17 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرة الثانية حول تفسير خواتيم سورة البقرة الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( بينما جبريل قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه ) - أي سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتاً من فوقه ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع ما لا يسمع غيره ويرى ما لا يرى غيره كما قال عليه الصلاة والسلام : ( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ) 1 ، وهذا الصوت من السماء- ،( فرفع رأسه فقال ) - أي : جبريل عليه السلام - : ( هذا باب من السماء ف تح اليوم ، لم ي فتح ق ط إلا اليوم فنزل منه ملك ) - وقد رآه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يرى ما لا يرى غيره - ( فقال ) - أي : جبريل عليه السلام - ( هذا مل ك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ، فسل م ) - أي الملك - ( وقال : أبشر ) - أي جئتك ببشارة من عند الله يا رسول الله - ( بنورين أوتيت هما لم يؤت هما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ ) - وفي رواية النسائي وغيره : ( لم تقرأ ) 2- ( بحرف منهما إلا أعطيته3 وفي رواية( إلا أ وتيته ) .1 1 سنن ابن ماجه كتاب الزهد عن أبي ذر رضي الله عنه . 2 انظر السنن الكبرى للنسائي ومستدرك الحاكم كتاب فضائل القرآن 3 انظر صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصأرها .
عدد الصفحات ١٧18 وقوله : ( أوتيتهما ) أي أنت يا رسول الله ، وأ م تك تابعة لك . إن الذي نزل بالسورة هو جبريل عليه السلام وأما الملك الذي لم ينزل إلى الأرض إلا ذلك اليوم فقد نزل لبيان بعض خصائص هذه السورة . والمراد بالحرف في هذا الحديث : [الجملة]، وهي في اللغة : الطرف ، أي : لم تقرأ بجملة منهما إلا أعطاك الله ، فإذا قلت : {بِل الله حمدك وأجابك بقوله :( حمدني عبدي ) ، حتى إذا قلت : {اهدنا الصراط المستقيم}قال الله تعالى ( هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل ) 2 وقوله : ( لم تقرأ بحرف ) ولم يقل : لم تقرأ حرفاً ، مع أنه لو قال هذا لصح المعنى ، إنما أتى بالباء في قوله ( بحرف ) أي متلبساً حالة الدعاء بنية معينة في قراءتك ، يعني لم تقرأ بحرف منهما متوجهاً إلا أجابك الله تعالى . ويحتمل أن تكون الباء للاستعانة ، والمعنى : لم تقرأ بحرف مستعيناً على قضاء حوائجك إلا أ عطيته ، ولهذا كانت سورة الفاتحة ت قرأ لقضاء الحوائج ، وت هدى للأموات وهكذا .. ولا تقل إن قراءتها على نية كذا كتيسير أمر أو تفريج كرب هي بدعة ، فإن سيدنا أبا سعيد الخدري رضي الله عنه لما رقى بها اللديغ لم يكن يعلم أنها سورة الشفاء بل كان يعلم أنها سورة إجابة ، فقرأها على اللديغ فشفاه الله ، ثم لما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له صلى الله عليه وسلم : ( وما يدريك أنها ر قأ ية ) ؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً ) 1 1 كما في شعب الإيمان للبيهقي 2 طرف حديث فيصحيح مسلم كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه .
عدد الصفحات ١٨19 فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء بها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه للاستشفاء ، فإذا جئت بها لقضاء الحوائج فأي مانع ؟ وإذا جئت بها قربة إلى الله ووهبت ثوابها للأموات فأي مانع ؟ فقد شرع تعالى صلاة الحاجة وفيها الركوع والسجود وقراءة الفاتحة وغيرها من القرآن ، والمقصود أن ت قضى تلك الحاجة التي صليت ودعوت من أجلها ، ومن جملة ما قرأت سورة الفاتحة فلو قرأت سورة الفاتحة خارج الصلاة خاصة لقضاء الحاجة فما المانع ؟! كما أن سورة الفاتحة ت قرأ للحفظ فقد روى الديلمي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه مرفوعاً : ( فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرؤهما عبد في دار فتصيبهم ذلك اليوم عين إنس أو جن ) 2 فسورة الفاتحة تقرأ لعدة أمور هامة ، فما الحرج في قراءتها لأي حاجة كانت ؟ ! ولا تقل : إن هذا لم ي رِ دأ ، فإن ذلك يدخل تحت الأصل العام وهو مشروعية قراءتها لقضاء الحاجة وغيرها لأنها سورة إجابة بدليل قوله : ( لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته ) 1 انظر صحيح البخاري كتاب الإجارة. وروى الإمام أحمد في مسنده 11584 واللفظ له عن أبي سعيد الخدري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً فكنت فيهم فأتينا على قرية فاستطعمنا أهلها فأبوا أن يطعمونا شيئاً فجاءنا رجل من أهل القرية فقال : يا معشر العرب فيكم رجل يرقي ؟ فقال أبو سعيد : قلت : وما ذاك ؟ قال : ملك القرية يموت ، قال : فانطلقنا معه فرقيته بفاتحة الكتاب فرددتها عليه مراراً فعوفي ، فبعث إلينا بطعام وبغنم ت ساق فقال أصحابي : لم يعهد إلينا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا بشيء ، لا نأخذ منه شيئاً حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فس قنا الغنم حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثناه فقال : ك لأ وأطعمنا معك ، وما يدريك أنها رقية ؟ قال : قلت : ألقي في روعي - أي في قلبي - . 2 عزاه الحافظ المناوي في فيض القدير للديلمي في الفردوس وانظر كتاب [حول تفسير سورة الفاتحة]صفحة224 لشيخنا الإمام رضي الله عنه
عدد الصفحات ١٩21 وكذلك فإن خواتيم سورة البقرة ( الآيات الثلاث الأخيرة ) فيها الإجابة أيضاً لأن الله تعالى تكفل لمن دعا بها بالإجابة . أما الكلام على تفسير خواتيم سورة البقرة : فقوله تعالى فيها والأرض وما فيها هي ملك لله ، وهي له خلقاً فهو خالقها وملكها . {ي ح اسِبأك مأ بِهِ فما المناسبة في ذكر ذلك ؟ نعم ، ما دام أن السماوت والأرض وما فيهما هي له سبحانه خلقاً وملكاً ومِلكاً ألا يعلمها ويعلم ما فيها ؟ قال تعالى الأرض وما فيهما من كبير أو صغير ، وأنت أيها الإنسان من جملة ما في الأرض ، فأنت إذاً لله تعالى وأنت من مخلوقاته ، وهو المالك لك والملك عليك - أي : المتصرف فيك والمدبِّ ر لك - فهو سبحانه يعلم إذاً كل ما يجول في نفسك ويخطر على بالك {تظهروه {{ يحاسبكم به} فقوله سبحانه وتعالى ، وإن نتيجة الحساب أن يغفر سبحانه لمن يشاء ويعذ ب من يشاء ، وهذا لمن مات وعليه ذنوب لم يتب منها فأمره تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذ به . وإن المقصود من هذه الآية أن تأخذ حذرك أيها الإنسان وتعمل بموجب ما تدل عليه هذه الآية ، فلما عر فك سبحانه أنه يعلم خفاياك فإياك أن تضمر في نفسك ما لا يرضاه الله تعالى ، وإن كان في نفسك شيء من ذلك فبادر بالتوبة إلى الله قبل أن تموت ، وإلا فإن الأمر خطير .
عدد الصفحات ٢٠21 وإذا قلت : وهل هو سبحانه قادر على حساب كل العباد ويحضر لهم أعمالهم وخفايا قلوبهم ؟ فيقال : نعم ، فقد قال سبحانه وقال تعالى :{ أي وإن كان عملك وخفايا نفسك مثقال حبة من خردل أتينا بها بقدرتنا للحساب . وقال تعالى السموات أو في الأرض يأت بها الله} - أي للحساب- . واعلم أن المحاسبة لا تكون على كل ما مر على القلب ، فهناك الهاجس الذي يهجس في النفس بسرعة كالبرق الخاطف ، فإذا تكرر كان خاطراً ، ثم إذا قوي أكثر كان حديث نفس - بين رد وقبول - وإن الله تعالى لا يؤاخذ على حديث النفس فضلاً منه وكرماً ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله ت جاوز عن أمتي ما حد ثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم )1 وذلك إكراماً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا فإن الوساوس النفسية والخواطر الشيطانية التي تمر على القلب وينزعج الإنسان لها ، لا يؤاخذه الله عليها ولا تدل على نقص في إيمانه ، بل عليه أن يطردها ويتعوذ بالله من ذلك ، ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أحدِّ ث نفسي بالشيء لأن أ خِ ر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به وفي رواية : فقال : يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون ح م مة 1أحب إليه من أن يتكلم به2 1 انظره فيصحيح البخاري كتاب الطلاق واللفظ له وصحيح مسلم كتاب الإيمان ، كليهما عن أبي هريرة رضي الله عنه .
عدد الصفحات ٢١22 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ) 3 وروى الإمام أحمد عنأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : ش ك وا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون من الوسوسة وقالوا : يا رسول الله إنا لنجد شيئاً لو أن أحدنا خ ر من السماء كان أحب إليه من أن يتكلم به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ذاك محض الإيمان ) 4 وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : ( وقد وجدتموه ) ؟ قالوا : نعم ، قال : ( ذاك صريح الإيمان ) 0 أي هو دليل قوة الإيمان طالما أنكم أنكرتموه وانزعجتم له ورددتموه . وأما معنى قوله تعالى : { يعني من أعمال القلوب وملكات النفس الراسخة فيها ، والنيات والهِ مم والعزائم كالحب والبغض والحقد والحسد والشحناء والبغضاء وانتقاص الغير وهكذا . فالحب مثلاً : أم ر ك الله تعالى أن تحب كل مؤمن لإيمانه ، وأن تحب الخير لكل مؤمن ، فإن حملت في نفسك غير ذلك وقعت عليك المسؤولية والحساب ، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحاب وا ، أفلا أدل كم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أ فأ ش وا السلام بينكم) 1. 1 قال في عون المعبودحممة ) بضم الحاء وفتح الميم أي : فحماً 2 انظر سننأبي داود كتاب الأدب 3 مسند الإمام أحمد 1773 4 المسند23857 0 انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان
عدد الصفحات ٢٢23 ويجب أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف من المؤمنين ، و تستصغر أحداً منهم فإنه سبحانه لم ي ودِ ع في قلب المؤمن ( لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا لأنه يحبه ويريد كرامته . ولو ات سخ جسمه بالذنوب والمعاصي فإما أن يتوب وتطهر ثيابه أو أن يتوب الله عليه ، وهكذا طالما أنه مؤمن . ولما جيء برجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وح د بسبب شرب الخمر ثم انصرف قال رجل من الصحابة : - وفي رواية : فلما انصرف قال يعني القوم : أخزاه الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة : ( لا تقولوا هكذا ، لا تعينوا عليه الشيطان ، ولكن قولوا : رحمك الله ) 2 - أي : ادعوا الله أن يتوب عليه- وروى الإمام مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول : ( لا ت كثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ، فإنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية ) 3 وجيء برجل شرب الخمر فح د مراراً ، فقال رجل من الصحابة : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله ) 4 1 صحيح مسلم كتاب الإيمان وسنن أبي داود كتاب الادب واللفظ له 2 انظره في صحيح البخاري كتاب الحدود والسنن الكبرى للنسائي 3 في كتاب الجامع ومصنف ابن أبي شيبة وشعب الإيمان للبيهقي 4 انظر صحيح البخاري كتاب الحدود
عدد الصفحات ٢٣24 وفي رواية : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تلعنوه ؛ فإنه يحب الله ورسوله ) 1 وهكذافإن دين الإسلام سِ لم وسلام وأمان واطمئنان وحفظ للمراتب ، وهذا ما هدى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) 2 فإذا كان حبك للآخر شرعياً فأنت مأجور عليه، وإلا فأنت مسؤول عنه ، وكذلك البغض ، فيجب أن تبغضه بسبب ارتكاب المعصية ، فتبغض منه هذه الصفة ، ولا تبغضه مطلقاً ، لأنه مؤمن . وكذلك النية فإذا نويت خيراً أ جِ رت عليها ، وإن نويت شراً عوقبت عليها ، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لما رجع من غزوة تبوك : ( إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ، قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ح ب س هم العذر ) 3 . وجاء في الحديث : ( إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالاً وعلماً ) - أي : علم الحلال والحرام وليس علم العلماء – ( فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول ) - أي ينوي – ( لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان ، فهو بني ته فأجرهما سواء . 1 كما في مسند أبي يعلى الموصلي ومسند البزار 2 طرف حديث في المسند14400 وصحيح مسلم كتاب الجمعة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه 3 كما في صحيح البخاري كتاب المغازي عن أنس بن مالك رضي الله عنه
عدد الصفحات ٢٤25 وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل ، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان ) - أي : في المعصية - ( فهو بني ته فوِ زرهما سواء) . 1 وما أحسن قول القائل : ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل 2 قوله تعالى هذا لمن لم يتب ، وأما من تاب تاب الله عليه ، وقد قد م ذكر المغفرة لكي تسعى في طلبها من الله تعالى . { القلبية والمحاسبة عليها ، كما أنه سبحانه قدير على المغفرة، وقدير على التعذيب ، ولابد للمغفرة من قدرة إذ إن الغفر هو الستر ، فالذنب يصدر من الإنسان له ظلمة قد تكون أشد من ظلمة الليل إن كثرت الذنوب ، فمن يقدر على إزاحة ظلم الليل ؟ !! ولولا أن الله يأتي بنور الشمس ل م ا ق در أحد على إزالة ظلمة الليل ، وكذلك الذنوب لا يستطيع أحد أن يزيل ظلماتها إلا نور مغفرة الله تعالى ولذلك قال سبحانهغأفِر الذ ن وب إِ ذلك وعلى إزالة الظلمات من كتاب المذنب وجسمه وقلبه ومما حوله إلا الله ؟ وقد كان صلى الله عليه وسلم يرى أثر الذنب وظلماته في الإنسان وكذلك أصحابه رضي الله عنهم لِ لطافتهم ، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يدخل عليه رجل - وكان في طريقه قد وقع بصره على امرأة أجنبية - فلما دخل على عثمان قال له عثمان رضي الله عنه : أيدخل ع ل ي أحدكم وفي عينيه أثر الزنا ؟ ! 1 انظره في سنن الترمذي كتاب الزهد 2 هو من شعر أبي العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد المتوفى سنة211 هـ رحمه الله .
عدد الصفحات ٢٥26 فقال له الرجل: أو حأ يٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا ، ولكن قول حق وفراسة صدق 1. إشارة إلى الحديث ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله )2 . ولما نزل قوله تعالى في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ف هِ م بعض الصحابة أن الأمر عام يشمل الهواجس والخواطر ، فاشتد ذلك عليهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الر ك ب فقالوا : أيأ رسول الله ك لِّ فنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أ نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها - أي : لا طاقة لنا ولا قوة لنا على التحقق بها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أن الآية لا تشمل ذلك لكنه أراد من الصحابة أن يكون موقفهم مع آيات الله موقف الاستسلام - قال للصحابة رضي الله عنهم : ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم ذل ت بها ألسنتهم 3فأنزل الله في إثرها {المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسلههم كلهم رسل الله ولا ننكر رسالة أحد كما أنكر اليهود رسالة عيسى عليه السلام . 1 عزاه المحب الطبري في الرياض النضرة للملاء في سيرته وذكره المناوي في فيض القدير 2 انظر سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه 3 أي رددوها وسهلت قراءتها عليهم ، قال في لسان العرب : والذِّ ل بالكسر : اللين وهو ضد الصعوبة ، وذلت القوافي للشاعر إذا سهلت
عدد الصفحات ٢٦27 { فلما فعلوا ذلك نس خ ها الله تعالى فأنزل الله عز وجل : { تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال جل وعلا : ( نعم ) - أي قال الله تعالى للمؤمنين : ( أ ج بأ ت ك مأ ) - { قالسبحانه : ( نعم ) { قالتبارك وتعالى : ( نعم ) { قالجل شأنه : ( نعم ) 1 وهذا تعليم من الله تعالىلعباده كيف يدعونه . قوله تعالى {ل ن ايا ربِّ لا تقابلني بالذنب ولا تفضحني به أمام غيري ، لأن هناك من بني البشر من يعفو ولا يغفر ، فتراه لا يعاقب من أساء إليه وظلمه لكنه يتناوله بالذكر والفضيحة في مجالسه ، وهذا أمر مذموم . وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله ي دني المؤمن فيضع عليه ك ن ف ه ويستره فيقول : أتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أيأ رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال : سترت ها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ) 2 {ه إلينا رحمتك بالخير والفضل ، فلا تعاقبنا واسترنا واجلب الخير لنا . 1 كما في صحيح مسلم كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه 2 انظر صحيح البخاري كتاب المظالم والغصب وصحيح مسلم كتاب التوبة
عدد الصفحات ٢٧28 وإن الله تعالى واسع المغفرة، ففي الحديث القدسي : ( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أ بالي )1 وروى الحاكم والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : واذنوباه واذنوباه ، - أي هلكت من كثرة ذنوبي - قال هذا القول مرتين أو ثلاثاً ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل : اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي ) ، فقالها ، ثم قال : ( ع د ) فعاد ثم قال : ( عد ) فعاد ، فقال : ( قم فقد غفر الله لك ) 2 ولا يستغني أحد- مهما علا في مقام الإيمان - لا يستغني عن مغفرة الله تعالى . ول ك في صد يق هذه الأمة رضي الله عنه عِ ظة وعبرة إذ عل مه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء يدعو به في صلاته - وهي أقرب أحواله إلى الله عل مه أن يقول : ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم )3 . وأين أنت من الصديق رضي الله عنه؟! فأكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى لأنه سبحانه أطمعك في مغفرته ودعاك إليها . 1 طرف حديث في سنن الترمذي كتاب الدعوات عن أنس بن مالك رضي الله عنه 2 كما في مستدرك الحاكم كتاب المناسك وشعب الإيمان للبيهقي 3 صحيح البخاري كتاب الأذان
عدد الصفحات ٢٨29 وكلما تقربت من النور وعلا مقامك ظهر لك من صغائر الذنوب ما لم تكن تعرفه فتبادر إلى الاستغفار والتوبة وهكذا .. والقلب كالبيت ، إذ كلما قوي النور في البيت أظهر دقائق الأمور ، وكلما قوي نور الإيمان في القلب أظهر خفايا الذنوب بالنسبة لمقام المؤمن فينبغي الاستغفار منها . وما النور إلا من إشراقات أنوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى ونسأل الله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .
عدد الصفحات ٢٩31 بسمالله الرحمن الرحيم المحاضرة الثالثة حول تفسير خواتيم سورة البقرة الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : تقدم في الحديث قول الملك لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبشر بنورين أوتيت هما لم ي ؤت هما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ - وفي رواية النسائي وغيره : لم تقرأ 1- بحرف منهما إ أعطيته ). 2 وفي رواية( أوتيت ه )3 إنالمراد من الحرف هنا المعنى اللغوي أي الجملة أو الكلمة . وتسمى سورة الفاتحة سورة الإجابة والعطاء لأن الله تعالى تكف ل لقارئها أن يجيبه ويعطيه ما سأل ، بدليل ما ورد في الحديث المتقدم : ( لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيت ه ) . وروى الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة في ليلة ك ف ت اه ) 4 1 انظر السنن الكبرى للنسائي ومستدرك الحاكم كتاب فضائل القرآن 2 انظر صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها . 3 كما في شعب الإيمان للبيهقي 4 انظر صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها
عدد الصفحات ٣٠31 أي: ك ف تاه وحشة الأفكار وضيق الصدر ، وقيل : كفتاه في الأجر والثواب عن قيام الليل ، وقيل : كفتاه الهموم ، وقيل : كفتاه ضيق العيش . وقال بعض المحققين : كفتاه ما يهم ه ، فيشمل ذلك كله - أي اقرأ وانأ وِ ما تريد والله يعطيك ما تريد ، لأن الحديث جاء مطلقاً فلا تقيِّ ده وإنما حال ك يدل على مرادك . قوله تعالىللهِ ِ م ا فِي الس م او اتِ و م ا فِي الأأ رأضِ أي تصرفاً وتدبيراً ، وهي ملك له سبحانه ، فهو الملك فيها وهو المالك لها سبحانه ، وإن الإنسان من جملة ما في الأرض ، فالذي خلقه وهو م لِ ك ه ومالكه ألا يعلم ما في نفسه ؟ ! قال سبحانه { :} أي يعلم ذلك ويحاسبكم عليه يوم القيامة قوله تعالى يعلمه الله فيحاسبكم ، فما هو المراد بذلك ؟ المراد منه : الأعمال القلبية والم ل كات النفسية المستقرة في النفوس ، فإذا كانت ذميمة ومنهياً عنها شرعاً فإن صاحبها يؤاخذ عليها ، وأما الوساوس والهواجس والخواطر وأحاديث النفس وما يخطر على القلب من أمور محر مة والقلب ينكرها فلا مؤاخذة عليها بدليل تمام الآيات { والحديث (إن الله تجاوز لأمتي ما حد ثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به )1 1 صحيح مسلم كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه
عدد الصفحات ٣١32 والأصل في كلمة الخطر والخطور - بضم الخاء - الدلالة على السرعة ، ومنه قولك : ( جاءنا خ ط ار ) أي جاؤوا ولم يدخلوا بل سل موا وسألوا مرادهم ومض وا ، أما إذا دخلوا فيقال عنهم : ( إنهم ضيوف ) وذلك إذا جلسوا فترة من الزمن ، وأما إذا أطالوا وأثقلوا فما عادوا خطاراً ولا ضيوفاً بل صاروا أحجاراً ، فالخاطر ما يمر سريعاً 1 . فالنيات المذمومة التي عقدصاحبها قلبه على فعلها هو مسؤول عنها ومؤاخذ عليها ، وكذا الحب غير الشرعي والبغض والحقد والحسد والغل والشحناء ، فإن أبديت ذلك أو أخفيته فإن الله يحاسبك عليه ، وبعد المحاسبة إما أن يغفر لك وإما أن يعذبك . والحساب قد يكون سريعاً وهو العرض [ الحساب اليسير] وهوالذي لا يعذ ب به صاحبه ، وقد يكون الحساب مع التدقيق والمناقشة وهذا موجب العذاب كما في الحديث : ( من ن وقِ ش الحساب ع ذِّ ب )2 الحديث وأما الكلام عن تقوى القلوب وآثام القلوب : فإن تعظيم وتوقير شعائر الله وهي معالم دينه وشريعته كالمساجد والمصاحف والعلماء هو أمر واجب ، ومن متطلبات تقوى القلوب ما جاء في قوله تعالى : {ت قأو ى الأق ل وبِ وكتمان الحق عند طلب بيان الحق أمر من آثام القلوب ، قال تعالى : { :الشهادة { و الله بِم ا ت عأم ل ون ع لِيمٌ * للهِ ِ م ا فِي الس م او اتِ و م ا فِي الأأ رأضِ و إِ نأ ت بأد وا م ا فِي أ نأف سِك مأ أ وأ ت خأف وه } أي من إظهار شهادة الحق أو كتمانها إذا كان ذلك موقوفاً عليك ، وهذا من جملة مفهوم الآية فمن نظر نظرة احتقار واستصغار إلى شعائر الله فقد كفر ، ومن قص ر في تعظيمها وتوقيرها فقد ارتكب إثماً كبيراً . 1 قال في لسان العرب : الخاطر ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر، يقال : خطر ببالي وعلى بالي كذا وكذا يخطر خطوراً إذا وقع ذلك في بالك ووهمك 2 طرف حديث في صحيح البخاري كتاب الرقاق عن أم المؤمنينالسيدة عائشة رضي الله عنها
عدد الصفحات ٣٢