ولقد كنتُ أنظر إلى الكتاب في يدي، مثل العقد في جِيدِ الحسناء، ّر وأتذك بيت أبي ّيّب الط « :وفي عُنُقِ الحسناءِ يُست حسنُ دُ العِق فأهمسُ لنفسي« :وفي يد أهل العلم تُست حسنُ بُ ُت الك . كان ّل دلا الكتب الأشهر (أبو المعالي الخزرجيّ ) قد رحل هو الآخ ر، قبل تسع سنوات ، ّه ولكن على شاكلة دلالي ُتب الك اليوم لم يكن فقط يبيع الكتب، فقد كانت عشرته ّويلة الط لتلك الكتب الدّاخلة إلى متجره، والخارجة منها قد صنعت منه أديبًا أو ًا، وّاق ذ فقد ّف أل الخزرجيّ، وهو لم يجلس يومًا واحِدًا في مجلسِ علم ، كتاب ( ِ ُم ح ل ح المُل )، وكتاب (الإعجاز في الأحاجي والألغاز) وقد صدّره بمقدّمة في فنون الألغاز وأقسامها، وجاء بالألغاز مُرتّبة على الأبجدية حسب حروف الرويّ، وهو يذكر بعد كلّ لغز تفسيره وما ألغز به. و(صفوة المعارف) وهي قصيدة في تاريخ ّبيعة، الط وكتاب (زينة الدّهر وعصرة أهل العصر) وذكر فيه ألطاف شِعر العصر، وفيه أخبار شعراء عصره، وم ن تقدّمهم. وأنت ترى أنّ أكثر كتبه في مختاراته مِمّا وجد في بطون الكتب ّتي ال تستقرّ في بطن ّانه، دُك وكنتُ أقضي مع هؤلاء الدّلالين وقتًا ًا، خفيف أسألهم عمّا لديهم من الكتب، وأناقشهم في بعضِ المسائل، وأشتري ما كان نادرًا وثمينًا. وكانت في بغداد سوق كبيرة للكتب، مثل أيّ سوق من أسواقها الأخرى، من الخيّاطين والبزّازين ّجارين والن ّارين، والصّف … وغيرهم، وما كانت سوق لِت جور على سوق، وكان كلّ واحد يأخذ ّه ح ظ مِمّا يشاء. ّني وإن بدأتُ أضيقُ بأهل بغداد، أو يضيقون بي. أو ّني أن لم أجد جديدًا في كتاب من كتب أساتذتها، أو ّني أن أتوقُ إلى بلاد أخرى، فإنّ أرض الله واسِعة، ولقد شعرتُ ّه أن لم يعد في وُسعي أن آخذ من علوم ّلغة ال ّحو والن والفقه والكيمياء ما يُضيفُ إلى ما عندي، ّه وأن لا مزيد ّ إلا بعِلم طريف كلّ ّرافة، الط فمالت نفسي إلى ثلاثة ؛ المنطق، والفلسفة، ّبّ، والط ّني وإن لساع إليها بأشدّ من ِها سعي إليّ . وتغيّب أبو البركات عن حلقته في المدرسة ّظاميّة، الن وكان قدرُه على بابِ بيته، فلم ه، يُخطِئ بيد ّني أن كنتُ قد وعيتُ كلّ ما لديه، فلمّا كان ذلك انفرط عِقده، ودُفِن وسط بُكاءِ تلامذته في (باب أبرز ) بتربة ّيخ الش (أبي إسحق ّيرازيّ الش) عام ٧٧٥ للهجرة، وكنتُ في العشرين من عمري، وكأنّ الموت كان يُمهِل ّيوخ الش حتّى ّى أتلق على أيديهم غاية ما أؤمّل، ثُمّ يشربون من كأسه، وينبتّ الحبل، وإلى الله تصير الأمور! ❝ ❞ (٨) أنا س جينُ خ يالاتي! انهدّت الواجهة الأماميّة في المدرسة ّظاميّة، الن سقطت ّها كأن ضُرِبت بمنجنيق فيه قذيفة تزنُ عشرين قنطارًا، هوتِ الحجارة وتناثرت على الأرضِ ً ّفة مُخل دمارًا كبيرًا، دُفِن تحت الرّدم العشرات من أولئك ّذين ال كانوا يمرّون تحتها لحظتئذ ، وخفتت ص ر خاتُهم رويدًا قبل أن تنتهي تمامًا وهم يستغيثون طلبًا ّجاة للن من الموت ّذي ال لم يترك حيًّا منهم، هل قامت الحرب؟ م ن يُعلِن الحرب على بغداد؟ م ن يُعلِن الحرب على مدينة السّلام؟ كيف لمجنون حتّى ولو كان ملك الزّمان، وسيّد
عدد الصفحات ٢٤الدّهر أن يضرب منارة العِلم؟ م ن تُسوّل له نفسي أن يعتدي على حرمة المُقس م به في الكتاب؟ هل ما يحدثُ حقيقيّ؟ أهناك عاقل يقوم بهذا؟ كانت الأسئلة تنهمر على عقلي وأنا لا أزال تحت تأثر المشهد المُفزِع، لكنّ ذلك المشهد لم يكن سِوى البداية، لقد كان ة الق ت ل يُعِدّون المنجنيق لقذائف كثيرة ّت ظل تقصف المدرسة وبغداد وأنهار ها وقناطرها وبيوت ها من الصّباح حتّى المساء . ّها إن الحرب ًا؟ إذ لكن م ن سيّد هذه الحرب ّاغية؟ الط لماذا لم يكن لهذا الهول من مقدّمات؟ لماذا نا أفق عليه من د ع ة؟ وصحونا على ناره من ت ر ف، وجاء على س هو؟ هل الحرب نة المُعل حرب ِحة؟ راب كلا؛ على الحربِ أن تكون مُباغِتة تمامًا مثل الموت ! كانت ّيران الن تشتعل في كلّ مكان، هل هي ّيران الن ّتي ال تأتي من المشرق وتُضيء أعناق الإبل في بصرى؟ هل قامت القِيامة؟ ما ّذي ال يجري في دار السّلام؟ هل صِرنا على أبواب ّم؟ جهن أين هي الآخرة؟ هل هناك مهرب ؟ صوت قال لي« :لا مُقام لك فيها، لقد خ رِبت ، كما خربت المدائن من قبلها، إن لم يكن اليوم فغدًا، إن لم يكن هذه السّنة فبعد سنوات، ّها إن ليست دِيارك، لا تكن واهِمًا؟ ّها إن ُك، حتف بغدادُ حتف مذ كانت ، ليس فيها من السّلام شيء ، ّها إن تِلال من الجماجم المتفحّمة، والعِظام البالية، والأجساد المحروقة، لم يعد لك فيها موضع فارحل أيّها العاشق!! من فوق أسطح داري، رأيتُ نهر دجلة يشتعل هو الآخ ر، كانت السّفن والزوارق فيه تحترق، وبساتين ّخيل الن القريبة منه تحترق، والماء يفور ّار بالن!! كان ُمًا حُل ّه كأن حقيقة، لا بُدّ ّه أن ُم، حُل صحيح ّني أن أسمع أصوات القذائف في هذه السّاعة المُتأخّرة من ّيل، الل صحيح ّني أن أرى من نافذة داري من هنا الحرائق تشتعل في تلك البُقعة ّتي ال من المُرجّح ّها أن المدرسة ّظاميّة، الن كلّ شيء في هذا ّليل، ال وفي هذه الأحلام، وفي هذه الدّار يبدو حقيقيًّا. نزلتُ إلى الأسفل، ركضتُ حافِيًا في الفِناء وأنا عاري الرّأس خفيف الثّياب، وصلتُ إلى الباب، فتحتُه، فرأيتُ أناسًا بملابس بيضاء يركضون في الز قاق، كانوا يركضون ف زِعين ينظرون خلفهم ّهم كأن يهربون من شيء ما، وكان أكثرهم نِساء، ما هذا؟ أإلى هذا الحدّ تتجسّد الأحلام؟! لا يُمكن أن يكون هذا ً، حقيقة ّني لكن أشاهده، وأنا ما أزال أفتحُ الباب، ًا مُمسِك إحدى ظ ر فت يه بيدي، هززتُ رأسي، ازداد عددهم، كانوا يصيحون بكلمات لم أفهمهما؟ حاولتُ أن أُصغي إلى الصّرخات، هل هم ّمون يتكل العربيّة؟ أمسكتُ أحد هم مِمّن أستطيع الإمساك به ّة لقل حجمه مثلي؟ سألتُه« :ما بك؟ مِمّ تهرب؟ إلى أين؟. ّه لكن شدّ ذراعه من يده، ونظر إليّ ن ظ رات مرعوبة وركض وراء الجموع!! ى استول عليّ الف زع، ركضتُ إلى الماء، غسلتُ وجهي، ّرتُ تذك المكتبة، هُرِعتُ إليها، لا تزال بخير، عُدتُ إلى السّاحة، الكرسيّ ّذي ال أجلسُ ه فوق في الأماسي لمراجعة ما أحفظ كان لا يزال على هيئته كما تركتُه في ّيلة الل السّابقة، ّه إن بخير هو الآخ ر. صعدتُ ً ثانية إلى سطح الدّار، رأيتُ ذوي الملابس البيضاء ُبح ون، يذ الرّجال ّباب والش والفتيان، كانوا يُلق ون بعد ّبح الذ في ّار، الن أو في الحُفر العميقة، ويُهال هم فوق الرّدم؟ هل أنا أرى ما أرى؟ لماذا هذه الأحلام في هذه ّيالي؟ الل ! أهو تأثير قراءاتي لكتب الكيماء والسِّحر؟ ! عُدتُ للهبوط، ذرعتُ فِناء البيت بحركة مُضطربة، من هنا لا زلتُ أشاهد ّيران الن تصعدُ إلى الأعالي، لا بُدّ أنّ حلمًا كهذا لا يعيشُ ّ إلا في عقلي، هممتُ أن أجلس على الكرسيّ القريب وأرتاح، عدلتُ عن ذلك، هُرِعتُ إلى الح مّام، توضأتُ، كان الماء بارِدًا مِمّا ساعد ني على أن أستعيد بعض الوعي والصّحو، ّيتُ صل
عدد الصفحات ٢٥يشُ ّ إلا في عقلي، هممتُ أن أجلس على الكرسيّ القريب وأرتاح، عدلتُ عن ذلك، هُرِعتُ إلى الح مّام، توضأتُ، كان الماء بارِدًا مِمّا ساعد ني على أن أستعيد بعض الوعي والصّحو، ّيتُ صل ركعت ين، وأطلتُ السّجود في الثّانية، وهتفتُ : «يا الله عجّل بخلاصِنا »!
عدد الصفحات ٢٥تركتُ الصّلاة، وصعدتُ إلى الغرفة ّتي ال أنامُ فيها، اضطجعتُ وأنا أتلمّس جوانبي، لم تترك ني المشاهد، ّت ظل تعتمل في عقلي، لم أنم ، ّني لكن صحوتُ على صِياح السّاقي في الفِناء وهو يطلبُ أجرته بعد أن مل الجِرار ُل ُل والق . ُ لعنة الله عليك أيّها السّاقي . أعني، لم يكن ذلك ّه كل ً؟ حقيقة ! ّهم إن يفعلون ذلك في (البيمارستان)، شيوخ ّبّ الط يقومون بتشريح الأجساد الميّتة، أو المُتفحّمة، ّهم إن يفحصونها بأدوات من حديد، وملاقط معدنيّة، ورؤوس مُدبّبة، ويُديمون ّظر الن في أطرافِها، هل يفعلون ذلك من ليلةِ أمس؟ لماذا يقفون منشرحي الصّدر وهم يُعدّدون أعضاء الجسد ّلاب للط ّذين ال يقفون مثل هاء؟ البُل ألهذا الحدّ مهنة التّشريح مُمتِعة؟ ! صارت نظرات الرّيبة تأكل قلبي، عيناي لم تعودا لي، أعني صرتُ أُبصِر بهما ما ّر أفك به وما أتخيّله، أتخيّل أشياء كثيرةً جميلة، وأخرى ً غاية في ُبح، الق أنا رهينُ ما ّر أفك به، أنا سجينُ خيالاتي. جسدُ الإنسان المعجزة. ذوو الملاءات البيضاء هم ضحايا الإنسانيّة، وهم مُنقِذوها، كيف يُمكن تفسير ّون الل الأبيض في حالة الحرب أو الموت أو الرّحيل؟ ! حدائق الزّهور ّتي ال تمل السّاحة أمام (البيمارستان) خادعة، تُخفي غير ما تُبدي، مُوارِبة، ّها إن مثل الحقيقة الخياليّة ّتي ال رأيتُها قبل أيّام في منامي، ّها إن تريدُ أن تُريك ّور الن فيما العتمة تُسيطر على كلّ شيء ، تريدُ أن تهبك أمل الحياة فيما ج ز ع الموت يُخيّم على كلّ روح، ويُطلّ برأسه من كلّ زاوية! الفلسفة قد تكون مخرجًا. العقل ّذي ال لا يكفّ عن التّفكير تُريحه الفلسفة، لا بُدّ من الغزاليّ ًا إذ . عُزلته صنعت منه ًا فيلسوف . ُزلة الع ّتي ال تضجّ بالإنسان، بالعقل، بكلّ كلمة هي من الله. العزلة ّتي ال تهبُ ًا ق خ ل آخ ر. ما كان لعقل مثل عقل الغزاليّ أن يكتب (إحياء علوم الدّين) لو لم عِش ي هذه العزلة. أن تكون وحيدًا في مواجهة أفكارك. ّصُ تتخل من أناك، من أجل الأنا العالية، أنا الفلسفة، حين يكون ذلك التّجرّد ًا صادِق يتمثّل لك الوحي. لا وحي دون عزلة. ولا كتابة دون وحي. كان كتابه (الإحياء) هو ر، الأ س ي ّه لكن لم يكن لامرئ أن يعرف ما هو الغزالي إن لم يقرأ كتبه الأخرى، كان صوفيًّا ًا فيلسوف زاهِدًا، لعلّ ما قاله ّبيّ الن لأبي ذرّ، هو ّذي ال ساق الأخير إلى أن يجيء إلى هذه البقعة ّاهرة الط في بيت المقدس؛ «يا أبا ذرّ : أترى كثرة المالِ هو الغِنى؟ قلتُ : نعم يا رسول الله. قال: ّما إن الغِنى غِنى القلب، والفقر فقرُ القلب. ُلّ ك هؤلاء فقراء القلوب أيّها الإمام، لولا هذا الفقر لمكث هذا العِلم في هذه الأرض! لم يعد لي من ّوم الن بعد اليومِ ّ إلا اليسير، ّها إن سنوات ، وهذا الجسد يختم رِحلته، أريدُ أن أرى الله في كلّ مكان ، أريدُ أن عرف حِكمته في كلّ سبيل، لقد جِئنا لنراه فيما صنع، فهل نظرنا إلى ما صنع بعيون القلوب؟ ها أنذا أعودُ إلى ملاذي وحيدًا، خاليًا من كلّ شيء ّ إلا منك، فلماذا أمل ُن يّ أُذ بطنين البشر ّذين ال يحجبون ّي عن حِكمتك؟ ! أكببتُ بعد تلك ّيلة الل على قراءة ما استطعتُ الوصول إليه من كتب الغزالي، قرأتُ (مقاصد الفلاسفة)، و(ميزان العمل)، ثُمّ (معيار العلم)، و(محكّ ّظر الن) وكلاهما في المنطق. وعرفتُ أنّ رحلة الغزاليّ مع ّكّ الش قد ني زادت ًّا، ش ك كتب الفلسفة تُبعثِر لكي تجمع، وتبتعدُ ً مسافة ً كافية عن ّات الذ لكي ترى.
عدد الصفحات ٢٦صار البيتُ موحِشًا، بارِدًا، يمرّ فيه الزّمن ببطء. ما أبطأ الزّمن ! مللتُ من كلّ شيء فيه، جدرانه، شجرته ّتي ال في الفِناء، وكرسيّ الأماسيّ الرّائعة، وغرفة القراءة، والكتب ّتي ال تتراكم فوق الرّفوف، والصّناديق، والرّقوق، والمحابر، والأقلام، والكراريس… ّني إن أتوقُ إلى س، أُن أفكون أبحثُ عن زوجة ؟ ّ، كلا فأنا ما زال أمامي دروب عليّ أن أسلكها قبل أن أقع في هذا الف خّ، لكن ما ّذي ال يُؤنس غيرُ الكتاب؟ هل كتب الفلسفة هِي مِمّا يبعث على هذا الو ح ش ات ِعات؟ المُتتاب ألم تكن لك شِفاءً أوّل ما غمست روحك في حِبرها؟ ما ّذي ال يحدث لروحي حتّى تبحث عن سبيل أخرى، وحياة جديدة؟ ّلت تسل عبر الدّرجات المُفضِيات إلى ّابق الط الثّاني حيث أنام، تنساب انسِياب الماء في المنحدر، وهي تزحفُ بجسمها اللولبيّ ّين الل إليّ، ّها إن أفعى سوداء، تلك الأفعى ّتي ال رأيتُها تخرج من مقابر القاهرة، ّني إن أراها كما لو كنتُ ًا، مُستيقِظ ّها إن تقترب من سريري، ُعِرتُ، ذ أعرفُ ّها أن ستلدغني، ما ّذي ال عليّ ُه؟ فِعل حاولتُ الهروب، ّني لكن لم أستطع ، ّها إن تواصل ز حف ها المُميت إليّ، شددتُ الغِطاء على رأسِي كي لا أراها، ّني لكن بقيتُ أراها، ها هي تقترب، رِجلاي مكشوفتان، قدماي عارِيتان، وهي ّل تتسل إليهما، ّها إن تُخرِجُ لِسان ها ذا ّعبت ين، الش ها أنذا أراه يهتزّ في الهواء مُلوّحًا بالسّمّ ّذي ال ستصبّه أنيابُها في جسدي، ّني إن لا أستطيع الح راك… لقد… لقد ني لدغت الملعونة، ني لدغت ّت وانسل عائدة، ماذا؟ هل سأموت؟ ماذا يحدثُ لجسد المرء إذا س رى فيه السّمّ؟ هل هذا سؤال؟ ّبع بالط سيموت! ّني لكن لا أريدُ أن أموت، ما زالت أمامي بلاد كثيرة أحلم بالسّفر إليّها، ومسافات بعيدة يّ ع ل أن أسير فيها… وصرختُ بكلّ ما أوتيتُ من ُوّة ق : أنا لا أريدُ أن أموت… لا أريدُ أن أموت… وصحوتُ في (البيمارستان)! ❝ ❞ (٩) ِيمارِس تان الب على ّهر، الن قريبًا من ّة محل باب البصرة، في مهيع ممتدّ من الأرض من أجل أن يطيب الهواء، بعيدًا عن السّوق حتّى لا تكون أصواتُ الباعة والدّوابّ مسموعة، وفي أرض مفتوحة يقع (البيمارستان). بناؤه فخم، يتوزّع على أبنية متعدّدة ّها كل فسيحة الأبهاء، ً مكوّنة من طابق واحد ، الأبنية من الجهات الأربع، الجهة ّتي ال تقع على ّهر الن كانت ّهنّ أجل وأجملهنّ . كلّ ِناء ب يتخصّص على الأغلب في مجال من مجالات ّبّ، الط كان هناك قِس م للمراض الداخلية، وقِس م للعيون، وثالث للجراحة والتّشريح، ورابع للكسور والتّجبير، وحتّى قسم الأمراض الدّاخليّة كان يتوزّع على أقسام أخرى متفرّعة عنه، وفيما بعدُ استُحدِث قسم للمراض العقليّة، وجُعِل جهة ّهر الن. كان يتوسّط الأبنية الكثيرة ساحة واسعة خضراء، دائمة ّلّ الط ّدى، والن تسقيها نوافير من الماء فتبقيها ر يّانة، وكانت ً مغروسة بالأشجار الم شمومة والم أكولة، وكان الماء يُسح ب من دجلة إليها كلّ يوم ، ويجري في أوصالِها ج ريان الدّم في العروق.
عدد الصفحات ٢٧صحوتُ على السّرير فرأيتُ ً رجلا يبتسم وهو يكتبُ على ورق كان معه، سألني« :أتيت البارحة؟. لم أُجِب ه، ّت تلف بتثاقل حولي، وسألتُ « :أين أنا؟. ردّ « :أنت في البيمارستان، لقد مرّت . قلتُ مُستغربًا « :ما ّذي ال مرّ يا حكيم؟. مبتسمًا من جديد« :السّمّ لم ينتشر في جسدك كثيرًا، بجراحة بسيطة نا استطع أن نُسيطر عليه« .هل وتردّدتُ، وأكمل ّي عن كمن ّع يتوق ّني أن أعرف أو ّني أن ّد متأك « :نعم، لقد لدغتك أفعى، أفعى سامّة جِدًّا، لو د غت ل وقبل أن يُكمِل نهضتُ من سريري كمن ه لدغت أفعى بالفعل، وكدتُ أقفز على الأرض لولا أنّ ّبيب الط تدارك ني، فيما رحتُ أنظر في وجهه وفي ما حولي، وأهمس« :غريب، هل ّذي ال رأيتُه ّفتُ وتوق لبرهة قبل أن أُكمِل « :كان ً؟ حقيقة ! يعني لم يكن ُمًا؟ حُل »!وبدت علامات الاستِفهام على وجه ّبيب، الط ّه لكن قال« :عليك أن ترتاح حتّى يستعيد بدنُك عافيته. ِتّ ب ليلت ين، في اليوم الثّالث، حيثُ كانت ّمسُ الش قد ارتفعت ً قليلا في الأفق، ودخل ضِياؤُها القلوب قبل الجدران، نزلتُ من السّرير، ورحتُ أطوفُ على الأقسام، وأدور بين الغرف، كان كلّ شيء هنا يُشعِر بالرّاحة، قلتُ لنفسي« :لو كانت هُنا مكتبة لأقمتُ في هذا المكان عامًا لأقرأ كلّ ما فيها. قبل أن يخطر ببالي خاطِر آخ ر« :ولِم لا آتي بكتبي إلى هنا، واقرأ. ثُمّ راح خاطر ثالث يدور في خلدي« :ولماذا تريدُ أن تأتي بكتبك إلى هنا لتقرأ؟ ّما إن هذا المكان للاستِشفاء ووجدتُني ُ أغالِط نفسي« :وما ّذي ال يمنع، فالقراءة أيضًا استِشفاء« .ولكنّ (البيمارستان) ليس دار قراءة ودروس، ّما إن أنت مريض عابر ، وعليه أن يستقبل مزيدًا من المرضى ّذين ال يُريحون أجساد هم أو أرواحهم هنا قبل أن يواصلوا مسيرهم أو مصيرهم خارجين من هنا إلى غايات ش تّى. وعنّ ببالي وأنا أطوف حول الحديقة ّاء الغن أن أسأل أحد الأطبّاء فيما إذا كانت هناك مكتبة! كان المرض ى يُحم لون من ّتهم محلا أو مُدنهم أو ُراهم ق على ع ربات نظيفة، تجرّها خيول قويّة، أو على دوابّ إن استطاعوا، أو راجِلين، ويكون في استقبالهم عدد من المُمرّضين، وكانت ساعة الض حى تعجّ بالمرضى أو ذويهم أو الزّائرين أو الأطبّاء، كان هذا (البيمارستان) يستقبل المرضى من أهل بغداد والعراق ّها، كل ّه ولكن لا يُغلِق أبوابه في وجه أيّ غريب كذلك، ولا يدفع فيه المريض شيئًا لِقاء تشافيه، إذ لن تجمع عليك الس لطة فقر المال إلى فقر الصّحّة، ولو كنت لا تملك ً، مالا ّها فإن تعطيك ما ّغك يُبل حاجتك أوان تخرج ًى مُشاف . هكذا قِيل لي من مساء أمس حين سامرتُ أحد المُمرّضين رفاء، الظ ع نّ ببالي ّه أن يُمكن أن يكون ّخص الش المُناسِب أن أسأله عن المكتبة! مرّ نهار كامل وأنا أطوفُ فيه، الأطبّاء ّدون يتفق المرض ى، يوم ي الاثن ين والخميس، كلّ طبيب حسب اختِصاصه، يُطالِعون أحوال المرضى، ويُرتّبون في الأوراق ّتي ال بين أيديهم أخ ذ ما يحتاجُون إليه، ويتبع للطبّاء عدد من الكيميائيّين ّذين ال يمتثلون لهم في ِ ط ب خ الأدوية والأغذية، ويُحدّدون معهم المِقدار لكلّ مريض ، وكانت توضع لكلّ مريض دوارق صغيرة أو محاقن تحتوي الأدوية ّتي ال عليه أن يتناولها، وعلى كلّ دورق تجد اسم المريض، وعدد المرّات والمقادير ّتي ال عليه أن يبدأ بها. وعدتُ إلى الغرفة ّتي ال خرجتُ منها، فوجدتُ على بابها الممرّض ّريف الظ عاتِبًا عليّ « :لقد خرجت دون أن تُعلِمني، عليك أن تتناول هذه المقادير وسألتُه إن كان وصف ها ّبيب، الط أم هو، فردّ « :أنا. فقلتُ « :وأنت تُحسِنُ ذلك؟. فقال: «نحن مُساعِدو الأطبّاء، بيننا وبينهم درجة في التّحصيل، فإن ناها حصّل صِرنا مثلهم. فأعجبني ذلك، وسألتُه « :وهل في المستشفى مكتبة؟.
عدد الصفحات ٢٨ّ « :أنا. فقلتُ « :وأنت تُحسِنُ ذلك؟. فقال: «نحن مُساعِدو الأطبّاء، بيننا وبينهم درجة في التّحصيل، فإن ناها حصّل صِرنا مثلهم. فأعجبني ذلك، وسألتُه « :وهل في المستشفى مكتبة؟. فردّ « :أكبر من مكتبة المدرسة ّظاميّة الن. اتّسعت حدقتا عيني، وفتحتُ فمي مُندهِشًا « :هل أنت واثق مِمّا تقول؟ أنا أدرسُ في المدرسة ّظاميّة، الن ولم أر أكبر منها في بغداد، ولا حتّى في سوق الكتب، ولا في بيوت ّيوخ الش والأساتيذ. فردّ ًا مُناكِف « :ذلك ّك لأن لا تعرفُ ما بغداد، بغداد
عدد الصفحات ٢٨ّتي ال في عقلك غير بغداد ّتي ال في الحقيقة. فأمسكتُ به من ذراعه، وقلت« :ّني دُل الآن عليها« .سأفعل، لكن لا تُحيجني إلى أن يُسائلني ّبيب الط عن غِيابك « .أ يأتي الأطبّاء لمُعاينة مرضاهم صباح يوم ي الاثنين والخميس؟« .بلى« .ًا إذ أكون حاضِرًا هنا فيهما، وأكون حاضرًا هناك فيما سِواهما « .هذا ينفع مدّة إقامتك هنا« .وكم قال لك ّبيب الط ّني إن سأقيم؟« .أربعة أيّام فحسب« .ًا إذ أمامي يوم واحد ، ه يّا لا تُضيّع الوقت. وانفتحت أمامي كنوز ، كان يومً ا واحِدًا في دّ، الع ّه ولكن استمرّ عامًا ً كامِلا . ّها إن بالفعل مكتبة ضخمة، صحيح ّها أن ليست أكبر من مكتبة المدرسة ّظاميّة، الن ولكنّ كتب ّبّ الط فيها أكثر بكثير من كتب ّبّ الط في مدرستنا، بل أكثر من أيّ كتب في أيّ مكتبة أخرى. ومن هنا بدأت رِحلتي مع ّبّ الط !! كان (البيمارستان) ً مدرسة في ّبّ، الط ولم يكن ًى مشف فحسب، كان يدرسُ فيه ُ طلبة ّبّ الط كما يدرسُ في ّظامية الن ُ طلبة العِلم، وكان ُ طلبة هذه المدرسة الجديدة أشدّ ورعًا في ّظر الن إلى العِلم من أهل تلك المدرسة لو أرد تُ المقارنة، وأدقّ نظرًا، وأصبر على الدّرس، وأخوف على الفهم! ولقد رأيتُ الطبيب الأستاذ ّيخ، الش يمر على المرضى في الصّباح، ومعه مُساعدوه من صِغار الأطباء الذين لم يُتِمّوا درجاتِ تحصيلهم، ّمهم، فيُعل ويجعل جسد المريض ُرّاسته، ك فيشرحُ عليه أمامهم، فيتبعونه بأبصارهم يدوّنون ما يقول في رقوقهم أو ُتُبهم، ك ثُمّ يصف العلاج، أو مقادير الأشياء ّتي ال تُنتج العِلاج، وهم يراقبون ّمون ويتعل ويكتبون مِن ورائه، ثم ينتقل ّيخ الش الرّئيس معهم من تلك الغُر ف بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس حوله ِّمون، المُتعل فيفتح الكتب الطبّيّة ّتي ال يدرسونها وقتئذ ، ويقرأ عليهم، ويشرح أعراض الأمراض، ها، وأسباب واحتِمالات الإصابة بها، ويجيب بعدها عن أسئلتهم. وانخرطتُ أنا في هذه السبيل، ووجدتُ في ّمه تعل ّة، لذ وكان عليّ أن أبيت في (البيمارستان) عامًا ً كامِلا كي أحصّل العِلم، وبدأتُ بقراءة كتب ّيخ الش الرّئيس (ابن سينا) صغيرها وكبيرها، كانت كتُبه ّها كل موجودةً في صناديق (البيمارستان)، فحفظتُ كتابه (ّجاة الن)، ثُمّ عرجتُ على كتابه (ّفاء الش)، ثُمّ ( القانون)، ومضيتُ في الوسائل المُتّبعة عنده، ّني ولأن أخذتُ ّقد الن عن أبي البركات، ّمتُ وتعل منه ّ ألا أقبل ُلّ ك ما يُعر ض عليّ فقد خالفتُه في بعضِ وسائله، وفي بعضِ وصفاتِ أدويته، وزعمتُ أنّ دهر ه وقد مضى عليه قرنان من الزّمن قد كان يصلح لأهل زمانه، وأنّ لزماننا ما يصلح له غير ما قاله (ابنُ سينا)، ووجدتُ عنده بعض التّهويمات في المنطق، وبعض التّخاريف في الفلسفة، وأمّا ما أخذتُه عنه في ّبّ الط فكان وافِرًا . ثُمّ كان عليّ أن أعيش في هذا (البيمارستان) عامًا آخر أتبعُ ذيول الأطبّاء الأساتيذ إلى قاعاتهم، وإلى غُر ف التّشريح، ومطابخ الأدوية، وكان ذلك من أجل أن يسمحوا لي أنا ّلبة والط الآخرون بأن نصبح أطبّاء، وننفرد بالمُعالِجة، إذ ّه إن لم يكن من قبلُ يُسم ح لنا أن نعالِج أيّ مريض في هذا (البيمارسان) من دون وجود طبيب شيخ يُراقبنا. وكان من أجل ذلك يُعق د امتحان مرّت ين في العام، وقبل الامتِحان كان علينا أن نتقدّم برسالة في الفنّ ّذي ال نُريدُ أن ننفرد بممارسته، فاخترتُ التّشريح، ووظائف الأعضاء، وعرضتُ الرّسالة على مجموعة من الأطبّاء ّيوخ الش فناقشوني فيها، ثُمّ أجازوها، ولم يعد بيني وبين لقب الحكيم ّ إلا الامتِحان.
عدد الصفحات ٢٩ليلة الامتِحان أراد ّبيب الط ّيخ الش أن يبثّ فينا الحذر، ّه ولكن في الحقيقة بثّ في قلوبنا الرّعب، قال لنا ّه كأن يقرأ من كتاب : «وقد اتفق في عام ٩١٣هـ أيّام الخليفة المُقتدِر أنّ بعض الأطبّاء أخطأ في علاج رجل فمات فضجّت القاعة بالهمهمات، ّه ولكن نظر في عيوننا مُتحدّيًا، ًّا ماط الكلمات حتّى يكون تأثيرها أقوى« :فأمر الخليفة أن يُمتح ن أطبّاء بغداد جميعهم من جديد، فامتح ن هم سِنانُ بن ثابت كبير أطباء بغداد وقتئذ ، فبلغ عددُهم في بغداد وحدها ثمانمئة طبيب ًا ونيّف وستّين طبيبًا، هذا عدا عن أولئك ّذين ال لم يُمتح نوا من مشاهير الأطباء، وعدا عن أطباء الخليفة والوزراء والأمراء ثُمّ سكت قبل أن يُتِمّ « :وليس أمامكم ّ إلا أنّ تجتازوا هذا الامتِحان، فإنّ أخفقتُم ُرِدتم، ط وإن مات بين أيديكم مريض مُتّم . ❝ ❞ (٠١) الخُروج من بغداد وكان أعجب ما في (البيمارستان) المرض ى ّذين ال فقدوا ُولهم، عُق وكنتُ أطوفُ بينهم، أجلسُ إليهم وأُحادِثهم، وأستمع إلى أقاصيصهم، فلو أردتُ أن ّف أؤل في ذلك كِتابًا لفعلتُ، ّني ولكن شُغِلتُ بالاستِماع إلى طرائفهم عن الكتابة فيها. وكانوا - على جنون فيهم - أظرف ّاسِ الن وأ م لح هم حديثًا. وكان عدد من هؤلاء مِمّن وردوا من الثّغور بعد الحروب، ومِن ّاشين الح ش ّذين ال تبعوا (الحسن بن الصّبّاح )، ومن ّذين ال لا وارث لهم، ومن أولئك ّذين ال غلب عليهم الس كر حتّى أُخِذوا من المزابل وجيء بهم إلى هنا كي يبرؤوا. وكانت الأشجار والأزهار ّتي ال في رِواقهم أجمل ما في (البيمارستان) ّه، كل وكان رئيس الأطبّاء يصرف لهم طعامًا أوفر مِمّا يصرفه لسِواهم . ورأيتُ فيهم م ن كان يمشي في شوارع بغداد في ّيالي الل لا يجد ما يسدّ به ر م ق ه، فيتبع القذر، فيتسخلصُ منه ما وجده صالِحًا للكل، فيمسحه بيده ويأكله، فإذا أكل خرج إلى برّ دِجلة، فنام في ظلّ نخلة حتّى ِح، يُصب فإذا أصبح عاد إلى المشي يستصلح الأقذار، ويتبع المزابل، فلمّا أوى إلى هنا أنشدني: يا دارُ غيّركِ ِلى الب وم ح اكِ يا ليت شِعري ما ّذي ال أبلاكِ؟ ! فعلمتُ ّه أن كان صاحب عِزّ فذلّ . فرقّ له قلبي.
عدد الصفحات ٣٠في السّنة الثّانية في (البيمارستان)، وفد إلى هنا ر حّالة قادم من المغرب، كان ً رجلا في الأربعين من عمره، وجيهًا في قومه، حسن الهيئة، رقيق الحاشية، فطاف معه عدد من الأطبّاء يُرون ه (البيمارستان)، ُون صِف وي له أنحاءه، وهو يستمع استِماع الأديب الأريب، وكان قد دِم ق من الأندلس من غرناطة، وقد طاف بلاد أفريقيّة وركب البحر والبرّ ر وع ب بلاد ّام، الش حتّى وصلت رِكابُه إلى بغداد، وجلس نا معه مرّة أو اثنتين بعد ذلك، فحدّثنا أحاديث عجيبة عن أسفاره، وكان أكثرها ً هولا ما رواه مِمّا رآه في ركوبه البحر، ومخاطره، ّهم وأن فيه كانوا يموتون في الأمواج العاتية والرّياح العاصفة في اليوم عشر مرّات، وقد وصف لنا الصّواري والسّفن بأدّق وصف ، ورتّب الكلام حتّى خُيّل إلينا ّنا أن نراها بأعيننا، فأثّر ذلك فِيّ، وعزمتُ في نفسي أن أتّبع منهجه في هذا الوصف، ثُمّ حدّثنا عن ّاصر الن (صلاح الدّين)، فقال عنه« :ّه إن لا يأوي إلى راحة، ولا يخلدُ إلى د ع ة، ولا يزال س رجُه مجلسه. ّرتّني فذك عبارته الأخيرةُ قول المتنبّي: ر شي م ف ص هوةُ الحِصانِ ولكنّ قميصي م سرُودة من حديدِ وحبّب إليّ ُه وصف ِ لصلاح الدّين صلاح الدّين، فتقتُ إلى أن أراه، فعقدتُ على ذلك زم الع أيضًا . كان هذا الرّحّالة الأندلسّيّ هو (ابن جُبير ). ثُمّ حدثت بيننا حِوارات ، وكان في زماننا شيخُنا (ابنُ الجوزيّ )، وهو فقيه وأديب وخطيب ، وكان لطيف الصّوت، حُلو ّمائل، الش رخيم ّغمة، الن موزون الحركات، لذيذ المُفاك هة، يحضر مجلس ه ُ مئة ألف أو يزيدون، ويتوافدون إلى السّاحات حين يُعر ف موعدُ ذلك. لا يُضيّع من زمانه شيئًا، يكتبُ في اليوم أربع كراريس، ويرتفع له في كلّ سنة من كتابته ما بين خمسين ّدًا مُجل إلى سِتّين . وله في كلّ علم مُشار كة . وكان يُراعِي حِفظ صِحّته، وتلطيف مِزاجه . لِباسُه الأبيض ّاعم الن المُط يَّب . ّه ولكن إلى ذلك ّه كل كان كثير الوقيعة في ّاس، الن لا سيّما في ُلماء الع المُخالفين لمذهبه والمُوافقين له. فقال لي ابنُ جُبير « :ّني إن أريدُ أن أحضر له مجلِسًا قبل أن أترك هذه ِلاد الب . فقلتُ له« :حُبًّا ً، وكرامة أتريدُ مجلس العامّة أم مجلس الخاصّة؟ . فقال« :وما شأنُ كلّ واحد منهما؟. فقلتُ « :إنّ مجلسه ّذي ال يجلسُ فيه العامّة يكون يوم السّبت في دار ّيخ الش بإزاء ّ شط دجلة، وأمّا مجلس الخاصّة فيكون يوم الخميس بباب (بدر) في ساحة ُصور ق الخليفة ومناظره مُشرفة عليه. ّر ففك ً قليلا ثُمّ قال« :بل مجلسُ العامّة . فأخذتُه إليه، وكانت دار ابن الجوزيّ في باب (البصليّة) من آخر أبواب الجانب ّرقيّ، الش فاجتمع ّاسُ الن له، فصعد المِنبر، وكان أمامه العامّة، وأمامه ُرّاء، الق فابتدؤوا بالقِراءة وعددهم قد نيّف على عشرين قارِئًا، فيأخذ الاثنان منهم أو الثّلاثة ً آية من القرآن يتلونها، على ن سق شفيف ، بتشويق، وتجويد ، وتطريب، فإذا فرغوا، تلت طائفة أخرى على عددهم ً آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون على قراءة الآيات حتّى ينتهي عددُهم، وقد أت وا بآيات ِهات مُتشاب من سور مُختلفات، فقام الإمام ابن الجوزيّ فابتدأ خُطبته ود رس ه، فأتى برقائق من المواعظ طارت لها القلوب ًا، اشتِياق وذابت بها الأنفسُ احتِراقا، فبدأ ّا النسُ بالبُكاء حتّى ض جّوا به، وسحّتِ الدّموع مدرارا، وولهت لقوله ّفوس الن حِرارا، فكان آخذ ّاس الن بخِطام قلوبهم. والتفت إليّ ابنُ جبير وقال« :لو لم نركب ج ث ب البحر، ونعتسف مفازات ر، الق ف ّ إلا لمُشاهدة مجلس من مجالسِ هذا الرّجل، لكانتِ الصّفقة الرّابحة، والوِجهة المُفلِحة ّاجحة الن. ولقد جررتُ في بغداد بعد ذلك ذيولي، وملتُ من علومها قلبي فو عى، ولم يكن لي بعد أن فعلتُ ما فعلتُ ّ إلا أن أمشي،
عدد الصفحات ٣١جل، لكانتِ الصّفقة الرّابحة، والوِجهة المُفلِحة ّاجحة الن. ولقد جررتُ في بغداد بعد ذلك ذيولي، وملتُ من علومها قلبي فو عى، ولم يكن لي بعد أن فعلتُ ما فعلتُ ّ إلا أن أمشي، أمشي في طرق لا تنتهي، بغدادُ لا تبلغها وحدها، طرق قصيّة، ودروب بعيدة، وماذا على ّاء الم ش ّ إلا أن يظلّ ماشِيًا حتّى يجد ما يؤمّل، ويعقد ذلك الأمل على ما يُحصّل؟ !
عدد الصفحات ٣١كان ّاس الن يقولون« :ّه إن هو، ولقد صار طبيبًا فتهاوت إليّ القلوب تهاوي الفراش على ّار، الن فلم يجدوا عندي ّ إلا بردًا وس لامًا، ولقد أقسمتُ بعد أن رأيتُ ما رأيتُ في (البيمارستان) أن أكون نصير ُقراء، الف وأن أقف إلى جانب المحرومين، وأن أقتطع من مالي وجسدي من أجل المكلومين، ولقد وجدتُ في نيّتي هذه عزاءً لمن لا ع زاء له! وها أنا أرى م ن مشى قبلي، (أبقراط،) و(جالينوس)، و(ابن سينا)، ّهم كل خرجوا من هنا، من هذه الفِكرة العِظيمة، يوم تكون أعظم من كلّ نازلة، وأكبر من كلّ طامّة، تلك يد الله، تعيد ما ِس ب ي أخضر، وما احترق أنضر، وما جفّ أندى، إنّ هؤلاء البشر ليس لهم في الأرض ولا في السّماء ّ إلا طبيب، ففي السّماء كان الله، وفي الأرض قُ خ ل الله، ولولا تلك الرّحمة لهلك ّاس الن! لقد تمّ لي في بغداد سنة ٥٨٥ للهجرة ما أردتُ، ولم يبق فيها م ن ُ يأخذ بقلبي ويمل عيني، ويحلّ ما يُشكِل عليّ، ّني وإن مثلما فعلوا أفعل، ُلّ ك عظيم ارتحل خلف ذلك ّداء الن السّماويّ ّذي ال يسمعه في قلبه مُشوّشًا إلى بلاد بعيدة من أجل أن يسمعه هناك صافِيًا، ّه وإن لن يشعر ّه بأن عاش ّ إلا إذا سمع ذلك ّداء الن بذلك الصّفاء مهما امتدّ به العمر ولو عاش ألف سنة! ليس عليّ أن أقول أكثر من هذا: أنا من بغداد، سائح يبحثُ عن الحكمة، والحكمة إشراق. كلّ ما في يد يّ من مال لم يُغنِ عمّا أريدُ شيئًا، كان المال بُلغة ّغ أتبل بها غايتي في السّفر، ّ وإلا فيكفيني من الد نيا ثوب أبيضُ ألبسُه، وعمامة أعتمرها، ودابّة أركبُها، ِلاد وب واسعة أطوفُ فيها بحثًا عن الحِكمة، ولقد بحثتُ عنها كثيرًا، في تراتيل الآيات ُبيل ق الغروب في رمضان، وفي أناشيد ُقراء، الف وفي كتابات المعزولين، وفي أغاني ّاق، ُش الع وفي تأمّلات الفلاسفة، وفي سُويعات الأصيل في ماء دجلة حين يكون خالِيًا من كلّ إنسيّ ّي، إلا وفِيّ، في روحي ّتي ال عندما رأت نور الله اضطربت ، ّت فظل في ِها اضطراب ّت ، وض ل فما وقعتُ على ما أريدُ منها، كانت ت بدّى مثل غبش ّلام الظ في الفجر ثُمّ تختفي في الصّباح، ولقد كانت أعزّ مفقود، وأجلّ مطلوب، ولقد بحث عنها قبلي كثيرون، (ماني) و(ديوجين) و(زرادشت) و(لقمان)، وغيرهم… فما وجدوها، ولئن أعيت هؤلاء فما تفعل بي؟ ّها ولكن ّار الن المُقدّسة تضيءُ لي من بعيد في ّيل الل فأتبعها، حتّى ولو ّت ظل تبتعد ّما كل اقترب تُ، ّني فإن لن ّف أتوق عن السّعي إليها! قال لي أبي« :ّاس الن ون يسع وراء أمور كثيرة ، ّهم ولكن لا يعرفون أنّ ما يسعون إليه سيموتون عنه، فلا تسع إلى ثروة فمن ى سع إليها مات عنها، ولا يكون المال ّ إلا لمن فك خ ل . ولا تسع إلى ّهوة، الش فإنّ زمن انقِضائها قصير، ولا إلى شُهرةِ فإنّ حِين انقضائها قريب، ولكن اسع إلى العلم، فإن مُتّ عنه، كان لك نورًا في القبر يُضيء ُماته ُل ظ ويُؤنِس وحشته، وكان لمن خلفك نورًا في دروبهم يجعل للحياة معنى، وللوجود قيمة. ******* كان طاهرًا ّه ولكن ليس نبيًّا، وكان ًا عاشِق ّه ولكن ليس مجنونًا، وكان واضِحًا ّه ولكن ليس الض حى، وكان غامِضًا ّه ولكن ليس الد جى، وكان ً سهلا ّه ولكن ليس البحر ، وكان صعبًا ّه ولكن ليس الصّخر، وكان هو!
عدد الصفحات ٣٢في عام ٥٨٥ غادر بغداد إلى الأبد… غادرها ليعود إليها، ّه ولكن لم يعد ، أو لم تبسط له الدّرب ليعود، ّها كأن تقول: م ن تركني تركتُه ولا أبالي… ولربّما ح زِن حتّى الموت على ّها أن لم تفتح له ها، قلب ولا ها، باب ولا حتّى عين يها. ولقد حال بينهما موج ِعاد الب فكان من المُغر قين !! ❝ ❞ القِسم الثّاني مِصرُ الغاية تغرّب لا مُستعظِمًا غير نفسِهِ ولا ِلاً قاب إلاّ لخالِقِهِ حُكما ولا ًا سالِك ّ إلا ُؤاد ف ع جاجة ولا واجِدًا ّ إلا لمكرمة م ا ط ع يقولون لي: ما أنت ؟ في كلّ بلدة وما تبتغي؟ ما أبتغي ج لَّ أن يُسم ى (المتنبّي) ❝ ❞ (١)
عدد الصفحات ٣٣ّني إن أريدُ مِصر ! لو قلتُ كلّ ما أريد، لما وجدتُ في الأرضِ كراريس تمل ذلك، لكنهم كانوا يقولون« :حسبُك مِن السّوار ما أحاط بالمِعصم . قالت أمّي « :ُنا؟ تترك »!أجبتُها« :أبي عندك، وفيه ّي عن غِنًى كنتُ ُها، أناكِف ّها لكن استدركت « :بعضُ الأزهار ّمّ، للش وبعضُها للرّيح « .ّني إن مُرت حِل، ولعلّ غايتي أكبرُ من وقتي، ّي ومن. دُعاؤك قد يُقرّب الغاية يا أُمّي . «ّني إن أخافُ عليك. سألتُها ورأسُها إلى صدري« :مِمّ؟ « .الغربة موت يا بُنيّ، أخشى أن تذهب في درب لا تؤوبُ منه إلينا« .غايتي مِصر يا أمّي، ّاصر والن صلاح الدّين، وأهل العِلم، أريدُ أن أتفرّغ للتّدريس والكِتابة، وإذا أسعفني ّ، الحظ أهديتُه ما ّفتُ صن أو بعض ه « .لقد حلمتُ أمسِ يا عبد ّطيف الل ّك أن ستكون مُنقِذ مِصر . ضحكتُ ساخِرًا « :كبرتِ يا أُمّي، فبدأتِ… ثُمّ… أنا لا أؤمن بالأحلام. ني نهرت « :لا تقل ذلك، ّها إن تتحوّل إلى واقع، وأنت تعرفُ ذلك أكثر ّي مِن . ّرتُ تذك الأفعى و(البيمارستان) قبل أربع سنوات ، فرجفتُ، بلعتُ ريقي، وهتفتُ « :لستُ أنا ّذي ال أقول ذلك، الله قال« :أضغاثُ أحلام. كادت تلطمني على وجهي« :يا أحمق. ني فاجأت ّتيمة، الش نظرتُ في عين يها، تابعت « :لقد قاله الله على لسانِ الك ه نة؛ ّهم لأن لم يستطيعوا تعبير الحلم، أمّا يوسُف فكان تعبيره للرّؤيا حقيقة، أم ّك أن ى تتغاب على أُمّك؟ وتقول مسكينة لقد خ رِفت ؟ « .»!يكفي يا أمّي، أنا مُرتحِل « .والحلم؟« .ما شأنه؟« .ُصّه أق عليك؟« .لن يتغيّر شيء يا أمّي « .آه منك… أنا أعرفُ ّك أن تهرب، ألم تُعجبك بغداد؟« .ومن قال ذلك؟ ّني إن أقمتُ بها إلى اليوم، أليس هذا ً دليلا على ّني أن لم أختر من ِلادِ الب سِواها « .وها أنت ترتحل عنها« .لأعود لها« .لن تعود… أنا أعرفُ ذلك… لن تعود. اضطربتُ ً قليلا« :الحلم قال لك ذلك؟« .نعم، لن تعود ّ إلا في تابوت. أردتُ أن أضحك وسط الانقِباض ّي الذ مل المكان فأكملتُ « :تحمله الملائكة. قطعتُ ضحكتي من مُنتصفها، حين شدّت على أسنانِها « :ه يّا هيّا أيّها العنيد، الرّاحلة تنتظرك، لقد جهزّتُ لك بعض ّعام الط لتستعين به في سفرك. كان أبي يسمع ويهزّ رأس ه، ش دّ على يدي« :لو قدّر الله لنا ّ ألا نراك مرّة ثانية… أقول لو قدّر الله… فأريد منك أن تُعطي العلم ّذي ال أعطاه الله لك ّه ح ق عانقتُه، وأردف« :وأدم صُحبة المساكين، ّهم فإن يعرّفونك الله، ويُعرّفونك كيف تشكره. كانت مصر غاية، وم ن لم تكن مصرُ غايت ه قصرت به السّبيل ه فبعثرت في المنافي، وكلّ غاية لا تمرّ بها تظلّ مبتورة. مّا ول خرجتُ في ضُحى ذلك اليوم، وى ل عِنان ها ما وى ل عِنان راحلة ابن الوليد، فطوّفت في بلاد كثيرة ، قبل أن ّ تحط ها رِكاب في مصر. وصلتُ إلى الم و صِل، كانت باردة، وكان الوقتُ ّذي ال تراءت لي دورُها فيه من بعيد ً، ليلا فزاد ذلك من رجفة القلب، وكنتُ أعرفُ ّني أن لا أريدُها هي، ّني ولكن أريدُ أخواتِها، وبعضُ الوصل إلى المحبوب يكون عبر م ن لا تُحبّ، وقد لا تكفي الإشارة، فيكون في العبارة ر سول، ولا يحمل العبارة إلى المحبوب ّ إلا ر سول، كانت الم و صِل ر سول م ن ضربتُ أكباد الإبل لأجلها. لم أجد في الم و صِل بغيتي! ّني لكن وجدتُ (كمال الدّين بن يونس) جيّدًا في الرّياضيّات والفِقه مع شيء من ّبّ، الط فوعيتُ ما عنده، ثُمّ ع ر ض عليّ صاحبُ الموصل أن أدرّس في بعضِ المدارس، فاخترتُ مدرسة (ابن مُهاجر ) ّقة، المُعل ودار الحديث ّتي ال تحت ها، وأقمتُ هناك ً سنة أدرّس الفقه ّغة، والل ثُمّ طلبتُ من ابن يونس شيئًا من تصانيف (شهاب الدّين السّهروردي )، وكان ّاس الن قد ُتِنوا ف بما يكتب، فلمّا ّلعتُ اط
عدد الصفحات ٣٤ّتي ال تحت ها، وأقمتُ هناك ً سنة أدرّس الفقه ّغة، والل ثُمّ طلبتُ من ابن يونس شيئًا من تصانيف (شهاب الدّين السّهروردي )، وكان ّاس الن قد ُتِنوا ف بما يكتب، فلمّا ّلعتُ اط على (التّلويحات ) و(اللمحة) و(المعارج) وجدتُ جهل ّاس الن فيما يعتقدون فيه فاشِيًا، ّاس والن تتبع المُصوِّت لا الصّامت، وتُميل الأعناق إلى المُشتهِر لا إلى المُست تِر. ورأيتُه ِتُ يُثب في ُتُبه ك ًا حروف ّعة مُقط يُوهِمُ بها ه أمثال ّها أن أسرار إلهيّة، وما أدري كيف يُعطي الله أسرار ه لمثل هؤلاء؟!
عدد الصفحات ٣٤وتركتُ الموصِل إلى دمشق، فوجدتُ بعض أساتذتنا ّذين ال أخذ نا عنهم العِلم قد جاؤوها ّمون يعل ها، أهل مِمّن ج م عهم صلاحُ الدّين لذلك، واجتمعتُ بالكنديّ البغداديّ ّحوي، الن وجرت بيننا مُباح ثات، وكان من أهل صِلة الس لطان، وقد رأيتُ فيه إعجابًا برأيه، وإيذاءً لجليسه، فعرفتُ أنّ الكِبر أصلُ القواصِم، فمن ُصِم ق في عِلم أو في ظهر، فلا بُدّ أن يكون وراء ه الكِبر، وأظهرني الله عليه في مسائل كثيرة. وكانت أعوام دمشق أعوام استقرار طيّب، وعملتُ فيها تصانيف كثيرة، منها غريب الحديث الكبير جمعتُ فيه غريب أبي عبيد القاسم بن ّم، س لا وغريب ابن قتيبة، وغريب ّابي، الخط وكنتُ قد بدأتُه في الموصل، وعملتُ له مُختص رًا س مّيتُه (المُجرّد )، وأنهيتُ كتاب (الواضِحة في إعراب الفاتحة). وتركتُ دمشق إلى ُدس، الق ُدس فبالق تطيب ّفس، الن بذل لها الفاتِحون دِماء هم، والعلماء مِداد هم، والمُجاهِدون جِلاد هم، ّاق ُش والع وِداد هم، وتركوا من أجلها ِلاد هم، ب وفيها البقعة ّتي ال درجت عليها أقدام ّبيّ، الن والسّاحة ّتي ال ّى صل خلف ه فيها النبيّون، وسجدت عليها جِباههم ّاهرة، الط فأيّ قلب ليس فيه حُبّ القدس فهو قلب بلقع. أخذني من القدس بعضُ المعارف إلى ّا، ع ك واجتمعتُ فيها ببهاء الدّين بن ش دّاد، قاضي العسكر يومئذ ومُؤرّخ صلاح الدّين، وهو من أهل الموصل ابتِداء، وكان العام ّذي ال قضيتُه في الموصل ّم أُعل ها أهل قد أوصل سُمعتي إليه، فاستقبلني أحسن استِقبال، وأقبل عليّ، ورحّب، وبسط الرّداء، وقال « :نجتمع اليوم ِعِماد ب الدّين الكاتب فقلتُ « :ّه إن ق نا س ب إلى العِلم في المدرسة ّ النظاميّة ببغداد، وقد كنتُ أنا وأصحابي نتذاكر بعض رسائله، ونُثني عليه. فقال« :ّه وإن س مِع بك، وفي شوق للقائك. ومضينا إلى خيمته، وكانت ً قريبة من خيمة ابن شدّاد، فلمّا دخلنا عليه، وجدناه يكتبُ كتابًا إلى الدّيوان بقلم ُث الث ل من غيرِ مُسوّدة، وكنتُ من أهل ّ الخط أيّام بغداد، فرأيتُ ّه خ ط ًا، بديع وراج ع معي بعض مسائل عِلم الكلام، وقال: «قوموا ِنا ب إلى القاضي الفاضل. فقلتُ « :أهو هنا؟. فقالا« :نعم، وإنّ لك عنده ورقة. فقلتُ « :أجتمع بثلاثة أفذاذ في ليلة واحدة ، إنّ هذا لمن طالع السّعد. ف ض حِكا، ودرج نا إلى القاضي الفاضل، نا فدخل عليه، فرأيتُ شيخًا ً ضئيلا ّه ُل ك رأس وقلب ، وهو يكتب ويُملي على اثنين يجلسان بجِواره، ووجهه وشف تاه تلعب ألوان الح ر كات لقوّة حرصه في إخراج الكلام، ّه وكأن يكتبُ بجملةِ أعضائه. فلمّا فرغ من إملائه، سألني عن جواب (إذا) في قوله تعالى« :حتّى إذا جاؤوها وفتُحِت أبوابُها وقال لهم خ ز نتُها فأجبتُه، ثُمّ سألني عن جواب (لو) في قوله تعالى« :ولو أنّ قرآنًا سُيّرت به الجِبال أو ّعت ُط ق به الأرضُ أو ُلِّم ك به الموتى. فأجبتُه. وسألني عن أشياء أخرى، فقال لي« :تذهبُ إلى دمشق ونُجرِي عليك الجِرايات بأمر من ّاصر الن صلاح الدّين نفسِه . فقلتُ « :قد كنتُ في دمشق، ّني وإن أريدُ مصر. فقال« :إنّ السّلطان مشغول بقِتال الفرنجة في ّا عك هو وأخوه العادل، ّها وإن حصينة عليه، ولا أدري إن كان سيفرغ من ذلك في وقت قريب أم سيطول الأمر، ونتركها دون أن نفتحها. فقلتُ له« :لا بُدّ مِن مِص ر وإن طال السَّف ر . فضحك، وقال« :لو سمعك ابنُ حنبل ما ل أجازك، فهو أوّل م ن قال: لا بُدّ مِن صنعاء وإن طال السّفر . وكتب القاضي الفاضل إلى وكيله في مصر ً ورقة صغيرةً لكي يعتني بي وبمقامي فيها، فأتيتُ مصر، فدفعتُها إلى الدّيوان، فإذا ُه وكيل هو (ابنُ سناء المُلك ) وهو شاعر مُفلق، وشيخ جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني دارًا مُريحة، وجاءني بمال وطعام، ثُمّ مضى إلى أرباب الدّولة، فقال لهم« :إنّ عبد ّطيف الل
عدد الصفحات ٣٥