المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مسغبة

غير معروف

صفحة ٥ من ٢٠

ع ّحم الل داكن الخُضرة، فإذا رأيت ملوخيّة بيضاء أو فاتحة أو تميل إلى الص فرة فاعلم ّها أن فاسِدة، وأنّ صاحب الدّكان قد ّك غ ش . ويُنض ج بها ّحم الل لتأخذ شيئًا من دُهنِه مع الم ر ق، وشيئًا من ط عمِه، وإذا بدأت بأكلِها ف س مِّ الله ثلاث مرّات، لأنّ فيها بعض الأذى لِم ن لا يعرفُ ها… أصل استوقفتُها: «ماذا تعنين؟« .يا سيّدي إنّ لها تاريخًا ً طويلا « .وتعرفينه أكثر ّي؟ من« .بالتّأكيد يا سيّدي، فأنت طبيب وأنا ع رّافة، ّما وإن تستخدمُ أنت منها ما نفع الجسد في داء، وأنا من اسمي أعرفُ عنها أكثر مِمّا تعرف هي عن نفسِها… ً أوّلا لأهمّيّتها س مّى المصريّون دربًا باسمها، فهناك درب اسمه دربُ الملوخيّة قريب من منطقة السّيّدة عائشة، وهو درب مزدحم أكثر من شارع المعزّ ومن سوق زويلة، وثانِيًا كانت تُسمّى (الملوكيّة) ّها لأن كانت طعام الملوك، وكانت الملوك ّها لأن لذيذة جِدّا تُحرّمها على العامّة، فلمّا طال شوقُ العامّة إلى أكلها، س مّوها المُلوخيّة تغييرًا لحرف في اسمِها، وكل م ن كان يُلق ى عليه القبض وهو يأكل أكلة الملوك من العامّة ّص يتخل من الحبس بقوله« :معاذ الله أن أقرب ما أباح الله للملوك وح رَّ م على الس وقة، ّما إن هذه ُشبة الع الضّارة الخضراء تُسمّى الملوخيّة، وهي تلعّ في المعدة، وتدعو إلى القيء، فشتّان بين ما نأكل وما يأكلون… وبهذا ينجو من الحبس وشاعت في أهل مصر وفشت ، حتّى جاء الفاطِميّون فحرّموها من جديد ، ّها لأن كانت ّبخة الط المُحبّبة لمعاوية بن أبي سُفيان، وحُرّمت على أهل ِلاد الب ّهم، كل وعاش ّاس الن من ذلك في ضنك، فلمّا ذهب بهم الحِمار ولم يرجعوا، عادت الملوخيّة إلينا، وها أنت يا سيّدي، ّم تتنع بأكلها دون أن ّف تكل نفسك ببعثِ صحن معي لآكل كما تأكل !

عدد الصفحات ٤٥

أبديتُ اهتِمامي، وأجبتُ « :بل أنا ّذي ال ُ سآخذ صحنًا واحِدًا لي، وسأبعثُ معك البقيّة« .وهل أنت جادّ؟« .وهل رأيتِني أمزح؟« .ّ، كلا ولكنّ هذا كثير« .ليس كثيرًا على م ن ّمني عل . زوت رأس ها، وقعتِ الكلمة منها ًا، موقع رفعت رأس ها ً ثانية نحوي، وقالت« :أنت رجل طيّب، يا سيّدي، وبسيط، ولا تعرفُ من الد نيا شيئًا. ّها إن تقول كلامًا يبعثُ في ّحظة الل على التّناقض في ّعور، الش ولِذا سألتُها« :كيف ترينني بكلمة واحدة؟. واستغربتُ من نفسي أن ُرّ أضط إلى سؤالها ً سؤالا كهذا، وودتُ ّني أن لم ه، أنطق كيف لعالِم مثلي أن يسأل امرأةً ها رأي فيه، ّها ولكن قطعت عليّ س ر حاني، وقالت« :يبدو ّك أن ندمت على السّؤال. ّك لكن لم تُخطِئ . وإذا أردتُ أن أصفك بكلمة واحدة كما طلب ت ، فأنت : أحمق. ني وصعقت وقاحتُها وجرأتها، ّني ولكن بلعتُ ريقي وصبّرتُ نفسي، وهممتُ أن أسألها لماذا تراني أحمق، غير ّها أن أكملت « :أنت أحمق إن لم تعرف ما ّئه ِ تُخب الأقدار لك. ّفت وخف الجملة الأخيرة من الصّدمة ّتي ال سقطتُ في جوفِها قبل قليل. وسألتُها « :لماذا قلتِ ذلك؟. ني وأمرت أن أبسط ّي كف « :هات يدك أقرأ لك عك طال « .أليس هذا حرامًا في ديننا؟« .»ّه إن حرام عند م ن لم يعرف من الدّين ّ إلا ُشُوره ق . وغضبتُ ً، قليلا وهتفتُ « :تأدّبي يا امرأة. وردّت « :ّني إن أريدُ لك الخير، لا تكن أعمى مثل الباقين»!❝ ❞ (٦) في القاهرة ما لا ت رى ! ودخلتُ السّوق بعد أيّام ، فوجدتُه ملآن، ورأيتُها تُفاصل الفاكِهانيّ، وهو يتندّر معها، وهي تهمّ بضربه على وجهه، فلمّا ني رأت ابتسمت ، وهتفت « :أنسيت نا، فلا ينس ى ّ إلا ذو قلب خال. واقتربتُ منهما، ودفعتُ لحسن الفاكهانيّ ما أخذت من الأغراض، ولم ّع تتمن أو تُمانع، ورمقني الفاكِهانيّ بنظرة خبيثة، وسمعتُه أو خُيّل إليّ ّه أن قال ذلك « :لقد ك صاد ت أيّها المِسكين . وقلتُ لها« :أنا في البيت، هل يُمكن أن ّم نتعل اليوم ً طبخة جديدةً؟. ورفعت رأس ها إلى السّماء فبانت عُنُقها الملساء، وعادت برأسِها، وهتفت « :ّمس الش سريعة هذه الأيّام، وسوف ترحل عن قريب، إذا أردت ذلك، فأخافُ أن أتأخّر عن التّربة« .ّميني عل شيئًا يكون ً سهلا ًا وسريع . ضحكت ، ولمعت عينا الصّقر فيها، وأردفت « :سأسبقك إلى بيتك يا سيّدي. وحملت أغراض ها بين يد يها، ّت وول جهة البّوابة. وضرب الفاكهانيّ ًّا ك ف بكفّ، وكان صدى صوتِ ابنه في حلقة ّبّ الط يردّد عبارة أبيه« :لقد ك صاد ت أيّها المِسكين . وكان في الجهة الغربيّة من السّوق عن يسار الدّاخل من القنطرة الكبيرة بيّاع و ر د، كان ّانه دُك يُعطي كثيرًا من البهجة للمكان، ومصر ّتي ال تحبّ الألوان، لم تخالف هذا في أكثر الدّكاكين ّتي ال رأيتُها، كان يبيعُ فيه شاب ذو بشرة بيضاء د نة ، ل وام وق ر خص أشبه بق وام الف ت يات، وكان كلامُه يقطرُ ً عسلا لحلاوته، مع رخاوة فيه، فرأيتُه عر ض في كلّ جانب من الدّكان ًا أصناف ش تّى، وقام يدور بينهنّ بالسّاقية يرشّ الماء على الورد حتّى يظلّ ناضِرًا . كان هناك الآس، والبنفسج، ّرجس، والن والياسمين، ّسرين، والن والبانُ، َّي نُوفر، والل والرّيحان، والمنثور… واشتريتُ من عنده ً أضمومة كبيرةً من البان، كانت زهورًا بيضاء في ورق أخضر، فوّاحة، تصبر على العطش، لو لم تسقِها ّها فإن لا ّف تتوق عن ّذى، الش الحُبّ هو أن تُعطي وإن حُرِمت، هكذا يُمكن تلخيص هذه الحالة العجيبة مع البان، ودخلتُ البيت، فقدّمتُ الأضمومة إلى دُرّيّة، فابتسمت ، وقبل أن تتّسع ابتِسامتُها وتبالغ في خفض رأسِها ً، خ ج لا هتفتُ « :يُمكن أن تزرعيها في وسط هذه السّاحة, من حقّ ب المُتع أن يشمّ هذه الرّائحة طِرة الع إذا ما أوى إلى فِراشه.

عدد الصفحات ٤٦

وقبل أن تتّسع ابتِسامتُها وتبالغ في خفض رأسِها ً، خ ج لا هتفتُ « :يُمكن أن تزرعيها في وسط هذه السّاحة, من حقّ ب المُتع أن يشمّ هذه الرّائحة طِرة الع إذا ما أوى إلى فِراشه. انقبضت ابتِسامتُها، ودفعتِ الأضمومة إليّ، وقالت بصوت غاضب « :أنا هنا ّمك لأعل ّبخ، الط لا لأتحوّل إلى ّحة فلا . يُمكنك أن تزرعها بنفسك. فعلتُ . زرعتُ ها في الوسط، نمت بشكل سريع، إنّ لها ًا ساق طويلة، بعد أسابيع، صارت درّيّة إذا دخلت البيت، قامت بسقايتها، وتعهّدها بالرّعاية، بدت ذات صباح وهي تأتيني بالحليب من السّوق لكي ّمني تُعل صناعة الحلوى، وتقف إلى جانبها ً لوحة دريّة الج مال، ّرتُ وتذك قول ّريف الش الرّضّي :

عدد الصفحات ٤٦

يا ظ ب ية انِ الب ت ر ع ى في خ م ائِلِـهِ ه نِكِ لِي و م الي أ نَّ ب الق ل م رعاكِ ني ّمت عل درّيّة كثيرًا من طبخات أهل مصر وحلوائهم، لا يُمكن أن أقول لكم كم هي ماهرة، ّها ولكن على عادتها تقول كلمات مُخيفة أحيانًا، ويتبدّل لونُ عين يها على ضوء ّمس الش ّافذ الن من كوى المطبخ أو بابه ّما كل أردتُ أن أقف على حقيقتهما. ّها لكن دافِئة، ولا أدري ماذا تعني هذه الكلمة ّسبة بالن لحقيقتها، ّها ولكن دافِئة في كلّ شيء. وكانت تقول لي« :لو سمعت ني ِك بقلب ّم فستتعل أسرع. لكنّ قلبك مشغول بالوصف. دع ك مِمّا يجري اليوم، ّر وف ك بما سوف يجري غدًا ّما وكل سألتُها مُتوجّسًا « :ماذا سيجري غدًا؟. تشدّ على شفت يها المليئتين، وتهتف« :وهل سأقول لك كلّ ما سوف يحدثُ ً دفعة واحدة؟ أعطني يدك. ّ، وإلا سترى بعين يك أحسن مِمّا أقول ّفت وتوق ً قليلا متردّدةً قبل أن تتابع« :هذا إذا كان لك عينان لترى»!! ّم تُها وعل كثيرًا من الأدوية، «ّبخ الل ّذي ال ورقته كورق الجوز، وله رائحة عطريّة يكون جيّدًا للمعدة، وإذا ّف جُف وسُحِق وعُجِن بالماء حتى صار كالمرهم، ومُسِح على الجرح ط ع ق الدّم، وإذا ُحِن ط وأُكِل قط ع الإسهال. وأمّا الجُمّيز فشجرتُه عاتية وكبيرة، وإذا ف ص د تِه خرج منه لبن أبيض إذا ُلِي ط على ثوب أو غيره غ ه ص ب بالأحمر، وخشبُه تُعمّر به المساكن ني وقاطعت « :ليس في الج بّانة ّ إلا بيوت ّين الط يا سيّدي. وأكملتُ « :ويُمكن أن يُصن ع من ثمرته خ ل حاذق ، ولبنُه يُليّن الجِراح ّف ويُخف ألمها، ويفشّ الأورام، وإذا ّخ ُط ل على مواضع ِ س ع ل الهوامّ أزال الألم، وشرابُه يليّن ّب تصل ّحال، الط ّف ويخف أوجاع المعدة، ونشاف ة الس عال . والقلقاس مفيد لإيقاف الس هال، ّسان والبل يشفي من سموم المعدة، وسموم الأفاعي إذا صُنِع منه دُهن. **** طلبة مجلس ّبّ الط ِهون ناب بالفعل، أمّا أولئك ّذين ال قصّروا عن ّحاق الل بالرّكب فقد اختصروا المسافة على أنفسهم؛ خرجوا من الحلقة إلى دكاكين آبائهم، بعضُهم من تلقاء أنفسهم، وبعضُهم لنصيحة أبيه« :إنّ الدّرهم ّذي ال تُحصّله من التّجارة يركضُ أسرع بكثير من الدّرهم ّذي ال تُحصّله من ّبّ، الط وما في الجيب أضمنُ مِمّا في الغيب. ّا ُن ك نجلسُ في مسجد الصّالحي يوم ي الاثنين والخميس، نتذاكر كتب الأطبّاء، وبدأتُ معهم بكتاب المعرفة والفصول لأبقراط« :يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تفزع إلى عاداتها، فقيل لأبقراط: لِم و رُ أ ث ما يكون البدن إذا شرب الإنسان الدواء؟ فقال: لأنّ أشد ما يكون البيتُ غبارًا إذا ُنِس ك.

عدد الصفحات ٤٧

فلمّا أتمّوا معي عامًا أو أقلّ ً، قليلا أخذتُهم إلى البيمارستان، وكان البيمارستان في منطقة ّاشين الق ش قريبًا من الجامع الأزهر، وكنتُ أركبُ إليه الخيل، ويلحقُ بي ّلبة الط في ر بات، الع أو يوافونني إليه مشيًا على أرجلهم، وكان البيمارستان فيما مضى قصرًا للعزيز بن المعزّ لدين الله الفاطميّ، فلمّا صار الأمر إلى صلاح الدّين استولى على القصر، وجعله بيمارستانًا، وسبب صنيع صلاح الدّين هذا ّه أن كان في القصر طِلِّس مًا لا يدخله ّمل، الن فوقر في ذهنه أنّ ًا موضع لا يدخله ّمل الن هو موضعُ صِحّة، فجعله البيمارستان، ولمّا سألتُ فيما بعد درّيّة عن سبب ذلك، قالت « :إنّ في المكان بقايا من تعاويذ الفراعنة ولمّا رأتِ الإنكار في ع ين يّ قالت « :إنّ الأغرار كالأغيار، لا يؤمنون ّ إلا ِما ب رأوا. وكان المدخل إلى البيمارستان هو بوّابة القصر ّذي ال كان، وهي بوّابة مُنيفة، تكادُ تطاول باب زويلة في الارتِفاع، ّها ولكن تُفضي إلى بهو فسيح، وقاعة وسيعة ، هُيّئت غُر ف القصر ّتي ال كانت على جوانبها إلى غُرف للاستِشفاء، وكان خلف هذا القصر حديقة هابطة من الجِنان، ها ل جع ناظر المستشفى موضع ّقاهة الن لمن أكمل مراحل العِلاج . وكان في البيمارستان غرف كبيرة للتّدريب على التّشريح، وأخرى للمُعاينة، وثالثة ّم، للتّعل وكان فيها – كما كان في كلّ بيمارستان – مكتبة ض خمة ف خمة، فمن قال لك إنّ الكتب فيها تزيد عن خمسمئة ألفِ كتاب ه ف ص دِّق . والبيمارستان هذا غير ّذي ال بناه ابنُ طولون في القطائع سنة ١٦٢ للهجرة، وكان يُنفِق عليه ستّين ألف دينار في اليوم، س وح ب عليه عدّة دور وأسواق للدّولةِ يقومُ ُها ريع بنفقتِه، واشترط ّ ألا ج يُعال فيه جندي ولا مملوك، وكان يُشارفه بنفسه، ويركب إليه يومًا في كلّ أسبوع. وهو إلى ذلك غير البيمارستان ّذي ال بناه كافور الإخشيديّ سنة ٦٤٣ للهجرة. وكان كلّ أمير أو حاكم لمصر إذا جاء بنى بيمارستانًا يتفوّق على ما بناه ِقه، ساب وما كان هذا التّفاخر ليكون ًا مُحبّذ لولا أنّ هذه البيمارستانات كانت تفتح أبوابها للفقراء قبل الأغنِياء، ولأهل الفاقة قبل أهل سار، الي وكان ج يُعال فيها الغريب قبل صاحب الدّار، والمُسافر قبل المُقيم . وكان لي غرفة فيها أ سِرّة مُجهّزة بالأجساد البشريّة للتّشريح، وبالحيوانات ّطة، المُحن والحشرات وغيرها، وكان فيها من المحاليل المحفوظة ما يُعين على ف هم المُحاض رات، وكان ّلبة الط يقفون حولي، ويُدوّنون ملاح ظاتهم، وأكثرهم من مساعدي الأطبّاء ّذين ال بينهم وبين كونهم أطبّاء عام من التّطبيق في هذا البيمارستان أو عامان، ومنهم من كان يحمل الدّوارق والمحاليل وأدوات التّجرِبة بين يد يه، ينتظر ّي من إشارةً ليُعطيني ما أريدُ منها عند الحاجة لتبيان معلومة أو طريقة. وكان فيه آبار للماء، محفورةً ًا، عميق وبعضُهم قال – وأنا لا أصدّق ذلك – أنّ قنوات من الماء كانت تُمدّ من البيمارستان تحت الأرض إلى ّيل، الن وتندفع من هناك إليه، ولولا أنّ المسافة بين الأزهر ّيل والن كبيرة لصدّقتُ ذلك. ولكنّ درّية قالت : «عليك أن تُصدّق؛ في القاهرة ما لا ترى أكثر مِمّا ترى. ❝ ❞ (٧)

عدد الصفحات ٤٨

رّافة الع إنّ الفراعنة جعلوها ً آمنة غير ّة مُطمئن . فلديهم سحر يُصيبها بالموت، ولديهم تعويذة تُنهِضها من هذا الموت ّما كل أُحيط بهم. ّها إن مصر. تختصر الكلمة الكثير، وتقول كذلك الكثير! كان الصّوت العذب ينتشر في الهواء على شكل دوائر، تُسافر في الفراغ، فإذا وجدت بناءً تكسّرت ، فإذا سلمت من حاجز يكسرها، اتّسعت تلك الدّوائر من مركزها حتّى طرقت نافذتي الخشبيّة في ّيل، الل حيثُ يبدو الصّوتُ صافِيًا، لا ّر يُعك ص فوه لا أصوات الباعة، ولا المُتصايحين في الأسواق، ولا ّلين الدّلا على بضائعهم، ولا حتّى حركة العابرين لهذا ّارع الش أو ذاك… ّه إن ّيل الل العميق، حيثُ أوى كلّ ح ي ّ إلى مسكنه، ونام كلّ ذي قلب خليّ، ولم يبق ساهِرًا إلى هذه ّحظة الل غير ُبّاد الع ّاق، ُش والع وكلاهما يُناجي حبيبه، فلمّا جاء هذا الصّوتُ العذب، وهذه المُوسيقى الرّخيمة، صار ّمًا سُل لتلك المناجاة الصّاعدة إلى المحبوب. كان ذلك الصّوتُ صوت (عجيبة) ّي تُغن إحدى ّحات موش ابن سناء المُلك، في داره، أو في دار أحدِ الوزراء، بمصاحبة آلة (الجنك)، وكان معها عدد من ّيات المُغن يضرب ن بالدّفّ، وكانت (عجيبة) ً عجيبة في غِنائها، وج مالِها، وعذوبةِ صوتِها، وكانت بيضاء غير مُفاض ة ، ُها ِع أصاب خُلِقت للعزف، وش ف تاها ّغم، للن كانت تجلس إلى كرسيّ خشبيّ ذي قوائم أربع ليس له مِسند، ّى ومُغط بالجِلد ّيّن، الل وتمدّ ِعها أصاب إلى أوتار آلة (الجنك)، وقدم يها إلى الدّوّاسات في أسفلها، وكانت ِعها أصاب رقيقة ناعمة، تتحرّك على الأوتار بانسِيابة س مكة صغيرة في الماء، كأنّ الأوتار رُ ش ع غانية أخرى تعبثُ فيه ِعها بأصاب . وكانت عيناها سوداو ين صافِيت ين في بشرة بيضاء أشدّ صفاءً، وكانت تبدو ً، وادعة فإذا بدأتِ الغِناء والعزف، اهتزّ قلبُ كلّ م ن حضر مجلسها للإيقاع السّاحر، وكانت لا ّي تغن ّ إلا في مجالس ُبراء، الك ولقد رأيتُ بعضهم يبكي، وبعضهم يتمايل، وبعضهم يشكو، وبعضهم يشدو، وينوح من وجد ولهفة حتّى لتكاد الجُدران ينفطر قلبُها لذلك، ّت وغن ّح موش ابن سناء الملك ّهير الش يومئذ ، فجاءت بأجمل لحن يُسم ع : ّلي ك ل يا سُحبُ تِيجان الر با بالحُلِي واج علي سِوار ها منعطف الجدولِ

عدد الصفحات ٤٩

وكان الجمع يتمايل في موضعه، فلمّا ّت غن: لا أُلِي م في شُر بِ ص ه باء وفي عِش قِ رِي م ّعيم فالن عيش جديد ، ومُدام قدِي م لا أ هِي م ّ إلا ينِ بهذ ُم ف ق يا ن دِي م و اج لُ لي من أكؤُس ّر ت ِ صُي مِن ف و ف لِ ّ ذ أل لي مِن ن ك ه ةِ رِ نب الع د لِ والم ن تواج دوا حتّى ش قّ بعضُ الأمراء ثِيابهم. فلمّا حضر (الكامل) مجلس ها ذات مرّة في بيتِ أحدِ الوزراء، استأثر ِها ب لنفسِه، فكانت ّي تُغن له كلّ ليلة كِها، ِج ن ب وتظلّ عنده ّيل الل ّه، ُل ك فإذا ض وَّأ الص بح، وصار ّاس للن ّارع وللش عيون ، تنزل من ص رِه ق وهي تتمايلُ س كرى على أيدي الج واري . ولقد ّمت عل ُ عجيبة كثيرًا من ّيات، المُغن ُنّ ف ك ّين يغن في الأسواق، ويضرب ن بالأعواد، ولقد مررتُ بأكثر من عشرين ًا سوق في القاهرة وحدها، وما خلا سُوق من ّية، مُغن ورأيتُ ها حول ّباب الش مثل الف راشِ حول ّار الن.

عدد الصفحات ٥٠

وكان في القاهرة أسواق قائمة ُطن للق وحده، تُباعُ فيه ثِياب ، ومراكب، ّوتات، وك ل ُرُش ، وف وبُسُط، ّها كل منسوجة من ُطن، الق وكان ّاسُ الن في ّام الش يأتون إلى مصر ليشتروا ما تُنتِجه ُها أسواق من ُطن، الق ولم يكن أحد يُتقِنُ صناعة ُطنِ الق غير المِصريّين، وكان ُ أقباط مِصر هم ساد ت ه، والقيّمِين عليه، ولهم فنون فيه يعجز الوصفُ عن الإحاطة بها! وكان الأمراء إذا أرادوا أن يخلعوا على شريف ً أردية ً وألبسة فنصيبُ القطن يكون فيها وافِيًا، فإذا ما غ ضِب عليه الأمير خلع عنه ما أعطاه، بما في ذلك ّياشين، الن ثُمّ ع ر ض ها في الأسواق على العامّة - ً مبالغة في إذلاله - فيشترونها بأثمان زهيدة، وكان ّاس الن ينتظرون غ ض ب الأمراء على خاصّتهم لكي تسنح لهم ُرصة الف لشراء الأردية ُطنيّة الق الفاخرة على د ر ق ما في جيوبهم المهترئة من مال. وكان الأمراء والخلفاء يحتكرون في مصر ما يريدون من تِجارة، وكان لهم مصانع خاصّة لأثوابهم ومناماتهم وسِلاحهم ودروعهم وأثاث قصورهم، لا يقربها أحد من العامّة، وكان لهم مزارع خاصّة ُها مِثل تنتج لهم مطاعمهم دون سِواهم، وكان يعمل في هذه المزارع والمصانع عدد كبير من أهل الفاقة. ولم يكن لعامّة أهل مصر رأي في تنصيب الأمراء والسّلاطين أو عِهم، خل ولربّما كان يتبدّل في ّهر الش م لِك أو اثنان، وعشرةُ أمراء أو عِشرون، لا يعرفُ م ن يمشي في الأسواق أسماء هم ولا هم ألقاب ولا متى أُمّروا ولا متى نُزعِت منهم الإمارة، وكانت غاية ما يرونه من الأمراء مواكبُهم عندما يخرجون على ّاس الن في زينتهم، ويستمتعون بمنظرها وج لالِها وهيبتها. ني جاءت درّيّة في صباح الأحد، كنتُ لا أزال نائِمًا، لم ترتفع ّمس الش كثيرًا، كان نورها قد بدأ ّل يتخل شقوق النوافذ من غرفتي ُ ويسقط على عين ي، حين سمعتُ صوت ها المألوف، ّذي ال فيه حّة ب مثل ِ ر ج ع صوت في ِئر ب فارغة قة، مُغل ولم أكن لأخطِئ ذلك الصّوت، دخلتُ الح مّام، وغسلتُ وجهي على ع ج ل ، وكانت لا تزال تُنادي بين فينة وأخرى« :أين أنت يا حكيم… ألم تستيقظ بعد؟ إنّ ّمس الش ّفت جف ّدى الن على أوارق أشجارك؟ ويلي من ّهارات الن ّتي ال تمرّ على الغافلين… استيقظ أيّها الك سول . ولم أدرِ ما ّذي ال يُصيب هذه المرأة وما ّذي ال يُجرِّئُها حتّى تنادي بهذه ّريقة الط ّة؟ الف ظ ّها إن تُناديني كما تُنادي جارت ها! فتحتُ الباب، بدت من خلفِه وقد عقدت ذِراع يها على وسطها، ّصت ور ق جذعها قبل أن تقول« :ّوم الن موت« .حكيمة. «العارِفون أدرى بفنون ما يقولون« .ماذا تريدين والدّيكة ما تزال تصيح؟« .لقد طلبتُ منك أن تبسط ّك كف أمامي لأقرأه لك، ّك ولكن لم تفعل« .هل طعتِ ق هذه المسافة ّها كل من تربة ّافعيّ الش إلى زويلة من أجل أن تقرئي لي الكفّ؟ ! هل تِ جُنِن يا امرأة؟« .»!لا، ّني ولكن رأيتُ منامات في ّيل، الل ني، أيقظت وأعرفُ ّها أن ستكون، ولا بُدّ أن أقرأ لك الكفّ ّرك لأحذ مِمّا هو قادم« .هل يُمكن أن نُؤجّل ذلك إلى غد ، أو على الأقلّ إلى المساء؟ أنا ما زلتُ ت عِبًا من س هِر أمس. وتثاء ب تُ، ورُحتُ أغلِق وّابة، الب حين وضعت ذِراعها لتوقفها، وراحت تفتحُها من جديد، وشعرتُ برغبة في عدم مقاومة ما تفعل، خاصّة حينما راحت عيناها تغوصان فِيّ، وتنتهكان ساحات دِفاعي. تركتُها تُكمِل فتح البوّابة، لأختلق لها عِبارة « :ما ّبخة الط ّتي ال ّمها سأتعل منك اليوم؟. شدّت على كلماتها البطيئة« :لن ّم تتعل ّي من ً، طبخة اليوم ّم ستتعل ّي من ما سيحدثُ حين ينكشف الغِطاء . أردتُ أن أقول لها« :ّي ُف ك يا امرأة، ليس من المنطق أن أصحو وعيناي ما زالتا نِصف مُغم ض تين، وأنا مرهق جِدّا، لكي أبسط ّي كف أمام امرأة ها

عدد الصفحات ٥١

من ما سيحدثُ حين ينكشف الغِطاء . أردتُ أن أقول لها« :ّي ُف ك يا امرأة، ليس من المنطق أن أصحو وعيناي ما زالتا نِصف مُغم ض تين، وأنا مرهق جِدّا، لكي أبسط ّي كف أمام امرأة ها ساق إليّ نِداء الجوع قد رًا ذات مرّة، ثُمّ التزقت بي، وصارت ّم تتحك في حياتي، ولم يعد الهروب منها مُمكِنًا »!ّني لكن بقيتُ صامِتًا ّني كأن أخرس، فيما أتمّت هِي دخولها، وراحت تُغلِق الباب من خلفِها، ّها كأن سيّدة هذا البيت!

عدد الصفحات ٥١

«نجلسُ هنا، تحت شجرة البان، ربّما ستكون شاهدةً هي الأخرى على ما سيحدث… هل لديك ُرسيّان؟ ك . أشرتُ إلى إحدى الغُر ف، هما أحضرت . وجلس نا، ُنتُ ك قد ن سيتُ ما طلبت ّي، من حين بادرت هِي، فأخذت ّي كف اليُمنى بين يد يها، فانحنيتُ بجذعي إلى الأمام ً، قليلا وخفضتُ رأسي، واستسلمتُ لها ! مسحت بإصبع السّبّابة على باطن ّي كف ّحيلة، الن ّتي وال تبدو أصغر من ّها ك ف وأضعف، فيما كانت تُغمِضُ عين يها، وتُتمتِمُ بكلمات غير مفهومة، لم يُعجِب ني ما تفعل، أخذتُ ّي، ك ف أردتُ أن ها أسحب من بين يد يها، أن أقول لها« :ليس لديّ وقتُ لهذا الهُراء . ولكنّ يد يها كانتا قويّت ين إلى الحدّ ّذي ال خُيّل إليّ فيه أنّ ّي ك ف تُمسكُ بها أذرع من حديد ، ثقيلة وقاسية. استسلمتُ لها من جديد، فأرخت قبضت ها الحديديّة ً، قليلا وهمست « :أرى لك ما أرى. سألتُها« :وماذا ت ر ين؟ . كانت تُغمِضُ عين يها في تلك ّحظةِ الل فلم ت ب دُ لا ذِئبًا ولا ص قرًا . جاء صوتُها ًا رفيع خافِتًا، لم يكن ِه يُشب صوت ها المعتاد. مرّت ُ لحظة صمت رهيبة، كنتُ لا أزال أنظر إلى شفت يها وهما تتحرّكان كجناح ي نحلة ، قبل أن تقول« :رأيتُ أفواجًا من الناس يخرجون إلى الشوارع« .لماذا يخرجون إلى ّوارع؟ الش»سألتُها. هتفت « :اششش. فسكت « :ّهم إن يركضون في كلّ اتّجاه« .سألتُها: «يهجمون على شيء أو يهربون من شيء ؟ هل هم يحتجّون على أمر ما؟. هتفت وهي تنفض رأس ها مرّات مُتتابعة : «ّ، كلا ّهم إن يهربون. بقيتُ صامتًا، عندما أكملت « :أرى الحريق يُحيط بالقاهرة، يأتيها من أبوابها الأربعة، وأرى…». صمتت ً، قليلا قبل أن تُكمِل « :وأرى بيت ك هذا يحترق. اضطربتُ، سحبتُ يدي، أردتُ أن أقول لها ّها إن تُخيفني، وإنّ هذا يجب أن ّف، يتوق لكنّ يدي كانت مُسمّرةً بين ّي ها، كف فيما راحت هي تُكمل « :أرى رِياحًا تهبّ من الفيّوم، تذرو أهراء القمح فيها، وتدور بالقمح في عاصفة تظلّ تدور حتّى تقتلع معها البيوت… وأرى ًا حريق يخرج من البحر، يتصاعد في السّماء، ويظلّ يجري على الماء حتّى لا يعود في البحر ماء، وأرى… أرى كلّ ما في القاع قد يبس… وأرى المساجد والجوامع والبرابي والتّكايا تحتفل ّار، بالن ترقصُ في باحاتها ُ ألسنة ّهب، الل ثُمّ تسير تلك الألسنة إلى البيمارستان… ّها لكن لا تدخله. فتحت عين يها فجأة، كانتا ِيّت ين، ذِئب ونفضت يدي من يد يها نفضًا، ّتت وتلف ها، حول وهتفت « :هل س مِعتني أقول شيئًا؟ هل كنتُ أهذي؟. بقيتُ ًا مُحدِّق فيها، لا أدري ما أقول، ّها لكن قامت من فوق الكرسيّ، نظرت نظرات زائغة عن يمينها وشمالها، وخبطت بباطن َّيها ك ف على يها، ساق هما ورفعت إلى رأسِها، وأحكمت ر بط ّال الش على شعرها ّذي ال تهدّل، ثُمّ انسحبت بهدوء مثل أفعى، وانسابت من البوّابة، وغابت عن ناظِر يّ !! ❝ ❞ (٨) أهل الصّعيد اشتدّ العمل في البيمارستان، صرتُ أذهبُ إليه ثلاثة أيّام في الأسبوع، أهل مصر يعانون مع الحرّ حُمّى لا يكادُ ينجو منها صغير ولا كبير . وأولئك القاطنون في الجنوب أو في الصّعيد على ضِفاف ّيل الن يُعانون من الإسهال كثيرًا، يشربون ماءً مُلوّثًا، ّهم إن لا يتركون ّهر الن يجري كما أراد، حين تُمسِك بعنق ّهر الن تحاول أن يجري على هواك لن يفعل، وسيعصيك، ّهر الن لا قودُه ي أحد ، ّه إن يجري على سجيّته، يتداع ى على هواه، ّي يُغن على ليلاه، ويعرفُ متى فيض، ي ومتى غيض، ي ومتى يجري ً، مُتمهّلا ومتى يُسرع… من الحُمق أن تتدخّل فيما يفعله ّهر، الن إن أغضب ت ه ّت حل ِك ب ّعنات، الل وإن أرضيت ه ّت حل عليك البركات.

عدد الصفحات ٥٢

وكانت الغِيطان ّتي ال يكثر فيها ّحون الف لا تأكل من عافيتهم، وكان يحدثُ أن يكون أحدهم خلف العِجل ّذي ال له خُوار يجري بمحراثه، وهو ينادي على ّح فلا آخر يبذر ِذار الب في ف دّان بعيد ، أو تحجز بينهما حقول من أشجار الجُمّيز، فيتكسّر الصّوت، فيُضطرّ إلى ر فع صوته، فيُبحّ، ويجري بطيئًا واهِنًا، ويحدث أن يقضي ّح الف لا نهاره ّه كل وهو يصيح: هاتِ الميّة من التّرعة… أو اسقي الجاموسة يا ابن… أو الله يلعن ميّتينك… والأمر يجري بالصّلاة على ّبيّ، الن وكلّ مشكلة يُمكن ّها حل باسم ّبيّ الن الأعظم، ومصر ّها كل تحبّ ّبيّ، الن ويكفيها هذه الصّفة لتكون المحروسة!! ولقد كنتُ يوم الخميس بعد الضّحى ُ أهبط إلى فدادينهم، فيجتمع المرضى منهم في بيتِ كبير ّاحية، الن فأُعاِلجهم واحِدًا واحِدًا دون أن آخذ مقابل ذلك شيئًا، ونشأت بيني وبين ّحين الف لا صداقة وطيدة، وكانوا ينتظرون كلّ خميس بفارغ الصّبر، ولا أفرغ من مُعالجتهم ّ إلا إذا انتصف ّيل، الل وأسهر عندهم تلك ّيلة الل على أغانيهم ّفيفة، الش ّتي ال تُعبّر عن همومهم البسيطة وأبيتُ في الصّعيد، وأعود يوم الجمعة بمراكب ّيل الن إلى القاهرة. وتأخّرتُ مرّة، ُرِرتُ فاضط إلى حضور خطبة الجمعة في أحد مساجدهم، فإذا الخطيب يملك عِنان ّغة الل ّه لكن ش ؤوم، أشأمُ من ُو يس؛ ط ولمّا وقف قال« :أين كِسرى؟ أين قيصر؟ أين شدّاد؟ هم طوت يدُ ّوائب الن. أين قوم نوح؟ ج ر فهم ّوفان الط . أين قوم فرعون؟ ابتلعهم البحر. أين قوم عاد؟ هم اقتلعت الرّيح . أين قوم ثمود؟ مزّقتهم العواصف. أين قوم لوط؟ خ س ف الله بهم الأرض. أيّها ّاس الن لا تخدعوا ولا تنخدعوا إنّ غضب الله لآت. فلم يترك ً مُصيبة ولا ًا ه لاك في أقوام الغابرين ّ إلا جم عه في لسانه وض ر ب به وجوه نا، ّه كأن ّحاس الن المُذاب يُص بّ في الآذان. وقد بلغ حُبّهم لي وثقتهم بي أن لم يبق ّح ف لا ّ إلا ع ر ض عليّ ابنته للزّواج، وكان أكثر البنات في الثّانية أو الثّالثة عشرة «ولم يبدُ للتراب من ثديها حجمُ. ولم تكن لي رغبة بالانصِراف عمّا أنا فيه، فإنّ ّساء الن م شغلة . وكانوا يعتقدون ّني أن أعرفُ كلّ شيء ، ّني وأن أقرأ ّجوم، الن ّع وأتوق ّالع، الط وأكشف المخبوء، وأنّ لديّ قدرات خارقة، وأنّ ّبيب الط حكيم وعرّاف وخبير ود جّال كذلك، ّرتُ وتذك قول عروة بن حزام وتسميته ّبيب الط ًا عرّاف في قصيدته ّتي ال ناح فيها على عفراء: جعلتُ لعرّاف مامةِ الي حُكم ه وع رّافِ نجد إن هُما ش ف ياني وأهل الصّعيد يجلسون للحشيش ليلة الجمعة، ويقولون ّها إن تقرّبهم من الله، ّون ويُغن من القلب، ويفرحون من القلب، ويبكون من القلب، ويشتمون كذلك من القلب، وكانوا يعرضون عليّ واناتِهم ح ي لكي أعالِجها، الأبقار والخِراف والكِلاب والأرانب، وكانوا يعرضون عليّ مشاكلهم العويصة، فهم يعتقدون أنّ لديّ ًّ حلا لكل شيء . جاءتني امرأة تشكو ّها أن لم تحمل منذ خمس سنين، وأنّ زوج ها سيتزوّج عليها، ّها وأن تشكّ ّه أن تزوّج بأخرى ّه ولكن يُخفي ذلك عنها… ني وجاءت امرأة أخرى حامل، وطلبت ّي من أن أضع يدي على ط نِها ب لأبارك المولود… وجاءني رجل يقول لي ّه إن ّما كل ه مّ أن يأتي امرأت ه تحوّلت إلى رجل، وهو يعتقد ّه أن مسحور، وطلب ّي من أن أصنع له تعويذة أو تميمة أو سحرًا ّك يف هذا السّحر عنه… وجاءني رجل يشكو ّه أن يحبّ أكل الحشرات، ّها وأن رغم تسبّبها بآلام شديدة في معدته لم ّن يتمك من الإقلاع عنها…

عدد الصفحات ٥٣

وكانوا يُحمّلونني بهدايا وأنا عائد يوم الجمعة، كانت أكثر هداياهم ً أرغفة من الخبز البلديّ، وأقفاصًا من ّ البط والإوزّ والدّجاج، وألواحًا من خشبِ الجُمّيز، وقلائد لجلب الأرواح الخيّرة وطرد الأرواح ّرّيرة الش! كانت الحرارة في الصّعيد عالية، لا تُطاق، والجوّ ًا، خانق وفي كلّ شهرين أو ثلاثة من زياراتي المُتكرّرة لهم يذبحون لي ً، عِجلا ويشوونه على ّار، الن وكان ذلك يُفاقِم من درجات الحرارة المُلتهبة، وكان عوض الب عندهم كثير ، يأكل من لحم ّائم الن لا يشرب من دمه فحسب، وكان حجمه بحجم الصّرصار ّائر، الط أو بحجم ّباب الذ الأزرق، وكان يكثر في التُر ع، وكانوا ّلون يُبل أ ج وِلة من قماش يرفعونها على عِصيّ فوق رأسي، ويقفُ أحدهم خلف ها بريش يهشّ به على القِماش المبلول لتبريد الهواء في وجهي، وطرد عوض الب ما أمكن. وكنتُ أستعمل فيما أستعمل في مُداواة أهل الصّعيد ورق (القلقاش)، وهو ورق شديد الخضرة، رقيق البشرة، شبيه بورق الموز في خُضرته ورونقه ونضارته، ويُعمل منه دقيق يُشر ب كالسّويق، ويُعم ل منه حِساء ، فيُقوّي المعدة، ويمنع الإسهال، وسحوج الأمعاء، وإذا سُحِق الورق وخُلِط بدهن، ُطِر وق في الأذن ّن س ك و ج عها . والتّماسيح في الصّعيد كالد ود كثرةً، ومنها الكبير ّذي ال يصل إلى نيّف وعشرين ذراعًا ً، طولا لو مددت إلى جانبه ً نخلة مُعمّرةً ها، لطال ويوج د على سطح جسده مِمّا يلي بطنه ً سلعة كالبيضة تحتوي على رطوبة دمويّة وهي كنافجة المِسك في الصّورة والطِّيب، ِد وك ب التّمساح تُهيّج الجِماع، يتاه ُل وك وش حمُه كذلك مُفيد في ذلك، وجِلدُه سميك جدًّا لا يقطع فيه السّيف ولا الحديد، وهو إذا باض دفن بيض ه ّويل الط في الرّمل، فإذا فقس أخرج كالجراذين في جِسمها وخِلقتها، ثُمّ تكبر حتّى تصل من العِظم أن تبتلع ً رجلا ً كامِلا مرّة واحدة . وجاءني أيّام الخميس في ّبابة الط م ن فقد ذراعه أو ه ساق بلقمة عابرة من فم تمساح كان يلبد كالصّخرة في وسط التّرعة، ولم يكن المسكين يراه. وأهل الصّعيد داؤهم ودواؤهم فيما يأكلون، ّهم فإن يعملون وقت الحصاد في الحرّ ّديد، الش ويأكلون الفول ويطحنون القمح، ويزرعون البرسيم، ويداومون على شُرب ّبن الل دون أن يغلوه، والماء من التّرع، أو مِمّا داست أقدامهم، ولم يكونوا – حتّى مع تنبيهي لهم – لِيُقلِعوا عن عاداتهم، ولذلك كان على طبيب يزورهم في ّهر الش مرّةً أن لهم قب ي على ما هم عليه، فإنّ تغيير عادات مجتمع ما، أصعبُ من تغيير الكلبِ إلى حمار، وبعضُ الرّؤوس ّتي ال تعلو الأكتاف لا يُمكن إصلاحُها ّ إلا بقطعها! ّيل والن في الصّعيد مِسكين، يقبل كلّ ما يُلق ى فيه، ولذلك يأسنُ ماؤه أحيانًا، ويتغيّر لونُه ويفسد طعمُه، فلقد رأيتُ أهل هذه ّواحي الن يُلقون جواميسهم ّافِقة، الن وكِلابهم الميّتة، وحميرهم في ّيل، الن وإذا كان ج ر يانه قويًّا ح م ل الحمار، وطفا فيه، وسار به عرضُه ي في مسيرته ّويلة، الط ثُمّ يلقيه إلى ّاطِئ الش بعد فرسخين أو ثلاثة أو أكثر. ويحدثُ أن ترى جثثًا لحيوانات لا تعرفها، فرس ّهر، الن طيورًا، أو حتّى بشرًا، وهي تجري مُسرعة مع الماء ّها كأن تُودّع أو ّم تُسل على السّاكنين من الجنوب إلى ّمال الش حيثُ يكثر ّاس، الن فإذا حجزها حاجز من صخر، أو تغيّر اتّجاه الماء فرمى بها إلى التّراب، وتعرّضت ّمس، للش انتفخت ، ثُمّ عطنت ، ثُمّ أنتنت ، ثُمّ امتلت بالدّود، ثُمّ أفسد تِ الهواء والماء تِ وجلب الأمراض المعروفة والمُنك رة !!

عدد الصفحات ٥٤

ما زال لديّ مرضى كثيرون في الصّعيد، فقراء، بائِسون، ّهم لكن طيّبون، وأهل كرم ، ولقد أصابني من الحُمّى ما أصابهم، واتّفق مرّة أن بقيتُ في الفِراش على إثر حمّى معدية عشرة أيّام لم أبارح بيتي. ّني ولكن مع ذلك لم أكن لأرى من المروءة أن أتركهم يُحاربون جيشًا من الأمراض وحدهم! وتنو ع ّمال الش ليس أكثر في العدد من تنوّع الجنوب، وإن اختلف في الهيئة، فإنّ الحياة في الوجه ين ضاجّة، وإنّ ّاس الن لتمل الغِيطان في الصّعيد كما تمل الأسواق في القاهرة. وإنّ قلوبهم لترقصُ ّغم للن ّجيّ الش في الصعيد كما ترقص ّغم للن ّريد الش في القاهرة، ّهم وإن في ين الحال ليبكون بكاء م ن فقد عزيزًا بكاءً مريرًا ّما كل سمع أحدُهم ً موعظة أو عبرة، ولو سمع العِظة مرّة ً ثانية ً… وثالثة وعاشرةً لعاد إلى البُكاء؛ وتلك عادةُ القلوب الرّقيقة ! ❝ ❞ (٩) ُ عنة ل ّيل الن سيمرّ موكبُ الأمراء من ّارع الش الكبير الفاصل بين المسجد الصّالحي وباب زويلة يوم الأحد، بعث لي ديوان مصر لكي أكون ًا مُشارِك في الموكب، يحبّ الأمير أن يخرج في موكبه الفقهاء ُلماء والع والوُجهاء وكبار الت جّار. وأعلن الدّيوان في الأسواق عن موعد الموكب. الموكب فرصة لا تتكرّر كثيرًا . الفقراء يشتاقون لظهوره في ّارع الش مع ّهم أن يكرهون ه أصحاب ! «هل أنتِ مُتزوّجة؟ دُرّيّة . أجابت « :حسب« .حسب؟ لم أفهم؟ إما أن تكوني مُتزوّجة أو لا« .»!حسب المقصود من السّؤال « .كيف؟« .إذا كان من ورائه زواج أو لا؟« .لا، لم تفهميني، سألت لأعرف إن كان لديك أولاد« .أيضًا حسب« .مرّةً أخرى؟« .»!ماذا تريد من معرفة ذلك؟« .أن أرى أولادك، أن أُعطيهم شيئًا يدخل الفرحة إلى قلوبهم، أن لهم أقب في حلقات الصّالحيّ « .وهل تعني ذلك؟« .ّبع بالط « .ًا إذ أنا متزوجة من اثنتي عشرة سنة وأنا ابنة خمس عشرة، ولي ثلاثة أولاد وبنت، الكبير مات، والثاني في السّادسة، والثّالث في الثّالثة، وأمّا البنت ففي الحادية عشرة من عمرها« .هاتيهم معك يوم الخميس أريد أن أراهم« .وأنت لماذا لم تتزوّج ؟ « .»!كيف ع رفتِ؟ . «وهل هذا يحتاج إلى ذكاء؟ لو كنت مُتزوّجًا م ا ل د عوت ني ّمك لأُعل ّبخ الط « .»!لربّما تركتُها في بغداد؟« .وأنت في ِلادنا ب من سنين وتصبر على ّساء؟ الن« .الصّبر على العِلم أصعب« .وما بغداد؟« .دِجلة، ماؤُها الصّافي يُشبه عين يك؛ إذا حلّ المساء كان لونُ الماء رماديًّا ّه كأن عيون ذِئب. وإذا ه ض ر بت ّمس، الش فترقرق ترقرق ّهب الذ كان لون الماء أصفر ّه كأن عيون الصّقر « .تتغزّلُ يا شيخ… ولكن لِم لا يكون صفاؤهما يُشبه ماء النيل؟« .ّيلُ الن و سِخ، لا يكاد يصفو. ضربت ّها بكف على صدرها وشهقت : لا تقل ذلك يا سيدي… ّ لئلا ك تُصيب ُ لعنة ّيل الن. ّيل للن عنة؟ ل « .وأيّة عنة ل « .كيف يكون لماء لعنة« .أنت تدّعي المعرفة ولا تعرفُ شيئًا« .لو أخبرتِني لعرفتُ« .لقد كانوا إذا غضب ّيل الن ولم فِض ي ج هّزوا عروسًا ِكرًا، ب وزيّنوها بأحلى زينة، وألق وها فيه، فإذا ِلها ب ق فاض ماؤه، وإذا لم ها يقبل لم يفض شيء. ابتسمتُ، قلتُ لها: «ّني إن أعرفُ هذه الحِكاية، لقد حدثت مع عمرو بن العاص، فلمّا أرادوا أن يرموا العروس، قال لهم : إنّ هذا لا يكون في الإسلام، وإنّ الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا مُدّة ّيل والن لا يفيض حتّى ه مّوا بالج لاء من بيوتهم خوف الجفاف والموت، فلمّا رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب يُعلِمه بالأمر، فكتب إليه عُمر: قد أصبت ؛ إنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثتُ إليك ببطاقة قِها فأ ل في النيل، فلمّا دِم ق الكتابُ على عمرو، فتح البطاقة فإذا فيها: (مِن عبدِ الله عمر أميرِ المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري مِن لِك قِب فلا ت ج رِ، وإن كان الله الواحدُ الق هَّارُ ّذي ال

عدد الصفحات ٥٥

ابُ على عمرو، فتح البطاقة فإذا فيها: (مِن عبدِ الله عمر أميرِ المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري مِن لِك قِب فلا ت ج رِ، وإن كان الله الواحدُ الق هَّارُ ّذي ال يُجرِيك، فنسألُ الله الواحد الق هَّار أن ك يُجري ). ثُمّ إنّ ع م رو بن العاص ألقى البطاقة في النيل قبل جلاء أهل ّيل الن بيوم، فأصبحوا وقد جرى ّيل الن وفاض، طع وق الله تلك السَّنة الس وء عن أهل مصر. نظرت إليّ وقد ساء ها ّني أن لم أقل ّني إن أعرفُ من البداية« :أنت

عدد الصفحات ٥٥

تُراوِغ . ثُمّ ه زّت رأس ها هزّات ببطء، وقالت « :ابسط ّك ك ف . الآن بعد الحديث عن لعنة ّيل الن أريدُ أن أقرأ لك الكفّ . تظارفتُ معها« :إذا أردتِ أن تبدئي حفلة التّنب ؤ فتنبّئي لي بشيء يخصّني، يكن ول شيئًا ً، جميلا فإنّ الأشياء المُخيفة ّتي ال تنبّأتِ بها لم تحدث… نريدُ أن نبتهج ً قليلا يا دُرّيّة، أليس هذا من ح قّ ّيخ؟ الش. لم يُعجب ها ما قلتُ . نقرت رأس ها« :أنت من الحُمق بمنزلة أولئك ّذين ال لا يُ صدِّقون ّ إلا ما يرون. وهل أنت ترى كلّ شيء، ّه إن لا يرى كلّ شيء ّ إلا »الله « .إذا كان لا يرى ّ إلا الله فلماذا تُريدين إقناعي ّكِ بأن تُشاركينه الرّؤية « .أنا أرى بنور الله يا مولانا« .يا دُرّيّة، لقد تنبأتِ بأشياء هي في علم الغيب ّذي ال لم يطلع الله عليه أحدًا سِواه، ثُمّ ني قاطعت « :بل يُطلِع عليه م ن يشاء. أكملتُ « :ثُمّ إنّ مصر محروسة، بل هي المحروسة من بين ِلاد الب ّها، ُل ك هل تعرفين أنّ التّوراة تقول« :مِص رُ خزائنُ الله، فمن أراد ها بسوء ص مه ق »الله .هزّت كتف يها، على عادتها، لا يُعجبها غالبًا ما أقول، في رأسِها يدور كلام كثير ، لا تؤمن ّ إلا به. قبضت على يدي، ها شدّت كما فعلت في المرّة السّابقة، ّا ُن ك واقف ين في السّاحة، لم تأتِ بكرسيّين وتضعهما قرب شجرة البان، أغمضت عين يها، مشت ِعها بأصاب على باطن ّي، كف استسلمتُ بانِتظار ما ستقول. قالت بصوت أقرب إلى فحيح أفعى« :سيفرّ المرء من أخيه، وأمّه وبنيه، ولن ينتظر أحد أحدًا. ضحكت، ورفعتُ رأسي في ضحكتي إلى الخلف، وقلتُ وأنا أكاد أدمع من الضّحك « :يا درّيّة، هذا لا يكون في الد نيا، بل هذا يكون في الآخرة وأهوالِها . ضغطت ِعها بأصاب على جهت ي ّي ك ف حتّى شعرتُ أنّ عِظامها ستتكسّر، وصرختُ « :ّفي توق ّفي توق . نفضت يدي، وبدا على وجهها الحنق، كانت عيناها في ّلّ الظ عين ي ذِئب. أخذتُ ن فسًا ًا، عميق أردتُ أن أُطمئِن نفسي قبل أن أُطمئِن ها« :يا دُرّيّة، إنّ كعب الأحبار قال: مصرُ بلد ًى مُعاف من الفِت ن، فمن أراد ها بسوء ك بّه الله على وجهه… يا دُرّيّة، لو ّم تِني عل ً طبخة لكان أحسن من هذا الك لام، أليس لديك شيء آخر تقولينه غير ما سمعتُ؟. لم تقل شيئًا، أدارت رأس ها بشكل رتيب ، وعقدت ها شال على رأسِها بطريقة بطيئة، وبدا الهمّ في وجهها، ش حُب، هتُ وب لونه، وقالت بأسى، وهي تقصد البوّابة للخروج« :ما أكثر الحمقى»!هتفتُ بها« :يا درّيّة… يا دُرّيّة… لا تتغيّبي كثيرًا، لا أريدُ أن تكون هذه آخر مرّة أراكِ فيها، لو أتيتِني يوم ين في الأسبوع لتؤدّي لي بعض الخدمات فسأكون لكِ شاكِرًا . ّت ظل تمشي بهدوء صامت، حتّى إذا عبرتِ البوّابة، سمعتُها تقول« :ستموتُ عقيمًا، لن يكون لك ع قِب . كرهتُها وكرهتُ نفسي، الخُرافات مُعدِية، ّها إن أعدى من الأمراضِ الخبيثة. لو ّفت توق ً لحظة قبل أن تغيب في زاوية ّارع الش لقلتُ لها« :لا أريدُ أن أراكِ مرّةً ثانية. لكنتُ طردتُها، و… بصقتُ في وجهها، لا أدري لماذا أصبرُ على وقاحتها إلى اليوم؟! ولقد ك ثُر الخيرُ في مصر، فلا أدري هذه الثّرثارة ما تقول لو رأيتُها مرّة أخرى. لقد صار رِطل ّحم الل بنصف درهم، وبعضُهم يبيع العِجل بأقلّ من ذلك، ّر والس ك الرّطل بدرهم ونصف، والإردبّ من القمح بخمسة عشر درهمًا، والإردبّ من الأرزّ بعشرة دراهم، ولقد رأيتُ من الخير والبركة في الأسواق ما لم أر طوال عشرين عامًا في بغداد. ّاس الن يتبايعون ويتسام حون، ويأكلون ويشربون، ويخوضون في الأعراض والأمراض، وكان م ن لا يملك يملك الفدادين، ويبيع لأهل ّمال الش غِلاله، وتعودُ عليه وعلى عِياله ّهم كل بأوسع الرّزق . وكان أعيانُ مِصر ووزراؤها يُقيمون المآدب، ويُنفِقون فيها ما لا يسع الكلام ُه، وصف

عدد الصفحات ٥٦

ملك الفدادين، ويبيع لأهل ّمال الش غِلاله، وتعودُ عليه وعلى عِياله ّهم كل بأوسع الرّزق . وكان أعيانُ مِصر ووزراؤها يُقيمون المآدب، ويُنفِقون فيها ما لا يسع الكلام ُه، وصف ولقد دُعيتُ إلى مأدبة في مُنشأة القاضي الفاضل، وكان فيها بساتين، إذا ركبت الخيل فيها غربت عليك ّمس الش وأنت تجري في أفيائها وتنظر إلى خيراتِها، وكان فيها من الثّمار الأُترجّ والحُمّاض والكباد ّذي ال يُصنع منه الر بّ، ّارنج، والن ّيمون، والل وكانت تُزر ع فيها ثِمار الفصول الأربعة، فلا تكادُ تخلو من شجر مُثمِر في كلّ أوقات السّنة، فتأكل الحامض والحلو والحاذق ّذع واللا . وكان في مُنشأة الفاضل أبراج ّيور للط وبيوت، وكانت تضمّ الح مام والدّجاج والإوزّ والصّقر ُقاب والع ّسر والن ُركيّ والك ّقلق والل والمرزم ج ع والب شون ل والب والحُبرُج والح ج ل والك ر وان والس م انيّ والبُلبل وسائر أنواع العصافير. وكانت هناك طاقات للح مام الزّاجل تحمل بريد القاضي الفاضل إلى أصقاع مِصر، وكان الح مام يعرفُ طريق ه ومنازله ومواضع رسائلِه أكثر من البشر.

عدد الصفحات ٥٦