المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مسغبة

غير معروف

صفحة ٢ من ٢٠

عبد ّيف اللط ادخل ولا تنقف الح صى فأدخل وبيدي مزيد من الحصى فأنقف به الباب، فإذا برز منه، طارت حصاة فأصابت وجهه، فأُطرِق ً خ جِلا لا أدري ما أفعل، فيهتف« :لا عليك. وكنتُ أرى ّه أن غير لائق بالتّدريس، ولا بأن آخذ عنه، ونقِمتُ على طردِ أبي البركات لي، وتغيّب تُ في البدايات أكثر من مرّة، وكنتُ أختلق الأعذار لذلك، فأقول مرّة ّني إن مريض، ومرّة إنّ سلطان ّوم الن قد غلبني فلم أستيقظ، وأقول ً ثالثة ّني إن تعثّرتُ في ّريق، الط فوقعتُ فجُرِحت ساقي، وأقول رابعة إنّ أمّي ني أخذت إلى سوق زّازين، الب وغيرها من الأعذار، وكان يحتمل ذلك وهو غيرُ مُكر ه، ولا أدري لماذا احتمل صبيًّا مثلي، وقال لي ذات مرّة « :ألم يأنِ لعبد ّطيف الل أن يكون ًا لطيف كما قال أبوه؟. فسألتُه « :كيف؟« .يأتي درس نا من دون أن يعتذر. يّن فل ذلك قلبي، ثُمّ ّه إن عرف من أبي ّني أن أحبّ الفالوذج، فكان يأتيني به، فأحببته، وأحببتُ درس ه، وأقبلتُ على العِلم، فأخذ هو كذلك بكلتا يديه، وجعل ّمني يُعل من أوّل ّهار الن إلى آخره بوجوه كثيرة من ّف، التّلط وكانت له حلقة بمسجد ّفريّة الظ فانتقلتُ إليه هناك، ثُمّ ّه إن كان يقرأ درس ه ويشرحه للتلاميذ، فإذا فرغ خ صّني من دونهم بشرح أ ز يد، ثُمّ إذا خ ر ج من المسجد إلى داره، قدُته أنا إليها، فكان يُذاكر معي الدرّوس في ّريق، الط فإذا نا بلغ داره، أخرج الكتب ّتي ال يشتغل بها، ودفع بها إليّ ُها فأحفظ ويحفظها، ولم يكن ذلك لأيّ تلميذ سِواي، ثُمّ صِرتُ أرافقه بعد بضعة شهور إلى درسِ ّيخ الش أبي البركات الأنباريّ، فلم يكن يملك إذ يراني معه أن يطردني، فكنتُ أسمع تجادلهما، وتحاورهما، ونقاشاتهما، ُ فأحفظ وأعي، فإذا انقلب من درسِ ّيخ الش كنتُ أنا رفيقه، وقائده في ّريق الط إلى بيته، وكان ّيخ الش أعجوبة في ّغات، الل يُحسِن الفارسيّة والتّركيّة شِيّة والح ب والرّوميّة والأرمنيّة والزّنجيّة، ولا أدري كيف ّى تسن لأعمى أن يُتقن هذه ّغات الل َّها، ُل ك واستملتُ ه قلب ّمنيها، فعل ولم يجد في ذلك كثير ع ناء، وكنتُ تلميذه الأثير، وكان إلى ذلك ّه كل شاعرًا، وكثيرًا ما أنشدنا من شعره، ّمًا مُترن : ما م رّ يوم ولا ش هر ولا عِيدُ فاخضرّ فيه لنا مِن ُم و ص لِك عُودُ عُودُوا ُد ت ع ُمُ ِك ب الأيّامُ ً مُشرِقة وإن أبيتُم، ففي الأسقامِ لي عُودُوا وكان ص بورًا صبر الجِبال، لم يُحرّك ه لغضب صغير ولا كبير ، وقد حدث معه حادثة شبيهة بتلك ّتي ال حدثت لمعن بن زائدة في اختبار حِلمه، فقد جاءه ن جّار ُه أعرف وأعرفُ ّه أن لا يفقه شيئًا، وكنتُ شاهِدًا على ذلك، فدخل ّجّار الن ّم وسل عليه، ثُمّ سأله عن مسألة نحويّة، فأجابه ّيخ الش أحسن جواب، فقال له ّجّار الن: أخطأت، فأعاد ّيخ الش الجواب بألطفِ من ِقه، ساب وسهّل طريقته، وبيّن حقيقت ه. فعاد ّجّار الن إلى قوله الأوّل وزاد فيه، فقال له: أخطأت أيّها ّيخ، الش ج بُ والع مِمّن يزعُمُ ّك أن تعرف ّحو الن ويُهتدى بك في ُلوم، الع فهل هذا مبلغُ معرفتك؟ فلاطفه شيخُنا ونحن بين يد يه في ع ج ب، وقال له: يا بُنيّ ّك لعل لم تفهم الجواب، فإن أحببت أعدتُه لك مرّة ً ثالثة بأسهل وأبين من المرّتين الفائتت ين، فقال له ّجار الن: كذبت ، لقد فهمتُ ما قلت ، ولكن لجهلِك تحسبُ ّني أن لم أفهم. فقال له ّيخ الش وهو يضحك: قد عرفتُ مُراد ك، ووقفتُ على مقصودك، وما أراك ّ إلا غُلِبت، فأدِّ ما ت بايع عليه مع رُفقائك، فلست ّذي بال تُغضِبني أبدًا.

عدد الصفحات ١٢

وبعدُ يا بُنيّ فقد قيل: إنّ ً َّة ق ب س ت جل على ظهر فيل فلمّا أرادت أن تطير قالت له: استمسك أيّها الفيل ّني فإن أريدُ ّيران، الط فقال لها الفيل: والله يا هذه ما أحسستُ بكِ مّا ل جلس تِ، فكيف أستمسِكُ إذا طِرتِ؟ والله يا ولدي ما تُحسِن أن تسأل، ولا أن تفهم الجواب. فامضِ إلى سبيلك ّم وسل على رُفقائك . ولقد كان ّيخ الش إذا بدأ ً مسألة نحويّة، عطف عليها أخرى فِقهيّة، فإذا الفقهيّة تُخرجه إلى آية من كتاب الله، فإذا الآية تُدخِله في البلاغة، فإذا البلاغة تستدعي بيتًا من ّعر، الش فإذا البيت يحضُرُ معه ُه، قائِل فإذا القائل يتحدّثُ عن نفسه، ونعرفُ ه نسب ودرجته وطبق ت ه في ُحول… الف ولعلّ هذا الاستِطراد، والدّخول من باب والخروج من آخ ر كما كان يفعل الجاحظ هو ّذي ال ّل قل عدد تلامذة ّيخ الش الواسطيّ، ّه ولكن كان ًا ممتع ّسبة بالن لي، ولقد طوّف بي في أفانين الأدب ّعر والش ّحو والن والصّرف ّغات والل والفِقه وحتّى الفلك حتّى شممتُ من أزاهيره كلّ عابق شذيّ . ثُمّ إنّ ّيخ الش اتّخذني ابنًا، وع جِب لسرعة فهمي وحِفظي، واعتنى بي كما لو كنتُ كنزه ّذي ال أفنى عمره باحِثًا عنه، إلى أن حدث ما قلب المُعاد لة، إذ ظهر تلميذ آخر فاز بقلب ّيخ الش الأعمى مثلي أو أكثر، وبدأتُ أغار منه لكثرة عنايته به، واحتِماله على ّة قل إدراكه، ودخل القلب ما دخل، وأنا يومئذ ابن خمسة عشر ًا، ربيع ولا أدري ما ّذي ال ح م له على احتِماله، كلّ ما يُميّزه ّه أن لم يكن يلعب التّنبوك في فناء البيت كما يفعل بقيّة الصّبيان، ثُمّ تنافستُ وإيّاه في الحِفظِ، نا وتسابق في ذلك عند شيخنا الأعمى، فاستمع لنا، وأُعجِب بنا ًا، مع ّه ولكن ح ك م لي، كان ذلك التّلميذ هو (ياقوت الحمويّ )، ونشأت بيننا بعد ذلك صداقة وطيدة، لم يقطعها غيرُ الرّحيل عن بغداد، وبغداد إذا ُطِع ق وُد ها، ُطِع ق وُدّ أهلها؛ وهل تصفو على ك د ر نُفوس ؟ ! ❝ ❞ (٥) سنواتُ الصَّفاء وبغداد تُحبّ الحياة نا، مثل ون هر اها ط رُوبان ّاءان، ك ب ولو أصخت إلى ح مامِها لش جاك ما ش جا أبا فِراس وهو في أس رِه حين ش د ا« :أقولُ وقد ناحت ُربي ِق ب » ح مامة . ولو نظرت إلى نِسائِها لف ت نك منها ما ف ت ن (مسكين الدّارميّ )، حين قال« :ُل ق لِلمليحةِ في الخِمارِ الأسودِ. ولو أبصرت ّمس الش وهي تتخلل خلف عذوق ّخل، الن ت ها لظن ن حسناء تختفي خلف الجذوع إذ ها ن ت عاي أحب العيون ُها وأ ش و ق . وكثيرًا ما ّيتُ غن في المساءات وأنا عائد من أحدِ الدّروس « :رُبّ و رقاء ه تُوف في الض حى . كنتُ في العاشرة لمّا رأيتُ بغداد ُ تأخذ زينت ها عند كلّ ّة، محل وتتزيّا عند كلّ درب ، فسألتُ أبي عن ذلك، فقال: إنّ خُطبة العاضد آخر خلفاء الفاطميّين قد ُطِعت ، ق ّه وإن صار يُخط ب للخليفة العبّاسيّ المستضيء بأمر »الله .فسألتُه« :وهل تتزيّن بغداد ّما كل غيّرت خليفة؟. فضحك. وقال « :ّه إن صِراع بين ين مذهب يا بُن يّ « .وهل الصّراع ينتهي إذا تغيّر الد عاء في الخطبة يا أبي؟. فضحك من جديد، وقال« :عندما تكبر ستعرف. وسألتُه « :إن كانت الأمور تنعقد على الخطبة فما ّذي ال غيّر رأي الخطيبِ في أن يخطب ُلان لف دون ُلان؟ ف . فلم يجب أبي، وسألتُه من جديد« :فإنّ تغيّر الد عاء في الخطبة فهل يتغيّر الخطيب؟ أم أنّ الخطيب يخطب لفلان أو ّن لعلا كما يُؤمر؟. فردّ بطويلِ صبر يكاد ينفد« :كما يُؤمر يا بُنيّ…

عدد الصفحات ١٣

كما يُؤم ر . فسألتُه« :وما سبب تغييره يا أبي؟ فقال: ّها إن قصّة طويلة. فقلتُ « :وإنّ الطريق إلى المسجد طويلة ُصّها فق ي ع ل . قال أبي« :ّه إن م نام، رأى الخليفة العاضد في منامه أنّ عقرب خرجت من مسجد ّافعيّة الش بمصر، وقطعتِ ّريق الط من المسجد إلى القصر، ّلت وتسل في الرّدهات حتى وصلت إلى فِراشه ه، د غ ت ول ُعِر، فذ ودعا ِرين المُعبّ ليُفسّروا منامه، فإنّ ملوك مِصر يا بُنيّ ُ منذ أن كانوا، يحكمون بما ُمون، يحل ويقضون بما يُقض ى لهم في الم نام، فقال له ِرون المُعبّ : يخرج من ذلك المسجد م ن يقضي عليه، ويُنهي خلافت ه، فأصاب الهلعُ الخليفة ّابّ، الش وقال لرئيس شُر ط تِه ائتني ِم ن ب يقيم في ذلك المسجد، فأتوه بشيخ مسكين متصوّف زاهد ليس له من الد نيا ّ إلا كراريسه يُدع ى (نجم الدّين الخ بُوشاني )، فسأله الخليفة عن مقدمه، ومن أين جاء، وعن مولده، وعن سبب إقامته بالمسجد، فقال له ّه إن من (خ بُوشان ) من ُرى ق (نيسابور) وبها مولده، ّه وإن مُقيم في تربة ّافعيّ الش يدرّس الفِقه، وسأله عن أمور أخرى ّها لعل تكشف ِقاب ّ الن عن حقيقته، فأجابه (الخ بُوشانيّ ) عن كلّ سؤال، فرآه ًا صادِق مِسكينًا، وأضعف من أن يناله ِش رّ، ب فأعطاه ً، مالا وصرف ه، وقال له« :ادعُ لنا يا شيخ. فلمّا خرج، سكب الدّراهم على باب القصر، ها ور ك ل بنِعاله. لم تمرّ على تلك الر ؤيا ّ إلا أشهر حتّى استفتى صلاحُ الدّين الأيّوبيّ ّيخ الش (الخ بُوشانيّ ) ضمن مجموعة من ُقهاء الف في أمر عزل الخليفة العاضِد وإقامة الخُطبةِ للخليفة العبّاسي، فأفتى بذلك، وبالغ في ُتيا الف وصرّح بتعديد مساوئهم، وسلب عنهم الإيمان . وهكذا ّقت تحق رُؤيا العاضد، وأُزيح عن الخِلافة ومات بعد ها مريضًا . قلتُ لأبي« : قِصّة تُرو ى . ظلّ أثر القِصّة يعمل في عقلي وتفكيري، حتّى هذيتُ بها، وهكذا ّما كل تأثّرتُ بشيء دار في دي خ ل حتى برز لي في كلّ شيء ، في ّيلة الل نفسِها حلمتُ ُمًا حُل شبيهًا ّذي بال حلمه العاضد، رأيتُ في المنام أفعى تخرج من أكبر مقبرة في القاهرة، وتطوفُ شوارعها وأحياء ها ُ تلدغ كلّ م ن تمرّ به، حتّى لم يبق بيت في القاهرة ّ إلا دخل ه، ت ورأيتُ ً رجلا قيل لي ّه إن صلاح الدّين، تلدغه أربع مرّات، ّه ولكن لا يموتُ من حينه، ويموتُ فيما بعدُ مريضًا . وصحوتُ من ّوم الن مُفزّعًا، فهُرِع إليّ أبواي يسقياني حتّى يذهب ّي عن الرّوع، فلمّا أخبرتُهما الرّؤيا رأيتُ الفزع في عين أُمّي، ولكنّ أبي قال لها « :ّني إن قصصتُ عليه رؤيا العاضد فهو مُتأثّر بها. أقمتُ بمدرسة ّفرية الظ زمنًا، كان زمنُ إقامتي فيها ثلاثة أعوام ، فيهنّ أخذتُ من كتب الوجيه الواسطيّ كلّ ما كتبه أبو البركات الأنباريّ فحفظتُه، حفظتُ ( م ع الل ) لابنِ ّي جن في ثمانية أشهر ، أسمعُ كلّ يوم المتن ّرح، والش ثُمّ أنقلبُ إلى بيتي فأطالع شرح (الثّمانينيّ الضّرير ) له، وشرح ّريف الش (عمر بن حمزة)، وشرح أبي الفتح (ابن بُرهان)، فلمّا حفظتُ ذلك ّه، كل صرتُ أشرحُها لِم ن طلب العِلم أو سأله. وكانوا يقولون: يحفظ ثلاثين ُرّاسًا ك لشروح ( م ع الل ) وهو في هذه السّن؟ . فاستعظ موا ذلك ّي، مِن ف ز هِدوا ِما ب عندي، وكان عندي كثير لو تدبّروا. حتّى أخذني أبي إلى المدرسة ّظاميّة، الن المدرسة الكبرى، وكنتُ في السّادسة ع ش ر ة ، وكانت بعيدةً في كلّ شيء، في الطريق، ّأو، والش والأساتذة. وحفظتُ آنئذ (أدب الكاتب) لابن ُت يبة ق ًا حفظ مُتقنًا؛ أمّا ّصف الن الأوّل ففي شهور، وأمّا تقويم ّسان الل ففي أربعة عشر يومًا؛ ّه لأن كان أربعة ع ش ر ُرَّاسًا، ك ثُمّ حفظتُ له (مُشكِل القرآن)، و(غريب القرآن)، وكلّ ذلك في مُدّة يسيرة. وكبرتُ، كبرتُ في حبّ بغداد، ّها

عدد الصفحات ١٤

الل ففي أربعة عشر يومًا؛ ّه لأن كان أربعة ع ش ر ُرَّاسًا، ك ثُمّ حفظتُ له (مُشكِل القرآن)، و(غريب القرآن)، وكلّ ذلك في مُدّة يسيرة. وكبرتُ، كبرتُ في حبّ بغداد، ّها وإن تُح بّ، ل وم ن عرفها معرفتي ّق تعل بها، وإنّ ها ل ً حِبالا تشد ك إليها بوثاق لا ينفصم، وبغداد ملءُ العين، فأينما وجّهت وجهك ت ر ها، وأينما سارت ِك ب الخُطا ك قاد ت إليها، وحيثُما حلّ الهوى تحلّ، وحيثُما يرتحل الج مال ترتحل، ّها إن بغدادُ يا أبي، وهل أتاك ؤُها؟ ن ب! وكنتُ أقطعُ المسافة إلى المدرسة ّظاميّة الن على بغلة لنا، وكانت ً بغلة بلقاء جميلة، اعتنى بها خدمُنا وزركشوها، فكانت ّ محط أنظار ّصوص، الل وتلك قِصّة أ سِيّة، لولا أنّ ّطيف الل لطف بعبد اللطيف للحقتُ بشيخي أبي زرعة.

عدد الصفحات ١٤

ولصوص بغداد ظريفون مثلها إذا أرادوا، لم يكن لأحد أن يُصبح في بغداد لِصًّا، فبغداد لا تقبل السّقط من ّاس الن فتجعلهم لصوصًا، كان لصوص بغداد يتمتّعون بقوّة في الجسم اكتسبوها من تدريب طويل، وبمروءة يعزّ نظيرها عند أهل المروءة، وكان فيهم ُق هاء، ف وأهل علم ورأي، ولقد زادهم الله كما زاد (طالوت ) ً بسطة في العِلم والجِسم . فإذا وقعوا في يدِ ر طة الش استهانوا بالجلد، وتبار وا في استعذاب السياط، ولهم قدرة عجيبة على تحم ل الألم، حتى قالوا في ذلك« :لو أنّ أحدهم ادّعى النبوة وجعل معجزته الصّبر على الضّرب بالسّياط لف ت ن ّاس الن. وما زالت إلى اليوم تُروى قصّة أحمد بن حنبل مع (أبي هيثم ّرار الط ) ّصّ، الل حينما سُجِن أيّام فتنة ق خ ل ُرآن، الق إذ مّا ل مُدِّد ابنُ حنبل د لِيُجل بالسياط، إذا برجل يجذب ثوبه من خلفه ويقول: يا ابن حنبل، أما تعرفني؟ فقال ابنُ حنبل: لا، فقال: أنا ّصّ الل ّرّار الط أبو الهيثم، ضُربت ثمانية عشر ألف سوط ت حمّلتُها من أجل الدنيا ومن أجل ّيطان، الش أفلا تصبر أنت لطاعة الرّحمن؟ . وأمّا فِقهُهم فعميق؛ فقد استوقف لص أحد أصحاب البساتين وأراد أن يسرقه ويأخذ ملابسه، فقال له صاحب البستان: ني أمهل حتى أصل إلى بيتي ثم أُرسل لك ملابسي، وأ قسم على ّه أن صادق، ولن يحنث ِق س مِه ب. فقال له ّصّ الل : ّا إن ر و ينا عن الإمام مالك ّه أن قال: لا تـ لزم الأ يمانُ التي ف يُحل بها ّصوص لل . فقال له صاحب البُستان: فأحلف ّ ألا أحتال في يميني هذه؛ فقال: هذه يمين ّبة مُرك على أ ي مان اللصوص، ثُمّ ّني إن راجعتُ أمر ّصوص الل من عهد رسول الله ّى صل الله عليه ّم وسل وإلى وقتنا هذا فلم أجد لِصًّا أ خ ذ بـد ي ن نسيئة، وأنا أ ك ر ه أن أبتدع في الإسلام ً ِدعة ب يكون عليّ وز رُها ووز رُ م ن عمل بها بعدي إلى يوم القيامة، اخلع ثيابك. فقام صاحب البُستان فخلعها ودفعها إلى ّصّ الل الفقيه، فأخذها وانصرف!! ولقد كان ّصوص الل يكتبون، وبعضُ م ن يزعمون العِلم لا يكتبون مثلهم، وكان بعضُهم ُ عِظ ي أصحابه، ويضع لهم ً شريعة يتّبعونها، ويتوعّد كلّ زائغ عنها، فلقد سمعتُ أنّ أحدهم جم ع ّصوص، الل فقال« :اضمنوا لي ثلاثًا أضمن لكم السّلامة : لا تسرقوا الجيران، واتـّـقوا الحُرُم، ولا تكونوا أكثر من شريك مُناصِف، وإن ُنتم ك أ و لى بما في أيديهم لِك ذِبهم ّهم وغِش وت ر كِهم إخراج الزّكاة وجُحودهم الودائع. فأمّا قِصّتي مع ّصوص، الل فقد كنتُ ذاهِبًا فجر أحد الأيّام إلى المدرسة ّظاميّة الن لدرس ّيخ الش أبي البركات، فبرز لي ثلاثة عند منعرج بعد أن خرجتُ من درب الفالوذج، وجاوزت باب ّفريّة، الظ وكانت بقيّة من عتمة تسترُهم، فهلعتُ أوّل ما سمعتُ أحدهم يصيح بي أن ّف، أتوق فجذبتُ عنان البغلة فجمدت مكانها وجمدتُ ها، فوق ثُمّ تضاح كوا بينهم« :صبيّ، ويركبُ ً بغلة بلقاء، ّك إن لغ نيّ . وتذاكروا بينهم أن يختطفوني ويُطالبوا أهلي ِفِدية، ب وبينما هم كذلك، أمروني أن أترجّل، ففعلتُ، ثُمّ أمروني أن أُعطيهم ما معي من مال، وكان معي صُرّة لم أحمل ها مثل ّ إلا هذا اليوم المشوؤوم، فدفعتُها إليهم، ثُمّ أمروني أن أخلع ثيابي، فتردّدتُ، فلمّا أشهر أحدهم السّيف في وجهي، سارعتُ إلى ذلك، وبينما أنا أخلعُ قميصي، إذ عنّ ببالي أن أُداري خوفي بما ُ، أحفظ فرحتُ أقرأ بعض الآياتِ، فانتبه إليّ أحدهم، وقال لي« :فما معك من القرآن؟. قلتُ : «ّه ُل ك . فقال« :غنيّ، ُ ويحفظ القرآن؟»!قلتُ« :نعم. قال« :فاقرأ. فقرأتُ حتّى قال لي« :حسبُك . تُ فتوقف . فأمرني أن أُبقي على ثِيابي، ثُمّ قال لي: ما معك من شِعر ّصوص؟ الل فقلتُ له« :معي من شِعر يك الس ل وعُروة ويسير من شِعر الأُحيمر السّعدي .

عدد الصفحات ١٥

أتُ حتّى قال لي« :حسبُك . تُ فتوقف . فأمرني أن أُبقي على ثِيابي، ثُمّ قال لي: ما معك من شِعر ّصوص؟ الل فقلتُ له« :معي من شِعر يك الس ل وعُروة ويسير من شِعر الأُحيمر السّعدي . فقال« :وما تحفظ للُح يمر؟ . قلتُ « :قوله: عوى ّئبُ الذ فاستأنستُ ِّئبُ بالذ إذ عوى وص وّت إنسان فكدتُ أطيرُ

عدد الصفحات ١٥

فردّ إليّ مالي، وقال« :خُذ ه ّك فإن ّه تستحق فهدأت نفسي، وطمعتُ في أن يُعيدوا إليّ بغلتي، ّه فكأن رأى ذلك في وجهي، فضحك، وقال« :أمّا البغلة نا، ف ل ولو كنت ه رِمًا لتركناها لك ّغك تُبل مقصدك، ّك ولكن فتًى يافع، وتُحسن أن تمشي. فأخذوا البغلة وذابوا على ُبالة ذ ّيل الل المُنطفِئ ! فلمّا عدتُ ذلك اليوم إلى البيت، وقصصتُ القِصّة على أبي عز م أن يكتري لي دارًا ً قريبة من المدرسة ّظاميّة الن حتّى لا يقع ما وقع مرّة ثانية، وكانت الد ور القريبة من المدرسة ً غالية لكثرة م ن يطلبون ُرب الق من المدرسة، ولو بحثت عن الدّور في بغداد في أيّ موضع غير ذلك الموضع لما ِيت، ع ي فقد كان ً سهلا في بغداد أن تنتقل من ّة ضِف إلى ّة، ضِف ومن دار إلى دار، ومن ّة سِك إلى ّة، سِك ومن شارع إلى شارع، ومن زُقاق إلى زُقاق، كان أهل بغداد أهل حياة، وكانوا أهل ح ر كة، وأمّا بجوار المدرسة ّظاميّة الن فكنت تدفع في الدّار ما تدفعه في عشر دور غيرها. ولكنّ أبي – رحم الله أبي – لم يتوان في الإسراع لإيجاد دار لي هناك، وكان يُمازحني « :و م ن خطِبِ ي الحسناء لم ُه ل غ ي الم هرُ . واكترى لي أبي دارًا ً مفتوحة على السّماء، فِناؤها واسِع، وخيّرني بين أن أعيش فيها وحدي، أو أضمّ إليها م ن طابت صُحبته من ّب طلا المدرسة ّظامية، الن فاخترتُ أن أكون وحيدًا، وكانت الدّار ُوّةً ممل بالكتب، المنسوخ منها ّ بخط يدي، أو المُشت رى من دار الكتب في رِباط المأمونيّة فيما يُعينني على أن أُتِمّ ما أنا فيه. وكانت خلوتي في البيت خير رفيق لي، ومكثتُ في الدّار أربع سنين، كانت سنيّ الصّفاء، والجلوة، والحِفظ والمُذاكرة، ففي هذه الدّار الأنيسة حفظتُ الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ في بضعة شهور، ولازمتُ مُطالعة شروحه وتتبّعتُه التّتبّع التّامّ حتّى تبحّرتُ فيه، وجمعتُ ما ه قال راح، الش ومكتبتي يومئذ تربو، وأمّا التّكملة فحفظتُها في أيّام يسيرة ، كلّ يوم ُرّاسًا ك. ولقد كان هناك في ّارع الش ّذي ال يؤدّي إلى المدرسة مطاعم كثيرة، وكان فيها أكل كثير، وأصناف ش تّى، وكان ّعام الط ّذي ال خ يُطب في تلك المطاعم يتنوّع بتنوّع ّلبة، الط فكان فيه ّعام الط البُخاريّ والهنديّ والعربيّ ّاميّ والش والمصريّ والمغربيّ، وكان يُؤكل في المطعم نفسِه في أوقات ُسحة الف ما بين الدّروس ّتي ال تكون عادةً بعد صلاة هر، الظ وأمّا أنا فقد كان يُحم ل ّعام الط إلى بيتي، واكتريتُ لذلك خادِمًا يأتيني به، وساعد ني أنّ البيت قريب من المدرسة. وفي المساء بعد أن ّي نُصل العصر في المدرسة، كان أكثرنا يعود إلى بيته، فبيوت الكثيرين في أحياء بغداد البعيدة، وبعضُها في الأكوار، أو في الأصعدة. وكان هناك نفر قليل يبقى حتّى ّي يُصل العِشاء الأولى قبل أن يغادر أبهاء المدرسة، وهؤلاء كانوا يقطنون في البيوت القريبة، وإذا لم يُبقِني درس ُ آخذ فيه عن شيخ في المدرسة، ّني فإن كنتُ أعودُ إلى الدّار، فأجلس في مكتبتي، وأحيانًا أخرج إلى الفِناء قبل أن تغرب ّمس، الش فأقرأ في الكتاب ّذي ال أنا فيه، ّني فإن آليتُ على نفسي مُذ بدأتُ ّ ألا أخرج من كتاب حتّى أستظهره، فإن كنتُ مُكِبًّا على دراسةِ كتاب وتفهّمه ّني فإن لا أنشغل بآخر معه، ولا أصرفُ الزّمان وإن اتّسع ّ إلا معه، ولم أكن لأشتغل بعِلم ين في آن واحد ، فإذا فرغتُ من أحدهما، صرفتُ هِمّتي للآخ ر.

عدد الصفحات ١٦

ثُمّ كانت تلك المساءات الجميلة، تذهبُ في مطالعة الكتب المبسوطة والمُخت صرات، وواظبتُ على دراسة كتاب (المُقت ضب ) للمُبرّد، وكتاب (ابن درستويه)، وكنتُ أثناء ذلك لا أغفل عن سماع الحديث - إذا أسعفني الزّمان - ّه والتّفق على شيخنا (ابن فضلان) بدار ّهب الذ وهي مدرسة ّقة، مُعل بناها (فخر الدّين بن ّلب المُط ). وكان بعضُ شيوخ هذه المدرسة يروون هذا الحديث« :نهرُ ّيل الن نهرُ العسل في ّة، الجن ونهرُ دجلة نهر ّبن الل في ّة، الجن ونهرُ ُرات الف نهرُ الخمر في ّة، الجن ونهرُ سيحان نهر الماء في ّة الجن. فأطفأ الله نورهنّ لِيُصيّرهنّ إلى ّة الجن. ولم أكن أجد له ❝ ❞ إسنادًا يُصحّحه، فأنكرتُه على راويه، ف ن ه رني، وابتدرني ُحش بف القول، فلزمتُ الصّمت، فهيّج عليّ ّاس، الن فأخذوا بتلابيبي حتّى كدتُ أختنق، وكنتُ رقيق ُود، الع فلمّا رآني شيخُهم، صاح بهم « :د عوه، ّني فإن أعرفه وأعرفُ أباه، ّه وإن تلميذ أبي ز رعة فاستنقذني من بين براثنهم، ّوا فخل سبيلي، ولمّا استوضح الأمر، قال« :يا بُنيّ، ّما إن المُراد من ك و نِ هذه الأنهار من ّة الجن أنّ أصلها منها، كما أنّ أصل الإنسان من ّة، الجن فلا يُنافي الحديثُ الحقيقة المعلومة المُشاهدة من أنّ هذه الأنهار ت نبعُ من م نابعها المعروفة في الأرض، فإذا لم يسلم لك ذلك، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم بخبرها. فلم أقتنع ! ❝ ❞ (٦) الأذى يذهب والعِلم يبق ى إنّ ( غ ب) ص نم و(د اد) أعطاني، بلغة أهل فارس، فلمّا أراد أن يقول: أعطاني الصّنمُ هذا، قال: ( غ ب داد)، فصارت (بغداد)، فعلى أيّ شيء تُحبّها؟ خ لاك مّ؛ ذ أُحبّها ّها لأن هي؛ ّها لأن بغداد، المدينة ّتي ال صنعت الحلم، والمدينة ّتي ال طارت بي بعيدًا. ولكن كيف تُحبّها، وتنوي أن تُسافر بعيدًا عنها؟ أُسافر من أجل أن أمل العقل والفؤاد بأثقال العلم وأعود لها ًا عذوق في نخلها، وماءً في نهرها، وديمة في سمائها، سيقولون هذا عبد ّيف اللط البغداديّ، وأكرم بها من نسبة! ك ف ى غداد ِب ب أنّ الله بارك ها… وأنّ فيها مِن ّاتِ الجن أنهار ا… حُوريّة مِن أعالِي الخُلدِ … نازلة تِن لِت ف ّاس الن رُهبانًا وأ ح بار ا… ّها كأن حِين تُبدِي لِي م حاسِن ها… (راعِيلُ ) تُبدي إلى (الصّدّيقِ ) أ و طار ا… وهل يُقالُ لِم ن ع زّت ُ… ن ظائِرُه ّ إلا (تبغدد )، أو للمُنتمِي دار ا؟ ! وسُقاة بغداد ُرفاء ظ حُكماءُ كلصوصها، ولقد كانوا يبيعون الماء، ويُشيعون الأمثال، ويسقون ذا الحاجة، ويُنشِدون ّعر، الش ويقصّون الحكايا، ّون ويغن الألحان، وكانوا يحملون الماء في ين، عِدل مربوط ين بحبل إلى ط رف ي عصا، والسّاقي يضع صا الع عل عاتقه، ويمشي وهو واضِع ذراع يه على ط رف يها يُنادي في الأحياء وفي اّة لأزق على م ن يشتري الماء، وكان الماء في بغداد كثيرًا، ولكنّ أكثر الس قاة كانوا يسقون هًا، تفك وكانوا يأتون به من دِجلة، وماء دِجلة إن س لِم من لوثة البشر فهو صاف رقراق، إذا انسكب في الأفواه وجدت فيه ً عذوبة ّه كأن الكوثر ّذي ال إذا شرب ت منه ً شربة واحدةً لا تظمأ بعد ها أبدًا، وإذا نفذ فيه شُعاع ّمس الش ر قّ، فعاد في ّور ِل الب َّورًا ِل ب. وكانت مياه رب الش تجري في مجار َّطة ل مُب من أسفلها بالصّاروج الأحمر ومعقودة من أعلاها بالآجُرّ، وتدخل المدينة في شوارع الأرباض ً جارية ًا صيف وشتاءً، في هندسة لا ينقطع هواؤها. وبُنِيت قناطرُ عِدّة بالآجُرّ والجِصّ وتكاثرت أحواض مياه السبيل. أمّا ّاس الن فكانوا يحفرون الآبار في بيوتهم، أو ينقلون الماء من دجلة على دوابّهم. وكان أهل الله منهم ُونه سق ي في الجوامع ابتغاء وجهه.

عدد الصفحات ١٧

ولقد قال ذو ّون الن المصريّ « :م ن أراد أن ّم يتعل المروءة َّر ف والظ فعليه ِسُقاة ب الماءِ في بغداد. قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: مّا ل حُمِلتُ إلى بغداد رُمِي بي على باب الس لطان مُقيَّدًا، فمرّ بي رجل مُتّزِر بمنديل مِصريّ، مُعتمّ بمنديل د بيقيّ، بيده كِيزانُ خ ز ف رِقاق وزُجاج مخروط. فسألتُ : هذا ساقي الس لطان؟ فقيل لي: لا، هذا ساقي العامّة ! فأومأتُ إليه: اسقِني . فتقدّم وس قاني، فشممتُ من ُوز الك رائحة مسك، فقلتُ لمن معي: ادفع له دينارًا . فأعاطاه الدّينار. فأبى, وقال: ليس ُ آخذ شيئًا. فقلتُ له: ولِم ؟ فقال: أنت أسير ، وليس من المروءة أن آخذ منك شيئًا. ثُمّ قال لي أبو البركات: إذا أنهيت حِفظ أسرار العربيّة، فيُست حسنُ أن تحفظ ديوان المتنبيّ . فقلت له« :ّني إن ُ أحفظ ُرّاس الك الأوّل . فقال« :وما يمنعك من أن تُكمِله؟ . فقلتُ « : لا شيء ، ّني ولكن أريدُ شيخًا له. فقال« :إنّ أباك يعرفُ أبا البقاء ريّ ُكب الع الضّرير وأنا أعرفه. فقلت« :إنّ أبي لا يعرفُ ّ إلا الأضرّاء »!فلم يجد ها ً، دُعابة وقال لي« :إنّ عقلهم أصفى من عقولنا. فسألتُه« :لِم ؟. فقال« :ّنا لأن نُسكِن الخراب في عقولنا ِما ب نرى وهم لا يفعلون، ثُمّ ّهم إن استعاضوا عن البصر بالبصيرة، ف ق وِيت . فقلتُ « :وما عنده؟. قال « :هو أعلم ّاس الن بشعر المتنبّي اليوم، فاجعل أباك ُك يسوق كما يسوقُ الدّابّة إليه. فلم يُعجبني ُه قول الأخير، ّه ولكن شيخي، وإنّ أذاه يُغت فر إلى جانب علمه الزّاخر، والأذى يذهب والعِلم يبق ى . تُ فحدّث أبي، فقال« : م نِع ما أشار به عليك، ّني وإن ُه، أعرف ّني ولكن لا أريدُك أن تحضر مجلسه في المسجد، فإنّ التّلاميذ كثيرون بين يد يه، ولن يصرف ه قلب إليك وأنت بين العشرات، فإن ذهبتُ بك إلى بيته مُفر دًا فإنّ ذلك أدعى إلى أن تعرف من ِ ّيخ الش المتنبّي وغير ه . فقلتُ « :وهل ستُسيّر له لِقاء ذلك ً؟ مالا . فقال« :الغاية إلى معرفة المتنبّي تُهوِّن كلّ سبيل. زِم تُه ول عامًا أو أقلّ، هو زُبدة أعوامي في ّظاميّة، الن فما وجدتُ بحرًا أوسع منه، ولا ً جبلا أشمّ منه، ولا قلبًا أرقّ منه، وكان سريع برة، الع بك ى وهو يشرح أبيات المتنبّي لي في غير موضع، بكى مّا ل شرح: ٠ولا ذكرتُ ً جميلا من صنائِعها ّ إلا بكيتُ، ولا وُد بلا بِ س ب وبكى حين مرّ بقوله: ُ حُشاشة نفس ودّعت يوم و دَّعوا

عدد الصفحات ١٨

فلم أدرِ أيَّ ّاعِن ين الظ ِعُ؟ أُشيّ ولو عدّد تُ مواضع بُكائه م ا ل أحطتُ . وكانت دارُه في بغداد قرب (باب ح رب )، وس يّر لي أبي ح مّارًا يُرسلِني معه من المدرسة ّظاميّة الن - بعد فراغ دروسها - إليه، وكان بيتُه ًا، متواضع ولم أدخل عليه الدّار ّ إلا وجدتُ زوجته إلى جانبه ترعاه ماه، لِع وكانت تقرأ له أو تكتب، ّف وصن شيخُنا أبو البقاء عشرات ُتُب، الك لم يقرأ ّ إلا مِن س ماعه لزوجته، ولم يكتب ّ إلا وهي تكتبُ عنه، وكان يطلبُ منها أن تأتيه بعشرةِ كتب ، تقرأ بين يديه، وهو يسمع، ثُمّ يقول لها: ائتِي بالكتاب ُلانيّ، الف فتقرأ منه، ثُمّ يقول لها: قد أشفيتُ، فيطلب منها أن تذهب إلى الكتاب الثّالث والرّابع، وهي صابرة تقرأ له بد أب، فإذا جمع ما سمع من زوجه فو عاه، طلب الدّواة والمحبرة والرّقوق، وسألها أن تكتب، فتكتب ما في صفحة عقله على ذلك الرّقّ، فلو كان من فضل فإنّ أكثره يذهب إلى هذه الزّوجة الوفيّة الصّابرة، ولئن أخمل ّاسُ الن ذِكر ها ورفعوا ذِكر أبي البقاء، ّها إن عند الله أعلى وأجلّ، فكلّ م ن أخذ عن عِلم ّيخ الش ّها فإن كانت سببًا فيه، فلها منه ّصيب الن الأوفى. وكنتُ إذا فرغتُ من القصيدة شرحًا، حفظتُها عنده قبل أن أغادر بيت ه، وكان يهشّ لحِفظي، فإذا نا أنهي ُرّاس الك بعد أسبوع ين أو ثلاثة، طلبتُ منه يومًا أو اثنين أراجع فيه الحِفظ وأعودُ إليه به، فكنتُ في هذين اليوم ين، أكتري ًا زورق من زوارق دِجلة بعد العصر، وأطلبُ من صاحبه أن يطوف بي في ّهر الن بين القناطر حتّى تغرب ّمس، الش فكنتُ في هذا الوقتُ أراجع ما حفظتُ، وكان امتداد الأفق، وزرقة الماء، وت وق ّفس الن إلى المعالي، وأشجار ّخيل الن تلوح في البساتين البعيدة، وهي تسمح إذ تُحرّكها الرّياح لخيوط ّمس الش أن تعبر من خلالها فتسقط على وجهي، أو على الماء، فيتللأ ّه كأن الجُمان، كلّ ذلك كان يساعدني على إتمام حِفظي . ولقد كان هناك صاحبُ زورق فيه ُرف ظ ومعه من الأدب شيء ، واعتدتُ أن أصعد ه زورق إذا أردتُ الحِفظ، فكان ينتظرني، فإذا صِرنا في عُرض الماء طلب ّي من أن أقرأ له المتنبّي بصوت عال ، ويقول« : م ل يقل المتنبي في بغداد ما قاله في حلب، أكلّ المُدن سواء؟»!ويأسف على ذلك، فأقول له: كفاه ُه قول : أرى العِراق طويل ّيلِ الل مُذ ت نُعِي فكيف ليلُ فتى الفِتيانِ في بِ؟ ح ل ! وكانت زوجُ ريّ ُكب الع تُعِدّ لنا شاء الع إذا ما فرغ نا من الدّرس، وكانت أصغ ر منه بكثير على تقدير ّي، من ثُمّ إذا ما أنهينا ّعام، الط ورفعنا المائِدة، صاح الح مّار في الباب، فخرجتُ فعاد بي إلى المدرسة، فأنسل إلى فِراشي وأنا في س عادة غامرة.

عدد الصفحات ١٩

ثُمّ شهدتُ مع زوجِه أحسن ما شهدتُ فيما مضى في بيته، فلقد عزم ريّ ُكب الع على ش رح الدّيوان، وكنتُ قد أتممتُ حِفظ ه، فقال« :ّني إن مّا ل رأيتُ كثرة شُرّاح أبي ّيّب، الط واختِلاف أحكامهم فيه، نويتُ أن أكتب هذا الكِتاب . فسألتُه: «وهل ستقفُ إلى جانب المتنبّي؟ فقال« :سأقفُ إلى جانبِ شِعره، ّق وأوف بين الآراء فيه. فقلت« :تقصد الوساطة كما فعل الجرجانيّ؟ . فقال« :لا، ّني ولكن سأعوّل في هذا الكتاب على ابن ّي جن والتّبريزيّ وأبي العلاء المعرّيّ . فقلت: «فأيّ شيء تفعل؟. فقال« :أبدأ بغريب إعرابه ّه فإن مُشكِل، ثُمّ غريب لغته ّه فإن أشكل، ثُمّ أخرج منهما إلى معانيه. فمكث على ذلك زمنًا ً طويلا. ولقد مرّت أماسيّ كثيرة عليّ وأنا ُ أحفظ في زوارق بغداد ر شِع المتنبّي، وك لِفتُ به ًا كلف شديدًا فصار يدور منه على لِساني أكثر مِمّا يدور من القرآن، وشعرتُ أنّ لِساني مِغزل به أغزلُ أبياته، وبلغ بي الوجد أن صرتُ أصحو من ّوم الن في ّيل الل وأنا أردّد أبياته، وبلغ الأمر غايت ه، حين رأيتُ المتنبّي في المنام، فاستعظم تُه لِما له في قلبي من مكانة، فرأيتُني أقفُ على قدم ي، فقال لي« :لا عليك. انهض ن سِر أنا وأنت في بغداد. فقلتُ « :أفي هذا ّيل؟ الل . قال« :ّني فإن رحلتُ عن هذه الد نيا وما شبعتُ منها؟ وإنّ حُسّاد ها أحوجوني إلى تركِها، ّني وإن أرى ّك أن ستفعلُ ما فعلت. فعجبتُ من وله، ق وسألتُه: «لقد رحلت في ِلاد ب كثيرة يا أبا ّيّب، الط ولقد رأيتُ قولك قد أبان عن ذلك: ولقد أفنتِ الم فاوِزُ خ يلِي بل ق أن ن لت قِي وزادي ومائي فضحك، وسرّه القول، وهتف« :ّك إن سترتحل في ِلاد ب كثيرة مثلي، فإذا فعلت فاكتب ما تمرّ به، فإنّ الكتابة عُمر آخ ر يُضاف إلى أعمارنا فابتلعتُ ما ع لِق في حلقي مِن صدق ما أ جِد، وقلت« :سأفعل. فنصحني« :اترك بغداد، فإنّ إقامة الماء في الموضع ِثه تُخبّ . فسألتُ « :وأنت ؟ . فردّ « :ما أنا؟ فقلتُ « :ألم تكتب سيرتك في أسفارك؟. فهزّ رأسه، وقال: «قد كتبتُها، ّني ولكن بعثتُ بها مع أحدِ الأولياء إلى المغرب، ّني وإن لأنتظر م ن يأتي لينفض عنها الغُبار. وصحوتُ فإذا صوتُ ّلبة الط يتناه ى إليّ في الصّباح من بعيد وهم يتقاطرون إلى ّظاميّة الن. ❝ ❞ (٧) الأنباريّ ّل ودلا الكتب

عدد الصفحات ٢٠

كان أبو البركات غزير العِلم، ّه ولكن كان شديدًا، وكانت حلقاتُه في ّحو الن يحضُرها المِئات، بل إنّ ّب ّلا الط كانوا يفيضون عن المسجد في المدرسة إلى الساحة، فيتسامعون د ر سه، ولربّما اضطرّ تلامذته في بعض الأيّام إلى ّغين، مُبل يردّدون ما قال ّيخ الش بعد كلّ فِقرة. وكان التّزاحم عند قدم يه شديدًا، وكنتُ أحرِصُ على أن أجلس في الحلقة الأولى القريبة منه، إذ ليس بيني وبينه أيّ ص فّ من التّلاميذ، وكان ّلبة الط ّذين ال ينوون ذلك عليهم أن يأتوا ّرين، مُبك وإذا كان درسُه بعد ّهر الظ فعليهم من الض ح ى أن ِطوا يُراب في الحلقة، وإذا كان بعد العصر فعليهم أن ّوا يُصل ّهر الظ ولا يلتفتوا حتّى يأتي هو إلى صلاة العصر، وكنتُ من هؤلاء، ولربّما انتظر ناه ً طويلا حتّى يهلّ ُه، هِلال وكان م ن في الصّفّ الثّاني يحسد م ن في الصّفّ الأوّل، وم ن في الصّف الثّالث يحسدُ م ن في الصّفّ الثّاني والأوّل، وهكذا… ولربّما تباه ى التّلاميذ بعد أن تنتهي حلقتُه بقولهم« :لقد أخذتُ عن ّيخ الش ً وجاهة» لأنّ بعض نا كان ط وال ام الع لا يراه، بل يسمعه من خلف الصّفوف، ومِن وراء الحُجُب، وهؤلاء كانوا إمّا غير ِئين عاب بقيمة ما يأخذون، أو كانوا يسكنون في أماكن بعيدة ، ولم يكونوا يملكون دوابّ يركبونها حتّى يصلوا على الوقت، ّنا وإن نحن ّذين ال ّا ُن ك نسكن في جِوار ّظاميّة الن لم نكن لنرى ّيخ الش لولا انتظارنا ّويل الط هذا، فهل كان يستحقّ كلّ هذا؟ الحقيقة ّه أن كان ّه يستحق وزِيادة، لأنّ ّيخ الش كان مِمّن صان العِلم فصانه، فصدق فيه قول الجرجانيّ : و ول أنَّ أ ه ل مِ العِل ُ ص انُوه ص ان هُم و ول ُ َّمُوه ع ظ فِي ُوسِ ف الن ُظِّمـ ا لع ّيخ وللش أبي البركات الأنباريّ مئة وثلاثون ًا، تصنيف أكثرها في ّحو، الن وبعضُها في الفقه والأصول وفي التّصوّف والزّهد، وأتيتُ على أكثر تصانيفه سماعًا منه، أو قراءةً مع ّلبة، الط أو ًا حِفظ في البيت، وكان قد شرع في تصنيف ين كبير ين أحدهما في ّغة الل والآخ ر في الفِقه، ولم يتّفق له إتمامهما. ثُمّ حفظتُ أثناء دراستي بين يد يه كراريس من كتاب سيبويه، وأكببتُ على المُقت ضب للمُبرِّد، وكان ّاس الن في زمانه قد اختلفوا فيه، فبعضُهم اتّهمه ّه بأن يضع في ّغة الل ما ليس فيها، وقال آخ رون ّه إن لكثرة حِفظه للغة ِها وغريب لم يكونوا يصدّقون ذلك، فنسبوا إليه الوضع والانتِحال، ولكنّ ُتُبه ك كانت لي شِفاءً . والمدرسة ّظاميّة الن ِناء ب ضخم م هول، ودار منيفة عالية واسعة، متعدّدة ّوابق، الط فإذا أتيت جهتها ّتي ال منها يدخل التّلاميذ في بوابّتها الأولى، هالك ّموخ، الش ك وواجهت الأقواس، والزّخارف، فلقد كان المدخل يرتفع أكثر من ثلاثين ذراعًا، وكان المدخل قوسًا كبيرةً على طريقة العبّاسيّين في ِنائهم، ب وترتكز القوس المُدبّبة من الأعلى على عمود ين أسطوانيَّين يرتكزان بدورهما على قاعدة ضخمة تكاد يصل ارتفاعها إلى طول الرّجل الرّبعة، ليس إلى طولي، فأنا كنتُ قصيرًا، ولا ملاحة في وجهي، وبعضُ ندوب الجُدريّ من الصّغر ما زالت ظاهرة في صفحة خدَّيّ، وربّما لأجل هذا كان يتأبّى م ن يراني أن يأخذ ّي عن!! وكانت واجهة المدخل ً، واسعة تمتدّ عن اليمين ّمال والش أكثر من مئتي ذراع، وفي كلّ جهة طابقان، يُمكنك أن تميّز كلّ طابق من الأقواس الصّغيرة قِياسًا إلى القوس الكبيرة ّتي ال على المدخل، وكلّ قوس أو قوس ين يعني ً غرفة من غرف التّعليم، وكانت الأقواس في الواجهة الأماميّة وحدها تربو على عشرين قوسًا. فإذا عبرت المدخل العظيم، ك واجهت السّاحة الفسيحة، ّتي ال كان ّى يتلق فيها بعضُ ّلبة الط ُلوم الع

عدد الصفحات ٢١

التّعليم، وكانت الأقواس في الواجهة الأماميّة وحدها تربو على عشرين قوسًا. فإذا عبرت المدخل العظيم، ك واجهت السّاحة الفسيحة، ّتي ال كان ّى يتلق فيها بعضُ ّلبة الط ُلوم الع الخفيفة، أو كان بعضُهم يُراجِع لرفيقه محفوظ ه من القرآن أو من الحديث أو من ّحو الن أو من غيرها، وكانت المدرسة على حروف أربعة، كلّ حرف منها يُشبه حرف الواجهة الأماميّة، والمدخل الكبير تواجهه بوّابة تماثله على الجهة المقابلة، وعلى الجهت ين ين الأُخري من الدّاخل مثلهما أيضًا، وفي السّاحة أربع نخلات

عدد الصفحات ٢١

في زماني لا أدري إن زِد ن عن ذلك أو نقص ن بعد أن تركتُ هذه المدرسة ولم أعد إليها، وكانت واحدة منهنّ نخلتي، أعني النخلة ّتي ال أركنُ ظهري إلى جذعها إن لم يكن سبقني أحد إلى ذلك الفضل، فأُراجِع تحتها محفوظي، أمّا محفوظ المتنبّي فكنتُ أراجعه بالزّورق في نهر دجلة. وكانت السّاحة تعجّ ّب ّلا بالط في ثلاثة أوقات، الأوّل حين يبدأ توافدهم من أنحاء بغداد وضواحيها قبل أن يدخلوا إلى غُر فهم، والثّاني في الاستراحة بعد صلاة ّهر الظ من أجل تناول ّعام، الط والثّالثة وهم يخرجون كأسراب ّمل الن قبيل العشاء الآخرة عائدين إلى بيوتهم، أو مُرتحلين إلى ُراهم ق ومُدنهم على الدّوابّ، وكان هناك خان للدّواب ّتي ال يركبها طلبة العِلم، وخان آخ ر خاصّ لدوابّ الأساتذة، وعلى الخان ين يقوم خدم يرعون تلك الدّواب ويُقدّمون لها ّعير الش والماء والعناية، مقابل أُكرة، وتستريح الدّوابّ في تلك الأثناء، وتتناول طعام ها نا مثل حتّى تكون قادرةً على حملنا إلى مناطق دانية أو نائية. وكانت ُسحة ف ّعام الط ً فرصة للالتِقاء ّب ّلا بالط من أصقاع الأرضِ ّها، كل والتّعرف إليهم، وس ماع أخبارهم، وأخبارِ بلادهم، بعيدًا عن أمور العِلم والتّحصيل، ولقد سمعتُ أخبارًا ً عجيبة تأتي من بلادِ الرّوم، وأخرى أعجبُ منها تأتي من بلادِ ما وراء ّهر ين، الن وكنتُ أعدّها ً تهويلا أو ًا، تزويق وأقول: لا بأس من س ماعها من أجل التّرويح عن ّفس، الن مع ّني أن لم أكن لأصدّقها، فما معنى أن يقول لك أحدهم إنّ في ِلاده ب أناسًا يعيشون برأسِ إنسان وجسم دابّة، أو يقول لك آخر إنّ التّماسيح في بلادهم أكبرُ من عشرة لة، فِي ّها وأن إذا أرادت أن تدخل من باب المدرسة ّظاميّة الن ما استطاعت لضخامتها، أو يقول ثالث: ّهم إن في بلادهم يأكلون الخفافيش والأفاعي والدّيدان والصّراصير، لكنّ الأدهى من ذلك ّه كل ّه أن كان عندنا في المدرسة م ن يعتقد أنّ الأرض موضوعة على قرن ي ثور ّما كل حرّك قرن يه حدثت الزّلالزل، فإذا سكن هدأتِ الأرض، أو م ن يقول بأنّ الأرض على ظ هرِ حوت، والحوتُ يسبح في الفضاء !! كانت أمّي تزورني كلّ شهر مرّة، تأتي من درب الفالوذج، وهي محمّلة بالأطعمة والأشربة، ولم تكن تنسى أن تأتيني بالحلواء ّتي ال أحبّها، وكانت تُعاينني في هيئتي، وهي تهتفُ بإشفاق« :ّك إن ازددت ً نحولا يا بُنيّ، ألا تجدُ ما تأكل؟. وكانت تمكثُ عندي في الدّار ثلاثة أيّام أو أربعة، تصنع لي فيها طعامي، وتغسل ثِيابي، وتُجهّز لي كراريسي، وكنتُ في ّيل الل حين تفرغ مِمّا ت ش غ ل به نفس ها أستظهر لها ما حفظتُ في ذلك اليوم، ولقد درست على يدِ أبي، وكانت تصغره بعشرين عامًا، ّها ولكن ّمت تعل منه علمًا وافِرًا . وقالت لي« :أ تذهبُ معي إلى سوق ّارين الصّف أشتري لك أكوازًا جديدة، ً وآنية نظيفة، ّني فإن رأيتُ ما عندك قد ص دِئ ورثّ؟ . فأقول لها« :لقد ص دِئ ّة لقل ما أستخدمه يا أمّي . فتضرب ّها بكف على صدرها، وتقول« :فكيف تأكل يا بُنيّ؟ ألا تطبخُ هنا؟. فأجيب« :لا يا أمّي، ّما إن يأتيني به الخادم، ولقد وجدتُ وقت القِيام ّبخ بالط إذا جُمِع في العام ّه فإن يُساوي معرفة عِلم جديد. فتسألني« :وهل تريدُ بعد القرآن والحديث ّغة والل من عِلم؟. فأقول« :نعم يا أمّي، أتوقُ إلى الفلسفة والمنطق ّبّ والط . ثُمّ عزمتُ على أن أوفِي كلّ ما ه أنتجت المدرسة ّظاميّة الن وشيوخها في علوم ّغة، الل وفرّغتُ لذلك عامًا حتّى إذا ما أنهيتُ ذلك، انتقلتُ إلى بغيتي في ّبّ الط . وكان لي ما أردتُ، إذ تجرّدتُ لما ّى تبق من كتاب سيبويه وشرح السّيرافيّ له، ثُمّ قرأتُ على أبي عُبيدة الكرخيّ كتبًا كثيرةً منها كتاب (الأصول) لابنِ السّرّاج، وقد أخذتُها من رِباط المأمونيّة، إذ لم يكن في مكتبة ّظاميّة

عدد الصفحات ٢٢

من كتاب سيبويه وشرح السّيرافيّ له، ثُمّ قرأتُ على أبي عُبيدة الكرخيّ كتبًا كثيرةً منها كتاب (الأصول) لابنِ السّرّاج، وقد أخذتُها من رِباط المأمونيّة، إذ لم يكن في مكتبة ّظاميّة الن منها نسخة، وكانت ًا وقف لابن ّاب، الخش وقد اتّخذتُ منه ًا أستاذ ّمتُ فتعل على يديه الفرائض والعروض للخطيب التبريزيّ، وفي الحقيقة فهمتُ منه دوائر الخليل بن أحمد، وكانت قد أُشكِلت عليّ في السّابق، ئِن ول كان عميق الغور ّ إلا أنّ له من الأخبار ما هو أشدّ غورًا في التّعجّب من ده، ج ل فمن ذلك ّه أن حصلت له نسخة من كتاب (التّهذيب في

عدد الصفحات ٢٢

ّغة الل ) للزهريّ ّذي ال يُقيم في المعرّة يومئذ ، فجعل الكِتاب في مِخلاة ها وح م ل على ك تِفه من (تبريز ) في بلاد فارس إلى (المعرّة ) في بلاد ّام، الش ولم يكن له ما يستأجر به مركوبًا فنفذ ر ق الع من ظهرِه إليها فأثّر فيها ل ل الب!! ورأيتُ اختيارات (التّبريزي ) لشواهد الأبيات في ع روضِه ً طريفة تدلّ على ظرف ة، وس ع ولا يكون ذلك ّ إلا لمن أحسّ بموسيقى ّعر الش تجري في جوارحه، ولا عجب فقد كان (التبريزيّ ) شاعرًا، وإنّ أجمل ما حفظتُ له ه قول : ف م ن يسأم من الأسفارِ يومًا ّي فإن قد س ئِم تُ من المُقامِ أقم نا بالعِراق إلى رِجال لِئام ينتمون إلى لِئامِ ولقد كان ًا صادق في البيت الأوّل، وهو في بيته الثّاني أصدق، فهل يكون ذلك ً داعية للرّحيل؟ ! ونهدتُ من جديد لابن ّاب، الخ ش وهو حديثُ عهد بموت، إذ لم يمرّ على موته ع قد من الزّمان، لكنّ تصانيفه ح يّة، وهل بعد الموتِ حياة في دُنيا المرء ّ إلا تلك ّتي ال تنهضُ بها ُتُبه، ك ولقد كان. ثُمّ تركتُ هذا العام خلفي، وأقبلتُ على علوم جديدة ، فقرأتُ مقدّمة (ابن بابشاذ) في ّحو الن لتكون سبيلي إليه، لأعرف منه علوم الكيمياء ِّس مات، ِّل والط ومنه قرأتُ كتب (جابر بن ح يّان ) بأسرها، وأتيتُ على كتب (ابن وحشيّة) في العِلم نفسه، ومنها ي كتاب السّحر الكبير والصّغير، وكتاب (طرد ّياطين الش). وكنتُ مع كلّ هذه الأوقات المملوءة بالدّراسة والتّحصيل والبُعدِ عن ّهو، الل أجدُ ً ملالة في نفسي، فأجلوها بركوب الزّوارق مع صاحبنا، نتذاكر أشعار المتنبي، أو أزور رِباط المأمونيّة، ّلع فأط على كنوزه، أو آتي سوق ُتُب، الك ودور الورّاقين، فأجدُ الدّلا لين وهم ّنون يتفن في عرضِ ما عندهم، وكانت الكتب تخطفُ قلبي بأشدّ مِمّا كان ّهبُ الذ يخطف قلوب ّساء، الن

عدد الصفحات ٢٣