المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مسغبة

غير معروف

صفحة ٦ من ٢٠

ولم يكتفِ القاضي الفاضل بذلك، فبنى الإسطبلات للخيول والحمير ِغال، والب والمرابض للجِمال، والزّرائب للغنام والأبقار، وكان على كلّ صنف منها قيّمون يرع ون أمور تغذيتها، ِها ب وح ل إن كانت ب، تُحل ِ وطر ح ما تُنتِجه في الأسواق. وأقام القاضي الفاضل في طرفِ المُنشأة جهة ّرق الش للدّاخل من أوّل سورها قصر ه المُنيف، فيما بين باب ّوق الل وظاهر القاهرة، وكان للعابر من هذا ّارع الش المُؤدّي ها ل يرى القصر ّذي ال يحجبُ ما خلف ه من البساتين والدّور، وكان القصر على ثلاثة طوابق أو أربعة، من حجر يُشبه حجر الأهرامات، ولا أدري إن جُلِب منها أم لا، وكان يقصده الأمراء، فلا يرون في ع ظ مته قصورهم، ُعلماء وال فلا يجدون أمامه إذا دخلوا مسجده الأزهر، والسّور عال ، ولكن إذا كنت على بُعدِ فرسخ منه جهة ّرق الش رأيت القصر من على ن ش ز في الأرض لا يحجب السّور فهالك المنظر. وكانت بساتين المُنشأة تُطعِم أهل القاهرة ّهم كل من ثِمارِها ِها وأعناب وخيراتِها، وكان يبذل منه للزّكاة وإطعام ُقراء الف ما درّ عليه ر كة الب. مّا ول أقام لنا ولبعض الأمراء ُلماء والع الوليمة، دخل إليه أولئك الأمراء ّيلسانات، بالط والعلماء بالعمائم، ّهم تحف الورود والرّياحين من كلّ جانب ، ّهم فكأن أهل ّة الجن ّبون يتقل في ّعيم الن ! ❞ (٠١) ع ي ناها والقاهرة مثل دمشق وحلب، مُدُن تجمع المُتناقضات، فإن بحثت فيها عن الله وجدت ه، وإن بحثت فيها عن ّيطان الش وجدت ه، تجد المساجد مثلما تجد الكنائس والصّوامع، تجدُ مجالس ّكر الذ مثلما تجد مجالس الغِناء، تجدُ دُور القرآن كما تجد دُور ِغاء، الب تجد ِي راب الب والخوانق كما تجد الملاهي والمفاسِق، تجد فيها الخ م ر والج م ر كما تجد التَّم ر والأ ج ر، وتجدُ فيها أهل ّة الص ف كما تجد فيها أهل َّة، الزَّف وهي تقف على ّجد ين الن وتقول بكل ثقة « :اختر لنفسِك ما تشاء. قال لي السّمّان وهو زِنُ ي لي أوقيّتين من العسل« :هل ما زلت على علاقة بها؟. رفعتُ ذقني، وقلتُ باهتِمام« :م ن هذه؟« .دُرّيّة « .درّيّة؟ ماذا تعني؟« .ّها إن يصلح فيها قولُ القائل ابعد عن ّر الش ّي وغن له« .وما شأنُك أنت؟« .أنا أحبّك، نحن ّنا كل في السّوق نعرفك، ونُقدّر عِلم ك ومكانتك، ولا نريدُ لسمعتك أن تتلوّث « .سُمعتي تتلوّث؟ . اقترب ّي، من بصوته الأجشّ ّذي ال تحول إلى ضُباح ثعلب عندما حاول أن يهمس« :ّها إن حملت سِفاحًا، ولا أحد يدري م ن زوجُها… إن كانت ً صادقة تقل فل لك م ن زوجها« .وهؤلاء الأولاد ّذين ال عندها؟« .ّهم إن أولاد ح رام . انتفضتُ « :اخرس ، لا تخض في أعراضِ ّاس الن« .ّك إن مِسكين . وإنّ فضلك بتدريسِ أبنائِنا يغفرُ ل لك سذاجتك. وإذا أردت ّ ألا آتي بسيرتها مرّة أخرى فسأفعل« .نعم، أريد. لا تخض فيها مرّةً أخرى. مدّ لي أوقيّت ي العسل م صبوبت ين في المرطبان، وأمال رأس ه، كانت عينُه الحولاء تتّجه نحوي، حين قال بسخرية« :تُحبّها؟. أخذتُ العسل ونقدتُه الثّمن، وأسرعتُ في الخروج من ّانه دُك . كنتُ أهرول في ّارع الش باتّجاه صِدقي ّحّام، الل اشتقتُ لأكل ّحم، الل إنّ هذه البطن لا تشبع ّها ولكن لا تسمن؛ ّني كأن لا آكل شيئًا!

عدد الصفحات ٥٧

وصلتُ إليه وما زال أثر الغضب بادِيًا على مُحيّاي، ّمتُ سل عليه بشيء من العصبيّة. ابتسم« :يا حكيم لو تركت ك قلب الرّقيق لكلام ّاس الن فسيمتلِئ بالثّقوب . رفعتُ نظري، ّد تُه ص ع إلى وجهه، كان يُنهي غمزةً بعينه اليُسر ى، مع ه زّة في الرأس وفتلة في ّارب الش الغليظ، لولا ابتِسامته ّتي ال بدت لي ً مُصط ن عة ما ل رأيتُ ش ف ت يه، قلتُ له« :لماذا تقول لي مثل هذا الكلام؟« . اهدأ يا حكيم، أنا أعرفُ ّاس الن من وجوههم، وأقرأ ما في قلوبهم، لا بُدّ أن أحدهم ك أغضب بكلام تافه حتّى ولو كان حقيقة، أهل السّوق هكذا يا حكيم، أ ج ودُ ما يقولونه تافه« .»!يا صِدقي، أعراض ّاس الن لا تسلم من ألسنتهم»!!فتل ه، شارِب واقترب ّي مِن « :وفي عِرض م ن خاضوا هذه المرّة؟ . بلعتُ ريقي، وأخذتُ نف سًا قبل أن أنظر في عين يه ّت ين الل تاني ش جّع على وح الب« :في دُرّيّة . وضربتُ ًّا ك ف بكفّ . وشهق صِدقي ّحام، الل وبدا شارِباه الغليظ ان يهتّزان فوق شفت يه: «اخصّ دُرّيّة… لعنة الله على السّاقطين « .نعم، دُرّيّة… ولكن صمت ً، قليلا قبل أن أتفحّصه فيما أعطاني هو ظهره في تلك ّحظة الل وراح يتناول ف خِذ شاة ّقة مُعل على ّاف، خُط ويهمّ بتقطيعها، فأكملت« :صِدقي ماذا تقول أنت في دُرّيّة؟ « .دُرّيّة؟ ّها إن أشرفُ من ثلاثة أرباع نسائهم يا حكيم. وراحت ّينُه سِك تغوصُ في ّحم الل ! تركتُ السّوق الصّاخب، وعدتُ إلى البيت، لم تهدأ لي ثائرة، كنتُ ّر أفك فيما قاله السّمّان، ومن قبلُ ما ه قال الفاكِهانيّ، كان يبدو ّهما أن نموذج لأهل السّوق ّه، كل أهل الفِتنة، وأهل الخوض مع الخائضين، رأيتُ السّوق، كلّ م ن في السّوق، وقد وقف على قد م يه، وراح ّم يتكل فيما يتخيّله عن جاره أو جارته أو ابنة فلانِ أو ّن، ع لا كانت أفواههم مفتوحة بشهيّة للكلام، كانوا دلقون ي العبارات من تلك الأفواه ًا دلق في كلّ اتّجاه، كانوا يقيئون الكلام قيئًا، رأيتُ كلّ م ن في السّوق يفعل ذلك، ّهم كل بلا استثناء يُثرثرون غتابون وي نمّون، وي ما عدا ّي المُغن ّاب الش الذي بدا وجهه ًا صفيق قد انشغل بالغِناء وبالعزف على الق ص بة عن الحديث على الآخرين. وتخيّلتُ ًا أسواق أخرى في أحياء القاهرة ّها ُل ك تقفُ هي الأخرى بكاملها على أقدامها الألف وتدلق الكلام ّتن الن من أفواهها، كانت هناك لحومُ أوجُه تتساقط، وكانت هناك عيون تسيل، وكانت هناك أقدام تسيح في الأرض، وكانت هناك أنياب تغوص في لحوم بشريّة… ّاس والن رغم ذلك مُستمرّون في نهشِ أعراضِ بعضهم بعضًا . نفضتُ رأسي، أردتُ لهذه الخيالات أن تنتهي، قمتُ، توضّأت، ّيتُ صل ركعت ين لم أدرِ ما قرأتُ فيهما، ثُمّ ذهبتُ إلى غرفة المكتبة، ونسيتُ نفسي بين الكتب. اشتقتُ لطبخة من طبخات درّيّة، لها أكثر من عشرة أيّام مُختفِية، ّها إن تأتي عندما تريد، وتغيب عندما تريد، لا قانون يحكم هذه المرأة العجيبة، ّني لكن أستطيع أن أقول ّني… إن لا، لا يمكن أن أكون قد أحببتُها… يُمكنني أن أقول ّني إن أفتقدها؛ لكنّ الافتِقاد علامة من علامات الحبّ، لو لم تكن تحبّها فلماذا ستفتقد امرأةً ما وتشتاق إليها…؟! ربّما بني ج ذ فيها جرأتُها، وقاحتُها أحيانًا… لطمتُ خدّي بباطن ّي، كف أنا رجل مريض ؛ هل هناك أحد ِه ُجب تع امرأة وقحة تتطاول عليه؟! لا أدري ما ّذي ال يحدث؟ أتكون قد ني سح ر ت كما قال الفاكِهانيّ مرّة؟ لا.. لا… ما هذا الجنون؟ أنا لا أؤمن بالسّحر بهذه ّريقة… الط كلّ ما في الأمر ّني أن وحيد في هذه ِلاد، الب وأحتاج إلى طعام يكون جاهِزًا عندما أجوع، وهي ّتي ال كانت ّق تُحق لي هذه الرّغبة… هذا كلّ ما في الأمر، واضح ّني أن أشتاق إلى معدتي لا إليها! يبدو ّني أن من هذا الصّنف من الرّجال ّذي ال

عدد الصفحات ٥٨

ام يكون جاهِزًا عندما أجوع، وهي ّتي ال كانت ّق تُحق لي هذه الرّغبة… هذا كلّ ما في الأمر، واضح ّني أن أشتاق إلى معدتي لا إليها! يبدو ّني أن من هذا الصّنف من الرّجال ّذي ال يحبّ عندما تمتلئ معدته… ت بًّا… كيف وصلتُ إلى هذا الح دّ .. ّت تلف حولي وأنا في غرفة ّوم، الن كنتُ مُستلقيًا على سريري، لم أر ما يلفتُ انتِباهي، قمتُ من السّرير، أردتُ أن أمشي في أروقة ّابق الط الثّاني، أن أقتل بعض الفراغ ل، والم ل خطوتُ في الرّواق بالفعل، نظرتُ من أعلى إلى السّاحة ّتي ال في مدخل البيت، كانت ً هادِئة ساكنة، لا يبدو فيها أيّ ح يّ، فجأةً… قطع الصّمت ِق المُطب صهيلُ الأبلق في الإسطبل، كان الإسطبل تحت قدم يّ، يبدو أنّ الحِصان أحسّ بي وبوحدتي فأراد أن ّيني، يُسل شعرتُ أنّ ه صهيل قال لي« :عمت مساء يا أخا العرب… الخيلُ خير لك من ّساء… الن ما رأيُك بجولة في شوارع القاهرة؟. قلتُ لنفسي« :اقتِراح جميل . انتظر ني ريثما ألبسُ ثِيابي وأوافيك يا حِصاني العزيز. هممتُ بالالتِفاف والسّير إلى غرفة ّوم الن لأبدّل ثِيابي عندما حانت ّي من التِفاتة إلى شُجيرة البان في وسط الحديقة، فرأيتُها هناك؛ كانت دُرّيّة تقف بجانب ّجرة، الش وتنظر إلى أعلى، التقت عيناها بعين يّ، كانتا في ّل الظ عين ين ذِئبيّت ين، شيء ما غريب تراء ى لي فيهما، كانت تُحدّق بي بطريقة لم أعهد ها، قلتُ ً مُتسائِلا : «دُرّيّة…؟ ماذا تفعلين عندكِ؟ . لم تقل شيئًا، واصلتِ التّحديق في ع ين يّ… ارتخت مفاصلي، ارتعشت رُكبتاي، شعرتُ بدُوار خفيف ، تمايلتُ ً، قليلا أردتُ أن أستند إلى أقربِ جِدار ، أو إلى ُفّ ط الدّرابزين، ّني لكن سقطتُ قبل أن أفعل… كما لو ّني أن جُذِبتُ إلى بئر عميقة لا رار ق لها!

عدد الصفحات ٥٨

صحوتُ ُبي ق ل الغُروب على رع ق البوّابة الكبيرة في الأسفل، فتحتُ عيني، فرأيتُ سقف الرّواق أوّل ما رأيت، احتجتُ ً قليلا من الوقت لأدرك ّني أن كنتُ في غيبوبة ، تلمّستُ بيد يّ المكان، إن شمس الأصيل ما زالت تُضيئُه بخيوطها الأخيرة، استرجعتُ ما حدث معي، ما ّذي ال أوقعني في الغيبوية؟ هل هو الإجهاد، أم ّة قِل ّعام، الط أم نحول الجسد ووهن ُوى، الق أم الجوع، أم شيء ما في ّعام الط ّذي ال أكلتُه أمسِ، أو… ثُمّ ّرتُ تذك هيئ تها إلى جانب شُجيرة البان، فهتفتُ « :ّه إن عيناها… درّيّة… درّيّة هل أنتِ هنا؟. لكنّ صوتي انزلق على الرّواق، وخفت تدريجيًّا قبل أن ينتهي بسكون تامّ . أردتُ أن أنهض ، فسمعتُ القرع على البوّابة من جديد، وصوت من الأسفل يقول« :مولانا.. هل أنت هنا يا مولانا؟. رشقتُ الماء على وجهي ًا، سريع وهبطتُ الدّرجات، وهُرِعتُ إلى وّابة الب ففتحتُها، فإذا هو جندي عرفتُ من لباسه ّه أن يتبع ديوان مصر، ّمني س ل بريدًا، وأعطاني ظهره ومضى. كان البريد من الوزير ابن سناء المُلك، ّرني يُذك بدعوته إلى حضور موكب الأمير يوم الأحد، سيمّر بالسّوق ّذي ال هو في باب زويلة ويخرج منه إلى ّارع الش ّذي ال يفصل بين السّوق ومسجد الصّالحي، ّف وسيتوق في ّة محط تبعد عن المسجد فرسًخا، وعليّ أن أكون فيها بحلول ّهر الظ لكي أنضمّ إلى الموكب. طويتُ الرّقّ، وصعدتُ إلى غرفة ّوم، الن وعبثًا حاولتُ أن أنام، كانت عينا دُرّيّة تظهران على الجدران والسّقف وزُجاج ّافذة، الن لم أستطع أن أُفلِت منهما. ّرتُ فك أن أركب الأبلق، وأطوي المكان إلى تربة ّافعي الش لأراها، ّني ولكن استخففتُ بنفسي؛ لماذا سأراها؟ ماذا سأقول لها عندما نتقابل؟ هل سأقول ّني إن مشتاق لكِ؛ فأنتِ لم تزورينا في البيت منذ أكثر من عشرةِ أيّام؟ ماذا لو ظهر لي زوجها؟ صمت ً، قليلا قبل أن أتساء ل من جديد: ولكن ماذا لو لم يكن لها زوج كما قال ناجي السّمّان؟ ماذا لوكان على ح قّ؟ سيكون الأمر صعبًا. ماذا لو لم يكن على ح قّ؟ سيكون الأمر أصعب؟! لم أنجح في ّوم، الن كان ّيل الل قد هبط على القاهرة، من نافذتي من هنا شاهدتُ المشاعل العالية من بعيد وهي تُزيّن باب زويلة، وشاهدتُ مِئات من المشاعل في ّارع الش الفاصل بيننا، وفي شارع زّ المُع نفسِه، فاستأنستُ بالأضواء ً، قليلا القاهرة في ّيل الل ساحرة، تبدو حوريّة إغريقيّة خرجت من البحر فأضاء نورُها السّماوات . ما ّذي ال يمنعني من أن أخرج الآن في هذه ّوارع الش الفاتنة؟ آه لو أنّ درّيّة هنا لتخرج معي؟ ُمتُ ل نفسي على هذا الخاطر الآثِم؛ كيف ّر تُفك بهذه ّريقة الط يا شيخ؟ درّيّة امرأة عابرة، امرأة مُتزوّجة، لها حياتُها الخاصّة، لماذا تُصرّ على أن تُقحمها في حياتك؟ ّفتُ وتأف ً طويلا: لو كنتُ أملك ً إجابة على سؤال كهذا لكنتُ ارتحتُ من زمن . وهتفتُ : آآآه… وصعدت الآه ّها كأن نار تتّقد في الأضلاع. لن أخرج وحدي كالأبله لأطوف في هذا ّيل الل شوارع القاهرة، وإن كان التّجوّل في القاهرة في ّيل الل مُغريًا جِدًّا . قرّرتُ في ّهاية الن أن ّي، أصل وأدخل غرفة المكتبة، وأغمس نفسي بين المخطوطات، ّني ولكن شعرتُ بأنّ هذا سوف يحدّ من حضور درّيّة في قلبي؛ ّعينة، الل هتفتُ، ّها إن تُسيطر على أفكاري ًّا، ح ق ورحتُ ألتمس ً وسيلة بها لأنسى، فلم يكن من وسيلة أنجع من ّوم، الن وفجأةً جذبني ّوم الن من يدي بقوّة وأسق ط ني في جوفه في ح ظات ل !! ❝ ❞ القِسم الثّالث الزّلزال

عدد الصفحات ٥٩

لم ترُكِ ي الموتُ مِنهم م ن يُخبّرني عنهم، فيُوضِح ما وه لاق تِب يان ا بادُوا ًا، جميع وما شادُوا، فواع ج بًا للخ ط بِ؛ أهلك عُمّارًا وعُم رانا ! هذي ُصُ ق ورُهُم أمست ُبُور هُمُ ق كذاك كانُوا ِها ب مِن بلُ ق ّان ا سُك ويح الزّلازلِ أفنت ش رِي م ع ف إذا ك ر تُهُم ذ ت ني خِل في القومِ س ك ران ا (أسامة بن منقذ) ❝ ❞ (١) ّهو الل المُباح القاهرة ّها كل أسواق، حتّى أولئك ّذين ال يريدون أن يذهبوا إلى المسجد ّوا، ليُصل لن لِجُوا ي إلى باب المسجد حتّى يذرعوا شارع السّوق ّه كل من أوّله إلى آخره؛ كان عليك أن تعبر – ً م ث لا - سوق الق مّاحين شبرًا شِبرًا قبل أن تدخل إلى مسجد الأقمر، تدخل من باب الفتوح، وتظلّ ماشِيًا ودكاكين القمح تحفّ بك من كلّ جانب ، فتشمّ رائحة السّنابل من عهد يوسف

عدد الصفحات ٦٠

إلى اليوم، وهل رائحة الخبز المغموس بالدّم ّذي ال أكلت منه ّير الط فوق الرّأس المصلوب، تُشبه رائحة الخُبز المغموس بالعافية ّذي ال كان يأدِمُ به الملكُ ط عام ه؟ ! ستشمّ روائح هذه العصور ّها كل قبل أن تضع قدمك اليُمنى على عتبة مسجد الأقمر. كان أكثر السّوق ًا مسقوف . حين مضى زمنُ الفاطميّين صار السّوق في أنحاء منه يُباع ّمع، الش ولهذا سُمّي ًا لاحِق بسوق ّمّاعين الش. ّه لكن مع الزّمن انفلت من عِقاله، وصار يُؤوي الأجساد ّتي ال تبيع المُتعة الرّخيصة لكلّ مُشته يبحثُ عن وِعاء يُلقِي فيه ن ز واته الج سديّة ! هنا، حين يُلقِي ّيل الل سِرباله، ويقلّ عددُ الأرجل العابرة، ولا يأتي ّ إلا م ن كانت له نِيّة في المجيء، في هذا السِّتار تجلس بغايا يقال لهنّ زعيرات ّمّاعين، الش لهنّ سِي ما ن يُعرف بها، وزيّ يتميّزن به، وهو لبس الملاءات المفتوحة ّتي ال تُظهر فتنة الجسد، ويلبس ن في أرجلهنّ سراويلات من أديم أحمر. قد تكون غِيّ الب سيّدة نفسِها، تعرضُ جسد ها دون وسيط ، وقد يكون هناك م ن يعرضُ أو تعرضُ عنها ذلك، فإذا وجدت ذلك الصّنف من الرّجال، ذوي ّقون الذ الحليقة، والوجوه الصّفيقة، والعيون العميقة، سيسألونك: بكم تريدُ أن تتمتّع؟ وعلى مِقدار ما في الجيب تكونُ السّلعة؛ فإذا كان جيبُك دافِئًا، ودينارُك وافِيًا عرضوا عليك الصّغيرات في السّنّ الممتلِئات في الأجساد. وإذا كان جيبُك مُهترِئًا، فربّما لن تحظى ّ إلا بعجوز، وإذا جئت تسترق ّظر الن وما معك شيء ، فلربّما هجم عليك الدّلالون بالحديد، وطردوك من المكان، فرجعت لا أنت رأيت ، ولا أنت ت، نِل هذا إذا لم يُحدِثوا فيك عوارًا يسيل له بعضُ دمك! كان ذلك ليلة جمعة ، وقد دخل إلى قلبي بعضُ الملل، فقلتُ أطوفُ في الأسواق، ني فقاد ت قد ماي إلى هنا، فعثرتُ بهؤلاء البغايا، وكانت مجموعة منهنّ قد نثرن شعورهنّ، وزجّج ن حواجبهنّ، وكحّلن عيونهنّ، ن وتمايل ن يمضغ الكلام مع كلّ م ن يطلب عندهنّ حاجته، ّرتُ وتذك قول المتنبي: حُسنُ الحضارةِ م جلوب بتطرية وفي البداوة حُس ن غيرُ م جلوبِ أفدي ظِباء فلاة ما ن عرف بها م ض غ الكلامِ ولا ص ب غ الح واجيبِ

عدد الصفحات ٦١

وكان عدد منهنّ يسترقُ ّظر الن إليّ، يدعونني بأطرافهنّ، ُلن ق وي بحركاتهنّ كلّ شيء ؛ وتحرّك فِيّ ما يتحرّك في الرّجال، فخفتُ أن أقع في الحرام، فنكصتُ على يّ، عقب أنوي الخروج من المكان ّه كل والرّجوع للبيت، وفعلتُ، غير ّني أن سمعتُ صوتًا من خلفِ ظهري، يُنادي « :مولانا فرجفتُ، وتبدّل لوني، واختلج قلبي، وخفتُ أن أُعر ف في مثل هذا المكان فتلحق بي الفضيحة، وينالني ما ينالني. وشددتُ العزم على المُضيّ ِ بأسرع ما يُمكن، فسمعتُ الصّوت من جديد، يقول: «لا تخف يا مولانا وخُيّل إليّ هذه المرّة ّني أن أعرفه؛ ّه إن صوتُ دُرّيّة، وجمدتُ لمّا سمعتُ الصّوت في مكاني، ولم أجرؤ على أن أستدير فأراها أو تراني، وقلتُ « :ّه لعل ِه يُشب صوت ها. ّها لكن أكملت « :إنّ ما ُه يقول السّمّان والفاكِهانيّ محضُ افتِراء. ولم أصدّق ّني أن أسمعُ صوت ها، ّها إن امرأة متزوّجة، ولديها أولاد، ولا يُمكن أن تبيع جسدها!! وحاولتُ التّخفيف من صدمة ما أنا فيه، فقلتُ في نفسي: لا بُدّ أنّ ه و سي بدرّيّة جعلني ّبُ أُرك صوت ها فوق صوتِ هذه البغيّ . غير ّها أن أردفت « :يا عبد ّطيف… الل ّه إن لطيف بعباده، ولا بأس من بعضِ ّهو الل المُباح . وبينما أنا في دوّامة ّكّ الش إن كانت هي أو سِواها، تتصاعدُ أنفاسي، ويُرى ارتِجاف جوارحي، ويُسم عُ خ ف قان قلبي، نقلتُ قدم يّ الثّقيلت ين ما استطعتُ وأنا ّي أُو ل للصوتِ ظهري، ثُمّ جاهدتُ لأتحرّر من ذلك الثّقل، فتحرّرتُ، ثُمّ رحتُ أركضُ كالأبله، وأنا أتعثّر في ر كضي، ورأيتُ في طريقي صِدقي ّحّام الل يه بشارب الغليظ ين قد سربل نفسه بلباس أبيض، تفوح منه رائحة ّيب الط من بعيد ، وهو يمشي تُجاه البغايا ّه كأن يريدُهنّ، فتجاف يتُه، وتعام يتُ عنه حتّى خرجتُ من السّوق ّها كل . ولم أدرِ إذا أطلقتُ يّ ساق للريح هربًا من نظراتها، م ن هو الذي سيلحق بي؟ آلصّقر الذي في عينيها، أم الذئب الذي هو فيهما؟!! وكان صوتُها لا يزال يطنّ في أذني« :ّهو الل المُباح… ّهو الل المُباح . حتّى إذا وصلتُ إلى البيت، دخلتُ إلى السّاحة، وكان ّيل الل قد مضى أكثرُ من نصفه، فسمعتُ صهيل الأبلق، ّه كأن يقول لي« :عيب عليك يا مولانا. وتحاشيتُ النّظر تُجاه الإصطبل، وصعدتُ الدّرج وأنا أحسّ بالحُمّى تسيل في جسدي كلّه، وألقيتُ بنفسي على السّرير، ولم أصحُ ّ إلا حين سعتِ ل ّمس الش صفحة وجهي. ثُمّ تلتِ السّوق من بعدِ تلك الأيّام سوقُ ّمّاعين، الش وكان يعمرُ أكثر ما يعمرُ أيّام رمضان؛ وكان يباع في هذه السوق في كل ليلة شمع كثير ، وكان فيه من التزّيّن والتّرف الكثير أيضًا . ّارع والش ّويل الط ّذي ال يمخر عُباب هذه السّوق مليء بهذه الحوانيت ّتي ال تبيع ّمع الش ً أشكالا وألوانًا، وكانت تبيع الفوانيس أيضًا، فإذا كانت أوّل ليلة في رمضان، أوقد كلّ ّان دُك عددًا من الفوانيس أمام بابه من ن، الجانبي وتناف سوا في حجمها وشِدّة ضوئها، فإذا وقفت في أولّ السّوق وأرسلت نظرك إلى آخره هالك الج مالُ ّق المُعل بهذه الفوانيس، ّها كأن كواكبُ دُرّيّة ُ تهبط من قبّة السّماء، وكان منظرها من أجمل ما يُمكن أن تقع عليه العينُ في ليالي رمضان. وكانت السّوق تعجّ ّاس بالن في هذه ّيالي الل لكثرة ما يشترون من الفوانيس ّموع، والش وكان عدد من الفتيان أو الف ت يات يشترون أزواجًا منها، ويطوفون بها في مواكب باهرة. وبعضُ الآباء كانوا يشترون ً عجولا أو ً خيولا ً مصنوعة من هذا ّمع الش في ألوان زاهية، ّبون ويُرغ الصّبيان بركوبها إذا حضروا معهم صلاة التّراويح. فإذا خرجت من حوانيت ّمّاعين، الش ك بدأت حوانيتُ الدَّجَّاجين . وفي سوق الدّجّاجين يُمكن أن تتعرّف إلى وجه جديد من وجوه القاهرة. هل يمكن أن تنتهي وجوه القاهرة؟! ّاس

عدد الصفحات ٦٢

فإذا خرجت من حوانيت ّمّاعين، الش ك بدأت حوانيتُ الدَّجَّاجين . وفي سوق الدّجّاجين يُمكن أن تتعرّف إلى وجه جديد من وجوه القاهرة. هل يمكن أن تنتهي وجوه القاهرة؟! ّاس والن في رمضان تأتي من ُسطاط، الف ليشهدوا الجُمعة في جامع الحاكمي، ً بدلا من جامع عمرو بن العاص، ّهم ولكن يحرصون على ذلك ليس من أجل سماع الخُطبة فحسب، بل من أجل أن يروا الدّراويش وهم يخرجون من خوانقهم إلى الجامع، فلم تكن صلاة الجمعة تُقام في تلك الخوانق، وأهل مصر يعدّون أهل الخوانق من الأولياء، فإذا خرجوا، وقف أهل القاهرة مع نسائهم وأطفالهم لكي تحصل لهم ُ البركة برؤيتهم. ويخرجُ شيخُ الخانقاه وبين يد يه خُدّام الرّبعة الشريفة، قد

عدد الصفحات ٦٢

حُمِلت في صِحاف تلمع فوق رأسِ أكبرهم، والدّراويش يتبعون ّيخ الش في سكون وهدوء وخشوع، مُطرقين برؤوسهم إلى الأرض، في زِيّهم الم هيب، حتّى يُوافوا باب الجامع الحاكمي ّذي ال يلي المنبر، فيدخلون إلى مقصورة هناك على يسار الدّاخل تُسمّى مقصورة البسملة، سُمّيت بذلك ّه لأن مكتوب في أعلى حجارتها (بسم الله الرّحمن الرّحيم ) بحروف واضحة. فإذا تكامل عددُهم داخل المقصورة - وأهل مصر بنسائهم وأطفالهم ورِجالهم ّونهم يحف - ّى صل شيخُهم تحيّة المسجد، فإذا ّم، س ل جلسوا في حلقة مرسومة ّة، ِدّق ب فقام خادمهم يوزّع عليهم أجزاء الرّبعة، فيقرؤون القرآن، ويشتغلون ّكر، بالذ حتّى ّن يؤذ ّن المُؤذ لصلاة الجمعة، فيطوف عليهم الخادم من جديد ، فيأخذ منهم أجزاء الرّبعة ويُعيدها إلى صحافها. فإذا صعد الخطيب المِنبر، رأيتهم ّما كأن ألق وا رُؤوس هم على صدورهم، يستمعون إلى ّيخ الش في خشوع. فإذا ُضِيت ق الصّلاة، قام قارِئ من ُرّائهم ق فقرأ بصوت نديّ ما تيسّر له من القرآن، ثُمّ دعا، فأمّنوا خلف ه، ثُمّ ّوا اصطف على هيئتهم الأولى، وخرجوا يقصدون الخانقاه من جديد ، وأهل القاهرة تحفّ بهم، والأطفال ينظرون عين مُول بما يُشاهِدون، والأمّهات مسرورات ر كة بالب ّتي ال ستحلّ بالعِيال لمجرّد ّظر الن. ثُمّ يمشون في ّوارع الش إلى أن يعودوا إلى خوانقهم، فإذا دخلوا إليها، انقطع سعيُهم، ولم يعد أحد يراهم في أيّ مكان من الأرضِ ّ إلا إذا ّت حل الجمعة القادمة. وعُدتُ إلى البيمارستان، أعالجُ المرض ى عصارى يوم ي الاثنين والخميس، وقد بدأتُ أتعرّف على الأمراض ّتي ال تحلّ بهؤلاء القوم، ولكلّ بلد أمراضُه، فما يشيع في القاهرة غيرُ ما يشيع في الصّعيد، ّبع وبالط غير ّذي ال كان يشيع في بغداد. ❝ ❞ (٢) سوق السَّجَّادين أين اختفت دُرّيّة، ّه إن شهر أو يزيد، وأنا لا أصبر كلّ هذا الصّبر ! و من تكون درّيّة حتّى لا تصبر عليها، لو سمع الأبلقُ خاطرك هذا، لقال لك« :عيب عليك يا مولانا، ّق تُعل قلبك بامرأة غامضة ، ينكشفُ لك في كلّ مرّة سِر من أسرارها، وينزاح عن وجهها قِناع من أقنعتها؟« .لا ُمني ت ل يا حِصاني العزيز، إنّ في عين يها نِداءً عجيبًا، أسمعه في قلبي، لا يكاد يهدأ. ّى أتمن أن أُسكته، ّني لكن لا أستطيع. كنتُ قد توسّعتُ في المكتبة، واشتريتُ عددًا جديدًا من الكتب، غير تلك ّتي ال أُهديت إليّ، فصار لِزامًا عليّ أن أُؤثّث ً غرفة جديدةً لها، لأنّ الأولى فاضت عن ة، السَّع وفي الغرف هنا مُتّسع، ّرتُ ففك أن أذهب إلى سُوقِ السّجّادين من أجل ذلك، ولمع في ذهني ّه أن يُمكن أن أجدها هناك، ف سُوق السّجّادين تعجّ ّساء، بالن ثُمّ انطفأتِ التِماعة الخاطر هذا، عندما ّرتُ تذك ّها أن تعيشُ في تربة ، وأنّ السّجّاد ّسبة بالن لها يُعدّ ًا، ترف ومن غير الممكن أن تذهب إليه لتفرش تراب المقابر بالدّيباج !! لكنّ الخاطر عاود الالتِماع من جديد عندما ّرتُ فك ّها أن يُمكن أن تذهب إلى هناك من أجل ّع التّسك فقط، أو ّها أن تُوصِل بعض طبخاتها لبعض بيوت السّوق، فأكون ًا محظوظ وأجدها، ثُمّ قلت لنفسي: هذا احتمال ضئيل جِدّا، وإذا لم أجد ها هناك فلماذا لا أذهب إلى حيثُ تعيش في تربة ّافعيّ؟ الش وأحسستُ ّني أن فقدتُ كلّ وقار يجب أن أتمتّع به بعد هذا الخاطر، أنا؟ ّيخ؟ الش ّبيب؟ الط ّحويّ؟ الن العالِم؟ ماذا سيقولون: مولانا الجليل عبد ّطيف الل البغداديّ يذهب يه، برجل وبإرادته، ليزور امرأةً في تربة ّافعيّ الش تكثُر فيها الأقاويل؟ وم ن تكون هذه المرأة ّسبة بالن له؟ أمّه، أخته، زوجته، ابنته، ر حِم ه،…؟ ّها إن ليست أكثر من امرأة عابرة ظهرت له فجأةً حين كانت تسأل ّان سُك البيوت الجُدُد عمّا إذا كانوا يرغبون فيمن يطبخ لهم ط عامهم. لا بُدّ ّني

عدد الصفحات ٦٣

مّه، أخته، زوجته، ابنته، ر حِم ه،…؟ ّها إن ليست أكثر من امرأة عابرة ظهرت له فجأةً حين كانت تسأل ّان سُك البيوت الجُدُد عمّا إذا كانوا يرغبون فيمن يطبخ لهم ط عامهم. لا بُدّ ّني أن جُنِنت، وشعرتُ باحتِقار لنفسي، ومع هذا ّعور الش المُذلّ ّ إلا أنّ عين يها لم تُفارقاني، وسقطتُ ًا غريق في أمواج من الحيرة المُتلاطِمة .

عدد الصفحات ٦٣

سأذهبُ إلى سُوق السّجّادين على أيّ حال ، قلتُ، هذه أفضلُ فِكرة يُمكن أن أخرج بها مِمّا أنا فيه، ولبستُ ثِيابي، وشددتُ المنطقة على وسطي، وأحكمتُ فّ ل العِمامة البيضاء ّتي ال على رأسِي، وعرف (الأبلق) ذلك من ُواتي خُط السّريعة وأنا أنزل الدّرجات، فصهل، وأخرج عنقه من أعلى الباب المنخفض ّذي ال ق يُغل على إسطبله، وحرّك رأس ه الكبيرة، فراح ّجام الل يتراشق، وسمعتُ مع صهيله صوت الحدائد ّتي ال في ّجام، الل فقلتُ له « :أنا قادم. ومررتُ بسوق (بين القصر ين ) قبل أن أصل إلى سوق السّجّادين، وهو أعظمُ أسواق القاهرة، واسع جِدًّا، شارعه ليس ًا ضيّق كشارع المعزّ ّذي ال في سوق باب زويلة، وتلعبُ فيه الخيول، ويتّسع لعشرة آلاف فارس بكامل عدّتهم لا يضيقُ عنهم، وترى الخيول فيه تُطاردُ نفس ها، والخُيول أجمل من البشر حين تجتمع في مكان واحد ! وكانت السّوق أيّام الدّولة الفاطميّة أعظ م مِمّا هي الآن، فلقد أخمل الأيّوبيّون بهجت ها، وأطفؤوا كثيرًا من بريقها، ومع ذلك ّت ظل يُباعُ فيها كلّ ما ّق يتعل بالخيل من الس رُج، جُم، والل والح د وات، ّة، والأ عِن والزّينة، ويُباع فيها إلى ذلك كلّ ما ّق يتعل بالسّلاح، من سيوف ، ورِماح ودِلاص ، وزرد ، ودروع، وخُو ذ ، وم ناجِل، وسكاكين، وخناجر، وقِسِيّ، ّاب، ونُش وحدائد… ولقد أدركتُه وقد صار باهِتًا، فدخلتُه، فغيّرتُ وات ح ذ الحِصان، واشتريتُ له سرجًا جديدًا، ففرح، وعرفتُ ذلك في عين يه، فقبّلتُه بينهما، ومسحتُ على عنقه البيضاء، فس رت بيننا وشائج المودةّ، ولولا ّنا أن خلقان مُختلفان لقلتُ ّني إن أخُوه، ولم يكن لي أخ في حياتي مثله، وشعر هو بذلك، فأغمض رموش ه البيضاء ّويلة الط على عين يه الك حلاو ين، ثُمّ اعتنقتُه وقلتُ له« :ّني إن قدّمتُك على نفسي، ومن الوفاء أن أشتري لك أثاثك قبل أن أشتري لنفسي. ثُمّ مررتُ به على الخان، فأ ك ل وش رِب، وكان في الخان خيول كثيرة ، فهل تتعارف إذا تلاقت ؟ ! وهل يكون بينها في مجلسها هذا حديث كما يكونُ بين البشر في مجالسهم؟! وطلبتُ من صاحب الخان أن يُوافي طعام الأبلق لستّة أشهر من تبن وشعير إلى بيتي، وكان الخان في وسط الجهة المقابلة ّارع، للش وعلى يه جانِب حوانيت تجلسُ فيها الصّيارف ط وال ّهار، الن يبيعون أنواعًا شتّى من المآكل، ًا وأصناف مُشتهاة من الم طاعِم، فإذا هبط ّيل، الل أُشعِلت الس رُج والمصابيح ّتي ال لديوان مصر من الجهتين، ووفد عدد كبير من ّاس، الن وراحوا َّون يتمش في ّارع، الش ويتنزّهون، وأكثرهم فتيان ، وأصحابُ مجون، ّهون، يتفك ويتندّرون، ّعون، ويتسك وتبدُر منهم من أعمال فيها من الخلاعات وسوء الأخلاق ما يضيق القول عنه؛ وم ن فرغ ُه عقل وك ثُر ُه مال ساء ُه… فِعل ثُمّ ّني إن خرجتُ إلى سوق السّجّادين. وكانت السّوق ً، رحبة لم أر مثل هذه ظ مة الع من قبلُ، فبعضُ السّجّاد يبلغُ ُه طول ثلاثين ذراعًا، وعرضُه عشرون، وكان صاحبهُ يعرضُه من طابق ثان أو ثالث ، ّى فيتدل من الأعلى ويهبط، وينتهي قبل أن يمسّ الأرض بقليل ، فتنفرد السّجّادة ً كاملة حتّى ّى يتسن للمُشتري أن يعاين ألوان ها، ويرى ّوحة الل المرسومة عليها، وكان يحدثُ أن تكون الرّسومات على تلك السّجاجيد تصويرًا لحروب ، أو تصويرًا لمساجد، أو تصويرًا لمجالسِ القِيان، وكانتِ التّصاوير من الإتقان بحيثُ ّك إن تكاد تعتقد في أنّ ما تراه ليس ّ إلا حقيقة، فالفرسان في صورة الحرب يلبسون الخُو ذ، ويضربون بالسّيف، ويطعنون بالرّمح، كأنّ ذلك يحدثُ أمامك لا في نسيج مُصوّر فوق قطعة من الدّيباج، ويُخيّل إليك - ّة لدق التّصوير - ّك أن تسمع صيحات المُتقاتلين، وصليل السّيوف، ح وض ب الخيول، وشهيق الموتى، وأنين الجرحى… ّر وتُفك بأن تلحق بهم كي تُسعفهم ّف وتخف آلام هم !!

عدد الصفحات ٦٤

ل إليك - ّة لدق التّصوير - ّك أن تسمع صيحات المُتقاتلين، وصليل السّيوف، ح وض ب الخيول، وشهيق الموتى، وأنين الجرحى… ّر وتُفك بأن تلحق بهم كي تُسعفهم ّف وتخف آلام هم !! كنتُ لا أزال في ذهولي، وأنا أنظر إلى أصحاب هذه السّوق يعرضون سجاجيدهم على الجدران العالية، أو في أكرات مُخصّصة للعرض، وطفتُ أبحثُ عن غايتي، فلم أر ههنا إلا نساء الأمراء والوزراء وأعيان الت جّار وأهل الثّراء والغِنى، وكلّ سيدة معها جاريتان أوثلاث ، ن ها ع ب يت اتّباع الكلبِ صاحبه، وهنّ ن يتقصّف ًا جميع في مشيهنّ ّما كأن ّبت رُك أقدامهنّ على زِئبق . وأ د ر تُ ط ر فِي فِي الوُجُوهِ ّني… لعل ألقاكِ أو ألقى ّذي ال يلقاكِ… ف ر د د تُ ط ر فِي خائِبًا مُت حسِّرًا… ما كنتُ أرجعُ خائِبًا لولاكِ… !!

عدد الصفحات ٦٤

وكان بعضُ السّجاد ّى يتدل من أُسطوانات بألوان ش تّى، ّساء والن يتلمّس ن ه تلمّس الخبير، ن ّق ويُدق فيه ّظر الن نه، ويُطِل ّب ن ه ويُقل من جِهة إلى أخرى، وكان بعضُ عبيد السّجّادين يستخدمه سيّده ً وسيلة لعرضِ سِجّاده، فتراه يحملها على كتفه ّى وتتدل أمامه، حتّى ّي تغُط الأرض بين قد م يه، فتأتي المرأة ّبها، فتقل وتتفحّصها، من أمام ومن خلف، وعن يمين وشِمال، والعبدُ واقف في موضعه لا يتحرّك قيد أنملة، ّه كأن صخرة مصبوبة. ولقد تمرّ على العبد عشرون امرأةً في اليوم أو ثلاثون، مايشتري ن سجّادةً واحدةً، وما يُرِحن هذا المسكين من و قفته طوال ّهار الن في الحرّ ! وكان يحدثُ من أجل عيونِ ّساء الن أن يصعد صاحب السّجّاد إلى ّة دك عالية، ويقف ها، فوق ويقوم س طِ ِب ب السّجّادة أمام المرأة، وتُوقفه هذه زمنًا ً طويلا وهي تتلمّس ر و ب السّجّاد، ّن وتتمع في تفاصيله وألوانه، وقد تُعجِبها سجّادة بعد أن تُعاين عشرًا أو عشرين منها، وتهمّ ّراء، بالش ثُمّ تتراج ع عن ذلك؛ لأنّ الألوان ّتي ال في أطرافِها، ليست ً متناسقة مع ّون الل ّذي ال في وسطها، وإن كان لون ها ّذي ال تحبّ… وينزل السّجّاد بعد أن تخرج المرأة من ّا دُك نه، وهو يزفر، ويلعن ّساء الن ًا جميع . «أنت مِن هنا؟« .ّكم إن تسألونني هذا السّؤّال دائِمًا« .نحن نعرفُ وجوهنا، سِح نُنا لا تخفى علينا، والغُرباء لا يخف ون« .أنا غريب… نعم… أنا غريب ، قدمتُ من المشرق« .من ّام؟ الش « . ّ كلا مِن بغداد« .خيرُ ّاس… الن أنا ح مّاد السّجّاد »..ومدّ يده إليّ وابتسم، ّمتُ فسل عليه، وجزيتُه على ابتِسامته بابتِسامة، وقلت« :أنا عبد ّطيف الل فرفع ذقنه ً، قليلا وقال وهو ّها يحك « :تعمل في البيمارستان؟ أليس كذلك؟« .بلى، بعض أيّام الأسبوع… ولكن كيف عرفت ؟ . «أزوره بين فترة وأخرى، فأنا وسعل، ثُمّ أكمل« :كبير كما ترى، وشاهدتُك هناك« .عظيم« .بماذا يُمكن أن أخدمك؟« .»!أريدُ سجّادة تُصوّر مكتبة الإسكندريّة« .المكتبة؟« .وهل في ذلك غرابة؟« .لا، ولكنّ المكتبة اندثرت « .وهذه التّصاوير لهذه المعارك وتلك المجالس أما زالت تدور إلى اليوم؟ وضحك، حتّى رأيتُ الإقرار في وجهه، وأكمل « :لديّ شيء ِه… مُشاب تصوير لكتب. تبعتُه لأراها، ني، وأعجبت قلتُ له« :هذه صغيرة، ّقها وسأعل على الجِدار… هل هناك سجّاد من وبر كثيف ، وخيط غليظ، من أجل نعلي هذا. ردّ « :ّبع، بالط لدينا ما تشتهي. اشتريتُ السّجّاد تين، ووصفتُ له موضع منزلي، وقال لي« :قبل أن يرتفع أذان العصر سيكون صِبياني قد أوصلوها إلى بيتك، س طوها وب في غرفتك. عُدت، قلتُ وأنا عائد « :لا بُدّ من الو ر د، وإن ُد ع ب الوِرد . وقصدتُ السّوق القريب من بيتي، وظللتُ أردّ تحايا أصدقائي من أصحاب الدّكاكين ّذين ال ني ربطت بهم علاقة الجِوار، حتّى وصلتُ إلى بائع الورد، ّاب الش الأبيض ّذي ال يتقصّع في الكلام، فاشتريتُ من عنده ً أضمومة من البنفسج، ورأيتُ عنده أكثر من عشرةِ صبيان، يضع لهم أفانين من الورد في وِعاء عميق، ويضمّ جذوع كلّ ورد على حِدة، ويُرتّبه في الوِعاء، فإذا انتهى من الأوّل عمد إلى الثّاني، والثّالث، وهكذا… حتّى يمل أوعيتهم ًا جميع بأصناف شتّى من الورد، ثُمّ ينطلقون إلى ّوارع الش ومواضع ت زاحُمِ الأقدام، ويضربون في القاهرة، ينادُون على الورد« :مين يشتريك يا ورد؟. ومِصرُ يومئذ تفيضُ بالورد، وشوارعها تمتلِئ ّذا بالش حتّى يستر ّيلُ الل البيوت، فهي و رد وأهلها و ر د، وبائِعو الو رد ورد على و ر د !! ثُمّ في يوم السّبت ّذي ال يسبق يوم الموكب، دعانا القاضي الفاضلُ إلى مُنشأته على مأدبة يحضرها عدد من أهل العِلم وأهل الرّياسة، وكانت مُنشأته على درب الملوخيّة، وفي الدرّب كذلك مدرسته ّتي ال سُمّيت باسمه.

عدد الصفحات ٦٥

فلمّا وصلتُ إلى باب القصر بالأبلق صهل، فهُرِع العبيد إليّ ّون يحف بي، وجفل الحِصانُ منهم، فرفع قوائِمه الأماميّة، وعلا صوتُه بالصّهيل، فهدّأتُه ّجام، بالل وعاتبتُه « :ليس في هذا المكان يا صديقي، ماذا سيقول القاضي الفاضل؟»!ّه ولكن رفع قوائمه من جديد ، وصهل ً صهيلا ً طويلا وعالِيًا، وتراج ع العبيد إلى الوراء، فيما حنيتُ ظهري ه، فوق والتزمتُ ُه عُنُق ليهدأ، وكانت عيناه جاحِظت ين، قد بان في س وادهما احمِرار ني، هال وبقيتُ أمسحُ على عنقه بباطنِ ّي كف حتّى خفت صوتُه وهدأ تمامًا. وطلبتُ من العبيد أن ّوني يدل على خان الخيول، لأقوده بنفسي، ّني لأن شعرتُ ّه أن لا يريدُ أن يكون معه أمام القصر سِواي . كان القصر يشهق بأكثر من خمسة طوابق، تعلوه الأقواس من فوقها الأقواس، ويقوم على أعمدة تصطفّ بعضُها خلف بعض حتّى ليُخيّل إليك إذا نظرت إليها من زاوية ما أنّ بعض ها يتّصل ببعض لكثرتها ّة ودِق هندستها، ّما كأن هي جِدار ممتدّ من أسطوانات تنفلتُ من دّ الع . وكانت أبهاؤه كثيرة، وعالية، كلّ هو ب يُفضِي إلى بهو ، وكلّ بهو تدخل إليه، أجمل من ّذي ال تتركه خلف ك! وجلس نا في حديقة ّة، مُخضل ّدى بالن ّة، مُبتل في روضة من ّة، ُل ف يجري وسطها ن هر لا هو ّيل الن ولا هو ُرات، الف ولا أدري كيف أحدث ه القاضي في مُنشأته، وكان يقسم الحديقة الكبيرة نِصف ين، وبين كلّ مئة ذراع وأخرى قنطرة تمرّ ه، فوق يتّخذها العابرون في ّل التّنق بين ّت ين، الضّف وجلسنا نحن إلى ّصف الن ّذي ال يلي القصر، ّا ُن وك أكثر من ألفِ مدعوّ، لا يكاد بعضُنا يعرفُ ّذي ال بجانبه، وكان صوتُ أحاديثنا غ طنا ول يعلو على خرير ّهر الن ّذي ال يجري من تحتنا، وكانت الحديقة ملى بأشجار ّخيل، الن وأصناف من الورد وأزهاره لو طاف بها الرّائي دون أن يقف عند أيّ نوع منها لقض ى ّهار الن بأكمله دون أن ينتهي منها!! مّا ول حان وقتُ ّعام، الط وقف القاضي الفاضل أمامنا، وخطب فينا ً خُطبة قصيرة، ورحّب بنا، وقال« :إنّ الله يُحبّ أن يرى أثر نِعمته على عبدِه، ّني وإن لا أقول كما قال قارون: ّما إن أوتيه على عِلم عندي، بل أقول إنّ كلّ هذا لل في يدي، ولا تدوم م ّع النِ ّ إلا كر، بالش وربّ العِزّة يقول« :لئِن شكرتُم ّكم لأزيد ن. وراح يدعو عبيده إلى الإسراع في إكرام الضّيوف . وم دَّ ُ حاشية القاضي الفاضل المائدة. فلم أر حفاوةً مثل هذه الحفاوة، ولم أر طعامًا مثل هذا ّعام، الط ولم أر ًا ترف مثل هذا التّرف؛ لقد ذبح القاضي الفاضل ً عجولا وأبقارًا ًا وخِراف ًّا وبط وإوزًّا تكفي لأن تُطعم مصر ّها، كل بل تكفي لأهل الإقليم بأجمعه، ولقد وجدتُ في نفسي من ذلك، ّني ولكن لم ّم أتكل مخافة أن أكون شؤومًا في مجلسِ ك ر م . ثُمّ رُفِع ّعام، الط فاحتاجوا ما بين أذان ي المغرب إلى العِشاء الأخيرة حتّى يُتِمّوا عه، ر ف و(شريف) قائم على أمر العبيد، يوزّع بينهم الأدوار، ويصيح بكلّ مُتلكِّئ، وينهر كلّ مُتقاعِس . وجاء ني غير مرّة يسألني إذا كنتُ محتاجًا لشيء. كان (شريف) هذا غلامًا أسود، مسبوك ض لات، الع شفتاه غليظتان، والسّفلى تتهدّل ً قليلا حتّى ترى باطنها ذا ّون الل الأحمر. وكانت عيناه زرقاو ين، في بشرة سوداء صافية، ّه كأن ديك الجنّ، لكنّ روحه لطيفة، دائم البسمة، وشديد الحيويّة والحركة. ثُمّ ّني إن أخذتُ (شريف) من طرفِ كمّه، فنظر إليّ بعين يه مُستفهِمًا، ومال برأسِه نحوي، وهمس« :أنا في خدمةِ

عدد الصفحات ٦٦

❞ مولاي»!فقلتُ« :أريدُ أن أرى المكتبة ّتي ال في القصر. فابتسم، وأشار بيدِه إلى أحدِ العبيد، فجاء سعيًا، فأمره أن أن يصطحبني إلى قاعة خِزانة الكتب، فتبعتُه، نجتاز ًا غرف من خلفِها غرف مبنيّة، حتى نا وصل إلى المكتبة، فلمّا دخلتُها، شهقتُ حتّى حسبتُ أنّ ّفس الن انقطع من صدري لِه ول ما رأيتُ، فسألتُ العبد بعدما ذهب ّي عن الرّوع « :كم كتابًا هنا؟. فردّ « :مئة ألفِ كتاب أو يزيد. فشهقتُ ً شهقة أخرى، وقلتُ له« :د ع ني بعض الوقتِ هنا أختلي وحدي بها، ثُمّ عُد إليّ لترشدني إلى طريق الخروج من هذه المتاهة. فانصرف. فطفتُ وأنا في غاية ّهول الذ مِمّا أرى، كانت أعظم مكتبة أراها في حياتي، ليس مثلها مكتبة بغداد، ولا مكتبة البيمارستان على فضلها هناك، ولا مكتبة البيمارستان هنا، ني وأخذت الرعدة وأنا أرى فيها كتب ابن قتيبة ّ بخط يده، ومختارات المُفضّل الضّبّي ّ بخط يده، وخِفتُ أن يكون القاضي الفاضل أخفى ّا عن رؤية المكتبة ّه لأن لا يُريدُنا أن نراها، فاستعجلتُ ّواف بالط بين رفوفها ّتي ال كانت تمتدّ في غرف متلاصقة يُفضي كلّ باب إلى آخر بقوس كبيرة في أعلاها، كلّ غرفة تطول أكثر من مئة ذراع، وكان هناك أكثر من مئة غرفة ّها كل مليئة بالكتب عن بكرةِ أبيها. وعرفتُ من خلال ت طوافي السّريع أنّ القاضي الفاضل قد ّفها صن على أبوابها، فرأيتُ فيها كتب ّحو الن ّغة والل والحديث والتواريخ ر وسِي الملوك والتّنجيم والرّوحانيّات والكيمياء، وغيرها… ولقد رأيتُ فيها تاريخ ابن الأثير المُسمّى الكامل في التّاريخ، وهو مُعاصِر لنا، ولا بُدّ ّه أن ه كتب هو أو أحدُ نُسّاخه وجيء به إلى هنا من ف وره، ولا أدري إن كان تامًّا على هذه الهيئة، فقد رأيتُ منه ثمانية ّدات مجل ! ورحتُ أتجوّل في أبهاء المكتبة، تستوقفني كلّ غرفة بما فيها، ثُمّ يهمزني الوقتُ أن أتركها لأرى ما في غيرها، حتّى برز لي العبدُ ّذي ال ساقني إلى هنا وأنا في غمرة انشِداهي، وقال لي« :ّهم إن يدعونك ّراب للش. فتركتُ ما في يدي، وتبعتُه وأنا أجاذب ّظر الن غير مُصدّق إلى هذه ّوف الرف ّويلة الط ّتي ال تغصّ بها الغرف في كلّ شبر منها. ثُمّ دار دان الوِل بأكواب من فضّة، وكؤوس من قوارير ّراب، بالش ُر جات وسُك من ذهب ، فكان ّراب الش من كلّ لون ، وطعم ، فما ترك في دِنا مِع فراغًا ليهبط فيها، ثُمّ ّت صُف أنواع الحلوى، فمنها ما عرفتُ، ومنها ما أنكرت، وظللنا حتّى اقترب أذان الفجر في ضِيافته، نسمع أفانين من الأقوال العِذاب، ّها كأن ّهدُ الش المُذاب، من كلّ عالِم أو قاض أو أديب يغرفُ لنا من الأدب باب الل . وخشيتُ أن تفوتني صلاةُ الفجر في المسجد الصّالحي، فاستأذنتُ الوزير، وركبتُ الأبلق، ّذي ال سمعتُ في صهيله عِتابًا ًا عميق بتأخّري عليه، همزتُه همزةً واحدةً برجلي، فطار، ولم تستقرّ له قائمة ّ إلا على باب البيت! ❝ ❞ (٣) أ ب عِدوا هذا القِرد ! هل تستطيع الغِناء؟ لو كانت ّي تغن لكانت ساحرةً حقيقيّة، ّها لكن تبدو ً ناعمة كأنعم ما تكون الأنثى أحيانًا، ً وغليظة كأغلظ ما يكون الرّجال في أحيان أخرى. عيناها ُوان تصف كنهر من عسل في ّمس، الش وكنهر من لبن في ّلّ، الظ ّها لكن إذا غضبت اتّقدتا شررًا، أيّ أنثى يُمكن أن تكون؟ ثلاثة وثلاثون يومًا ولم تظهر درّية، أين تختفي هذه المرأة؟! فلتختفِ، لِت مُت ، ُب لِت ذ في الرّمال، لت سِح في ِخات، السَّب لتندفن في المقابر، ما لي وما لها؟ ما شأني أنا بها؟ لماذا على عقلي هذا ّذي ال ملتُه بكلّ هذه العلوم ُ منذ طفولتي ّ ألا ّف يتوق عن التّفكير بها؟

عدد الصفحات ٦٧

ابتدأ الموكبُ مسيرته من القصر، ّه إن يوم الأحد، وينتظر الفقراء في كلّ مصر الإعلان عن مثلِ هذا الموكب مثلما ينتظرون الإعلان عن العيد وزِيادة . سار خارجًا في زينته، يتقدّمه الأمير وقد لبس البردة المنقوشة في دار الطراز بالإسكندريّة، وعليها اسم الم لِك، حمراء من الدّيباج، وكان نقش الاسمِ مُذهّبًا، موضوعًا بشكل طوليّ على الجزء الأيمن منها، وكان صاحب الرّكاب يسير في المقدّمة عن يمين الأمير ً قليلا يحمل (الغاشية)، وهي ُ غاشية سُرُج من أديم مخروزةً ّهب، بالذ تلمع تحت ّمس الش ّها كأن ّها كل من ّهب، الذ وكان صاحب الرّكاب يعرضها ًا رافِع يد يه بها ذات اليمين وذات ِّمال، الش وكان الأمير يركبُ في مقدّمة الموكب ّذي ال يتكوّن من أكثر من مئةِ خيل يركبها الحرس ُرسان والف الأشدّاء . وكان خلف الأمير فارس قد ّع تقن فلم تبدُ ّ إلا عيناه، وكان يحمل ّة مِظل فوق رأسِ الأمير، وهي ُبّة ق من حرير أصفر مُزركش ّهب، بالذ على أعلاها طائر من الفضّة الخالصة. أمّا الخيول ّتي ال خلف حِصان الأمير، فكانت ً غاية في الجمال والرّوعة والمهابة، فقد وضعوا على عنقِ كلّ فرس منها ً رقبة من أطلس أصفر، مُزرك ش ة بالذهّب، فلا تكاد ترى على أعناق الخيل ّ إلا ّهب، الذ وكانت هذه الرّقبة ّهبيّة الذ تُوض ع على رقبة الف ر س من تحتِ أُذن يها إلى نهايةِ عُرفِها. وكانت تسير خلف الأمير عن يمينه وشماله مُباشرةً (الجفتة)، وهما فارِسان يركبان فرس ين بالرّقبة المُذهّبة إيّاها، عليهما ثوبان أصفران من حرير بطراز أحمر، وعل رأسيهما ُبّعتان ق من زركش، وفرساهما أشه بان، يختلفان في ّون الل عن باقي الخيول ّتي ال تكون في الأغلب سوداء، وكان هناك انتِظام في ّون، الل فلم يكن لون من ألوان الخيل ليختلط بالأخرى. وكان هذان الفارِسان هما ّذان الل ّيان يتول توزيع صدقات الأمير حين يحينُ وقتُ ذلك. وفوق كلّ فرس كانتِ الأعلام ترتفع، ولم تكن الرّايات واحدة، فلكلّ مقام راية، فأمّا ّتي ال فوق حِصان الأمير فكانت ً راية ً عظيمة من حرير أصفر مُطرّزة ّهب، بالذ منقوشًا عليها اسم الم لِك . وكانت هناك رايات أخرى في الصّفوف المتوسّطة، سوداء وعلى ساريتها خُصلة من ر، ش ع وكانت هناك رايات للصّفوف الخلفيّة خضراء ً مُهدّبة بحرير أصفر. وإلى الخ يّالة ّذين ال في الموكب، وأكثرهم ح ر سُ الأمير، كان هناك بعضُ الرّاجِلين، فقد كان يمشي عن يمين حارس الملك المُلثّم وعن شماله، وداخل (الجفتة) ُ أربعة عازِفين، اثنان في كلّ جهة، وخلف كلّ جهة ّان صف مثلهما، وكان الرّاجِلون يحملون ّبول الط والأبواق والمزامير، وهم يأتمرون في الإيقاع بإشارة من يد ي ّبّال الط الأوّل عن يمين الموكب. ويمشون على إيقاعات مدروسة. وكان الأمير ّذي ال في المُقدّمة، يلبسُ تاجًا من ّهب الذ الخالص، التّاج ّريف، الش وفي مقدّمة التّاج فوق جبهة الأمير كانت هناك جوهرة لازورديّة ّون الل عظيمة، يخطف ُها بريق الأبصار، وكانت في يد الأمير عصًا من ذهب طولها يقترب من ذراع مرصّعة بالدّر والجوهر، وكان يرفعها في وجوه ُقراء الف المُحتشدين لرؤية الموكب وهو يبتسم!

عدد الصفحات ٦٨