقال تبارك وتعالى {ي ت ف ك ر ون فِي خ لأقِ الس م او اتِ و الأأ رأضِ وأولو الألباب يذكرون الله تعالى على كل أحوالهم ، وليس المراد هنا الصلاة بدليل قوله جل وعلا : {ف إِذ ا ق ض يأت م الص لا ة ف اذأك ر وا الله قِي امًا و ق ع ودًا و ع ل ى ج ن وبِك مأ الآية . وإن ذكر الله تعالى واجب على كل مسلم ومسلمة إن هو جلس مجلساً أو مشى ممشى أو قام مقاماً أو اضطجع مضطجعاً ، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يفعل كان لله عليه حق يطالبه به يوم القيامة ، وكان لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حق يطالبه به يوم القيامة . ففي الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه كان عليه تِ ر ة يوم القيامة ) - أي حق يطالبه به يوم القيامة ، والترة هي التبعة أي المظلمة - ( ومن جلس مجلساً لم يذكر الله فيه كان عليه ترة يوم القيامة ، ومن مشى ممشى لم يذكر الله فيه كان عليه ترة يوم القيامة ) 1 وفي المسند 2عن أبي هريرةرضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما جلس قوم مجلساً فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم تِ ر ة ، وما من رجل مشى طريقاً فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة ، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة ) أي ليذكر العبد ربه ولو مرة ، ومن أكثر من الذكر دل على قوة إيمانه ، وتدل الآية والحديث السابق على مشروعية ذكر الله تعالى في جميع الأحوال والحركات والسكنات إلا في حالات كشف العورة للضرورة ، لذلك لا تعترضأ على أهل الذكر . 1 كما في شعب الإيمان للبيهقي 4 7213
عدد الصفحات ٤٦47 قوله تعالى لعباً أو باطلاً وإنما للحق والحكمة ، وهذا قوله سبحانه : { الصالِح اتِ س و اءً م حأي اه مأ و م م ات ه مأ س اء م ا ي حأك م ون * و خ ل ق الله الس م او اتِ و الأأ رأض بِالأح قِّ و لِت جأز ى ك ل ن فأس بِم ا ك س ب تأ و ه مأ لا ي ظأل م ون } قوله تعالىأي : حتى تعرفه وتعبده وهو قوله تعالى : { }... الآية وإذا عرفت الله عبدت ه حقاً لأنه حقاً إله ي عبد ، وليس لك منة عليه جل وعلا بل إنك تقوم بأداء حقه سبحانه عليك . ومن جملة الحق الذي حق ه سبحانه على نفسه إرسال الرسل حتى يبيِّ نوا للناس كيف يعبدون الله تعالى وهذا قوله سبحانه : { } . والنتيجة أنه لابد من يوم آخِر يرجع فيه العباد إلى الله وي ثاب المحسن وي عاقب المسيء ، قال تعالى : { {* أ مأ ن جأع ل ال ذِين آم ن وا و ع مِل وا الص الِح اتِ ك الأم فأسِدِين فِي الأأ رأضِ أ مأ ن جأع ل الأم ت قِين ك الأف ج ارِ } وهذا قوله تعالى {او اتِ و الأأ رأض و م ا ب يأن ه م ا إِلا بِالأح قِّ و إِن الس اع ة لآ تِي ةٌ } فهو سبحانه حق، وعبادته حق ، والرسل حق ، والآخرة حق ، والسؤال حق . قال تعالى* أ ل مأ ي ك ن طأف ةً مِنأ م نِيٍّ ي مأن ى * ث م ك ان ع ل ق ةً ف خ ل ق ف س و ى * ف ج ع ل مِنأه الز وأج يأنِ الذ ك ر و الأأ نأث ى * أ ل يأس ذ لِك بِق ادِر ع ل ى أ نأ ي حأيِي الأم وأت ى } . بلى وعزة ربي وقد ثبت اليوم الآخر عند أولي الألباب بالتفكر والتعقل ، وأنه لابد من سؤال وحساب فقالواسبحانك ف قِن ا ع ذ اب الن ارِ وإن التفكر في خلق السموات والأرض أمر مطلوب يزيد في الإيمان ، وأما التفكر في ذات الخالق وك نأ هِ هِ سبحانه وحقيقته فهذا أمر منهي عنه . لأن التفكر في أمر يدل على أنك قد أحطت بهذا الأمر وجعلت تفكر في حكمته وسره ، وإن الله تعالى لا ي حاط به لا قدرة ولا علماً ولا بصراً ، لأنه سبحانه إليه المنتهى وليس له انتهاء .
عدد الصفحات ٤٧48 كما روى الدارقطني وغيرهأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ م ر ةً : {} قال صلى الله عليه وسلم في بيان معنى من معاني الآية : ( لا فكرة في الرب ) وورد في الحديث : ( ت فك روا في خلق الله ولا ت ف ك روا في الله فإنكم لن تقأ دروا قدره) 1 وكيف لك أن تحيط بمن أحاط بك علماً وقدرة وبصراً و {ر ب ن ا إِن ك م نأ ت دأخِلِ الن ار { }. أي والخزي مستحق له لأنه ظالم، وما له من نصير ولا شفيع إن أنت أخزيت ه . والظلم إذا أ طلق في القرآن يراد به الكفر ، وكذلك الظالم - كما في الآية : { } فأظلم الظالمين من كفر با ، وأعدل العادلين من و ح د الله تعالى قال تعالى : { } أي بـ : ( لا إله إلا الله ) أولاً ، وذلك لأنك اعترفت بالحق لمن هو أهله وهو الله تعالى . أم ا عندما تحكم على غيره كالأصنام وغيرها بأنه إله فأنت ظالم في حكمك قال تعالى : { } 1 قال السيوطي في الدر المنثور أخرج الدارقطني في الأفراد والبغوي في تفسيره عن أ بي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { (لا فكرة في الرب ) وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة : حديث: ( تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في الله ) ابن أبي شيبة في العرش من حديث سعيد بن جبيرعن ابن عباس ، ورواه الأصبهاني في ترغيبه، ثم أبو ن عيم في الحلية عن عبد الله بن سلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أناس من أصحابه، وهم يتفكرون في خلق الله ، فقال لهم : ( فيم كنتم تفكرون ) ؟ قالوا: نتفكر في خلق الله ، قال : ( لا تتفكروا في الله وتفكروا في خلق الله ) . ولأبي ن عيم فقط عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال: ( ما ج م ع كم ) ؟ قالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته فقال : ( تفكروا في خلق الله ولا تفكر وا في الله ، فإنكم لن تقدروا قدره ).. الحديث، وللطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب، من حديث ابن عمر مرفوعاً : ( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله ) وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح . اهـ
عدد الصفحات ٤٨