إذا ُه وكيل هو (ابنُ سناء المُلك ) وهو شاعر مُفلق، وشيخ جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني دارًا مُريحة، وجاءني بمال وطعام، ثُمّ مضى إلى أرباب الدّولة، فقال لهم« :إنّ عبد ّطيف الل هذا ضيفُ القاضي الفاضل. فاجتمعت إليّ الصِّلات، ودارت عليّ الهدايا من كلّ جانب ، فارتحتُ إلى ذلك، وكان القاضي الفاضل يبعثُ إلى ديوان مصر كلّ عشرةِ أيّام تذكرةً فيها مهمّات الدّولة، وفيها فصل ّد يؤك الوصيّة في ّي، حق وكان هذا كرمًا بالِغًا منه، ثُمّ عُهِد إليّ التّدريس في مسجد الحاجب، فأقمتُ فيه على ذلك مُدّة يسيرة.
عدد الصفحات ٣٥ثُمّ عرفتُ أنّ ّبيب الط (موسى بن ميمون) في القاهرة، وهو يهوديّ، كان طبيبًا لصلاح الدّين، وقد قرأتُ بعض كراريسه، وكانوا يُسمّونه الرّئيس موسى، على غِرار الرّئيس ابن سينا، وقد تُقتُ إلى لِقائه وحِواره والأخذ عنه، وقد عرفتُ ّه أن كان يسكنُ في ُسطاط، الف ّه وأن كان يُقابل السّلطان صبيحة كلّ يوم في القاهرة، ويعودُ إلى بيته في ّصف الن الثّاني من ّهار الن فيجد أروقة البيت ً مُمتلئة ّاس بالن مِن اليهود، ومِن المصريّين، وفيهم ذوو ّأن الش والبُسطاء، والُضاة ق ورِجال ّرطة، الش والأحبّة والكارهون، وخليط عجيب ، فإذا ترجّل عن دابّته، غسل يد يه، وخرج إليهم يستأذنهم بعض الوقت ليأكل فهو جائع، ثُمّ يعودُ إليهم، ويُعالِجهم واحِدًا واحِدًا، ويكتبُ لهم ما يحتاجونه من وصفات دوائيّة. أمّا في (البيمارستان) فكان يقضي معظم ّهار الن يطوفُ حول الأسرّة والمرضى دون أن يرتاح ً ساعة واحدة… إنّ ً رجلا كرّس نفس ه طبيبًا لخدمة ّاس الن بهذه الصّورة ليستحقّ أن ى يُسع إليه. فلمّا التقيتُه وجدتُه ً، فاضِلا ّه لكن غلب عليه حبّ الرّياسة وخدمة أرباب الد نيا، وما شأني بهذا، ّما إن أريدُ ه، ُتُب ك ولقد فعل، فأخذتُ عنه كِتابًا في ّب الط ج م عه من ستّة عشر كتابًا لجالينوس. وبهذا تمّ لي ما أردت! ❝ ❞ (٢) كيف تعرفُ ّاس؟ الن! ومصر ّتي ال ّمك تُعل ما يمل العقل، هي ذاتُها ّتي ال ّمك تُعل ما يمل البطن. وكان هذا؛ امرأة من أحياء ُسطاط الف كانت تأتيني لِقاء أكرة ّعام بالط في كلّ مساء، فسألتُها« :وهل ّمينني تُعل ّبخ، الط فأطبخ أنا. فازورّت ، ولم ترض ذلك، وسألت « :ولِم تريدُ ّم تعل ّبخ؟ الط . أجبتُها مُستغرِبًا « :وهل ّم تعل ّبخ الط حرام؟ أم ّه أن مقصور على ّساء الن دون الرّجال؟ . فزمَّت شفت يها غير مستظرفة دُعابتي، وقالت« :لا، ليس حرامًا، ّه ولكن طع ق لرزقي، فهل يُرضيك هذا؟ قطع الأرزاق ولا قطع الأعناق»!شهقتُ« :وكيف فيه قطع لرزقك؟. « أعود أطبخ لك، فما كان يسوقه الله من رزق من خلالك ينقطع. ضحكتُ، وقلت« :ّني ولكن قد أجوع في غير الوقت ّذي ال تأتين فيه ّعام، بالط ثُمّ ّك إن تطبخين لي ولِسواي، ولن أكون أنا وحدي ّذي ال أُجري عليك جرايت كِ وعيالكِ ّها، كل ّما إن أنا واحد. فأمّنت « :صحيح، ولكنّ يدك مبسوطة. فطربتُ « :هل هذا مديح؟« .المديح له ثمن يا سيّدي. ضحكتُ هذه المرّة من قلبي« :اسمعي يا دُرّيّة… أليس هذا اسم كِ؟ « .بلى، يا سيّدي ّيخ، الش دُرّيّة « .اسمعي يا دُرّيّة، أنا سأُعطيك على كلّ طبخة ّمها أتعل منك عشرة أضعاف ثمنها؛ هل هذا جيّد؟. رقص قلبُها من الفرح، كادت تُزغرد، أو فعلت ، صوت ما يُشبه الزّغرودة ه أطلقت من ف مِها قبل أن تبترها في آخرها، لتقول« :فإذا ّم ت تعل ّبخ الط ّي، من هل ستجدُ لي ً خدمة أقدّمها لك مقابل بعض الدّراهم؟ . سألتها« :أين تُقيمين يا دُرّيّة؟ « .في الج بّانة في…»حوقلتُ قبل أن تُتِمّ، وقاطعتُها « :هل تُقيمين في المقبرة؟« .نحن لسنا مثلك يا سيّدي، أنا وأبواي وأجدادي ّهم كل أقاموا في هذه التّربة، ثُمّ ّه إن ليس مكانًا سيّئًا، يقولون ّها إن التّربة ّتي ال دُفِن فيها ّافعيّ، الش فنحن نعيشُ في ر كته ب. سألتُها« :وكيف تأتين من هناك إلى هنا؟« .أمشي على يّ، رِجل كيف سآتي؟ هل تظنّ ّني أن أملك ً عربة أو حتّى حِمارًا لأطوف ّعام بالط ّذي ال أطبخه لبعضِ ّيوخ الش لِقاء بعضِ الدّراهم « . لا بأس، أعني ّكِ أن تمرّين بكلّ هذه الأسواق والمساجد والتّكايا ّوارع والش ّة والأزق وأنتِ تطوفين؟. « يا سيدي، أنا أطوف القاهرة والفسطاط على يّ رِجل شبرًا شبرًا كلّ يوم« .ًا إذ عظيم« .ما هو العظيم يا سيّدي؟« .ستكونين دليلتي لبعض الأماكن يا دُرّيّة، وربّما أطلب
عدد الصفحات ٣٦نتِ تطوفين؟. « يا سيدي، أنا أطوف القاهرة والفسطاط على يّ رِجل شبرًا شبرًا كلّ يوم« .ًا إذ عظيم« .ما هو العظيم يا سيّدي؟« .ستكونين دليلتي لبعض الأماكن يا دُرّيّة، وربّما أطلب منكِ أن تأتيني ببعض الأخبار أيضًا . سألت ّكُ بتشك « :وتُعطيني مقابل ذلك بعض الدّراهم؟ « .ّبع بالط يا دُرّيّة، ّبع بالط . هذه المرّة زغردت على الحقيقة، وصاحت « :ّمك سأُعل ًا إذ كلّ ّبخات الط المصريّة يا سي ّفت توق قبل أن تحكّ ذقنها، وتقول« :هو اسمك إيه يا سيدي؟« .أنا عبد ّطيف الل يا دُرّيّة، أنا عبد ّطيف الل .
عدد الصفحات ٣٦كان البيت ّذي ال أجراه عليّ ابنُ سناء المُلك بيتًا ًا، واسِع ومُجهّزًا بكلّ أدوات الرّاحة، ومع ّه أن لم يكن يلزمني غير غرفة ّوم، للن وغرفة أخرى فسيحة تكون للقراءة والكتابة، فإنّ البيت ّذي ال أسكنه يحمل كثيرًا من التّفاصيل الأخرى غير ّعة؛ المُتوق يُمكنك أن ترى قوس المدخل الحجريّ الأصفر من هنا، من الخارج عالِيًا ًا مُزخر ف بنقوش عربيّة من آيات قرآنيّة، فإذا ولجت البوّابة الخشبيّة الحمراء الضّخمة، والتي تُدف ع بمقبض نُحاسيّ أصفر، ق وتُغل بمزلاج حديديّ من الدّاخل بشكل أفقيّ، راع ك هو، الب السّاحة الواسعة ّتي ال أمام البيت، ساحة تمتدّ بطول خمسة وعشرين ذراعًا، وبالعرضِ ذاته، مُشجّرة، بحوالي عشرةِ أصناف من ّجر الش الفوّاح، ّذي ال ُ تنشط رائحته في ّيل الل أكثر منها في ّهار، الن فتبعثُ أشذاؤه الهناءة ّائم للن في الغُر ف . على حروف الأطراف الأربعة يقفُ شامِخًا اثنا عشر عمودًا أسطوانيًّا، ثلاثة أعمدة في كل ضلع، تفصل بين كلّ عمود وآخر خمسة أذرع تقريبًا، ويقفُ فوق هذه الأعمدة بناء آخ ر، مكوّن من غرف ّابق الط الثّاني، من الأعمدة إلى الجدار هناك ستّة أذرع هي سقوف للذي ينظر من هنا؛ من هذا ّابق الط السّفليّ، وهي أرضيّة ّابق الط العلويّ والممرّات ّتي ال أمامه، فإذا نظرت إلى الزّاوية البعيدة عن يسار البّوابّة في ّابق الط الأرضيّ، رأيت ً إسطبلا للخيل ّتي ال أُه دِيتُها مع البيت، كانت ً خيلا بلقاء، مُحجّلة، يعلو وجهها نمش أسود، وأهدابُها طويلة تُزيّن عيونًا سوداء واسعة شديدة الج مال، ولقد ني ألفت الخيلُ من أوّل مجيئي إلى هنا. فإذا تجاوز ت الإسطبل بغرفة للعلف المُخزّن أو اثنتين جِهة القبلة، وجدت غرفة المطبخ، حيثُ كانت تُعدّ هنا أصناف الأطعمة المتنوّعة . كان الممرّ ّذي ال هو بعرضِ ذراع ين أو أقلّ ً قليلا في ّابق الط الثّاني ّذي وال يكون أمام الغُرف، في الجهات الأربع ًا مُحاط بطفّ عن يساره، مثل درابزين ، وكانت فيه نُقوش ُوىً وك يُمكن ّاظر للن إليها من ساحة ّابق الط الأوّل أن يُعاين ها، ج مال وتنسيقها. في ّابق الط الأرضي، خصّصتُ الغرفة ّتي ال عن يميني للمكتبة، وقد أمر لي القاضي الفاضل بعدد وافر من ُتُب الك حتّى ّها إن ضاقت بالرّقوق بعد أربعة أشهر فحسب، وكنتُ أجلسُ في الغرفة الثّانية للقراءة والكتابة، وصارت الكتب ّتي ال تفيض عن سعة الغرفة الأولى، توزّع على بقيّة الغرف في هذا ّابق، الط فإنِ امتلت فإنّ هناك ًا غرف في ّابق الط الثّاني تكفي لذلك. ّابق الط الثّاني كان مُخصّصًا لغرف ّوم، الن تلك الغُر ف الأوسع، ّتي وال في كلّ واحدة منها شُبّاك وسيع يُطلّ جهة ّرق الش على شارع خال من الد ور، بعكس الغُرف ّتي ال كانت جهة الغرب تُطلّ على أحياء سكنيّة تضجّ ّاس، بالن وكانت نوافذ هذه الغُر ف من الخشب المحفور الحافل بالزّخارف، وكانت عليه نُقوش لحيوانات مُزخر فة، محفورة بشكل دقيق ومُتق ن، وكان الخشب ّيًا بُن ًا، لامِع مُعت نًى به، لا تعلو زخارفه ونقوشه ولا ف ت حاته الصّغيرة أيّ ذرّة غُبار. وكانت ّافذة الن مُقسّمة إلى أربعة أو ستّة أقسام، على مرحلتين أو ثلاث، كل مرحلة تعلو ّتي ال تحتها وفي كلّ مرحلة ظرفتان، يُمكنك أن تختار أيّ واحدة لتفت حها حسب رغبتك دون سِواها، إذا كان ذلك من أجل ّمس الش أو ّور، الن ويُمكنك أن تفتحها ّها كل ّن لتُمك ّارع الش الأنيق ّذي ال تحتها من أن يبتلع غرفتك! كان ّارع الش ّذي ال تُطلّ عليه الغرفة ّتي ال أنام فيها هو شارع ر بات، الع أكثرها عربات الأمراء أو الوزراء أو الت جّار أو الأثرياء، أو ُضاة، الق إذا ما أرادوا اختصار المسافة إلى غاياتهم، وإن كان ّ يلذ لكثير منهم أن يستخدم شارع السّوق ليرى
عدد الصفحات ٣٧بات، الع أكثرها عربات الأمراء أو الوزراء أو الت جّار أو الأثرياء، أو ُضاة، الق إذا ما أرادوا اختصار المسافة إلى غاياتهم، وإن كان ّ يلذ لكثير منهم أن يستخدم شارع السّوق ليرى ّاس، الن ولربّما ليستمتع بمنظر البُسطاء أو الفقراء؛ فيمارِسوا شيئًا من الرّفق والك رم ّذي ال يغزو قلوبهم فجأةً، بعد أن يكونوا قد ن سُوا أنّ هناك شعبًا ً كامِلا يرزح تحت الفقر! أمّا في الجهة الأخرى فكان الحيّ ّذي ال يتكوّم فيه ّاس الن في ّارع الش ّذي ال أقيم عليه مسجد (الصّالحيّ ) الكبير، المسجد ّذي ال ع هِد إليّ ديوان مصر بالتّدريس فيه.
عدد الصفحات ٣٧كان المسجد قريبًا من البيت، وكنتُ أذهبُ إليه وأعودُ منه مشيًا، فإذا طلبني ابنُ سناء الملك أو ذهبتُ لغاية في ديوان مصر، اعتلوتُ صهوة حِصاني ّذي ال سمّيتُه (الأبلق)، وخرجتُ من البوّابة، ومضيتُ أطاردُ ه فوق في شوارع القاهرة، إلى أن أصل إلى ما أريد، وكان المسجد لا تُقام به خُطبة الجمعة، وقد بناه من قبلُ الصّالح طلائع بن رُزّيك، ولهذا سُمّي الصّالحي، وكان الصّالح وزير (الفائز ) و(العاضد) من الفاطميّين، وكان ينوي نقل رأس الحُسين بن عليّ من عسقلان إليه ّه لأن خاف من هجوم الصّليبيّين عليه، فلمّا فرغ منه لم ّنه يُمك الخليفة (الفائز ) من ذلك، وبنى له مسجد الحُسين بجوار قصره، ونقل رأس الحُسين إليه في عام ٩٤٥ للهجرة قبل أن أجيء إلى هذا الكون. فلمّا أتيتُ مصر وقد دالت دولتهم، وذهب صلاح الدّين بكلّ آمالهم درّستُ في (الصّالحي ) على أمل أن تعود الخُطبة إليه. كان المسجد بناءً مُتقنًا فخمًا على نمط ما ابتنى الفاطميّون لأنفسهم من ُصور، الق وفيه من الأبّهة ما فيه، وله ساقية تنقل الماء إليه من ّيل الن على القرب من باب ق الخ ل . وقد اعتنى به ديوان مصر، ودرّستُ فيه أوّل ما ابتدأتُ ّغة الل ّحو، والن ثُمّ عكفتُ على تدريس ّبّ الط والحِساب، وكان لدرس ّب الط مجلسان يوم ي الاثنين والخميس بعد صلاة العصر. وقد حضر هذا المجلس م ن كان في طريقه إلى أن يُصبح طبيبًا منفردًا، وبعضُ الأطبّاء من البيمارستان الصّلاحيّ ّذي ال أُقيم على ما ّى تبق من أحد قصور الفاطميّين. ومصر تفيضُ ّاس بالن يومئذ ، ّاس والن فيها أطياب أحباب ، ّون ه ش ي لكلّ حادثة، ّون ش ب وي حتّى في ّوازل، الن ولا تجد منهم جازِعًا واحدًا على كثرةِ فقر فيهم، وكنتُ ّط أخط إلى أن أقتطع جزءًا من وقتي أطوفُ به أسواق مصر، ها وأبواب وحواريها حتّى أرى ّاس، الن ّك فإن إن لم تخالط هم وتبع معهم وتشترِ منهم لن تعرفهم، وأكثر أهل مصر إذا عُرِفوا أُحِبّوا؛ ّهم لأن يجدون في كلّ شيء ً ُسحة ف للبهجة ّسيان، والن وهم كما قال ّاعر الش: إذا جاء باغي الخيرِ ن ُل ق ً شاش ة ب هُ ل بوجوه كالدّنانيرِ : ا م ر ح ب ً، وأهلا ولا ممنوع خ ي ر ُ تُريدُه ولا أنت ت خش ى عِند نا أن َّبا تُؤ ن كان المطبخ في بيتي مُجهّزًا بموقد كبير يحتلّ وسط الواجهة ّتي ال عن يسار الدّاخل، وكان الموقد مبنيّا من ّين، الط وفوقه بسطة من الحجر، ويرتفع من الموقد إلى الأسطح منفذ يُصرّف الد خان إذا ما أوقدت فيه ّار الن من أجل إنضاج ّعام، الط وحتّى لا تمل البيت روائحُ ّبخ، الط وكان الدّاخون هذا يصرف الرّائحة في ّارع الش ّ المُكتظ ّاس، بالن وكان الحطب وفيرًا في
عدد الصفحات ٣٨غُرف المؤن والغِلال ّتي ال تجاور الإسطبل، وفي الجهة ّتي ال تقع بجانب الموقد في المطبخ هناك أرفف خشبيّة تستقرّ ها فوق أواني ّبخ الط من الصّحون والملاعق والآنية الف خّارية، وبعضُ الدّوارق الزّجاجيّة ّتي ال كان يُنق ع فيها ّراب، الش كما أنّ أدوات الموقد كانت ّى تتدل بدلال على الحائط بجانبه، فكان هناك ك المشب ّذي ال يُشو ى ه فوق ّحم، الل وكان هناك المنفاخ ّذي ال يُنف خ فيه على ّحم الل حتّى ينضج بشكل أسرع، وكان هناك ّراع الذ المعدنيّة ّتي ال ّب تقل ّحوم، الل ناهيك بعدد آخ ر من السّكاكين والصّحفات . وفي وسط غرفة المطبخ تستقرّ ّاولة الط الخشبيّة الثّقيلة، لم أكن أنا قادرًا بجسدي ّحيل الن والضّئيل على زحزحتها من مكانها، ويُمكن أن يجلس إليها أربعة أشخاص أو ستّة على مِقعد ين خشبيَّين ين، مُستطيل ين مُتقابل تحت سطحها. لا يُوج د عدد من القطط أكثر من تلك ّتي ال في مصر، وكانت تتمسّح بكلّ أحد ، وتهوي إلى كلّ رائحة، وفي بيتي هذا عاشت عشرات القِطط على ما يُلق ى إليها ّما كل أوقدت ّار الن في المطبخ وفاحت الرّائحة ! ❝ ❞ (٣) امرأة مِصريّة «كيف تكون امرأة مصريّة؟« .امرأةً مصريّة؛ ّساء الن ه ن ، يتشاب بعد الثّلاثين يتشابه ن أكثر، نمط لا يُمكن أن تُخطِئه، ما ّذي ال سيميّزها؟! ماذا في ّساء الن غير ّسان الل ّذي ال لا يكفّ عن الدّوران ّه كأن مِغزل؟ ! هذه ّتي ال قلت لي ما اسمُها… درّيّة هه… ما المختلفُ فيها؟« .أشياء كثيرة، لن تراها في حلب، ولا في بغداد، ولا في القدس، ولا في أيّ مكان« .مثل ماذا؟ هل أنت متزوّج؟ « .ستعرف من خلال قصّتي مع دُرّيّة . ّقّ والش الثّاني من السّؤال؟ « .د ع ك منه؛ فالإجابة عنه لن تقدّم ولن تؤخّر شيئًا. (البامية)؛ تعرفها؟ هي بقدر إبهام اليد، شديدة الخُضرة، عليها ر و ب يمكن الإحساس به إذا مررت بإصبعك ه فوق هكذا، عليك أن تكون ًا؛ رقيق هكذا يا سيّدي، المرور الرّقيق يُشعرك بوجود هذا ر الو ب ّاعم، الن لو د ع ك ت ه بقوّة أو بسرعة ّما فكأن مررت على بُستان جميل وأنت أعمى، هل تفهمني يا سيّدي؟ أعرف ّني أن كثيرةُ الكلام، وأنا أمام شيخ مُعمَّم، يفقه في ّب الط كما يفقه في ّغة، الل ولكن ماذا في ّيوخ الش المُعمَّمين؟ يكفي أنّ هم قلوب تظلّ خضراء مهما كبروا في السّنّ… هل تعشقون مُتأخّرين أيّها ّيوخ؟ الش ! مهما يكن ، أعرفُ ّتِ ز لا لِساني، سأحاول أن أكبح جِماحه، فقط أردتُ أن ك، أجارِي وهذا كلّ ما في الأمر. لنعد إلى طبختنا؛ إذا شققت البامية، وجدت فيها ًّا ص ف من الحبوب المُستديرة بيضاء ّها كأن لوبياء ّة، ه ش وتضرب إلى الحلاوة.. ّ هلا تذوّقت يا سيّدي بنفسك حتّى ّد تتأك من صِحّة كلاميّ… نعم، ستجدُ كلامي صحيحًا؛ فأنا لا أكذب. حين خ تُطب البامية مع ّحم الل تُصبح أشهى، نحن في التّربة لا نأكل ّحم الل كثيرًا… هل تشتري اللحم كثيرًا يا سيّدي؟ لو كان لك أن تشتريه غدًا ً، مثلا سآتي وأطبخها ّحم بالل أمامك، ّها لكن خ تُطب كذلك مع الم ر ق، والم ر ق كثير، يُمكن أن يكون لكلّ نبات م ر ق، البامية لا تتأثّر بالمرق كثيرًا من ناحية ّعابيّة، الل ستجدها ّ تمط في فمك، وهذا سِرّ شهيّتها، لو لم ّ، تمط وتكون زِجة، ل تنزلق في الفم بسهولة، ّها فإن لن تكون بامية جيّدة. هل هذا يكفي لهذا اليوم يا سيّدي… تريدُ أن نجرّب من دون حم، ل أو يُمكنك أن تخرج إلى السّوق وتأتي ّحم، بالل اللحم رخيص في السّوق الدّاخل من باب زويلة، وهو ليس بعيدًا عن هنا، هل أذهبُ لآتيك برطل منه، هل لديك المال؟ تذهبُ أنت أم أذهبُ أنا؟ الوقتُ يمرّ يا سيّدي، وعليك أن تقرّر، وأنا
عدد الصفحات ٣٩عليّ أن أعود إلى أولادي في التّربة قبل أن تهبط ّمس، الش واليوم ّني لأن أريدُ تعليمك لم ُف أ ط إلا على ثلاث دور كنتُ قد طبختُ لهم، هل تفعل؟! ركبتُ الحِصان، وخرجتُ من البوّابة مثل الرّيح، سوق ّحم الل قريب كما قالت ، ّها إن فرصة لأعرف القاهرة، منذ مجيئي إلى هنا لم أعرف أكثر من ّارع الش ّذي ال يصل بين البيت والمسجد، هذا ّارع الش لا يُعرّفك شيئًا، ولا وجهًا واحِدًا من وجوه القاهرة الألف، ولا لونًا واحدًا من ألوان حياتها الألف كذلك، خرجتُ، ص ه ل حصاني وأنا أمدّ جسدي الخفيف فوق عُنُقِه ونحن نعبر البوّابة ّتي ال ها فتحت درّيّة، قالت وأنا أُعطيها ظهري على الحِصان الجامح « :و تنس البصل والث وم والعدس والقِثّاء… أمّا الماء، فهذه ِئر الب ّتي ال في ساحة بيتك تكفي لأن نطبخ لمصر ّها كل . وضحكت وهي ترمي جملتها الأخيرة. كانت السّوق تفيضُ ّاس بالن فيضًا، ّه إن العصر أو قريبًا منه، ومع أنّ الحرّ شديد، ّ إلا أنّ ّاس الن كانت تمل ّارع الش الممتدّ من أمام باب زويلة إلى آخره، عبرتُ بحصاني القوس العالي ّذي ال يصل بين البُرج ين ين، الم هول بعدِ مسافة قليلة ترجّلتُ عن الحِصان، ُدتُه وق ِلِجامه ب خلفِي في السّوق، لم يكن ّارع الش يتّسع للخيول ّناس ولل ًا مع لكثرة الزّحام، مررتُ على ّال، ق الب كان يفردُ في صناديق مائلة أمام ّانه دُك أنواعًا مُلوّنة من البقول، رأيتُ البُرّ، ّعير، والش ّرة، والذ والأرزّ، والحِمّص، والعدس، والباقِلاّء، ّ، ِسِلا والب والجُلبان، ّوبيا، والل والسّمسم، والقرطم، والخِشخاش، والخِروع، والسًّلجم، وبزر الكتّان، وأنواعًا لا حصر ها، ل كان كلّ نوع مع لونه ّل يُشك لوحة مائلة كبيرةً ً بديعة أمّام ّان، الد ك وضعتُ يدي في العدس، أخذتُ قبضة اليد منه، فركتُه، ّه إن ناشف وجيّد، وغير مبلول، ّقتُ عل لِجام الأبلق حول خصري، ورحتُ بإبهام يدي اليُمنى أبحثُ في حبّات العدس المفرودة فوق ّي كف اليُسرى، كان العدسُ ًا، نظيف سألتُه بكم الرّطل من العدس، تفرّس ّال ق الب فِيّ قبل أن يُجيب، كان ذا أنف حمراء كبيرة، ويعتمر عِمامة بيضاء ملفوفة بكسل فوق رأسِه، وصدّاريّته المفتوحة من أعلاها تكشف عن صدر شديد الأسر، هتف« :أنت جديد على السّوق؟ « .نعم. بكم الرّطل من هذا العدس؟« .ضيف؟« .…لا أعني كنتُ ًا ضيف . بكم الرّطل؟ « .مِن أين أنت قادم ًا؟ إذ « .هل تريدُ أن تعرف أصلي وفصلي أم تريدُ أن تبيعني؟. ّبع « أريدُ أن ك، أبيع ُك وأصل ُك وفصل على الله، ّني ولكن أريدُ أن أعرف زبائني أيضًا . أجبتُه ًا ّف مُتأف « :أنا عبد ّطيف… الل قدمتُ من بغداد، أعني أنا بغداديّ، وأدرّس الآن في مسجد الصّالحيّ . ه شّ وجهه، وازداد ُه أنف احمِراراً، ودار من خلفِ صناديقه وفتح ذراع يه، وهتف« :أه ً لا بمولانا. ابني يدرسُ في حلقتِك. زممتُ شفت يّ، لم يكن لديّ وقت كاف لكي أقضيه في الحِوار معه، ودرّيّة تنتظرني، ّه لكن كان قد اعتن ق ني، وأخذني بالأحضان، وهتف« :ابني سعد يدرسُ في حلقتك. هززتُ رأسي« :بكم الرّطل؟ . تجاهل سؤالي، قبل أن يُتمّ « :هو ووضع إصبعه البيضاء على طرف أنفه الحمراء، ّها وح ك ً، قليلا قبل أن يقول« :هو في حلقة ّحو الن على ما أعتقد… بالمناسبة، ابني هذا مجتهد جِدّا، وهو ذو قلب رقيق، وأريدُك أن تحنو عليه، وتعدّه ابن ك. ّتّ تلف حولي « :ابني؟ أنا يا… «ساعد ني هو« :محسوبك إسماعيل ّال ق الب« .أنا يا إسماعيل ّال ِق الب أهتمّ بكلّ طلبتي، لا تقلق… والآن كم ثمن الرّطل من العدس، أنا في عجلة من أمري. ردّ وهو يحرّك يد يه في الهواء« :عيب يا مولانا، نحن لا نأخذ من ّمينا مُعل . كان صبري قد نفد، أعدتُ العدس إلى الصّندوق، وجذبتُ لِجام الأبلق، وتركتُه ومضيت، لحق بي« :لا تزعل يا مولانا… أنا فقط أردتُ أن أكرمك« .
عدد الصفحات ٤٠« :عيب يا مولانا، نحن لا نأخذ من ّمينا مُعل . كان صبري قد نفد، أعدتُ العدس إلى الصّندوق، وجذبتُ لِجام الأبلق، وتركتُه ومضيت، لحق بي« :لا تزعل يا مولانا… أنا فقط أردتُ أن أكرمك« .أكرم ني بوزن رطل منه، ودعني أدفع الثّمن وأمضي. هزّ رأسه، وانحنى وهتف« :حاضر يا مولانا. سأبيعك الرّطل بدينار، وهو في السّوق بدينار ين أو ثلاثة. أخذتُ الرّطل ووضعته في ر حل الأبلق، ومضيتُ، سمعتُ صوته في ظهري« :لا تنس أن تهتمّ بابني سعد يا مولانا. نفضتُ ّجام الل ًا رافِع يدي خلف رأسي، وأنا أهمس« : نا أعتِق يا رجل. مضيتُ في ّريق الط أبحثُ عن ّان دُك ّحم، لل كان التّزاحم قد زاد من الحرارة، وكان ِرون العاب يلبسون ثِيابًا خفيفة، ّاس والن يبدو عليها الرّاحة والبهجة، وكان المكان لعلوّ أبنيته، واتّساع المسافة بين دكاكينه يبدو ًا، مُشرِق القاهرة ذهبيّة الق س مات، عاشقة مِغناج، ّاءة غن ّرقات، الط كلّ شيء فيها يتحرّك، كلّ شبر فيها ينبضُ بالحياة والتّاريخ، ّرتُ تذك ما غبر من أمور الفاطميّن، شارع المُعزّ هذا كان أكثر ً بهجة وكان أرحب وأجمل، وهو اليوم مع كلّ ما ه أصاب لا يزال يختزن الج مال في كلّ تفاصيله.
عدد الصفحات ٤٠على طرف من ّان دُك كان هناك شاب يجلسُ على ّة د ك حجريّة تحت ّة مظل يُمسك بآلة نفخ مُوسيقيّة ّي ويُغن ّحًا موش لأهل زماننا: تالل قد س مِعتُ في الأس حارِ ً جارِية تـ دُق بالأوتارِ ّاس والن ّق تتحل حوله، وخاصّة ّساء الن ّابّات الش ن يسمع له، ثُمّ ن يُطلِق بعض صيحات الإعجاب، أو يرمين بعض الدّراهم على سِجّادة وضعها أمامه، ن ل ويتماي على إيقاع صوتِه ّجيّ، الش ولولا أنّ درّية تنتظرني في البيت لوقفتُ معهنّ أستمع إلى هذا الصّوتِ السّاحر، ولكنّ أمرًا إذا مل رأسك كان مهمازًا ش غ لك ّما كل صرفت ه عن ذهنك، ومضيتُ أنظر في الوجوه ّة، الباش والثّياب المُهفه فة، وأردتُ أن أسأل أحد العابرين عن ّان دُك ّحم، الل فخفتُ أن أتحوّل بالسّؤال إلى أضحوكة فعدلتُ عنه إلى البحثِ بنفسي، وقلتُ أستمتع بمنظر ّاس الن والدّكاكين، وأبحثُ بنفسي. ثُمّ رأيتُ ّان دُك الفاك هانيّ، فقلتُ أشتري بعض الفاكهة ُها آكل بعد الغداء، فلا بُدّ أنّ في كلّ هذه ّعم النِ ما يُغري، كان ّان دُك الفاكهة أكبر من ّان دُك البقول، وكانت الفاكهة ّى تتدل من أسقفه، وجوانبه، ومن ّت مِظلا مركوزة أمامه لهذه الغاية، ً فضلا عن الصّناديق ّتي ال تعرضُ أشهاها في المُقدّمة، وتكون في متناول اليد لمن أراد أن ِنها، يُعاي كانت تلك الصّناديق تحوي الر ط ب، والعنب، والتّين، والخوخ، والمِشمش، وما كان موسمه من ّيخ، ِط الب والق راصيا، والبرقوق، ّوز، والل ّبق، والن والإجّاص ّف، المُجف وعددًا لا يُمكن إحصاؤه من الأنواع، وخفتُ أن أسأل الفاكهانيّ عن سِعر الرّطل من التّين، فأعلق معه في دوّامة الأسئلة، فملتُ يد يّ من ح بّاته، وهممتُ بإعطائها له كي يزنها، فإذا هو يخرج من ّانه، دُك ويتفرّس في وجهي، وقبل أن يقول كلمة واحدةً، دفعتُ حبّات التّين في صدره لكي يزنها، تناولها وهو يقول« :أنت غريب؟« .لستُ غريبًا أيّها الفاكهانيّ « .بل أنت غريب، هل أنت ّم معل ّبّ الط في مسجد الصّالحيّ؟ . زفرتُ وأنا أُجيبه بسرعة« :أنا هو يا. فأسعفني مثلما أسعفني الأوّل « :محسوبك حسن الفاكهانيّ، وابني يدرسُ في حلقة ّبّ الط في المسجد يوم ي الاثنين والخميس، واسمه سالم، وهو قاطعتُه « :لا تخف على ابنك سالم يا حسن ّى سأتول أمره حتّى يُصبح في ّبّ الط أحسن من ابنِ سينا… ماذا يكون ابن سينا أمام عقول أهل مصر الأفذاذ…؟»!ومططتُ الكلمة الأخيرة، وأنا أشير بيد يّ من أجل أن يقوم بوزنِ ما أعطيتُه « .بكم الرّطل؟ « .بدينار ونصف الدّينار. وضعتُ التّين في الرّحل، ومضيتُ مُسرِعًا . همستُ « :سوف أتأخّر لو بقيتُ أشتري من كلّ ّان دُك . أمسكتُ بكتفِ أحد العابرين، نظر في وجهي قبل أن تبدو عليه علائم الدّهش ة « :أنت ّبيب الط عبد ّطيف الل . رفعتُ إصبعي أمامه، وأنا أهزّها في وجهه« :لا تقل لي إنّ ابن ك يدرس في إحدى قاتي ح ل . ضحك ً ضحكة مُجلجِلة، قبل أن يقول« :لا يا مولانا، ابني… انظر إليّ أنا في العشرين، ولم أتزوّج بعد، كيف يكون لي ابن يدرسُ في حلقاتك؟»! وضحك من جديد« :هل أبدو كبيرًا إلى هذا الحدّ؟»!أطلقتُ ن ف سًا ً، طويلا وقلت« :كلّ ّذين ال التقيتُهم قالوا لي إنّ ابني يدرس في حلقتك« .هذا طبيعيّ يا مولانا، أنت تمرّ بسوق باب زويلة القريب من المسجد ّذي ال تُدرّس فيه، فمن ّع المتوق أن يكون طلبتُك من ّذين ال يسكنون قريبًا من هنا، وآباؤهم من ّذين ال يبيعون في هذه السّوق… على كل ّ ماذا تريد؟« .أريدُ أن أعرف أين ّان دُك ّحّام الل « .تريدُ أن تشتري لحمًا؟« .لا، سأشتري ًا سيف من عنده… أو أطلب منه أن ّي يُغن لي َّحًا… مُوش يعني ماذا سأشتري؟ ّبع بالط سأشتري لحمًا« .في الحقيقة، أعرفُ ذلك، ّني ولكن أردتُ أن ّك أدل على
عدد الصفحات ٤١ِ بائع لحم جيّد، كلّ باعة ّحم الل هنا لا يُطمأنّ لهم. تساءلتُ بانزِعاج « :لا يُطمأنّ لهم؟ ماذا يبيعون يعني؟ ّهم إن يبيعون ّحم، الل وهذا. قاط عني، وهو يقتربُ ّي، من ويهمس« :يبيعون ّحم الل صحيح، ّك ولكن لا تعرفُ أيّ لحم هذا ّذي ال يبيعونه. شهقتُ « :ماذا تعني؟« .لا أعني شيئًا. اطمئنّ، المعدة تهرسُ كلّ شيء ، ُ باعة اللحم في الثّلث الأخير من هذا ّارع، الش عليك أن تتجاوز باعة الأطعمة، وباعة حاسيّات، الن قبل أن تصل إليهم. شكرتُه ومضيتُ، وقبل أن ّ أغذ الخُطا، سألتُه« :كيف ت ني؟ عرف . أجابني، وهو يضحك« :أنا شريف، خادم القاضي الفاضل، وقد رأيتُك في مُنشأتِه أكثر من مرّة . ❝ ❞ (٤) دُرّيّة ّحم الل ّى يتدل على ّافات خُط كبيرة مركوزةً في سقف ّان، الد ك تُشبه إنسانًا مذبوحًا ومسلوخًا ًا ّق ومُعل من يه، رِجل صدم ني المشهد، تقزّزتُ، وشعرتُ ّني بأن أمام مذبحة لا ملحمة، تردّدتُ في أن أتقدّم من البائع وأسأله عن رِطل ّحم، الل ليس ّه لأن قد يعرفني، بل ّني لأن فقدتُ الرّغبة في أكل ّحم الل بعد هذا المنظر ً فضلا عن شِرائه . رأى ّحّام الل تردّدي، فنظر في وجهي، وعرف أنّ عليه أن يصطادني ًا سريع قبل أن أنفر أو أفرّ من هنا. تقدّم نحوي، ّينه وسِك الكبيرة ّتي ال كان يشحذها للتّوّ تلمع في يده، فزاد ذلك من إجفالي، كان ً رجلا ثاقب ّظرات، الن ً، ُوالا ط يلبسُ سراويل فضفاضًا، وعيناه كبيرت ين، وشارباه ين طويل يتهدّلان فوق شفت يه فيغطيّانهما ولا يبدو منهما شيء ّ إلا إذا ّم، تكل وكان ّم يتكل ً لغة مبعوجة، تُشبه تلك ّة اللغ ّتي ال ّم يتكل بها الحانوتيّ، أو أصحاب المدافن. اقترب أكثر، فشعرتُ بالخوف، مدّ ّين السّك في وجهي، فتراجعتُ إلى الوراء، ابتسم فبانت أسنانه الصّفراء، ازدادت ابتِسامته، كان يريدُ طمأنتي، أمّا السّكين فكانت حركتُها في وجهي ًا انسِياق مع الكلمات ّتي ال ها قال « :عندي أفضل أنواع ّحم الل في مصر ّها… كل أنا في تِجارة ّحم الل ُ منذ كنتُ صبيًّا. اقترب أكثر، بعد أن بقِيتُ صامِتًا، ّق رق عبارت ه هذه المرّة، ها وقال بصوت رخيم« :لا تخف يا مولانا، نحنُ في خِدمتك، وعبد ّطيف الل البغدادي يستحقّ أن يأكل لحمًا ممتازًا . نُطقه باسمي أخافني أكثر، همستُ في داخلي« :كيف عرفني هذا ّاح؟ السّف . ّرتُ تذك ما قاله (شريف ) من أنّ أهل المِهن في هذا ّارع الش لا بُدّ أن يكون أبناؤهم في حلقات الأساتذة ّذين ال يُدرّسون في المساجد القريبة من هنا، حاولتُ أن أضع يدي على قلبي ليسكن ً، قليلا تابع وهو يغمِز بإحدى عين يه السّوداو ين « :ابني مثل بقيّة أبناء أهل هذه السّوق، يذكرك أمامي دائِمًا… أنا أعرفُ لو ّني أن قلتُ لك اسمه فلن ّره، تتذك ّني ولكن ّد متأك ّك أن لن تنساه مع الزّمن، اسمه ّف وتوق ً، قليلا قبل أن يقول الاسم بصوت قويّ وجِدّي م ومُفع بالف خر« :خليل خليل في حلقة ّبّ، الط لن أقول لك ما قاله الآباءُ الآخ رون، ّه ولكن يطمح إلى أن يُصبح ناظر البيمارستان الصّلاحيّ هنا، وقد وجد في حلقتك غايته« .لا تقلق يا أكمل هو« :أنا صِدقي، صِدقي ّحّام، الل لن ّك أغش في ّحم الل كما يفعل ّحّامون الل الآخ رون، ّهم إن ّاشون، غش لا هم تُصدّق ولو ذبحوا ّاة الش أو العِجل أمامك… والآن ماذا تريدُ؟« .أريدُ ً رِطلا من لحم الضّأن « .عندي جدي صغير، لحمُه ّه كأن ُستُق، الف لم يرض ع أكثر من ثلاثة أشهر، سوف أ زِنُه لك ً، كامِلا واعتبر وزنه ً رِطلا مهما كان. رفعتُ يد يّ في وجهه« :…لا لا يا صديقي… أنا لن آكل ج د يًا وحدي، ليس في البيتِ سِواي « .لا غُبار يُمكنك أن تأكل ما تستطيع، وتُقدّد الجزء ّي المتبق « .ليس لديّ وقت لأقدّد ّحم، الل ثُمّ ّني إن لستُ من ّذين ال يشتهون ّحم الل كثيرًا، ولولا
عدد الصفحات ٤٢، ليس في البيتِ سِواي « .لا غُبار يُمكنك أن تأكل ما تستطيع، وتُقدّد الجزء ّي المتبق « .ليس لديّ وقت لأقدّد ّحم، الل ثُمّ ّني إن لستُ من ّذين ال يشتهون ّحم الل كثيرًا، ولولا أنّ درّيّة قالت ّها إن ستطبخ لي البامية ّحم بالل ما اشتريت« .عندك درّيّة وتقول ّك إن وحدك؟ ّذي ال عنده دُرّيّة لا يكونُ وحده. وضحك مع الجُملة الثّانية وغمز بعين يه، كنتُ قد تسرّعتُ بذِكر اسمِها أمامه، خِفتُ أن يكون يعرفها، ويعتبر ذلك ً مثلبة في ُقِ خُل ّذي ال يُدرّس ابنه، وهممتُ أن أوضّح له الأمر، غير ّه أن أحيانًا يكون السّكوت عن أمر ما أسلم من الحديث عنه؛ ّاس فالن لا تفهم ّ إلا ما تريد. ولهذا آثرتُ الصّمت . راحت ّينُه سِك تغوصُ في ّحم الل ّريّ الط بمهارة، ف ص ل الرأس، ونزع ما كان على الأضلاع، وقطع الأطراف، وقسّم ّحم، الل وسال الدّم من بين القِطع ّما كل غاصت السّكين في خُطوط صغيرة ، وكوّم القِط ع بعد انتهاء الأمر، ومدّ الرِّطل إليّ : «جاهز يا مولانا. لن أوصيك أكملتُ عنه« :بخليل سيكون أبقراط، لأنّ ابن سينا حجزتُه لابن الفاكِهانيّ . ضيّق
عدد الصفحات ٤٢عين يه، وفتل يه، شارِب وبدا ّه أن لم يفهم شيئًا. وضعتُ ّحم الل في الرّحل، وركبتُ الأبلق، وقلتُ في نفسي« :لن ّف أتوق أبدًا أمام أيّ ّان، دُك عليّ أن أُسابق الرّيح لأعود إلى دُرّيّة، لا بُدّ ّها أن الآن تفور من الغيظ على تأخّري . كان الهواء العابر أنفي وأنا فوق الأبلق أنقى من ذلك ّذي ال بين أجساد العابرين في السّوق، من هناك شممتُ أشهى رائحة يُمكن أن تعبر الأنوف، ّها إن رائحة الخُبز، قلتُ لنفسي: إنّ تناول بعض الأرغفة لن يعوقني كثيرًا عن دُرّيّة، وهمستُ ّدًا مُؤك « :ّبع، بالط لا بُدّ أن أشتري خُبزًا؛ هل سآكل ّحم الل بيدي؟. كانت الرّائحة تفوح من مخبز صغير، تبيع فيه الخبز امرأة في الثّلاثينيّات من ُمر، الع كان المخبز عبارةً عن ُوّة ك في الجدار إلى الدّاخل، توقد فيها ّار، الن وتُلق ى فيها رقائق العجين حتّى تنضج، ثُمّ تخرج مع رائحتها ّهيّة، الش وكانت الخبّازة تعرض الخبز ّاضج الن على صندوق خشبيّ عال ّي يغط بعرضه مدخل المخبز، وكانت الأبخرة تتصاعد من الأرغفة، وهي تواصل س ف رها في الهواء، وكانت الرّائحة ّهيّة الش تزيدُ من جوعي، ولو أكلتُ بعض الأرغفة لشبعتُ عِو ض أن أنتظر هذا الوقت ّه كل حتّى تُجهّز دُرّيّة الطبخة… ترجّلتُ عن الأبلق ًا، سريع نفض رأس ه نفضت ين أو ثلاثًا، وأخرج صوتًا من براطيمه ففهمتُ ّه أن هو الآخ ر تعب وم لّ، ّه وأن يشعر بالعطش، وأنّ الجوّ الحارّ قد أسال العرق الفِضّيّ على ظهره. تُه ط م أن بنظرة من عين يّ « :أ عِدُك؛ سيكون هذا المخبز آخر ّة محط لنا، قبل أن نُطلق أنا وأنت سيقاننا للرّيح . كان بعضُ المشترين اثنين أو ثلاثة، يملؤون بعض الأكياس من الخبز، وينقدون البائعة دراهمهم، رأيتُ أحدهم يمدّ يده، ويتناول من الكيس ًا، رغيف ويقطعه، ويبدأ بأكله وهو يهزّ رأسه من المتعة، كانت هناك صبيّة صغيرة تلبسُ ثوبًا زهريًّا، تُمسِكُ بيد يها الصّغيرت ين وعاءً من الخزف مملوءا ّبن، بالل وتضع فوق رأسِها كيسًا فيه بعضُ الأرغفة، وصاحبة المخبز تقول لها: «اذهبي بها إلى حسن الفاكهانيّ، وخُذي منه دينار ين مقابل ذلك. والصّبيّة تمضي كما قالت لها أمّها . حان دوري، تناولتُ ثلاثة أرغفة، خِفتُ أن تتفرّس الخ بّازة في وجهي كما فعل ِقون، السّاب ّها لكن كانت تُعطيني ظهرها، لكي تُخرِج بعض الأرغفة الأخرى ّاضجة الن للتّوّ، وهي تقول لي« :ستّة دراهم. أعطيتُها الدّراهم، ها تناولت دون أن تنظر في وجهي، أضفتُها إلى الرَّحل، وقفزتُ فوق الأبلق، صهل ً صهيلا ً، طويلا قال فيه وهو يركض« :لن ّف أتوق حتّى لو أ م ر ت ني بذلك ّ إلا في إسطبلي العزيز… سامِح ني هذه المرّة يا مولاي، أم تريدُ أن أقول لك إنّ ابني المُهر الصّغير يدرس في حلقة عِلم الأدوية عندك؟»!وض حِكتُ من الخاطر ّريف، الط ومضينا! عندما عدتُ، كانت دُرّيّة في انتظاري عند البوّابة العالية، ّعت توق أن تُعاتبني أو أن تقول ّها إن لن تعود لِمِثل هذا العمل مرّة أخرى، ّها لكن كانت تتفحّصني بنظراتها كأّها ن تراني لأوّل مرّة، كانت تلك ّظرات الن تمس كلّ موضع في جسدي، هل تفعل ّساء الن هذا دائِمًا؟ ُم ن ق ي بهذا الم س ح الكامل للجسد؟ لهنّ عيون سابرة ليست كعيون الرّجال عابرة؟ لم تفعل دُرّيّة شيئًا بعد تلك ّظرات، الن أخذت لِجام الحِصان في ّحظة الل ّتي ال ترجّلتُ أنا عنه، وراحت تقوده وهي تضحك، سألتُها« :فيم تضحكين يا دُرّيّة؟ . ردّت « :لا شيء« .قولي« .أخاف أن تجدني و قِحة « .قولي يا دُرّيّة « .يا سيّدي، أنت رجل ربعة تميلُ إلى القِص ر، كبير الهامة، ناتِئ ّحية، الل تبدو أصغر من عمرك»..قاطعتُها « :وهل تعرفين عمري؟« .نعم، أعرفه« .كيف؟« .د ع ني أكمل ، وسأقول لك. سمحتُ لها بيد ي أن تُكمِل، ّا ُن وك لا نزال واقِف ين أمام الإسطبل، ولِجام
عدد الصفحات ٤٣، الل تبدو أصغر من عمرك»..قاطعتُها « :وهل تعرفين عمري؟« .نعم، أعرفه« .كيف؟« .د ع ني أكمل ، وسأقول لك. سمحتُ لها بيد ي أن تُكمِل، ّا ُن وك لا نزال واقِف ين أمام الإسطبل، ولِجام الحِصان في يدها« :جاحظ العين ين، أسمر البشرة، بارز الص دغ ين، كثير البُق ع في الوجنت ين، ضامر البطن، تبدو لم تأكل منذ سنة… ّك ولكن مع ذلك ّه كل فارس . ضحكتُ حتّى كدتُ أقع على الأرض، وسألتُها « :عرفتِ صفاتي هذه من لقاء واحد ، ّك إن لعجيبة. أكملت« :ُك وعقل يزنُ نِصف القاهرة. سألتُها وأنا أنفجر بالضّحك من جديد، وأضربُ ًّا كِف بكفّ : «فمن س ر ق نصف ه الثّاني؟ . أجابت بحزم« :ّاشون الح ش . دحرجتُ ما ّى تبق من ضحكتي على الأرض، ّعتُ وتصن الجِدّيّة مِثلها، ّتّ وتلف حولي أُمثّل دور الخائف، وهمستُ وأنا أقتربُ منها« :لم تقولي لي كم عمري؟« .عُمرك أربعون، وتبدو في العشرين« .وكيف عرفتِ؟« .أنا ع رّافة قالت الجملة الأخيرة وهي تنظر في نيّ، عي لم تكن المرّة الأولى ّتي ال تقول فيها ذلك، شعرتُ أنّ نظراتها نفذت من عين يها إلى ِي قلب ه، فوخزت وضعتُ يدي اليُمنى جهته، وضيّقتُ عيوني لشعوري بالوخزة ً، فِعلا وبدأ خيط من الخوفِ الحقيقيّ ّل يتسل إليّ، قلتُ بلهجةِ السّيّد الآمر« :أنا جائع، يجب أن ّميني تعل هذه ّبخة الط بشكل سريع. الآن زِلي أ ن ما أحضرتُه من الرّحل، وأدخلي الحِصان إلى الإسطبل، ولا تُضيّعي وقتي.
عدد الصفحات ٤٣وأردفت وهي تُعطيني مع الحِصان ظهر يهما فتبدو امرأةً أخرى« :وستنقذ مصر. رجفتُ لعبارتها الأخيرة، لقد قالت لي أمّي العبارة ذاتها قبل سنوات ، سألتُها بصوتِ راجف، وهي ما تزال تتهاد ى في مشيتها« :كيف عرفتِ؟. ردّت بلا مُبالاة « :لقد قلتُ لك ّني إن عرّافة »!❝ ❞ (٥) المُلوخيّة درّيّة امرأة فاتنة على الحقيقة، وطعامُها فاتن هو الآخر، وتقول بعض الكلمات غير المفهومة، وتُحدّثني عن أشياء لا أتخيّل ّها أن موجودة في القاهرة، ً؛ مهلا قلت : أشياء غير موجودة في القاهرة؟ ولكن ماذا أظنّ نفسي؟ ماذا رأيتُ من القاهرة كي أحكم؟! القاهرة أمّ الد نيا، عاصمة الدّهشة، ُ وربيبة ّغم، الن ُ وصديقة الوجوه ّتي ال لا تعرفك ّها ولكن دائمة الابتِسام. دُرّيّة امرأة شابّة، تفيضُ بالحيويّة والحركة، وتضحكُ كثيرًا، وتعبسُ أحيانًا، لها وجه أقربُ إلى ّول، الط حنِطيّ، بشرة صافِية مع سُمرة لذيذة، كانت عيناها لوزيّت ين، واسعت ين جهة المُؤق، ضيّقت ين في زاويت يهما البعيد تين عن الأنف، ولم أستطع تحديد لونِهما إلى اليوم، كانتا أقرب إلى عين ين رماديّت ين ِهان تُشب عين ي الذِّئب، لكنّ ّمس الش إذا هما ضربت صارتا عسليّت ين غامِقت ين ِهان تُشب عين ي الصّقر، لا أدري كيف يحدثُ هذا، ّه ولكن كان يحدث. وكانت جبهتها الحنطيّة فوق عين يها واسعة وعريضة، ومفتوحة للقراءة، وكانت تلبسُ فوق رأسِها ً شالا أخضر من أطرافِه، وأصفر م شوب بتدرّج لألوان ش تّى في وسطه، وكانت تعقده خلف عنقها، فيبدو شيء من خُصُلاتِ ش عرها الأماميّة، ولم تكن نِساء القاهرة تفعل ذلك، كان أكثرهنّ ّي يُغط شعره بالكامل، هذا إذا لم ّين يُغط وجوهنّ، وكان َّى يتدل من تحتِ أذن يها ُرطان ق ذهبيّان على شكلِ لوزة كبيرة ، يتأرجحان ّما كل مشت ويهتزّان على إيقاع حركةِ رأسِها إذا ّمت ، تكل وكانت ش ف تاها مُمتلِئت ين، و ر ديّت ين ّلان تُشك ً لوحة ً عجيبة مع الوجه الحِنطيّ، وتبدو عليهما ابتِسامة هاربة أكثر الوقت، إذ كانت حين تبتسم أو ّم تتكل يظهر من خلفِ تلك الابتِسامة ّان ص ف من الأسنان البيضاء ّمعة، اللا وفي ّفة الش الس فلى كان هناك ّ خ ط في المنتصف، يقسم ّفة الش نصف ين، فإذا ابتسمت انشدّ ذلك الخيط فبدا واضِحًا ً جميلا يفصل ص فّ الأسنان الس فليّ إلى نِصف ين . وكانت عنقها ّتي ال تبدو من أمام غِطاء رأسِها المعقود إلى الخلف ً غليظة شيئًا ً قليلا لا يتناس ب مع وجهها الجميل، ولكنها مع ذلك ملساء يزلّ ّبن الل عن نِها م ت . أمّا جسدُها فكان ً، ربعة وامها ق مُمتلِئ، وتميل إلى الس منة ً، قليلا ومع ذلك فإنّ حركتها كانت سريعة، ونظرةُ عين يها أسرع، ومِشيتها عابرةً من المطبخ إلى الرّواق إلى الإسطبل أسرعُ منهما. وكانت تلبسُ عباءةً سوداء، تُظهِر شيئًا من جسدها المُمتلِئ، وإذا تحدّثت إليها فلن تستطيع أن تعرف كم تعرف من الحياة ّاس والن والعِلم، مع ّها أن لا تعرفُ القراءة، ولا الكِتابة، ولم تدخل في أيّ حلقة دِراسيّة في حياتها، وقضت كلّ عمرها بين المقابر! مرّ أسبوعان على طبخة البامية ّتي ال ّم تُها تعل من دُرّيّة، لقد ّمتُ تعل منها الكثير، كانت كثيرة الكلام، ّني لكن كنتُ أجدُ في كلامها بعض السّلوى، هل يحتاج الوحيد إلى ُن أُذ تستمع إلى همومه؟ م ن كان ّا مِن بلا ه مّ ير مِني فل بحجر، الكلمات ّتي ال تُقال للفراغ تبقى ً سابحة في الفضاء لا تجد مأوى، وحدها الكلمات ّتي ال تجدُ ُنًا أذ تُتقن الإصغاء قد تجد طريق ها إلى القلب، لو كان للقلب أن يُؤوي بعض الكلام ّه فإن سيجد ً طريقة للتّرعرع، وسيخضرّ كما لو كان قد غُرِس في أرض ّة مُخضل .
عدد الصفحات ٤٤قالت لي هذه المرّة « :ّمك سأعل كيف خ تُطب الملوخيّة، ماذا تعرفُ عنها؟« .أعرفُ من النبّات ما كان صالِحًا للاستِشفاء، ّها إن مِهنتي، يُمكنني أن أصف لكِ كثيرًا من الأدوية ّتي ال تعتمد على ذلك« .ليس هذا وقت ه. نريدُ أن نأكل ملوخيّة اليوم. الغِذاء حقيقة. الدّواء خُدعة « .وما المطلوب؟« .ائتِنا بقدر طبخة منها في السّوق، وبالخبز ّبع، بالط وبالسّمن. توجّهتُ إلى حِصاني بسرعة، قالت وهي تزمّ شفت يها، ّد وتُصع فِيّ ّظر الن« :لا ّأ تتلك في السّوق وأنت تنظرُ كالأطفال في الوجوه. ضحكتُ « :ّها إن تعرفُ ّني أن أنظرُ في الوجوه، لن يسرق ّظر الن في الوجوه الكثير من الوقت. «أوقيّتان من السّمن طلبتُ من السّمّان . كان سمينًا، وقصيرًا، وأحول؛ يستقرّ بؤبؤ عينه اليُمنى جهة ّمال الش فيزدادُ ياضُ الب فيها، وكان أجشّ الصّوت، ّه كأن ابتلع مِطحنة، وكان لسمنه ثقيل الحركة لا يكاد ثوبه الفضفاض أن يُخفي الكتلة ّحميّة الل الضّخمة ّتي ال تتكرّش أمامه! وكان ّانه دُك ّان دُك الألوان هو الآخ ر، رأيتُ فيه الألبان والأجبان والعسل، العسل ّذي ال يبدو ّه أن أشهى من أيّ عسل في أيّ بلد آخ ر، ّر، والس ك قصبُ السّكر المُكرّر ّذي ال يساوي عندهم تاريخ مصر. هتف« :أيّها ّم المُعل الكبير، أوقيّتان على حِسابك والثّالثة على حِسابي . قلتُ بشيء من الضِّيق « :م ن أُدرّس من أبنائك في حلقات الصّالحيّ؟ . ابتسم وقال مُعاتِبًا « :أ مِن ّزم اللا أن يكون لي ابن يدرسُ في حلقتك حتّى نُكرِم ّمنا؟ مُعل »!خجلتُ، وأطرقتُ إلى الأرض، وأكمل« : لا يوجد لديّ ابن ، أنا متزوّج منذ عشرةِ أعوام ولم أُرز ق إلى الآن بطفل. حاولتُ . الأوقيّة الثّالثة إكراميّة يا مولانا« .كيف تعرفني؟« .وم ن لا يعرفُ الحكيم عبد ّطيف الل البغداديّ؟ . وأنغض رأس ه قبل أن يقترب ّي، من ويُمسِك بذراعِي، ويضغط عليها ً، قليلا ويهمس« :محسوبك ناجي السّمّان… نحن نحترمك يا حكيم، ولكن لماذا تسمح لدرّيّة أن تبيت عندك؟. اضطربتُ، نفضتُ يده، وقلتُ بصوت حادّ « :م ن قال لك ّها إن تبيتُ عندي؟« . لا شيء في هذه السّوق يبقى خبيئًا يا حكيم« .ّها إن تطبخ لي، كما تطبخُ للعشرات الآخرين« .لكنّ ّاس الن شاهدوها تدخل ساعات ً طويلة إلى بيتك، ولا تخرج ّ إلا في المساء، ّاس الن يأخذون منها ما تطبخه وهي واقفة على أبوابهم، وأنت تُدخِلها إلى مخدعك. أجبتُه بغضب« :ُفّ ك عليك لسان ك. واستعجلتُه « :أعطني السّمن، وخُذ نقود ك ودعنا من تُرّهاتك . تجاهل عبارتي، وبنى على عبارته السّابقة« :أتعرف لماذا لا يُدخِلو نها إلى بيوتهم، ويأخذون ّعام الط وهي واقفة بالباب؛ ّهم لأن يخافون منها. استم هلتُه « :لماذا يخافون منها؟. اقترب ّي من أكثر، وضغط على ذراعِي مثل المرّة السّابقة « :ّها إن ع رّافة… و… وساحرة… ولا أريدُ أن تُلحِق الأذى بمولانا« .إذا كانت كما تقول فلماذا قبلُ ي ّاس الن أن تطبخ لهم. «ّذين ال يقبلون بذلك مجانين مثلها، أو هم، سحر ت ُها أك ل لا يُمكن مقاومته« .ليس لديّ وقت لخرافاتك، ِكم ب الأواقي الثّلاث؟ « .بثلاثة دنانير. الملوخيّة أشدّ ً مائيّة من البامية يا سيّدي، ولكنّ أهل مصر يُحبّونها أكثر، ّها إن لذيذة، خ وتُطب مع أصناف ّحم الل ّها، كل وأحسن ما خ تُطب به مع الأرانب، ّها إن أكلة أهل الوجه البحريّ المُفضّلة، وتُؤكل ً ساخنة وباردة، ّها ولكن ً ساخنة أشهى، وهي ُعابيّة ل ً، قليلا ّها ولكن أخفّ وأجرى في الحلقوم، ولونُها يجب أن يكون مع ّحم الل داكن الخُضرة، فإذا رأيت ملوخيّة بيضاء أو فاتحة أو تميل إلى الص فرة فاعلم ّها أن فاسِدة، وأنّ صاحب الدّكان قد ّك غ ش . ويُنض ج بها ّحم الل لتأخذ شيئًا من دُهنِه مع
عدد الصفحات ٤٥