المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مسغبة

غير معروف

صفحة ١ من ٢٠

❞ قبل البداية قبل أن تقرأ هذا المخطوط، أريدُ أن أقول شيئًا، أنا اسمي عبد ّطيف الل بن يوسف البغداديّ، تتلمذتُ لأساتيذ كبار، وارتحلتُ في بلاد كثيرة، وجُبتُ ًا آفاق واسِعة، وعايشتُ أحداثًا جِسامًا، هذا المخطوط ّذي ال لم يُنس خ ّني لأن لم ه أدفع إلى أيّ دار من دار الورّاقين، وبقي معي إلى آخر تطوافي ّويل الط ورجوعي إلى بغداد، سأعهد به إلى من بقي من أقاربي، أبي وأمّي - عليهما شآبيب الرّحمة - ماتا منذ زمن طويل، ما أريدُ ه قول أنّ م ن ّلع سيط على هذا المخطوط بعد رحيلي عن هذه الفانية ّف سيتوق كثيرًا عند بعضِ صفحاته، وسيعتريه ّهول الذ مِمّا يقرأ، بعضُ المشاهد لا تُصدّق، بعضُها لا يقع حتّى في الخيال، ولكن حسبي ّني أن نقلتُ بأمانة كلّ ما رأيتُه أو سمعتُه من ثِقات ، وستأتي كتُب تهتمّ بالتّاريخ تُصدّق ما أقول ّي وتُثن على ما ذكرتُ . كلّ ما يهمّني ّ ألا تموت المخطوطة معي، وأن يأتي زمن يقرأ فيه ّاس الن ما ه عايش ت بلادُنا من أهوال وفظائع، لم تكن لتتمّ لولا أنّ الله أراد لها أن تتمّ . وبعدُ؛ فأنا اليوم محموم، مُعتلّ الجسم، ضعيف ُوّة، الق خائر العزم، قد وهن العظمُ ّي من واشتعل الرأس شيبًا، أصابني ما رأيتُ من محن ِما ب أُلتُ إليه من ّة عِل دائمة، تلازمني في صحوي ومنامي، وفي ّي حل وارتِحالي؛ فلا أنا ح ي ولا أنا ميّت ! وأنت يا م ن سيقع هذا المخطوط بين يديه، ربّما سأكونُ قد صِرتُ تحت الثّرى وأنت تقرأ هذه الكلمات، كلّ ما أرجوه ّ ألا تنساني من دعوة صالحة إذا مررت بهذه السّطور . عبد ّطيف الل بن يوسف البغدادي على مشارفِ بغداد عام ٩٢٦ من الهجرة. ❝ ❞ القِسم الأوّل بغداد … ّشأة الن والحلم فِدًى لكِ يا بغدادُ ُل ك بيلة ق

عدد الصفحات ٢

مِن الأرضِ حتّى ّتي خُط ودِيارِيا فقد ُفتُ ط في ش رقِ ِلادِ الب ِها وغ ر ب و س يَّر تُ ر ح لي بين ها ِيا ورِكاب فلم أر فيها ل مِث بغداد ً منزلا ولم أر فيها مثل دِج لة وادِيا ولا مثل أهليها أر قَّ ً شمائِلا وأعذب ًا ألفاظ وأحلى م عانِيا وكم قائل لو كان وُد ك ًا صادِق لبغداد ، لم ترحل . فكان ِيا جواب : يُقيمُ الرّجالُ الأغنياءُ بأرضِهم وت رمِي ّوى الن تِرين بالمُق الم رامِيا

عدد الصفحات ٣

(محمد بن عليّ اله م دانيّ ) ❝ ❞ (١) ما رأيت الد نيا ضرب شُعاع ّمس الش ّل المُتسل من ّافذة الن وجهي، رِجلي بارِدة، طرف السّرير بارد، ّيلة والل الرّبيعيّة الفائتة باردة، أشعرُ أنّ يدًا خشنة تقرصُ أذني، أخرى تُمسِكُ بعود رفيع، وتضعه في أنفي… أفقتُ مدهوشًا، بحثتُ عن الدّفء . ّيتُ تمط ّة، كقط بان وسطي ّحيل، الن نظرتُ إلى الحائط، كان الضّحى قد حلّ . لطمتُ جبهتي ّي، بكف وصحت« :يا ولد… لقد تأخّرت… سيلعنك ّيخ الش . نهضتُ كالملدوغ، جريتُ إلى الحمّام، غسلتُ وجهي، ورجّلتُ ش عري، ثُمّ خرجتُ، فلبستُ الصدّاريّة، والجُبّة، أبي يُصرّ على ذلك مع ّها أن أطول ّي، مِن ووضعتُ العِمامة الصّغيرة على رأسي، وأصلحتُ هِندامي، ولبستُ نعلي المخصوفة، وركضتُ في دربِ الفالوذج وأنا أُجرّر ّعل الن الواسع« :يجب أن ألحق ّيخ بالش قبل أن يُغادر المسجد. وصلتُ وأنا ألهث« :يا سيّدي وانحنيتُ وهممتُ أن أعتذر عندما رفع ّيخ الش ّه ك ف « :لا تبدأ لقد تأخرّت… اغرُب عن وجهي… لا أريدُ أن أراك بعد اليوم. كانت صفعة، صفعة حارّة . سيُخبر أبي بلا شكّ، جثوتُ على رُكبت ي، وتوسّلت، صرخ غاضِبًا « :قلتُ لك لا تبدأ… لا وقت لديّ للمُهمِلين . تُ ظ لِل جامِدًا على رُكبت يّ ّني كأن صخرة، خافِضًا رأسي، ً ومُسدِلا ذِراع يّ الرّفيعت ين على يّ، جانب وصامِتًا صمت القبور. مرّت لحظات بطيئة، رفع ّيخ الش الثّمانينيّ رأس ه من جديد، وهتف « :ما زلت هنا؟ ألم أقل لك. وخضعتُ من جديد« :سيّدي»..وقاط عني « :أتيتُ من الرّيّ ّمتُ وتعل في بغداد، وحجج تُ عشرين مرّة، وطفتُ ِلاد الب ّفتُ وصن الكتب، وأنا الآن قد جاوزتُ الثّمانين، وبيني وبين القبر ُ مسافة درس أو صلاة، فما ّذي ال يدفعني أن أحتمل صبيًّا مثلك…؟. وبقيتُ صامِتًا، وإن راحت رُكبتاي تهتزّان ً، قليلا وجسدي يرتعشُ كذبابة. وتابع ّيخ الش (أبو زرعة) مُهتاجًا « :لقد حضر مجلسي ابن الجوزيّ، وأحمد بن صالح الجِيليّ، وأبو محمّد بن ُدامة ق وكِبار المُحدِّثين، فما تأخّروا عن الدّرس لحظة، وما تغيّبوا عنه يومًا، أيّها الصّبي الأرعن… وأنت تأتيني بعد أن ترتفع ّمس، الش آه… لولا أنّ أباك»..ورفعتُ رأسي ً، قليلا ونظرتُ إليه من زاوية عيني« :نعم يا سيّدي بحُرمةِ أبي عندك. وخبط بباطن َّيه ك ف ظاهر يه، فخذ وتأوّه « :آه لولا أنّ أباك أوصاني بك، وهو خيرُ صديق وخير تلميذ، وله عليّ أياد ، لوتُك ع ل بنعلي أيّها الولد« .نعم ياسيّدي، هذا عنقي، ُه اعل بالنعل… ني اصفع ِعصاك، ب الطم ني على وجهي، جُرّني بسلسلةِ المسجد في ّارع… الش افعل أيّ شيء ّ إلا أن تطردني… ّني إن أعوّل على درسِك كثيرًا . أخذ ّيخ الش (أبو زرعة) ن ف سًا ً، طويلا وأطلق زفرةً حارّة، قبل أن تهدأ ثائرتُه ً، قليلا ويسأل« :فلماذا تأخّرت يا بُنيّ؟ « .ّه إن ّيطان الش« .وماذا فعل بك ّيطان؟ الش« .لقد بال في أذن يّ . ض حِك ّيخ الش ً ضحكة ً، خفيفة ومدّ يده فقرص أذني« :بدأنا يا عبد ّطيف الل . «احذر يا سيّدي، إنّ و ل ب ّيطان الش ما زال في أُذني… أخاف على يدك أن تتنجّس »..وبسط ّيخ الش هذه المرّة ضحكته، وأفلت أذني ّتي ال احمرّت ، وقال« :لن أقبلك في د ر سي إن عُدت لمثل هذا. ووقفتُ مُبتهِجًا على قد م ي، تفترّ شفتاي عن أسنان صفراء صغيرة مُدبّبة، وهتفتُ « :لن أتأخّر لحظة… أعدك يا شيخي. ّها إن بغداد، ّشأة الن والحلم، المدينة ّتي ال ّت ظل ساحرةً رغم ما ها أصاب من نكبات ، روس والع ّتي ال ّت ظل تفتح ذراعيها ّاق ُش للع رغم ّهم أن لم يعودوا موجودين، والفِكرة ّتي ال كانت تبحثُ عن الحقيقة، فكرة نبتت في رأسِ مجنون ، يبحثُ عن مجد هارب ، ذات انتِصار دمويّ، فأوقعها ًا خطوط على الرّقوق، وقال لها كوني فكانت . آه يا بغداد، كم عليّ أن ركض في حواريك ّتك وأزق

عدد الصفحات ٤

لحقيقة، فكرة نبتت في رأسِ مجنون ، يبحثُ عن مجد هارب ، ذات انتِصار دمويّ، فأوقعها ًا خطوط على الرّقوق، وقال لها كوني فكانت . آه يا بغداد، كم عليّ أن ركض في حواريك ّتك وأزق القديمة من أجل أن أجدني، أبحثُ ّي عن في الدّروب الضّائِعات، في دجلة، في الرّصافة، في الجسر، في عيونِ الم ها، في درب الورّاقين، في ّيالي الل المُقمِرة، وفِيّ… ِهان مُتشاب نحن، نبحثُ

عدد الصفحات ٤

عن أنفسِنا فينا، عن تلك ّجوم الن ّتي ال تساقطت يوم ولادت ينا من أجل أن تبعث هذا الجوّ الأسطوريّ ّذي ال يُحيط ِنا ب ًا، مع أنا سليل هذه الفاتنة القبيحة، ّعوب الل الرّشيدة، المِغناج التّقيّة، والقديمة الجديدة، أنا نِتاجُ أحرفها ّتي ال ّت خ ط مجدًا سيظلّ خالِدًا، يخبو؟ نعم. يُصيبه ّسيان؟ الن نعم. ُف يضع كأن لم يُوجد؟ نعم، ّه ولكن لا يموت، أنا لا أموت يا بغداد. أنا لا أموت، وإن ن كِر ّاس الن فضلي، وإن ثقب الحسدُ والحقد أفئِدت هم فخاضوا فِيّ مع الخائضين، وطمسوا ما فعلتُ، ّني لكن أكتبُ لهما، لعينيكِ ّت ين الل خبا نورُهما ّه لكن ما انطفأ، وأعيشُ من أجلهما، من أجل هذا المجد؛ هذه الكأس، ّتي ال يدعونها كأس الخلود!! أمسِ رأيتُ الحاوي، يُخرج الأفعى من الصّندوق ّغم، بالن ّه إن ماهر ّه لكن مُخادِع . ّه إن ّان ف ن ّه ولكن كاذب. ّه إن يُعجِب ّاس الن ّه ولكن لا يُعجبني . ّهم إن حُواة هذا الزّمان يا بغداد، لا يُريدون لأيّ نجم أن يسطع، ولا لأيّ حقيقة أنّ تظهر، يتّهمونني بكلّ شنيع، وما أزرت بهم ّ إلا همّتي، وما كانوا ّ إلا فأرة مأرب، ّما ل أزاحوا الحجر عن قلوبهم انداح طوفان البغضاء ليُهلِكني، ّه ولكن لم يُهلِك سِواهم ! ّها وإن بغداد، حاضرة الدّنيا فيما ر، غ ب ّني وإن أحبّها على ّتها، عِلا ولا أصبر على فراقها مع أنّ ها أهل ُون قال لي، ولقد قال ّافعيّ الش ليونس بن عبد الأعلى« :يا يونس، دخلت بغداد؟. فقال« :»لا .فقال« :ما رأيت الدّنيا. ولقد صدق، ولكنّ هذا كان فيما مضى، أمّا اليوم فعاثت فيها الفِئران، وجاست ها خلال الجُرذان، وقلّ ماؤها، وما ماؤها ّ إلا علماؤها، وذاب في فِجاج الأرض أخيارُها، وعدت عليها أشرارُها، وغاب في البؤس س عدُها، وغار في الحُزنِ فر حُها، وقبلت ّاذ بُشذ الأرض بعد أن كانت ّعة، مُتمن ّصوص وبالل بعد أن كانت مُتحصّنة، وبالز ناة الخ ط أة بعد أن كانت عفيفة، ّها وإن كما قال السّائل الأوّل « : جميلة لا تردّ يد لامِس . وإنّ بغداد كانت ًا وقف فصارت ًا، حتف ّني وإن كنتُ لا أرى فيها رأي ُض يل الف بن عِياض، وكنتُ أتطيّر به وبقوله؛ فإنّ بغداد ، حبيبة ُ والحبيبة تملك على المُحِبّ العقل والقول، ّني ولكن مع مرور الأيّام وتمادي البين وانقطِاع الوصل ِتات وانب العشق رأيتُ ُض يل الف ًّا مُحِق حين ح ثّ على الخروج منها، وك رِه الإقامة بها، وأبطل الصّلاة فيها، وجعل ّنيها مُؤذ أخبث أهلها، ّها لأن أرض غ ص ب ! ولقد قال سفيان الثّوري من قبلُ « :المُتعبّد في بغداد كالمُتعبّدِ في الكنيف. ّها ولكن رغم ما قالوه أو سيقولونه، ستظلّ حبيبة، ّني وإن وإيّاها كما قال ّافعيّ الش « :ما دخلتُ بلدًا ّ ط ق ّ إلا ع د د تُه س ف رًا، ّ إلا بغداد ّني فإن حين دخلتُها عددتُها وطنًا . وكما قال صاحبُ بُثينة: وما زاد ها الواشون ّ إلا ً كرامة عليّ، وما زالت م حبّتها عِندي ّها وإن مع محبّتي لها، ليصدقُ فيها قول القائل« :ّها إن أسرعُ انقِلابًا بأهلها من الوتد الحديد في الأرضِ الرّخوة . ولقد رأيتُ في منامي وأنا صبي أتعثّر في ّرقاتِ الط م لك ين، هبطا من السّماء حتّى صارا فوق بغداد، فقال الأوّل للثّاني « :اقلب ها فقد ح قّ القولُ عليها. فسمعتُ الثّاني يقول« :كيف أقلبُها وفيها خُتِمت الليلة ُ خمسة آلافِ مة؟ خ ت .

عدد الصفحات ٥

ثُمّ ّه إن ما نال ّي من هُراء المُتعالِمين ّ إلا كما نال نُباح الكلب من المُرتحِل، وما ض رّني أن ن كِرني ّاس الن في زماني هذا، فإنّ لي أزمانًا آتية يذكرونني ولا يُنكرونني، ويعرفون فضلي ولا يجحدونه، ولقد قلت« :إنّ العلوم ت غور ثُمّ تفور، تغور في زمان وتفور في زمان، بمنزلة ّبات الن أو عيون المِياه، ينتقل من قوم إلى قوم ، ومن موضع إلى موضع. ❝ . ❞ (٢) د ربُ ج الفالوذ «كم معك من ُرآن الق يا ولد؟. سألني ّيخ الش أبو زرعة وقد سقط حاجِباه الأبيضان على عين يه، وراح ينظر إليّ من تحتهما، ًا رافِع ذقنه إلى الأعلى، يكادُ لا يرى« .القرآن ّه كل أجبتُه. شهق ّيخ الش . وهتف« :ّى صل الله على مُحمّد… يا مُحمّااااد . ّ وم ط الكلمة الأخيرة غير مُصدّق، وأعاد بنبرة ترتعشُ بالدّهشة « :القرآن ّه كل « .»!!نعم، يا سيّدي، حفظتُ نصف ه على يد جدّي، وابتدأتُ ذلك وأنا في السّادسة، فلمّا ّاه توف الله، حفظتُ ّصف الن الثّاني على يد أبي. ه زّ الشيخُ رأس ه من جديد ، وهتف« :وكم مضى من عُمُرك؟ « .ثمان « .وهل معك غيرُ القرآن؟« .أحب الحلوى أجبتُه. ضيّق عين يه، وبدا ّه أن لا يرى مع كثافة يه حاجب« :وما شأنُ الحلوى؟« .ّها إن كانت مكافأة أبي على إتقاني ّ الخ ط « .وهل تفعل؟« .ّبع بالط يا سيّدي. وضع ً رُقعة ً خالية على المسند الخشبيّ ّذي ال يضع عليه ُتُب ك الحديث، ويتّكِئ عليه أحيانًا، ويأخذ فوقه غفوةً قصيرةً أحيانًا أخرى، وله فيه مآربُ أخرى، وغمس الرّيشة ّتي ال عن جنبه بالدّواة، ومدّ الرّقعة مع المسند الخشبيّ إليّ، وأشار بإصبعه« :اكتب اكتب« .ماذا أكتب؟« .ما شِئت مِمّا تحفظ« .من القرآن أم من غيره؟« . ُ وتحفظ غير القرآن؟« . ُ أحفظ مقامات الهمذاني عن ظهر قلب، ومُختصرًا في ّحو، الن ومُختصرًا في الفقه، ُ وأحفظ ُرّاس الك الأوّل من ديوان المُتنبّي . ش ه ق ّيخ الش من جديد، اهتزّ طربًا هذه المرّة، مال جنباه ً يمنة ويسرةً من ذلك، وكادت دواة الحبر تسقط في اهتِزازه وتنسكب ً مُلوّثة الأرض لولا ّه أن تدارك الموقف، وقال« :الخيار لك. كتبتُ له ّ بخط الثّلث، قول المتنبّي: أريدُ مِن زمني ذا أن ّغني يُبل ما ليس يبلغُه من نفسِه الزّمنُ ومددتُ الرّقعة له، قرأ البيت، وصاح من الإعجاب« :بديع، ولكن هل هذا البيت في ُرّاس الك الأوّل من ديوان المتنبّي؟. «لا، ّني ولكن أحفظه« .وما ّذي ال أعجبك فيه حتّى تحفظه قبل غيره؟« .ّه إن أنا. ضيّق ّيخ الش من جديد عين يه، ورفع رأسه ً، قليلا فبانت لحيته من زاوية ّظر الن هذه كاملة، وراح يعبثُ بها بأطراف أصابعه« :اممم غفرتُ لك. سألتُه: «وهل أخطأتُ يا سيّدي؟« .أنسيت؟. أجبتُه حاثًّا إيّاه على أن ّرني يُذك « :ولقد ع هِد نا إلى آدمُ من قبلُ فنسي. ضحك، وقال« :تأخّرك عن الدّرس المرّة الفائتة« .وأنت يا شيخ أما نسيت ؟ . ضحك. وقال « :نبدأ اليوم؟« .نعم« .لن نبدأ بعلم الحديث، بل بالحديث« .أنت أستاذي وسيّدي« .العلوم تأتي بعد الحفظ« .أنا طوع يد يك.

عدد الصفحات ٦

ولدتُ في هذه الدّار عام ٧٥٥ للهجرة، دار ، مُنيفة دار جدّي، في درب الفالوذج في بغداد، درب أشبهُ بالدّنيا، والدّنيا ليست لونًا واحِدًا، ّها إن من أصناف ش تّى، وفيه درجتُ، وركضتُ، وصِحتُ، وناديتُ على أمّي أن تنتظرني وهي تسبقني إلى دكاكين الخ يّاطين والبّزّازين ّارين والصّف . بيتُنا بيتُ عِلم. لن أقول : ّني إن ّمتُ تعل كلّ هذا وحدي، ولن أقول إنّ أبي كان ّاءً س ق وكنتُ أنا فقيرًا، ولن أقول ّني إن يتيم وإنّ أُمّي كانت تمل البيت صِياحًا في الصّباح والمساء وهي تتشاجر مع جدّتي، ولن أقول ّني إن كنتُ أصيدُ السّمك من نهر دِجلة من أجل أن أُطعِم أُمّي وأقيها ش ظ ف العيش، ولن أقول ّني إن كنتُ أبيتُ في دار الو رّاقين من أجل أن أقرأ كلّ ما كتبه ُتّاب، الك وما ّه خ ط الن سّاخون في العلوم ّها كل ّي لأن لم أكن أملكُ ثمن كتاب واحد… لن أقول شيئًا من هذا، بل سأقول إنّ جدّي كان عالِمًا بالتّاريخ، وإنّ أبي كان عالِمًا بالحديث، وإنّ أُمّي كانت ً حنونة تُحبّ العِلم، ّني وإن سرقتُ منهم هم، قلوب فخصّوني بالعِناية والتّعليم، وجئتُ لهم على د ر ق! وبغداد؟ حاضرةُ الد نيا، فيها كلّ شيء، وفيها من كلّ شيء شيء ، ليس ُها يفوق في الحواضر شيء، وحكاياتُها لا تنف د، وقِصصها لا تنتهي، وأيّامها لا تُعدّ، وحورايها لا تُنس ى، ُها وأسواق تتفرّد، وباعتُها أظرفُ الباعة، ولصوصُها ُثر، ك ّارها وشُط غلبوا الخليفة على أمره، وماؤها أعذبُ ماء، فهو من كوثر دجلة، ودجلة من ّة، الجن ّة والجن ّات، ج ن وأنا؟ عاشق مُتيّم . كان درسي مع ّيخ الش (أبي زرعة) في الحديث ثلاثة أيّام في الأسبوع، بدأ بالبُخاريّ، فكان يشرح لي الباب، وأنا ُ أحفظ ما شرح، المتن والسّند، وكانت أيّام الأسبوع الثّلاثة الأخرى لإتمام هذه المهمّة، وكان ّيخ الش يُدرّس في المدرسة ّاميّة، ّظ الن وهي يومئذ تعجّ ُلماء بالع والأساتيذ وأهل الرّأي، وفيهم الجهابذة ّذين ال طلب علم هم أهلُ الحواضِر الأخرى في القاهرة أو حلب أو دمشق أو تونس. وكان يُحرّكهم كما يُحرّك كلَّ إنسان المالُ، المالُ ّذي ال يرتق جيوبهم المثقوبة، ويكفل لهم حياةً طيّبة، ولم يُزرِ ذلك بالدّين ولا بالتّقوى، فإنّ العلماء بشر، ولهم مِعد تجوع، وأبدان تمرض، وهم محتاجون لدرئهما إلى المال. كان بيتُنا في درب الفالوذج بعيدًا عن المدرسة ّظاميّة، الن وكان عليّ أن أعبر المسافة ّويلة الط في الفجر لكي ألحق بالدّرس، وكان في ذلك مخاطرة كبيرة، إذ ينتشر ّصوص الل في هذا الوقت، وأنا صبي صغير، فكنتُ ّب لأتغل على ذلك ّي أصل الفجر في المسجد ّذي ال ِجوار ب بيتنا، وأقرأ على شيخه نصيب اليوم مِمّا أحفظ، وعليّ إذا انبلج الفجر أن ألحق ّيخ بالش في المدرسة، فأركضُ، ولا أصلُ إليه ّ إلا لاهِثًا، فقال لأبي« :ّه إن يأتيني وأنفاسُه ّع، تتقط ّ فهلا قرّبت مزارك من مزارنا؟. ولم يكن أبي ليترك دار جدّي، ولم أكن أنا لأترك درب الفالوذج ّذي ال عاش فِيّ، فاقترح أبي عليه أن يأتيه في مسجد التّوابين ّذي ال يقع في منتصف المسافة بيننا وبينه، على أن يُجري له زيادةً في المال على احتمال ّة المشق في ركوب الدّابة من بيت ّيخ الش إلى هذا المسجد، وسيّر أبي معه كذلك ح مّارًا يأتي به من بيته ويُعيده إليه، ولولا الفضل ّذي ال بينهما والودّ ما ل ِل، ب ق ّه ولكن قال لأبي« :إنّ ابن ك هذا نابغة، وإنّ تعليمه واجب ، وأنا أقبلُ لصحبتي لك. وظلّ ّيخ الش معي عامًا وشهر ين يُقرِئني البُخاريّ حتّى حفظتُه، مّا ول بدأنا بعلوم الحديث كان قد مات، فبكيناه أنا وأبي، ّى وصل عليه خلق كثير، ودُفِن في المقبرة الورديّة. ّت ظل ذكرى ّيخ الش في ذهنِ ّفل الط ّذي ال كنتُه ً مرتبطة بباب الفتن ّذي ال قرأتُه عليه في البُخاريّ، وكان أكثر حديث ين

عدد الصفحات ٧

عليه خلق كثير، ودُفِن في المقبرة الورديّة. ّت ظل ذكرى ّيخ الش في ذهنِ ّفل الط ّذي ال كنتُه ً مرتبطة بباب الفتن ّذي ال قرأتُه عليه في البُخاريّ، وكان أكثر حديث ين يطرقان بالي، هما: قوله عليه الصّلاة والسّلام « :ستكونُ فِت ن، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من السّاعي، م ن ت شرَّف لها ه، ت ستشرِف فم ن وجد فيها ملجأ، أو ًا، م عاذ ُذ ع ي ف ل به. وقوله« :لا تقومُ السّاعة حتّى يمرَّ الرّجلُ ِق بر ب الرّجل فيقول: يا ليت ني مكان ه. بل ّني إن كنتُ أُردّدهما في اليوم أكثر من مرّة وأنا أقرأ أو

عدد الصفحات ٧

أحفظ أو أتابع الدّروس، أو أمشي في ّرقات، الط وكانا يبرزان لي من زاوية كلّ كتاب، وزاوية كلّ درب. في الجمعة ّتي ال تلت موت ه، كنتُ عند شيخ آخر ّى أتلق علوم الحديث. مات أبو زرعة، ولقد كان مًا ع ل من أعلام بغداد، جاورها - ولم يقبل على جِوارها غير ها - مدّة أربعة وثمانين عامًا حتّى رحل، وكنتُ أنا أصغر تلامذته، وكان هو أكبر شُيُوخي، وما حفظتُه عنه ظلّ معي إلى أن رحلتُ أنا كذلك. ❝ ❞ (٣) و ج ها بغداد ني أخذت أمّي معها إلى سوق ّارين، الصَّف ّت محلا كثيرة، ّى تتدل من أمام واجهاتها أواني ّحاس الن الصّفراء، كانت تلمع على ضوء ّة أشع ّمس، الش ُها بريق ربّما كان يجذب ّساء الن من جهت ين: يُشبه ّهب؛ الذ ّهب والذ يُقيم في قلوب ّساء الن. ثُمّ فيه كل ما تحتاجه المرأة من أوان نحاسيّة لمطبخها، ولقد رأيتُ القيّم في المدرسة ّظاميّة الن فيما بعدُ يبعثُ م ن يأتي بأكواز الماء ليشتريها من هناك. خرج نا من درب ج الفالوذ حيثُ نسكن، ودربُنا واسع ً، قليلا ويمتدّ في العمق، وعلى جانبيه البيوتُ ّتي ال تختفي خلف كثير من الدّكاكين، كان هناك ّان دُك يبيع الجِ رار ُل، ُل والق وأقدم جرّة في بيتنا اشتراها ج دّي منه، لو نزلتُ في مائها لغرقت، وكانت الجِرار ُل ُل والق تجعل الماء في الصّيف بارِدًا . وكان هناك ّان دُك العتّابيّة وهو ّان دُك ثِياب، تُباع فيه الثّياب العتّابيّة؛ وهي ً مصنوعة من حرير ُطن، وق وذات ألوان متعدّدة زاهية، وكان أكثر زبائنه من ّساء، الن ومنه كانت تُجهّز روس الع . وكان هناك غيرُ ّان دُك للحبوب، ومثلها للعشاب، والتّوابل وكانت ً رخيصة الرّطل بدينار، وكانت تأتي من الهند، وكان كلّ ّان دُك له سقيفة من الأعلى تُشبه ّرفة الش لكن من دون أن يكون فيها مكان للجلوس، وكانت السّقيفة أو ّة المِظل هذه ترتكز على سقالات من الخشب، بارزة ّاظر للن إليها، وكانت ّى تتدل من تلك السّقالات م شابكُ يعرض فيها صاحب ّان الد ك بعض ِضاعته ب لتكون م رئيّة ّارين للش. وكان هناك أيضًا باعة ر بات الع الم جرورة، يبيعون على ع ر باتهم الر مّان أو ّيخ ِط الب أو الأشنان. أمّا أشهر تلك الدّكاكين وعليه سُمّي دربُنا، فكان ّان دُك أبي سليمان وانيّ الح ل ّذي ال كان يبيع فيه حلوى الفالوذج، واشتُهِر بها، وكان ّاس الن يأتونه من أماكن شتّى، وكان عنده صِبية يُساعدونه لكثرةِ مُرتاديه، وكثيرًا ما أكلتُ حلواه، وكان أبو سليمان ّما كل اشتريتُ من عنده واحدةً يقول« : واي ح ل تُظهِر الكرش، وتزيد السِّم ن، ّ إلا معك، ّما كل أكلت منها زاد نُحولك، وتقصّفت ساقاك ّهما كأن ساقا س عدان. ويضحك مع أنّ دُعابته لم تكن تُعجبني . ج، والفالوذ كما وصفها سفيان الثّوري « : ابُ ُب ل بُرِّ ال ابِ ُع ِل ب َّح لِ الن ِخ الِصِ ب السَّم نِ . وكنتُ أجلسُ عند وانيّ، الح ل ُها آكل أمام ّانه، دُك فيُحدّثني أحاديث ها، فيقول: جلس الغاضريّ يأكل ج الفالوذ على مائدة يزيد بن عبد الملك الأمويّ فجعل الغاضريّ يأكل ويُسرع، فقال يزيد: ار فِق بنفسك فإنّ الإِكثار منه يقتل. فقال الغاضريّ : منزلي على طريق المقابر. ويُطلِق أبو سليمان ً ضحكة لها دويّ، وأضحك معه، دُ وز ب الحلواء يسيل من زوايا فمي، فلقد كنتُ ألتهم ُق مًا ل كبيرةً منها في فم ذي باب صغير وأسنان مُدبّبة . ثُمّ يقصّ عليّ خبرًا آخر، فيقول« :دخل أعرابي على عبد الملكِ بنِ مروان وهو يأكل ج الفالوذ . ف ق ال عبد الملك: يا بن عمّ اد نُ ُل ف ك من هذا ج الفالوذ ّه فإن يزيد فِي الدّماغ. قال: إن كان كما يقولُ أميرُ المُؤمنين فينبغي أن يكون رأسُه مثل رأسِ البغل. وقد ز عم ابنُ السّمّاك ّها أن سيّدة واء، الح ل وزعم آخ رون ّها أن حلوى الأغنياء، ّا ُن وك

عدد الصفحات ٨

ِي الدّماغ. قال: إن كان كما يقولُ أميرُ المُؤمنين فينبغي أن يكون رأسُه مثل رأسِ البغل. وقد ز عم ابنُ السّمّاك ّها أن سيّدة واء، الح ل وزعم آخ رون ّها أن حلوى الأغنياء، ّا ُن وك نأكلها ولم نكن منهم.

عدد الصفحات ٨

اشترت أُمّي من سوق ّارين الصّف طستًا وأكوابًا وملاعق، وكانت تُجادل الباعة وهي ّي تُغط رأس ها ووجهها بخمار، وكنتُ أستمتع بمجادلتها، وعُدنا، فناشد تُها الله والرَّحِم أن تشتري لي حلوى الفالوذج من ّان دُك أبي سُليمان، ني فنهرت « :لن تأكلها كلّ يوم. فأشرتُ إلى جسدي ّحيل الن ّذي ال لو هبّت رِيح خفيفة ه لأطارت من فوق الأرض، وقلتُ « :أريدُ أن أسمن ً قليلا . فتزفر« :مُخادِع . وأكلت الحلوى، واستمعتُ إلى قِصّة جديدة من أبي سليمان عنها وأنا آكلها، وكنتُ أستمتع بذلك، ولم أعد بعد حين من الدّهر أدري ِم ب أستمتع؛ بها أم ّرائف بالط ّتي ال تدور حولها؟! ولمّا صِر نا على عتبة البيت ني سبقت أمّي إلى الدّاخل، وكانت تبدو مُغض بة، ني ونادت إلى المطبخ، كانت تضع الأواني ّتي ال ها اشترت في صُندوق، وقالت وهي ِر ت ستعب « :تنفعك إذا انتقلت إلى دار أخرى. واستغربتُ من قولِها هذا، وهتفتُ في سِرّي دون أن أسألها« :أيّ دار أخرى هذه ّتي ال سأنتقل إليها»!! ِغداد ولب وجهان، ّما كل غدوتُ إلى الدّرس أو عبرتُ الطرّقات رأيتُهما، وجهان كما لو است عارا من ّرق الش والغرب، وأخذا من ّت ي ضِف ّهر، الن إنّ بغداد سوق ومسجد، وماء وملح، وداء ودواء، ومِحنة ومِنحة، قتلت عُلماء ورفعت آخرين، وفتحت صدرها للزّهّاد سّاك والن تمامًا كما ه فتحت ّصوص لل يّارين، والع ولعلّ كلّ ّة محل ُبرى ك في بلاد الله كذلك، ّها ولكن غلبت بالحديث كلّ أرض ، وبالفِتنة كلّ صِقع . مسغبة _أيمن العتوم: ووجهاها وجها المليحة، مستورًا ًا، ومكشوف فهي جميلة في ين، الحال فإذا ه ت أسدل رأيت ه، وإذا ه ت رفع رأيت ه، والج مال طريقان، أحدهما إلى الله والثّاني إلى ّيطان، الش تلك هي بغداد، ّها إن تتأبّى على الوصف، كيف يُمكن لي وأنا ابن الحادية عشرة أن أعبّر لكم عن حُبّي لها، إنّ هذا ّيء الش مِمّا يعتمل في الوِجدان دون أن يُقال أو يُفسّر، هل أحسّ أحدكم أنّ ً غمامة ه حملت في أندائها وهو نائم وسافرت به فوق ِقاع ب الأرض فرأى كلّ شيء؛ تلك هي بغداد، وذك هو عِشقها ! ولقد دعاني (ابن البغويّ ) ّذي ال كان يدرسُ معي درس الفِقه إلى دارهم، فدخلتُها، فإذا هي أقربُ للقصر، بناها لهم جدّه ّذي ال كان في الجيش، رأيتُ منها عجبًا، كانت الدّار عالية الأبهاء، فسيحة الأفنية، تقوم سقوفها على أقواس عظيمة، ترتكز على أعمدة رُخاميّة، بتيجان مُذهّبّة، نوافذها عالية، تضربُ ّمسُ الش ستائرها الدّيباجيّة، وتُلقِي ّلال بالظ على الأرائك ّمارق، والن يجلسُ إلى بعضِها القِيان، فتحسبُ ّها أن ّة الج ن . وكان صديقي قد دعاني إلى الغ داء معه، فمُدّت المائدة، وحمل ّعام الط إليها خدم كثيرون، ّهم كل يلبسون سراويل ِيضًا ب ً، واسِعة ويتمنطقون بمنطقة زرقاء على أوساطهم، وكانوا شبابًا سُودًا، ليس فيهم أبيض أو أصفر، يحمل كلّ واحد منهم ّعام الط بكلتا يد يه، ص ح فات ص ح فات، وكانت الصّحون تحوي كلّ ما ّ لذ وطاب، كانت هناك ّحوم الل المشويّة، ّ البط والإوزّ والدّجاج ّياه، والش وكانت المُحمّر والمُقمّر والمُدوّر والمُفلطح والمستطيل والمُستدير، وما لا يُحص ى… فشهقتُ، وسألتُه: «هل ستدعون أهل بغداد إلى هذه الوليمة؟. فردّ « :بل هو نا ل . فسألتُه« :فمن يأكل هذه الأطنان من ّعام؟ الط »!وما عتم سؤالي أن أجابت عنه الوفودُ الأخرى من الخدم ّذين ال بسطوا مائدةً أخرى وعليها ّيخ ِط الب والعنب والر مّان والأشربة من كلّ لون… فسألتُه عن الفالوذج، فقال« :نأتيك بأشهاه، فاصبر صبرًا ً جميلا . فقلت: « لي عنه صبر فردّ ًا ضاحِك : «اعتبر ه يوسف في الحُسن وأنت يعقوبه. فرددتُ « :أنا لا أريدُ أن أفقد بصري حُزنًا عليه. وأكلتُ حتّى لم يعد في

عدد الصفحات ٩

تيك بأشهاه، فاصبر صبرًا ً جميلا . فقلت: « لي عنه صبر فردّ ًا ضاحِك : «اعتبر ه يوسف في الحُسن وأنت يعقوبه. فرددتُ « :أنا لا أريدُ أن أفقد بصري حُزنًا عليه. وأكلتُ حتّى لم يعد في المعدة موضع، واستثقلتُ، فقال لي« :ما أكلت شيئًا»!فرأيتُ ّيور الط تحوم في فضاء الأبهاء العالية، ّ تحط من عل

عدد الصفحات ٩

وتقترب من ّعام الط تنقر من العنب، أو تشرب ً نُغبة من هنا أو هناك، ورأيتُ ًا قِطط تدخل، فتموء، وتنهشُ من ّعام الط المشويّ . ثُمّ دخلتِ الكلاب، فتعجّب تُ، ثُمّ رأيتُ الكلاب تقفز على المائدة وتأكل وما أحد يمنعها، ثُمّ رأيتُ كلابًا أخرى أضخم من الأولى سوداء مُرعِبة، تُزمجر، وقد هجمت على أهل القصر، وبدأت بالخدم القريبين ّي، من فنفضتُ رأسي وأنا مذهول، واقترب ّي من (ابن البغويّ )، وقدّم لي صحن الفالوذج« :ُل ك . فقلت« :لقد أكلت. فقال« :أنت طلبت المزيد. فتعجّبتُ، ودارت بي الأرضُ دورةً ً، خفيفة فرأيتُ ّاس الن مقلوبين، والمائدة قد مادت وتناثر ما عليها من طعام وشراب، فتمايلتُ وكدتُ أسقط على رأسي لولا ّني أن استندتُ إلى أحد الأعمدة، وبان لي وجه صديقي ًا ممغوط ًا ممعوط ليس فيه ش عرة، فضربتُ رأسي في العمود، فعاد إليّ بعضُ الرّشد، وسألتُه« :ماذا وضعت في ّعام الط يا مجنون؟. فضحك، وقال كلامًا لم أسمع منه ّ إلا كما يسمع الغريق من هدير البحر، وفتّحتُ عيوني لكي أعرف طريق الخروج، فلمّا استبان لي سلكتُه هارِبًا لا ألوي على شيء، واستعذتُ بالل من ّيطان الش الرّجيم . وقصدتُ المسجد من جهة باب ّفريّة، الظ حيثُ سيكون درسي بعد العصر، وفي ّريق الط ع ر ض لي أناس يتجمهرون في ساحة إلى سور قديم، وقد صنعوا مثل قة، الح ل فمددتُ عنقي في الفراغات بين جذوع الواقفين لأعرف ما يحدث، فرأيتُ ناسًا ّصون يُرق القِر دة والسّعادين، وقد لبسوا الخِرق المُلوّنة، ويُحاكون البّبغاءات، ّمون ويُعل البلابل الألحان، ويُه م لِجون الخيل، ويحصلون من هذا الهُراء على نقود ، فعرفتُ ّهم أن أهل ّهو، الل فسللتُ عنقي، ورجعتُ إلى الوراء ومضيت. فلمّا وصلتُ إلى مسجد ّفريّة الظ ودخلتُ ساحته وأنا لا أكادُ أصدّق ما حدث معي، رأيتُ في فِناء المسجد أكثر من مئةِ طالب ، قد انتظم كلّ خمسة أو ستّة في حلقة ، وهم يتذاكرون، فهذه تتذاكر أشعار المتنبي، وتلك فقه أبي حنيفة، وتلك القرآن، والرّابعة أحاديث البُخاريّ، فاستراحت إليهم ّفس، الن وكانوا ة، ف ع ي وأكثرهم في ّي، سِن قد لبسوا ثيابًا خفيفة، يحرّكها ّسيم الن إذا هفا لنحول أجسامهم، وراحت جذوعهم تهتزّ على إيقاع محفوظاتهم ً، ط روبة فعرفتُ ّني أن أنتمي إلى هؤلاء، وقد رأيتُ على رأسِ كلّ حلقة شيخًا، يُمسك بين يديه ُرّاسًا، ك يُتابع فيه استظهار التلاميذ لما يحفظون، وكان بعضُ الأساتذة قد طوى ُرّاس، الك ووضعه تحت إبطه، وراح يختبر مع طلبته محفوظه هو الآخر، فد س ستُ سي ن ف في حلقتي، وكنتُ قد بدأتُ أحفظ ُرّاس الك الثّاني من ديوان المتنبّي، ّني ولكن لم أجد م ن يُقرِئني الدّيوان مثل (ابن ّي جن)، فرُحت أدعو الله أن يرزقني بمن يعرفُ أسرار المتنبّي كما كان يعرفها. ❝ ❞ (٤) الوجيه الواسطيّ فلمّا مرّ عام ، على وفاة (أبي زرعة)، كنتُ قد أتممتُ علم الحديث، فانتقلتُ إلى أبي ر كات الب الأنباريّ، وما كان يقبل أحدًا في ّي سِن ولو كان ابن الخليفة، ولكنّ أبي أطال الله في عُمره، كانت صُحبته ُلماء بالع تشفع لي، ثُمّ إنّ يده كانت ً، مبسوطة يُجري عليهم المال دون أن يطلبوا، وكان أبو ر كات الب هذا ربيب أبي عندما كانا ين طالِب في المدرسة ّظاميّة الن قبل بضعة عقود، وصِرتُ في حلقة هذا العالِم ّحويّ، الن فلمّا ابتدأ مجلس ه ابتدأ بمسائل الخِلاف بين ّحويّين الن والبصرييّن، ى فهذ بكلام لم أفهم منه شيئًا، وه د ر بقول لم أتبيّن منه ًا، حرف وه د ر بجُم ل دخل ُها أوّل في آخِرها، وعرض مسائل لم أفقه منها واحدة، وكان تلامذته يُصغُون إليه كأنّ على رؤوسهم ّير، الط ويتعجّبون من ّه ف ن في ّه، ف ن وأنا غارق في الغُموض مثل

عدد الصفحات ١٠

ر بجُم ل دخل ُها أوّل في آخِرها، وعرض مسائل لم أفقه منها واحدة، وكان تلامذته يُصغُون إليه كأنّ على رؤوسهم ّير، الط ويتعجّبون من ّه ف ن في ّه، ف ن وأنا غارق في الغُموض مثل الرّاقص على الماء، فلمّا رأى إنكاري ما يقوله، سألني: « لي مسألة الخلاف بين البصريّين والكوفيّين في الاسم. فقلت« :وما أدراني؟. فغضب، وهتف« :فما ك ح م ل على أن تحضر مجلسي؟. فأجبتُه« :أبي. فردّ « :أنا أكبر من تعليم الصّبيان . وزفر وهو مُحن ق، ثُمّ أردف« :أتريدُون ّي مِن أن أكون مثل مؤدّب الصّبيان في رسائل الجاحظ؟»!فسألتُه : «وماذا كان يفعل؟. فهمّ بصفعي، ونظر لعلّ أحدًا يفعل ذلك عنه، أو يحملني خارج الحلقة، ولم أكن أدري أنّ ذلك يُسخِطه، فهمستُ « :اغفر لي يا سيّدي. أنا أعرفُ ما قال الجاحظ، إنّ رسالت ه تلك، هي أوّل ما استهواني من الكتب.

عدد الصفحات ١٠

وسكتّ، قبل أن أُكمِل « :أعانك الله على س و رة الغضب، وع ص م ك من س ر فِ الهوى، وص ر ف ما أعارك من ُوّة الق إلى حُبّ الإنصاف، ورجّح في ِك قلب إيثار الأناة. فاحمرّ وجهه، وصرخ« :أتقصدني بهذا الكلام؟. فرددتُ « :ك يا سيّدي، ّما إن أستظهر لك الرّسالة ّها، كل وهذا أوّلُ ما جاء فيها، وأنا أعرفُ – كما قال - أنّ ّمين المعل أشق ى بالصّبيان من رُعاةِ الضّأن ورُوَّض المِهارة . فإنّ شئت عدلتُ إلى قوله: فمِمّا أعان الله تعالى به الصّبيان، أن رّب ق هم طبائع ومقادير عقولهم من مقادير عقول ّمين… المعل وأنا يا سيّدي صبيّ كما ترى. ّع وتطل ّيخ الش حوله، وقد شعر أنّ ورطته مع هذا الصّبيّ لا خلاص منها، وانتظر أن يُنقِذه أحدُ تلامذته الكِبار، ّهم ولكن ّوا ظل جامدين كالجلامد، فقال وهو ينثر يده في وجهي« :لن ينفعك أن تكون معنا، دونك أحد تلامذتي الوجيه الواسطيّ، يكن فل شيخك، فإذا وصلت إلى مراتبنا في النحو ضممناك إلى ق تِنا حل . وقمتُ من وسطهم مطرودًا، لا أدري إن كنتُ أستحقّ، ّني لكن اعتذرتُ له« :بحقّ الله، ثُمّ بحقّ أبي، لم أكن أقصِدُ أن أُغضِبك . لم يعاتب ني أبي على ما فعلت، ّه إن يفهم ما يعتمل في داخلي، ّه لكن أخذني من فجر اليوم التّالي إلى الوجيه الواسطيّ، وقال: «ّه إن يحتمل كلّ الصّغار، ولن تجد عنده ّ إلا كلّ خير« .ّني إن أحبّ العِلم يا أبي مثلما أحبّ الفالوذج وأكثر. ضحك. دخلنا إلى باحةِ دار يبدو عليها الثّراء، ّها لكن مُوحِشة، كان في الباحة أربعة صِبيان أو خمسة، وكان بعضُهم يرمي في التّنبوك، وبعضُهم ينفخ في السّبطانة، ولم يكن إلى ّيخ الش ّ إلا صبي واحد يقرأ بين يديه، ني فهال هذا ّهو الل بين يدي الأستاذ، وسمع ّيخ الش الوجيه ع و ق أقدامنا، فقال وهو يمدّ عنقه« :م ن ؟ . نظر إليّ أبي، ثُمّ مال وهمس في أذني« :ّه إن أعمى. هتفتُ « :ّم معل صِبيان، وأعمى، والأولاد بين يديه يلعبون؟. فردّ « :اصمت ، ّه إن خيرُ م ن أخذ ّحو الن عن أبي ر كات، الب ولو شهد الخليل بن أحمد أو و ي هِ سِي ب ش هِدا ل له. صمتّ . فيما سأل ّيخ الش الوجيه هذه المرّة بصوت أعلى« :م ن هُناك؟ . فردّ أبي، ونحن نقترب منه« :أنا يوسفُ وهذا ابني« .يوسفُ م ن ؟ « .يوسفُ بن محمّد بن عليّ . فرأيتُ ّيخ الش وقف فجأةً على قدم يه، وفت ح ذراع يه، وهشّ شّ، وب وهتف« : ً أهلا بشيخنا، ما ك ح م ل على أن تُتعب نفس ك؟ لو دعوت نا لأتيناك. وأخذ أبي بالأحضان، فيما كان هناك س هم صغير من الخشب يستقرّ في الحائط ّينيّ الط هما فوق. ولمّا أزّ السّهم ًا مروق من فوق رأسِ ّيخ، الش خفضه، وهتف« :يا أولاد… كفى… اذهبوا إلى أهلكم… يكفي اليوم ما أخذناه. ردّ أحدهم« :لم نأخذ شيئًا يا شيخ. فردّ ّما كأن ستمِيلهم ي« :عودوا غدًا، وستجدون السّبطانة والتّنبوك، والدّبوق أيضًا بانتِظاركم تقاط ر بعضُهم خارِجًا من فِناء الدّار، فيما راح بعضُهم الآخ ر ينظر إلينا ًا مُستطلِع . وجلس أبي إلى جوار ّيخ الش على مصطبة حجريّة، مفروشة بوبر ّعام، الن ترتفع أقلّ من ذراع عن الأرض يجلسُ عليها ّيخ الش إذا ابتدأ التّدرييس، وجلستُ إلى جانبهما، وقال أبي« :هذا ولدي عبد ّطيف، الل ّه إن لطيف، وهو يُحبّ العلم ه، وأهل وقد بعث به. قاط عه الوجيه ً قائِلا: «بعث به شيخُنا أبو البركات الأنباريّ، أليس كذلك؟« .بلى، ولكن كيف عرفت؟« .ّه إن دأب على ذلك حين يعجزُ مع أحدهم. وسأل أبي ًا ّك مُتشك « :فهل ستقبله؟« .ّبع، بالط ما دمت أنت معه، فهل أستطيع أن أرفض؟« .إذا كان ً ثقيلا عليك ذلك، نا عدل عن طِيّتنا « .لا يا شيخ، لكنّ كثرة الصّبيان ّذين ال يلعبون هنا تمنعهم عن العِلم، أو ِّئ تُبط ذلك، فإذا كان مثلهم سيلهو، فلن ّم يتعل كثيرًا، وإذا س مِع ّي، من ّم تعل ما أراد وزيادة، الأمر م نوط به.

عدد الصفحات ١١

نّ كثرة الصّبيان ّذين ال يلعبون هنا تمنعهم عن العِلم، أو ِّئ تُبط ذلك، فإذا كان مثلهم سيلهو، فلن ّم يتعل كثيرًا، وإذا س مِع ّي، من ّم تعل ما أراد وزيادة، الأمر م نوط به. ونظر أبيّ إليّ، فقلت« :أنا أريدُ أن ّم أتعل . كان ّيخ الش ع ز بًا، أو ماتت امرأته، لا أدري، ّه ولكن لم يكن أحد في البيت معه، وكان البيتُ مُظلِمًا إذا دخلت ه، ّه لأن لا نوافذ له، ولا تدخل ّمس الش ّ إلا من بابه وقت ّروق، الش فإذا ّتِ ت خ ط ّمسُ الش وسط ُبّة الق من السّماء حلّ ّلام الظ في البيت ّرًا، مُبك مع ّه أن ما زال بينها وبين الغروب ، مسافة وقال لي أبي« :البيتُ ّذي ال لا امرأة فيه مُوحِش، مُظلِم؛ ألا ترى إلى بيت ّيخ الش الوجيه؟. وكنتُ ّي أصل الفجر في مسجدنا ُلّ ك يوم فإذا بزغ قرصُ ّمس، الش عدوتُ إلى بيت ّيخ الش الواسطيّ، وكنتُ أصلُ في كلّ مرّة لاهِثًا، فلا أجدُ أحدًا من الصّبيان الآخرين، وكانوا يأتون ُبيل ق ّهر، الظ فكان ّي حظ في ّم التّعل من طلوع ّمس الش إلى ّهر الظ عظيمًا، ودأبتُ على أن أنقف الحصى بين يد يه قبل أن أدخل الباب لأُعلِمه بمجيئي، فكان يقول من خلفِ الباب« :يا

عدد الصفحات ١١