المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الاحتجاج بالقرآن الكريم والقراءات القرآنية في المسائل النحوية في كتاب الإنصاف

علي عبد الله الذنيبات

صفحة ٣ من ٩

27 ﻧزول اﻟﻘرآن ﻋﻠﻰ ﺳﺑﻌﺔ أﺣرف ﺗدلّ دﻻﻟﺔ واﺿﺣﺔ ﻋﻠﻰ أﻧﻪ ﻻ ﻓرق ﺑﯾﻧﻬﻣﺎ ﻓﻛل ﻣﻧﻬﻣﺎ وﺣﻲٌ ﻣﻧزل )1(. 3. وﯾرى اﻟدﻛ ﺗور ﺷﻌﺑﺎن ﻣﺣﻣد إﺳﻣﺎﻋﯾل أﻧﻬﻣﺎ ﻟﯾﺳﺎ ﻣﺗﻐﺎﯾرﯾ ن ﺗﻐﺎﯾراً ﺗﺎﻣﺎً ﻛﻣﺎ أﻧﻬﻣﺎ ﻟﯾﺳﺎ ﻣﺗﺣدﯾن اﺗﺣﺎداً ﻛﻠﯾﺎً ، ﺑل ﺑﯾﻧﻬﻣﺎ ارﺗﺑﺎط وﺛﯾق ﻛﺎرﺗﺑﺎط اﻟﺟزء ﺑﺎﻟ ﻛل؛ وذﻟك ﻷن اﻟﻘراءات ﻻ ﺗﺷﻣل ﻛﻠﻣﺎت اﻟﻘرآن ﻛﻠﻪ، ﺑل ﺗوﺟد ﻓﻲ ﺑﻌض أﻟﻔﺎظﻪ ﻓﻘط ﻛﻣﺎ أن ﺗﻌرﯾف اﻟﻘراءات ﯾﺷﻣل اﻟﻣﺗواﺗرة واﻟﺷﺎذة ، وﻗد أﺟﻣﻌت اﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﻋدم ﻗرآﻧﯾﺔ اﻟﻘراءات )2(. وﻫﻛذا ﻧرى أن اﻟﻘراءات ﺗﺣﻣل ﻗدراً وﻣﻧزﻟﺔً رﻓﯾﻌﺔ ﻟﺗﻌﻠﻘﻬﺎ ﺑﺎﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻛﻼم اﷲ ﻋز وﺟل ﻓﺎﻟﻘراءات اﻟﻣﺗﻌددة ﺗﻌﺗﺑر ﻣﺻدراً ﻣﻬﻣﺎً ﻟﻛﺎﻓﺔ ﻋﻠوم اﻟﻌرﺑﯾﺔ واﻟﺷرﯾﻌﺔ ﯾﺣﺗﺎج إﻟﯾﻬﺎ اﻷدﯾب واﻟﻧﺣوي واﻟﻣﻔﺳر واﻟﻣﻘرئ . وﻟﻠﻘراءات أﻧواع وﻟ ﻛل ﻧوع ﺿﺎﺑط ﻓﻬﻧﺎك اﻟﻘراءة اﻟﻣﺗواﺗرة ، وﻫﻲ ﻣﺎ رواﻩ ﺟﻣﻊ ﻋن ﺟﻣﻊ ﻻ ﯾﻣﻛن ﺗواطؤﻫم ﻋﻠﻰ اﻟﻛذب ﻋن ﻣﺛﻠﻬم، وﻫﻧﺎك أﯾﺿﺎً اﻟﻘراءة اﻟﻣﺷﻬورة وﻫﻲ ﻣﺎ ﺻﺢّ ﺳﻧدﻫﺎ ﺑﺄن رواﻫﺎ اﻟﻌدل اﻟﺿﺎﺑط ﻋن ﻣﺛﻠﻪ وﻫﻛذا، وواﻓق اﻟﻌرﺑﯾﺔ وواﻓق أﺣد اﻟﻣﺻﺎﺣف اﻟﻌﺛﻣﺎﻧﯾﺔ، واﺷﺗﻬرت ﻋﻧد اﻟﻘرّاء وﻟﻛن ﻟم ﺗﺻل إ ﻟﻰ درﺟﺔ اﻟﺗواﺗر، وﻫﻧﺎك اﻟﻘراءة اﻟﺻﺣﯾﺣﺔ وﻫذﻩ ﻻ ﯾﻘرأ ﺑﻬﺎ وﻻ ﯾﺟب اﻻﻋﺗﻘﺎد ﺑﻬﺎ، أﻣﺎ اﻟﻘراءة اﻟﺷﺎذة ﻓﻬﻲ ﻣﺎ ﻟم ﯾﺻﺢ ﺳﻧدﻫﺎ، وﻫﻧﺎك أﯾﺿﺎً اﻟﻘراءة اﻟﻣوﺿوﻋﺔ ، وﻫﻲ ﻣﺎ ﯾﻧﺳب إﻟﻰ ﻗﺎﺋﻠﻬﺎ ﻣن ﻏﯾر أﺻل، وأﺧﯾراً اﻟﻘراءة اﻟﺷﺑﯾﻬﺔ ﺑﺎﻟﻣدرج ﻣن أﻧواع اﻟﺣدﯾث ، وﻫﻲ ﻣﺎ ﺗراد ﻋﻠﻰ وﺟﻪ اﻟﺗﻔ ﺳﯾر)3(. اﺣﺗﺟﺎج ﻋﻠﻣﺎء اﻟﻧﺣو ﺑﺎﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم واﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ ﻟم ﯾﺧﺗﻠف ﻋﻠﻣﺎء اﻟﻧﺣو ﻓﻲ اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﺎﻟﻧص اﻟﻘرآﻧﻲ، ﺑل أﺟﻣﻌوا ﻋﻠﻰ أﻧﻪ أﻓﺻﺢ ﻣﺎ ﻧطﻘت ﺑﻪ اﻟﻌرب، واﻷﺻﺢّ ﻧﻘﻼً واﻷﺑﻌد ﻋن اﻟﺗﺣرﯾف، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ أﻧﻪ ﻧزل ﺑﻠﺳﺎن ﻋرﺑﻲٍ ﻣﺑﯾن ، وﻟم ﯾﺗﻌرض أﺣد ﻟﻌرﺑﯾﺔ اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾ م وﻗت ﻧزوﻟﻪ ﻣن ﻗرﯾب أو ﺑﻌﯾد ﺑل اﻧﺑﻬروا )1(اﻟﺳﻧدي، ﺻﻔﺣﺎت ﻓﻲ ﻋﻠوم اﻟﻘرآن، ص 17. )2(اﻟﺳﻧدي، ﺻﻔﺣﺎت ﻓﻲ ﻋﻠوم اﻟﻘرآن،ص 18. )3( اﻟﺻﺎﻟﺢ، ﺻﺑﺣﻲ، ﻣﺑﺎﺣث ﻓﻲ ﻋﻠوم اﻟﻘرآن، دار اﻟﻌﻠم ﻟﻠﻣﻼﯾﯾن، ط 24،2000، ج1، ص256.

عدد الصفحات ٣٤

28 ﺑﻪ وأﻗرّوا ﺑﻣﺎ وﺻل إﻟﯾﻪ ﻣن درﺟﺎت اﻟﺑﯾﺎن ، وأﻗرّ اﻟﻌﻠﻣﺎء ﺑﺄﻧﻪ ﻛﻼم اﷲ أﺟري ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺑﺎد، ﻓﺟﺎء اﻟﻘرآن ﻋﻠﻰ ﻟﻐﺗﻬم، وﻣن ﻫﻧﺎ ظﻬرت ﺷواﻫد اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻓﻲ ﻛﺗب اﻟﻧﺣو ﻣﻧذ ﺳﯾﺑوﯾﻪ، واﻟذي ﻛﺎن ﯾورد ﻫذﻩ اﻟﺷواﻫد ﻣﻘروﻧﺔ ﻓﻲ اﻷﻏﻠب ﺑﻣﺎ و رد ﻋن اﻟﻌرب ﻣن ﺷﻌر أو ﻧﺛر )1(. واﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻫو اﻟوﺣﻲ اﻟﻣﻧزل ﻋﻠﻰ ﺳﯾدﻧﺎ ﻣﺣﻣد ﺻﻠﻰ اﷲ ﻋﻠﯾﻪ وﺳﻠم ﺑﺎﻟﻠﻔظ اﻟﻌرﺑﻲ اﻟﻔﺻﯾﺢ اﻟﻣﻧﻘول إﻟﯾﻧﺎ ﺑﺎﻟﺗواﺗر، واﻟﻣﺟﻣﻊ ﻋﻠﻰ ﻗراءﺗﻪ ﺑﺎﻟطراﺋق اﻟﺗﻲ وﺻﻠﺗﻧﺎ ، وﻟﻘد أﺟﻣﻊ اﻟﻌﻠﻣﺎء ﻋﻠﻰ ﺿﺑطﻬﺎ وﺗﺣدﯾدﻫﺎ ﻣﺗﻧﺎً وﺳﻧداً، واﺗﻔﻘوا ﻋﻠﻰ اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﻪ وﺑﻘراءﺗﻪ إذا ﺗواﻓرت ﻓﯾﻬﺎ اﻟﺷروط اﻟﻣﺟﻣﻊ ﻋﻠﯾﻬﺎ ، واﻟﻘراءات ﻛﻣﺎ ﺑﯾﻧﺎ ﻫﻲ اﺧﺗﻼف أﻟﻔﺎظ اﻟوﺣﻲ ﻓﻲ اﻟﺣروف وﻛﯾﻔﯾﺔ أداﺋﻬﺎ ﻣن ﺗﺧﻔﯾف وزﯾﺎدة وﻧﻘصٍ وﺗﻐﯾﯾر ﺣرﻛﺔ وﺷروط ﺻﺣﺗﻬﺎ ﻫﻲ : ﺻﺣﺔ اﻟﺳﻧد، وﻣواﻓﻘﺔ اﻟرﺳم اﻟﻌﺛﻣﺎﻧﻲ، وﻣواﻓﻘﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ وﻟو ﺑوﺟﻪ ﻣن اﻟوﺟوﻩ )2(. وﺗرﺗﺑط ﻧﺷﺄة اﻟﻧﺣو اﻟ ﻌرﺑﻲ ارﺗﺑﺎطﺎً وﺛﯾﻘﺎً ﺑﺎﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ، ﻓﻠوﻻ اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻟﻣﺎ ﻧﺷﺄ ﻫذا اﻟﻌﻠم اﻟذي ﺳﯾطر ﻓﯾﻣﺎ ﺑﻌد ﻋﻠﻰ ﻛل ﻋﻠوم اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ وآداﺑﻬﺎ ، واﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻣن أﻫم اﻷﺳﺑﺎب اﻟﺗﻲ ﺟﻌﻠت اﻟﻌﻠﻣﺎء ﯾﻔﻛرون ﻓﻲ وﺿﻊ اﻟﻠﺑﻧﺔ اﻷوﻟﻰ ﻟﻬذا اﻟﻌﻠم؛ وذﻟك ﺧوﻓﺎً ﻣن اﻟﻠﺣن ﻓﻲ ﻗراءﺗﻪ )3(. وﻗد اﺣﺗﺎج اﻟﻌرب إﻟﻰ اﻟﻧﺣو ﻛﻣﺎ ذﻛرﻧﺎ ﻓﻲ اﻟ ﻔﺻل اﻟﺳﺎﺑق، ﺧوﻓﺎً ﻋﻠﻰ ﺳﻼﻣﺔ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﺑﻌ د اﻻﺧﺗﻼط ﺑﺎﻷﻋﺎﺟم ﻧﺗﯾﺟﺔ اﻟﻔﺗوﺣﺎت اﻹﺳﻼﻣﯾﺔ، ﺣﯾث ﺗﻧﺑّﻪ ﻋﻠﻣﺎء اﻟﻧﺣو إﻟﻰ أنّ ﻫذا اﻷﻣر ﺳﯾؤدي إﻟﻰ ﻓﺳﺎد اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ وإﻓﺳﺎد اﻟدﯾن، ﻛﻣﺎ وﯾﻌﺗﺑر اﻟﻠﺣن ﻛﻣﺎ ذﻛرﻧﺎ ، اﻟﺑﺎﻋث اﻷول ﻟﺗدوﯾن اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ وﺟﻣﻌﻬﺎ، واﺳﺗﻧﺑﺎط ﻗواﻋد اﻟﻧﺣو وﺗﺻﻧﯾﻔﻬﺎ ﻓﺎﻟﺧوف ﻋﻠﻰ اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﺟﻌل ﻫؤﻻء اﻟﻌﻠﻣﺎء ﯾﺗﺿﺎﻓرون ﻟﺻﯾﺎﻧﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ )4(. )1(ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص33. )2( ﺧﺎن، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 32 . )3( ﻣﻛـرم، ﻋﺑـد اﻟﻌـﺎل ﺳـﺎﻟم)1978 (اﻟﻘـرآن اﻟﻛـرﯾم وأﺛـرﻩ ﻓـﻲ اﻟدراﺳـﺎت اﻟﻧﺣوﯾـﺔ، ط 2، ﻣؤﺳﺳـﺔ ﻋﻠـﻲ ﺟــراح اﻟﺻﺑﺎح، اﻟﻛوﯾت، ص45. )4( اﻷﻓﻐﺎﻧﻲ، ﺳﻌﯾد )1951 (ﻓﻲ أﺻول اﻟﻧﺣو، ط1، دﻣﺷق، ﺳورﯾﺎ، ص 7-10.

عدد الصفحات ٣٥

29 ودراﺳﺔ اﻟﻧﺣو اﻟﻘرآﻧﻲ ﻫﻲ اﻟﻣﻔﺗﺎح اﻟذي ﯾﻔﺗﺢ اﻷﺑواب اﻟﻣﻐﻠﻘﺔ ﻓﻲ اﻟﻧﺣو ، واﻟﺗﻲ اﺳﺗﻌﺻت ﻋﻠﻰ ﻛﺛﯾر ﻣن اﻟﻌﻠﻣﺎء، ﻓﺗراﻛﯾﺑﻪ وأﺳﺎﻟﯾﺑﻪ ﻫﻲ اﻷﺻل اﻟذي ﻻ ﺑدّ ﻣن اﻟﻘﯾﺎم ﺑدراﺳﺗﻬﺎ اﻟﺗراﻛﯾب اﻟﻌرﺑﯾﺔ واﻷﺳﺎﻟﯾب اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﻋﻠﯾﻪ واﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻓﯾﻣﺎ اﺷﺗﻣل ﻋﻠﯾﻪ ﻣن ﻣﻌﺎﻟﺟﺎت أدﺑﯾﺔ وﻟﻐوﯾﺔ وﻣﺗﻧوﻋﺔ ﻗد أﺳس ﻟﻸﺳﺎﻟﯾب واﻟﺗراﻛﯾب اﻟﺗﻲ اﺳﺗطﺎﻋت ﺑﻌد أن ﻗﺎﻣت أرﻛﺎن اﻟﺣﺿﺎرة، أن ﺗﺳﺗوﻋب أﻓﻛﺎرﻫﺎ وﻣﻌﺎﻧﯾﻬﺎ وأن ﺗﻛون ﺗﻠك اﻷﺳﺎﻟﯾب واﻷﻓﻛﺎر واﻟﺗرا ﻛﯾب وﻋﺎءً ﻟﻠﻌﻠم واﻟﻔﻠﺳﻔﺔ ، وﺳﺎﺋر أﻟوان اﻟﺣﯾﺎة اﻟﺟدﯾدة ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ﻛوﻧﻬﺎ أداة اﻟﺗﻌﺑﯾر اﻷدﺑﻲ واﻟﻠﻐوي اﻟﻣؤﺛر اﻟﺑﻠﯾﻎ، ﻓﺎﻟﻘرآن إذن ﻫو اﻷﺣرى ﺑﺄ ن ﺗﻛون أﺳﺎﻟﯾﺑﻪ وﺗراﻛﯾﺑﻪ اﻟﻣﺛﺎل اﻟذي ﯾﻘﺗدي ﺑﻪ وﯾﻬﺗدي ﺑﻪ)1(. وإذا أﻧﻌﻣﻧﺎ اﻟﻧظر ﻓﯾﻣﺎ أوردﻩ ﻋﻠﻣﺎء اﻟﻧﺣو ﻣن ﺷواﻫد اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم وﺟدﻧﺎ أﻧﻬم ﯾﻌﺗدون ﺑﺎﻟﻘرآن واﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ اﻋﺗداداً واﺿﺣﺎً، ﻓﻬذا ﺳﯾﺑوﯾﻪ ﯾﺳﺗﺷﻬد ﺑﺎﻟﻘرآن واﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ، وﻟم ﯾﻛن ﯾﻠﺣن ﻗﺎرﺋﺎً ، أو ﯾﺧطﺊ ﻗراءة ﺑل ﻛﺎن ﯾذﻛرﻫﺎ ﻟﯾﺑﯾن ﺑﻬﺎ وﺟﻬﺎً ﻣن وﺟوﻩ اﻟﻌرﺑﯾﺔ، وﻋرف ﻋﻧﻪ أﯾﺿﺎً اﺳﺗﺷﻬﺎدﻩ ﺑﺎﻟﻘراءات اﻟﺷﺎذة إذا ﻟم ﺗﺧﺎﻟف ﻗﯾﺎ ﺳﺎً ﻣﻌروﻓﺎً ﻓﺈذا ﺧﺎﻟﻔت اﻟﻘراءة اﻟﻘﯾﺎس أﻋرض ﻋﻧﻬﺎ، وﺗﺟﻧب اﻹﺷﺎرة إﻟﯾﻬﺎ أو ذﻛرﻫﺎ وذﻛر رأي ﺑﻌض أﺳﺎﺗذﺗﻪ ﻓﯾﻬﺎ دون ﺗﻌﻘﯾب ﻣﻧﻪ، وﯾرى ﺑﻌض اﻟﺑﺎﺣﺛﯾن أن رﻓض ﺳﯾﺑوﯾﻪ اﺳﺗﻌﻣﺎﻻت ﻟﻐوﯾﺔ ﻣﻌﯾﻧﺔ وﻧﻘدﻩ ﺑﻌﺿﻬﺎ دﻟﯾلٌ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎرﺿﺗﻪ ﺳﯾﺑوﯾﻪ اﻟﺻرﯾﺣﺔ ﺣﯾﻧﺎً واﻟﺧﻔﯾﺔ ﺣﯾﻧﺎً ﻟﻠﻘراءات )2(. وﻣن أﺷد اﻟﻣﺗﺣﻣﺳﯾن ﻟﻠدﻓﺎع ﻋن اﻟﻘراءات ، أﺑو ﺣﯾﺎن ﻓﻬﻲ ﻋﻧدﻩ ﺳﻧﺔ ﻣﺗﺑﻌﺔ ﯾﺟب ﻗﺑوﻟﻬﺎ ﺣﯾث ﻗﺎل :" ﻛﺛﯾراً ﻣن اﻟﻧﺣﺎة ﻣن ﯾﺳﯾﺋون اﻟظن ﺑﺎﻟﻘراءة، وﻻ ﯾﺟوز ﻟﻬم ذﻟك ")3(. )1( اﻟﺟـــواري، أﺣﻣـــد ﻋﺑداﻟﺳـــﺗﺎر )1974 (ﻧﺣـــو اﻟﻘـــرآن، ﻣطﺑﻌـــﺔ اﻟﻣﺟﻣـــﻊ اﻟﻌﻠﻣـــﻲ اﻟﻌراﻗـــﻲ، ﺑﻐـــداد، اﻟﻌـــراق، ص6-7. )2( ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 34. )3( ﺧﺎن، أﺻول اﻟﻌرﺑﻲ اﻟﻌرﺑﻲ، ص 33.

عدد الصفحات ٣٦

30 وﯾﻘول اﻟﺳﯾوطﻲ ﻛﻣﺎ ﺑﯾﻧﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎً: ﺑﺄنّ ﻛل ﻣﺎ ورد أﻧﻪ ﻗرى ﺑﻪ ﯾﺟوز اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﻪ ﻓﻲ اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﺳواء أﻛﺎن ﻣﺗواﺗراً أم آ ﺣﺎداً أم ﺷﺎذاً، وﻣﺎ ذﻛر ﻣن اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﺎﻟﻘراءات اﻟﺷﺎذة ﻟم ﯾﻌﻠم ﻓﯾﻪ ﺧﻼﻓﺎً ﺑﯾن اﻟﻧﺣﺎة)1(. أﻣّﺎ اﻟﻣﺑرد ﻓﻘد ذﻫب إﻟﻰ ﺗﺧطﺋﺔ اﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ إذا ﺗﻌﺎرضَ ﻣﻊ اﻟﻘواﻋد اﻟﻧﺣوﯾﺔ، وﯾﺧﺗﻠف ﻣوﻗف اﻟﻔرّاء ﻋن ﻣوﻗف ﻛل ﻣن ﺳﯾﺑوﯾﻪ واﻟﻣﺑرد، ﻓﻘد ﻛﺎن ﯾﻘﺑل ﻏﯾر اﻟﻘﯾﺎﺳﻲ ﺳواء أﻛﺎن ﻓﻲ اﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ أم ﻏﯾرﻫﺎ، إذا وﺟد ﻟﻪ ﺷﺎﻫداً ﯾؤﯾدﻩ ﻣن ﻛﻼم اﻟﻌر ب ﻓﺈن ﻟم ﯾﺟد، ﻟم ﯾﺟد ﺣرﺟﺎً ﻓﻲ رﻓض اﻟﻘراءة وﯾﺗوﻗف ﻗﺑول اﻟﻘراءة ﻋﻧدﻩ وﻗوﻓﻪ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﻫد ﻣؤﯾد ﻟﻬﺎ ﻣن ﻛﻼم اﻟﻌرب ﺳواء أﻛﺎن اﻟﺷﺎﻫد ﻗﯾﺎﺳﯾﺎً أم ﻏﯾر ﻗﯾﺎﺳﻲ )2(. وﺑﻌد ﺳﯾﺑوﯾﻪ واﻟﻣﺑرد واﻟﻔرّاء وﺿﻊ اﻟﻌﻠﻣﺎء ﺿواﺑط ﻟﻠﻘراءة اﻟﺗﻲ ﯾؤﺧذ ﺑﻬﺎ ﻓﻘدروا أن ﻛل ﻗراءة واﻓﻘت أﺣد اﻟﻣﺻﺎﺣف اﻟﻌﺛﻣﺎﻧﯾﺔ وﻟو اﺣﺗﻣﺎﻻً ﻓﻬﻲ اﻟﻘراءة اﻟﺻﺣﯾﺣﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﯾﺟوز ردﱡﻫﺎ، وإذا اﺧﺗل ﻫذا اﻟﺷرط ﻛﺎﻧت اﻟﻘراءة ﺷﺎذة، وإذا ﻟم ﺗواﻓق اﻟﻘراءة اﻟﻌرﺑﯾﺔ وﻟو ﺑوﺟﻪ ﻣن اﻟوﺟوﻩ اﻟﻧﺣوﯾﺔ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻛون ﺿﻌﯾﻔﺔ، وإذا ﻟم ﯾﻛن اﻟﺳﻧد ﺻﺣﯾﺣﺎً ﻓﺈن اﻟﻘراءة ﺗﻛون ﺑﺎطﻠﺔ، أﻣّﺎ ﻣﺎ ﻋداﻩ ﻓﺈﻧﻪ ﯾﺟﻌل اﻟﻘراءة ﺿﻌﯾﻔﺔ، أو ﺷﺎذة، ﻟﻛﻧﻬﺎ ﻋﻧد ﻛﺛﯾر ﻣﻧﻬم ﺗظل ﺻﺣﯾﺣﺔ واﻟﻧﺣﺎة اﻟﺑﺻرﯾون ﺗﺷددوا ﻓﻲ ﺷرط ﻣواﻓﻘﺔ اﻟﻘراءة ﻟﻠﻌرﺑﯾﺔ وﻟو ﺑوﺟﻪ ﻣن اﻷوﺟﻪ اﻟﻧﺣوﯾﺔ إذا ﻛﺎن ﻫﻣﻬم اﻟﺗﻘﻌﯾد ﻟﻠﻌرﺑﯾﺔ )3(. واﻟﺻﯾﻐﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻣذﻫب اﻟﺑﺻري ﻫﻲ ﻣﺣ ﺎوﻟﺔ إدﺧﺎل ﻣﺳﺎﺋل اﻟﻧﺣو ﻓﻲ ﺑوﺗﻘﺔ اﻟﻣﻧطق ﻗﺑل اﻟرﺟوع إﻟﻰ ﻛﻼم اﷲ ﻋزوﺟل وﻛﻼم اﻟﻌرب ﻟﻌرض اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﺗﻲ ﯾﻧﺎﻗﺷوﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺿوﺋﻬﻣﺎ، وﻣن ﻫﻧﺎ ﻛﺎن أﻫم ﻣﺎ ﯾﻣﯾز وأﻫم ﻣﺎ ﯾرﺗﻛز ﻋﻠﯾﻪ اﻟﻣذﻫب اﻟﺑﺻري ﻫو اﻟﻘﯾﺎس )4(. )1( ﺟﺑـل، ﺣﺳــن ﻣﺣﻣــد ﺣﺳــن، اﻻﺣﺗﺟــﺎج ﺑﺎﻟﺷــﻌر ﻓـﻲ اﻟﻠﻐــﺔ، دار اﻟﻔﻛــر اﻟﻌرﺑــﻲ، اﻟﻘــﺎﻫرة، ﺟﻣﻬورﯾــﺔ ﻣﺻــر اﻟﻌرﺑﯾﺔ،ص 71. )2( ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 35. )3( ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 41. )4( ﻣﻛرم، اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم وأﺛرﻩ ﻓﻲ اﻟدراﺳﺎت اﻟﻧﺣوﯾﺔ، ص 91.

عدد الصفحات ٣٧

31 وﺧﻼﺻﺔ اﻟرأي ﻓﻲ اﺳﺗﺷﻬﺎد ﻧﺣﺎة اﻟﺑﺻرة ﻋﻠﻰ وﺟﻪ اﻟﻌﻣوم ﺑﺎﻟﻘراءات أﻧﻬ م ﻛﺎﻧوا ﯾﻘﺑﻠوﻧﻬﺎ ﻏﺎﻟﺑﺎً إذا ﻟم ﺗﻌﺎرض ﻗﺎﻋدة وﺻﻔوﻫﺎ ، أو أرادوا أ ن ﯾﺧرﱢ ﺟوا ﺑﻬﺎ ﺷﺎﻫداً ﻣن اﻟﺷﻌر ، أو ﻣن ﻛﻼم اﻟﻌرب ، ﻓﺈذا أﺻ طدﻣت ﺑﻣﺎ وﺿﻌوﻩ ﻣن ﻗواﻋد ﻓﺈﻧﻬم ﯾﻠﺟﺄون إﻟﻰ اﻟﺗﺄوﯾل واﻟﺗﺧرﯾﺞ أو اﻟﺗﺿﻌﯾف واﻟطﻌن ﻓﯾﻬﺎ وﻓﻲ ﻣن ﻗرأ ﺑﻬﺎ أو اﻹﻏﻔﺎل وﺗرﻛﻬﺎ )1(. وﻗد اﺳﺗﺑﻌدوا ﻣن ﻣﻧﻬﺟﻬم اﻻﺳﺗﺷﻬﺎد ﺑﺎﻟﻘراءات إﻻ إذا ﻛﺎن ﻫﻧﺎك ﺷﻌر ﯾﺳﻧدﻫﺎ أو ﻛﻼم ﻋرﺑﻲ ﯾؤﯾدﻫﺎ ، أو ﻗﯾﺎس ﯾدﻋﻣﻬﺎ وﺳﺎر ﻋﻠﻰ درﺑﻬم ﻓﻲ ﻫذا اﻟﻣﺟﺎل اﻟﻧﺣﺎة اﻟﻣﺗﺄﺧرون)2(. أﻣّﺎ اﻟﻛوﻓﯾون واﺑن ﻣﺎﻟك ، واﻟﺳﯾوطﻲ ، ﻓﻘد ﻛﺎن ﻣوﻗﻔﻬم ﻣﺧﺗﻠﻔﺎً ﻋن اﻟﺑﺻرﯾﯾن، ﻓﻘد أﺧذوا ﺑﺟﻣﯾﻊ اﻟﻘراءات واﺣﺗﺟوا ﺑﻬﺎ ﻓﯾﻣﺎ ﻟﻪ ﻧظ ﯾر ﻓﻲ اﻟﻌرﺑﯾﺔ، وإذا ﻟم ﯾﻛن ﻟﻪ ﻧظﯾر، ردّ ﺑﻌﺿﻬم ﻛﻣﺎ ﻫو ﻋﻧد اﻟﻔرّاء وأﺑ ﺎﺣﻪ ﺑﻌﺿﻬم وﺑﻧوا ﻋﻠﯾﻪ ﻗواﻋد وأﺣﻛﺎﻣﺎً )3(. وﻗد ﻧﺷﺄت اﻟﻣدرﺳﺔ اﻟﻛوﻓﯾﺔ ﺑﻌد أن ﺗطورت اﻟﻣدرﺳﺔ اﻟﺑﺻرﯾﺔ ، ووﺻﻠت إﻟﻰ اﻟﻘﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﺗطور، ﻓﻌﻧدﻣﺎ ﻧﺷﺄت ﻣدرﺳﺔ اﻟﻛوﻓﺔ ﻛﺎﻧت ﻣدرﺳﺔ اﻟﺑﺻرة ﯾﻧﺑوﻋﺎً ﻟﻬﺎ ﯾﻣدﻫﺎ ﺑﺎﻟﻧﺣ و واﻟﺣﯾﺎة، وﻋﻠﻣﺎء اﻟﻛوﻓﺔ ﻟم ﯾﻛوﻧوا ر ﺟﺎل ﻓﻠﺳﻔﺔ وﻻ دﻋﺎة ﻣﻧطق ﻓﻬم ﻗﺑﻠوا ﻗراءات اﻟﻘرآن اﻟﺗﻲ ﺗﺗﺗﺟﺎﻓﻰ ﻋن اﻟﻣﻧطق وأﺳﺎﻟﯾﺑﻪ ﻷﻧﻬﺎ ﺗﻘوم ﻋﻠﻰ اﻟرواﯾﺔ ، واﻟﻧﻘل ﺧﻼﻓﺎً ﻟﻠﺑﺻرﯾﯾن اﻟذﯾن ﻛﺎﻧوا ﯾﺣﻛﻣون اﻟﻣﻧطق ﻓﻲ اﻟﻠﻐﺔ وﯾﻔرﺿون أﻗﯾﺳﺗﻪ ﻋﻠﯾﻬﺎ وﻫم ﻓﻲ ﻣﺟﺎل اﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم ﻛﺎﻧوا أﻛﺛر ﻣن اﻟﺑﺻرﯾﯾن ﻓﻲ اﻻﺳﺗدﻻل ﺑﺂﯾﺎﺗﻪ واﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﺄﺳﺎﻟﯾﺑﻪ، ﻟﻛوﻧﻬم ﯾؤﻣﻧون أن اﻟﻘرآن ﺟﺎء ﺑﻠﻐﺎت ﻓﺻﯾﺣﺔ، ﻓﻬو أﺣق ﺑﺎﻟﻘﺑول وأﺟدر ﺑﺎﻷﺧذ )4(. أﻣﺎاﻷﻧﺑﺎري ﻓﻘد أﻛﺛر ﻣن اﻻﺳﺗﺷﻬﺎد ﺑﺎﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ وأوّل اﻟﺷواﻫد ووﺟﻬﻬﺎ ﻓﻬو ﯾوﺛق اﻟﻘراءات وﯾﻧﺳﺑﻬﺎ إﻟﻰ أﺻﺣﺎﺑﻬﺎ، وﺗﻣﯾّز أﺳﻠوﺑﻪ ﺑ ﺈﺣﺻﺎء اﻟﻘراء ﻟﻶﯾﺔ اﻟواﺣدة وﯾﻘوم ﺑﺎﻟﻣﻔﺎﺿﻠﺔ ﺑﯾن رأﯾﯾن ﻟﻠﺑﺻرة واﻟﻛوﻓﺔ، وﯾوﺟﻪ اﻟﻘراءات ﺧﺎﺻﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﺗواﻓق ﻣﯾوﻟﻪ )1( ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 43. )2( ﻣﻛرم، اﻟﻘرآ ن اﻟﻛرﯾم وأﺛرﻩ ﻓﻲ اﻟدرا ﺳﺎت اﻟﻧﺣوﯾﺔ، ص97. )3( ﻧﺣﻠﺔ، أﺻول اﻟﻧﺣو اﻟﻌرﺑﻲ، ص 45. )4(ﻣﻛرم، اﻟﻘرآ ن اﻟﻛرﯾم وأﺛرﻩ ﻓﻲ اﻟدراﺳﺎت اﻟﻧﺣوﯾﺔ، ص 121-123.

عدد الصفحات ٣٨

32 اﻟﺑﺻرﯾﺔ، وﺗﻛون ﻣن ﺣﺟﺞ اﻟﻛوﻓﯾﯾن وﻗد ﻛﺎن ﻟﻪ ﻣﻧﻬﺟﻪ اﻟﺧﺎص ﻓﻲ ﻋرض ﻣﺳﺎﺋﻠﻪ وﻓﻛرﻩ اﻟﻧﺣوي واﻟﻣﺗﺗﺑﻊ ﻟﻛﺗﺎﺑﻪ اﻹﻧﺻﺎف ﯾﺟد اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﺧﻼﻓﯾﺔ ﻓﯾﻪ ﺗﺳﯾر وﻓق ﺗرﺗﯾب أ ﺑواب اﻟﻧﺣو اﻟﻣﺗﺑﻌﺔ ﻓﻲ ﻛﺗب اﻟﻧﺣو وﻓﻲ ﻛﺛﯾر ن ﻣﺳﺎﺋل اﻟﻛﺗﺎب ﻛﺎن ﻫﻧﺎك ﻣﺟﺎل ﻵراء ﻓردﯾﺔ . وﯾﺗﺑﯾن ﻓﻲ ﻛﺗﺎب اﻹﻧﺻﺎف أنّ اﻷﻧﺑﺎري ﻟم ﯾذﻛر ﺟﻣﯾﻊ اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﺧﻼﻓﯾﺔ ﺑﯾن اﻟﺑﺻرﯾﯾن واﻟﻛوﻓﯾﯾن، وذﻛر ﻣﻧﻬﺎ اﻟﺷﻲء اﻟﻘﻠﯾل وﻫو ﻣﺿطرب اﻟﻣﺻﺎدر ﻻ ﯾﻧﻘل ﻋن اﻟﻛوﻓﯾﯾن واﻟﺑﺻرﯾﯾن، وإﻧﻣﺎ اﻋﺗﻣد ﻧﻘل ﺷﯾوﺧﻪ وﯾﻛﻔﯾﻪ أن ﯾﺳﻣﻊ ﻣن ﺷﯾﺦ أو ﯾﻘرأ ﻓﻲ ﻛﺗﺎب رأﯾﺎً ﻓﯾﺄﺧذﻩ ﻣﺄﺧذ اﻟﺛﻘﺔ وﯾﺑﻧﻲ ﻋﻠﯾﻪ ﻣﺳﺄﻟﺔ ﺧﻼﻓﯾﺔ، وﯾﺗﺑﯾن أﯾﺿﺎً أن ﻛﺛﯾراً ﻣن ﻫذﻩ اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﺗﻲ ذﻛرﻫﺎ اﻷﻧﺑﺎري ﻟﯾﺳت ﻣن اﻟﺧﻼف ﻓﻲ ﺷﻲء، وإﻧﻣﺎ ﻫﻲ وﻫم ﻧﻘﻠﻪ ﻋن ﺷﯾوﺧﻪ وﺗدل ﻛﺗب اﻟﻛوﻓﯾﯾن اﻟﺗﻲ طﺑﻌت ﻋﻠﻰ ﺷﻲء آﺧر ﻏﯾر اﻟذي ﯾﻧﺳﺑﻪ إﻟﯾﻬم اﻷﻧﺑﺎري )1(. )1( اﻟﺣﻠــواﻧﻲ، ﻣﺣﻣــد ﺧﯾــر)د.ت( اﻟﺧــﻼف اﻟﻧﺣــوي ﺑــﯾن اﻟﺑﺻــرﯾﯾن واﻟﻛــوﻓﯾﯾن وﻛﺗــﺎب اﻹﻧﺻــﺎف، دار اﻟﻘﻠــم اﻟﻌرﺑﻲ، ﺣﻠب، ﺳورﯾﺎ، ص 5.

عدد الصفحات ٣٩

33 اﻟﻔﺻل اﻟﺛﺎﻟث اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﺎﻟﻘرآن واﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﻧﺣوﯾﺔ ﻓﻲ ﻛﺗﺎب اﻹﻧﺻﺎف ﺗﻌددت آراء اﻟﻌﻠﻣﺎء ، واﺣﺗدم اﻟﺻراع ﺑﯾﻧﻬم ﻓﻲ اﻟﻌواﻣل اﻟﻣؤﺛرة ﻓﻲ اﻟﻣﻌﻣوﻻت، وﺗزﺧر ﻛﺗب اﻟﻧﺣو ﺑﺎﻟﺧﻼﻓﺎت اﻟﻧﺣوﯾﺔ ، وﻻ ﺳﯾﻣﺎ ﻛﺗﺎب اﻹﻧﺻﺎف ﻓﻲ ﻣﺳﺎﺋل اﻟﺧﻼف اﻟذي ﻧﻘل إﻟﯾﻧﺎ ﺧﻼﻓﺎت أﻋظم ﻣدرﺳﺗﯾن ﻧﺣوﯾﺗﯾن آﻧذاك وﻫﻣﺎ : ﻣدرﺳﺔ اﻟﺑﺻرة واﻟﻛوﻓﺔ، وﺗﻌد اﻟدراﺳﺎت اﻟﺗﻲ ﺳﺑﻘت اﻷﻧﺑﺎري ، وﻻ ﺳﯾﻣﺎ دراﺳﺎت اﻟﺧﻠﯾل ، وﺳﯾﺑوﯾﻪ، واﺑن اﻟﺳراج ، واﺑن ﺟﻧﻲ، واﻟدراﺳﺎت اﻟﻔﻘﻬﯾﺔ اﻟﺗﻲ اﻋﺗﻧت ﺑﻣزج أﺻول اﻟﻣﻧطق ﺑﺎﻟﻔﻘﻪ ، وﺗﺄﺛﯾرﻫﺎ ﻓﻲ دراﺳﺎت اﻟﻧﺣو، ﻫﻲ اﻟﺗﻲ ﻫﯾﺄت اﻟﻌدة اﻷﻧﺑﺎري ﻓﻲ ﻛﺗﺎب اﻻﻧﺻﺎف، ﻓﻘد ﻗرأ ﻛﺗﺎب ﺳﯾﺑوﯾﻪ، ورﺑﻣﺎ ﺗﺟﻠﻰ أﺛر ﺳﯾﺑوﯾﻪ ﻓﻲ ﻣوﻗﻔﻪ ﻣن اﻻﺣﺗﺟﺎج، ﻓﻬو ﻻ ﯾﻛﺎد ﯾﺳﺗﺷﻬد ﺑﺎﻟﺣدﯾث اﻟﺷرﯾف، ﻟﻛﻧّﻪ ﯾﻌول ﻋﻠﻰ اﻟﺷﻌر اﻟﻌرﺑﻲ اﻟﻘدﯾم، ﻛﻣﺎ ﯾﻌول ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻠﺔ، واﻟﻘﯾﺎس وﻛﻼم اﻟﻌرب، اﻟذﯾن ﺳﺎر ﻓﯾﻬﻣﺎ ﻋﻠﻰ رأي أﺳﺗﺎذﻩ اﻟﺧﻠﯾل. ﯾﻌد ﻛﺗﺎب اﻹﻧﺻﺎف ﻣن أﻫم ﻛﺗب اﻷﻧﺑﺎري ، وأﻛﺛرﻫﺎ ﻓﺎﺋدة ﻓﻲ ﻫذا اﻟﺷﺄن، ﻓﻘد ذﻛر ﻓﯾﻪ ﻣﺎﺋﺔ وإﺣدى وﻋﺷرﯾن ﻣﺳﺄﻟﺔ ، ﺑﻌﺿﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻧﺣو، وﺑﻌﺿﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﺻرف، وﻛﺛﯾر ﻣﻧﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻠﻐﺔ وﻓﻘﻬﻬﺎ، وﻣﺎ ﺟﺎء ﻣﻧﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻧﺣو ﻛﺛﯾر، ﻓﻘد اﺧﺗﻠف اﻟﻧﺣوﯾون اﻟﺑﺻرﯾون واﻟﻛوﻓﯾون ﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻣﺳﺎﺋل. ﻓﺈﻣّﺎ أن ﯾﻛون اﻟﺧﻼف ﻧﺎﺟﻣﺎً ﻋن اﻹﻋراب واﻟﺑﻧﺎء ، أو ﻋن ﺗﺻﻧﯾف ﺑﻌض اﻟﻛﻠﻣﺎت، أو ﻋن طﺑﯾﻌﺔ ﺗرﻛﯾب اﻟﺟﻣﻠﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ ، أو ﻋن اﺳﺗﻌﻣﺎﻻت ﺧﺎﺻﺔ ﻋن اﻟﻧظرة اﻟﻔﻠﺳﻔﯾﺔ إﻟﻰ ظواﻫر اﻟﻧﺣو، وﺳﺄﻗوم ﻓﻲ ﻫذا اﻟﻔﺻل ﺑﺗﻘﺳﯾم اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﻧﺣوﯾﺔ اﻟﺗﻲ اﺣﺗﺞ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻟﻘرآن واﻟﻘراءات اﻟﻘرآﻧﯾﺔ إﻟﻰ اﻷﻗﺳ ﺎم اﻵﺗﯾﺔ: 1. ﺑﺎب اﻷﺳﻣﺎء. 2. ﺑﺎب اﻷﻓﻌﺎل. 3. ﺑﺎب اﻟﺣروف. وﺳﺄﺗﻧﺎول ﻛل ﻣﺳﺄﻟﺔ ﻋن طرﯾق ذﻛر ﻧص اﻟﻣﺳﺄﻟﺔ وﺑﯾﺎن رأي اﻟﻧﺣﺎة ﻓﯾﻬﺎ، ﺧﺎﺻﺔً ﺑﯾن أﻫم ﻣدرﺳﺗﯾن ﻧﺣوﯾﺗﯾن ﻓﻲ اﻟﺧﻼف، ﻣدرﺳﺔ اﻟﺑﺻرة وﻣدرﺳﺔ اﻟﻛوﻓﺔ ، ﺛم أﻗف ﻋﻠﻰ اﻟﺷﺎﻫد اﻟﻘرآﻧﻲ ﻟﺗوﺿﯾﺢ ﻣﻛﺎﻧﺗﻪ وﻗﯾﻣﺗﻪ ﻓﻲ ﺗﺄﺳﯾس اﻟﻘﺎﻋدة اﻟﻧﺣوﯾﺔ وﺑﻧﺎﺋﻬﺎ، ﻛﻣﺎ ﻗﻣت

عدد الصفحات ٤٠

34 ﺑﺗدﻋﯾم اﻟﻣﺳﺄﻟﺔ ﺑﺄﻗوال اﻟ ﻌﻠﻣﺎء ﻧﺣو: ﺳﯾﺑوﯾﻪ واﺑن ﯾﻌﯾش وأﺑﻲ ﺣﯾﺎن، وﻏﯾرﻫم ﻣﻣن ﻋﻧوا ﺑﻬذﻩ اﻟﻘﺿﺎﯾﺎ. وﻓﯾﻣﺎ ﯾﻠﻲ أﻫم اﻟﻣﺳﺎﺋل اﻟﺗﻲ وردت ﻓﻲ ﻛﺗﺎب اﻹﻧﺻﺎف ، واﺣﺗﺞّ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻟﻘرآن اﻟﻛرﯾم وﻗراءاﺗﻪ . 1.3 ﺑﺎب اﻷﺳﻣﺎء اﻻﺳم: ﻫو ﻛﻠﻣﺔ ﺗدل ﺑذاﺗﻬﺎ ﻣن ﻏﯾر اﺣﺗﯾﺎج إﻟـﻰ ﻛﻠﻣـﺔ أﺧـرى ﻋﻠـﻰ ﺷـﻲءٍ وﻻ ﺗﻘﺗـرن ﺑـزﻣن، وﻫذا اﻟﺷﻲء ﻗد ﯾﻛون ﻣﺣﺳوﺳﺎً أو ﻣـدرﻛ ﺎً ﺑﺎﻟﻌﻘـل، وﻟﻼﺳـم ﺧﺻـﺎﺋص ﺗﻣﯾـزﻩ ﻋـن اﻟﻔﻌـل وﻫـﻲ ﻗﺑول اﻟﻧداء، وﺣـرف اﻟﺟـر، واﻟﺗﻧـوﯾن وأل، واﻹﺳـﻧﺎد، وﯾﻘﺳـم اﻻﺳـم إﻟـﻰ ﻋـدة أﻗﺳـﺎم؛ ﻓﺑﺎﻟﻧﺳـﺑﺔ إﻟﻰ اﻟﻌدد ﯾﻘﺳم إﻟﻰ ﻣﻔرد وﻣﺛﻧﻰ وﺟﻣﻊ ، وﻣن ﺣﯾث اﻹﻋراب واﻟﺑﻧﺎء، إ ﻟـﻰ اﺳـم ﻣﻌـرب وآﺧـر ﻣﺑﻧــﻲ، وﻣــن ﺣﯾــث اﻟﺗﻌرﯾــف واﻟﺗﻧﻛﯾـــر إﻟــﻰ ﻧﻛــرة وﻣﻌرﻓــﺔ، وﻣــﺎ ﯾﻬﻣﻧـــﺎ ﻓــﻲ ﻫــذﻩ اﻷﻗﺳــﺎم ﻫـــو اﻹﻋراب واﻟﺑﻧﺎء، ﻓﺎﻻﺳم اﻟﻣﻌرب ﻫو اﻻﺳم اﻟذي ﺗﺗﻐﯾر ﺣرﻛﺔ آﺧـرﻩ ﺑﺗﻐﯾـ ر ﻣوﻗﻌـﻪ اﻹﻋراﺑـﻲ، ﻧﺣو: ﻗرأ ﻣﺣﻣدٌ ، ورأﯾت ﻣﺣﻣداً، وﻣررت ﺑﻣﺣﻣدٍ، أﻣﺎ اﻻﺳم اﻟﻣﺑﻧﻲ ﻓﻬو اﻟذي ﻻ ﺗﺗﻐﯾر ﺣ رﻛﺔ آﺧــــرﻩ ﺣﺗــــﻰ ﻟــــو ﺗﻐﯾــــر ﻣوﻗﻌــــﻪ اﻹﻋراﺑــــﻲ، ﻛﺄﺳــــﻣﺎء اﻹﺷــــﺎرة، واﻷﺳــــﻣﺎء اﻟﻣوﺻــــوﻟﺔ وأﺳــــﻣﺎء اﻻﺳﺗﻔﻬﺎم وأﺳﻣﺎء اﻟﺷرط، واﻟﺿﻣﺎﺋر )1(. وﻗـــد ﻗﻣـــت ﻓـــﻲ ﻫـــذا اﻟﺑـــﺎب ﺑﺗﻘﺳـــﯾم اﻟظـــواﻫر اﻟﻧﺣوﯾـــﺔ إﻟـــﻰ ﻗﺳـــﻣﯾن، ظـــواﻫر اﻹﻋـــراب وظواﻫر اﻟﺑﻧﺎء، ﺛم ﻓﺻﻠت ﻓﻲ ظـواﻫر اﻹﻋـراب ، وﻗﻣـت ﺑﺗﻘﺳـﯾﻣﻪ ﻣـن ﺣﯾـث اﻟﺗﻘـدﯾم وا ﻟﺗـﺄﺧﯾر أو ﻣن ﺣﯾث اﻟﻌﺎﻣل اﻟﻧﺣوي . وﻗد اﺗﺑﻌت ﻓﻲ ﻋرض اﻟﻣﺳﺎﺋل ﻣﻧﻬﺞ اﻟﻌرض واﻟﺗﺣﻠﯾـل واﻟﻣﻧﺎﻗﺷـﺔ ، ﺣﯾـث ﻗﻣـت ﺑـذﻛر ﻧــص اﻟﻣﺳــﺄﻟﺔ اﻟﻧﺣوﯾــﺔ، ﺛــم أﺑــﯾن رأي اﻟﻛــوﻓﯾﯾن، ورأي اﻟﺑﺻــرﯾﯾن ﻓﯾﻬــﺎ، وﺑﻌــد ذﻟــك اﻧﺗﻘــل إﻟــﻰ ﻋرض ﺣﺟﺞ ﻛل ﻓرﯾق ﻣﻊ ذﻛر أدﻟﺗﻬم ، ﺳواء أﻛﺎن اﻟدﻟﯾل ﻣن اﻟﺳﻣﺎع أو ﻣن اﻟﻘﯾﺎس. وﺑﻌـد ﻋـرض أدﻟـﺔ ﻛــل ﻓرﯾـق، أﻧﺗﻘـل إﻟـﻰ رأي ﻛﺗــب اﻟﻘـ راءات ، وﺧﺎﺻـﺔ ﻛﺗـﺎب اﻟﻧﺷــر، و ﻛﺗــﺎب اﻟﺣﺟـــﺔ ﻻﺑـــن ﺧﺎﻟوﯾـــﺔ، أو ﻣـــﺎ ﯾﻘوﻟـــﻪ أﺑـــو ﺣﯾـــﺎن ﻓـــﻲ ﺗﻔﺳـــﯾرﻩ ﺣـــول اﻟﻘـــراءة ، و اﻵﯾـــﺔ ﺛـــم )1( اﺑن ﻫﺷﺎم، أوﺿﺢ اﻟﻣﺳﺎﻟك ﻓﻲ ﺷرح أﻟﻔﯾﺔ اﺑن ﻣﺎﻟك، ج 1، ص37.

عدد الصفحات ٤١

35 أﻋـــرض رأي ﻋﻠﻣـــﺎء اﻟﻧﺣـــو ﻓـــﻲ ﻫـــذﻩ اﻟﻣﺳـــﺄﻟﺔ ، وﻻ ﺳـــﯾﻣﺎ اﻟﺷـــﺎﻫد اﻟﻘرآﻧـــﻲ اﻟـــذي ﺗـــدور ﺣوﻟـــﻪ اﻟرﺳﺎﻟﺔ . وﻓﯾﻣﺎ ﯾﻠﻲ ﻋرضٌ ﻟﻠﻣﺳﺎ ﺋل اﻟﻧﺣوﯾﺔ ﻓﻲ ﺑﺎب اﻷﺳﻣﺎء: ﺑﺎب اﻷﺳﻣﺎء: اﻟﺗﻘدﯾم واﻟﺗﺄﺧﯾر ﺗﺷــﻛل ﺑﻧﯾــﺔ اﻟﺟﻣﻠــﺔ اﻻﺳــﻣﯾﺔ ﻓــﻲ اﻟﻌرﺑﯾــﺔ ﻣــن ﺣﯾــث اﻟرﺗﺑــﺔ ﺻــورﺗﯾن ﻻ ﺛﺎﻟــث ﻟﻬﻣــﺎ، اﻟﺻورة اﻷوﻟﻰ وﻫﻲ اﻟﺻورة اﻟﻣﻌﻬودة ﻓﻲ ﻣؤﻟﻔﺎت اﻟﻧﺣو، ﻣن ﺣﯾـث ﯾﻘـﻊ اﻟﻣﺑﺗـدأ أوﻻً ﺛـم ﯾﻠﯾـﻪ اﻟﺧﺑر، ﻏﯾر أن اﻟﻌرﺑﯾـﺔ ﺳـﻣﺣت ﺑﺣرﻛـﺔ اﻟﺧﺑـر ، ﺣﯾـث ﯾﺗﻘـدم اﻟﺧﺑـر ﻋﻠـﻰ اﻟﻣﺑﺗـدأ ﻓـﻲ ﺣـﺎﻻت وﻗــد ﻋﺑــر اﻟﻧﺣــﺎة ﻋــن ذﻟــك ﺑﻘــوﻟﻬم: ﺟــواز ﺗﻘــدم اﻟﺧﺑــر ﻋﻠــﻰ اﻟﻣﺑﺗــدأ، وﻓــﻲ اﻟﺻــﻔﺣﺎت اﻵﺗﯾــﺔ ﺣدﯾث ﻋن ﺣرﻛﺔ ﻋﻧﺎﺻر اﻟﺟﻣﻠﺔ اﻻﺳﻣﯾﺔ . أوﻻً : ﺗﻘدﯾم ﺧﺑر ﻟﯾس ﻋﻠﯾﻬﺎ: اﺧﺗﻠـف اﻟﻧﺣــﺎة ﻓــﻲ ﺟـواز ﺗﻘــدﯾم ﺧﺑــر ﻟـﯾس ﻋﻠﯾﻬــﺎ ، ﻓــذﻫب اﻟﻛوﻓﯾـون إﻟــﻰ أﻧــﻪ ﻻ ﯾﺟــوز ﺗﻘــدﯾم ﺧﺑــر ﻟــﯾس ﻋﻠﯾﻬــﺎ، وإﻟﯾــﻪ ذﻫــب أﺑــو اﻟﻌﺑــﺎس اﻟﻣﺑــرد ﻣــن اﻟﺑﺻــرﯾﯾن، وﺧــﺎ ﻟف اﻟﺑﺻــرﯾون اﻟﻛوﻓﯾﯾن ﻓﻲ ذﻟك ﻓﺟوزوﻩ )1( . اﺣـﺗﺞ اﻟﻛوﻓﯾـون ﻟـرأﯾﻬم ﺑﺄﻧــﻪ ﻻ ﯾﺟـوز ﺗﻘـدﯾم ﺧﺑـر ﻟــﯾس ﻋﻠﯾﻬـﺎ؛ ﻷن )ﻟـﯾس( ﻓﻌـل ﻏﯾــر ﻣﺗﺻرف ، ﺑﺧﻼف اﻟﻔﻌل )ﻛﺎن( اﻟﻣﺗﺻرف، ﻓﺗﻘول : ﻛﺎن، ﯾﻛـون، ﻛـن، وﻣﺛﻠـﻪ اﻟﻔﻌـل ﯾﺿـرب ﻓﻬو ﺿﺎرب، و ﻣﺿروب، وﻫذا اﻷﻣر ﻻ ﯾﻛون ﻓﻲ ﻟـﯾس، وإذا ﻛـﺎن ﻛـذﻟك ، ﻓوﺟـب أﻻ ﯾﺟـري ﻣﺟرى ﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻌﻼً ﻣﺗﺻرﻓﺎً، وﺑﻧﺎءً ﻋﻠﻰ ذﻟك، ﻓﻼ ﯾﺟوز ﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻩ ﻋﻠﯾﻪ ﻛﻣﺎ ﻛﺎن ذﻟك ﻓﻲ اﻟﻔﻌل اﻟﻣﺗﺻرف؛ ﻷن اﻟﻔﻌل إﻧﻣﺎ ﯾﺗﺻرف ﻋﻣﻠﻪ إذا ﻛﺎن ﻣﺗﺻرﻓﺎً ﻓﻲ ﻧﻔﺳﻪ )2( . واﺣﺗﺟــوا ﻛــذﻟك ﻋﻠــﻰ ﻋــدم ﺟــواز ﺗﻘــدم ﺧﺑــر ﻟــﯾس ﻋﻠﯾﻬــﺎ، ﺑــﺄن ﻟــﯾس ﺗــﺄﺗﻲ ﺑﻣﻌﻧــﻰ ﻣــﺎ، ﻓﻛﺛﯾر ﻣن اﻟﻧﺣوﯾﯾن ﻣن ﯾﻌدّ }ﻟﯾس{ ﺣرﻓﺎً، واﺣﺗﺞ اﻟﻛوﻓﯾون ﻟذﻟك ﺑﻛﻼم اﻟﻌرب ﻛﻘـوﻟﻬم : ﻟـﯾس )1( اﻷﻧﺑــﺎري ، اﻷﻧﺻــﺎف ﻓــﻲ ﻣﺳــﺎﺋل اﻟﺧــﻼف ﺑــﯾن اﻟﻧﺣــوﯾﯾن اﻟﺑﺻــرﯾﯾن واﻟﻛــوﻓﯾﯾن، ﻋﺑــد اﻟــرﺣﻣن ﺑــن ﻣﺣﻣــد ﺑـــن أﺑـــﻲ ﺳـــﻌﯾد، أﺑـــو اﻟﺑرﻛـــﺎت ﻛﻣـــﺎل اﻟـــدﯾن اﻷﻧﺑـــﺎري، )ت577ه(، ﺗﺣﻘﯾـــق: ﻣﺣﯾـــﻲ اﻟـــدﯾن ﻋﺑـــد اﻟﺣﻣﯾــــد، اﻟﻣﻛﺗﺑﺔ اﻟﺗﺟﺎرﯾﺔ اﻟﻛﺑرى، ﻣﺻر، ط 1380- ﻓﺑراﯾر 1961، ج1، ص16 . )2(اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص161.

عدد الصفحات ٤٢

36 اﻟطﱢﯾبُ إﻻ اﻟﻣﺳكُ، ﻓرﻓﻊ اﻟطﯾب واﻟﻣﺳـكُ ﺟﻣﯾﻌـﺎً، وﻗـد ﺟـﺎءت ﻫﻧـﺎ ﺑﻣﻌﻧـﻰ اﻟﺣـرف )ﻣـﺎ(، وﻗـد ﺣﻛﻰ ﺳﯾﺑوﯾﻪ ﻓﻲ ﻛﺗﺎﺑﻪ: إن ﺑﻌﺿﻬم ﯾﺟﻌل ﻟـﯾس ﺑﻣﻧزﻟـﺔ ﻣـ ﺎ ﻓـﻲ اﻟﻠﻐـﺔ، اﻟﺗـﻲ ﻻ ﯾﻌﻣﻠـون ﻓﯾﻬـﺎ )ﻣــﺎ(، ﻓــﻼ ﯾﻌﻣﻠــون ﻟــﯾس ﻓــﻲ ﺷــﻲء، وﺗﻛــون ﻛﺣــروف اﻟﻧﻔــﻲ، ﻓﻬــﻲ ﻻ ﺗﺗﺻــرف، ﻓــﻼ ﯾﺟــوز ﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻫﺎ ﻋﻠﯾﻬﺎ)1( . أﻣﺎ اﻟﺑﺻرﯾون ﻓذﻫﺑوا إﻟﻰ ﺟواز ﺗﻘـدﯾم ﺧﺑـر ﻟـﯾس ﻋﻠﯾﻬـﺎ، واﺣﺗﺟّـوا ﻟـرأﯾﻬم ﺑﻣـﺎ ورد ﻓـﻲ اﻟﺗﻧزﯾـل ﻛﻘوﻟـﻪ ﺗﻌـﺎﻟﻰ : ) ﺃَﻻَ ﻳ ﻳ ﻟَـﻴ ﻣ ﻋ( ]ﻫـود:8 [ﻓﺎﻟﺑﺻـرﯾون ﯾـرون، أﻧـﻪ ﻗـدم ﻣﻌﻣول ﺧﺑر ﻟﯾس ﻋﻠﯾﻬﺎ؛ ﻓﻘوﻟﻪ )ﯾوم ﯾﺄﺗﯾﻬم( ﯾﺗﻌﻠق ﺑﻣﺻروف، وﻗد ﻗُ دﱢ م ﻋﻠﻰ ﻟﯾس وﻟو ﻛـﺎن ﻫذا اﻷﻣر ﻏﯾر ﺟﺎﺋز، ﻟﻣﺎ ﺟﺎز ﺗﻘـدﯾم ﻣﻌﻣـول ﺧﺑرﻫـﺎ ﻋﻠﯾﻬـﺎ؛ ﻷن اﻟﻣﻌﻣـول ﻻ ﯾﻘـﻊ إﻻّ ﺣﯾـث ﯾﻘﻊ اﻟﻌﺎﻣل، ﻛﻣﺎ أن اﻷﺻل ﻓﻲ اﻟﻌﻣل ﻟﻸﻓﻌﺎل، و)ﻟﯾس( ﻓﻌل ﺑدﻟﯾل إﻟﺣـﺎق اﻟﺿـﻣﺎﺋر، وﺗـﺎء اﻟﺗﺄﻧﯾـــث اﻟﺳــــﺎﻛﻧﺔ ﺑﻬــــﺎ، وﻫــــﻲ ﺗﻌﻣــــل ﻓــــﻲ اﻷﺳــــﻣﺎء اﻟﻣﻌرﻓــــﺔ واﻟﻧﻛــــرة، واﻟظــــﺎﻫرة، واﻟﻣﺿــــﻣرة، ﻛﺎﻷﻓﻌﺎل اﻟﻣﺗﺻرﻓﺔ، ﻓوﺟب ﺟواز ﺗﻘدﯾم ﻣﻌﻣوﻟﻬﺎ ﻋﻠﯾﻬﺎ )2( . وﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻘﺿﯾﺔ ﯾؤﯾداﻷﻧﺑﺎري رأي اﻟﻛـوﻓﯾﯾن، و ﯾﺟﯾـب ﻋـن ﻛﻠﻣـﺎت اﻟﺑﺻـرﯾﯾن ﻗـﺎﺋﻼً : إنّ اﻻﺣﺗﺟﺎج ﺑﺎﻵﯾﺔ اﻟﻛرﯾﻣﺔ ) ﺃَﻻَ ﻳ ﻳ ﻟَـﻴ ﻣ ﻋ( ﻟـﯾس ﻟﻬـم ﻓﯾـﻪ ﺣﺟـﺔ، وذﻟـك ﻷﻧﻧـﺎ ﻧرى أن )ﯾوم( ﻻ ﺗﺗﻌﻠق ﺑﻣﺻروف، ﻛﻣﺎ أﻧﻪ ﻏﯾر ﻣﻧﺻوب، وإﻧﻣﺎ ﻫو ﻣرﻓوع ﺑﺎﻻﺑﺗداء، وإﻧﻣﺎ ﺑﻧــﻲ ﻋﻠــﻰ اﻟﻔــﺗﺢ؛ ﻷﻧــﻪ ﻣﺿــﺎف إﻟــﻰ اﻟﻔﻌــل، وإذا ﺳــﻠﻣﻧﺎ أﻧــﻪ ﻣﻧﺻــوب، ﻓﻬــو ﻣﻧﺻــوب ﺑﻔﻌــل ﻣﻘــدر ﺗﻘــدﯾر ﻩ: ﯾﻼزﻣﻬــم ﯾــوم، وأﻣــﺎ ﻗــوﻟﻬم : إن اﻷﺻــل ﻓــﻲ اﻟﻌﻣــل ﻟﻸﻓﻌــﺎل، ﻓﻬــذا دﻟﯾــل ﻋﻠــﻰ ﺟـــواز إﻋﻣﺎﻟﻬـــﺎ، ﻷﻧﻬـــﺎ ﻓﻌـــل، واﻷﺻـــل ﻓـــﻲ اﻷﻓﻌـــﺎل أن ﺗﻌﻣـــل، وﻻ ﯾـــدل ﻋﻠـــﻰ ﺟـــواز ﺗﻘـــدﯾم ﻣﻌﻣوﻟﻬـﺎ؛ ﻷن ﺗﻘـدﯾم اﻟﻣﻌﻣــول ﻋﻠـﻰ اﻟﻔﻌــل ﯾﻘﺗﺿـﻲ ﺗﺻـرف اﻟﻔﻌــل ﻧﻔﺳـﻪ، "وﻟــﯾس" ﻓﻌـل ﻏﯾــر ﻣﺗﺻرف ، ﻓﻼ ﯾﺟوز ﺗﻘدﯾم ﻣﻌﻣوﻟﻪ ﻋﻠﯾﻪ)3(. )1(اﻷﻧﺑﺎري ، اﻹﻧﺻﺎف، ج1، ص161-162. )2( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻹﻧﺻﺎف، ج1، ص162. )3( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻹﻧﺻﺎف، ج1،ص163.

عدد الصفحات ٤٣

37 وﻣﻣﺎ ﯾدل ﻋﻠـﻰ أن ﻛﻠﻣـﺔ)ﯾـوم( ﻣرﻓـوع ﺑﺎﻻﺑﺗـداء، إﻧﻣـﺎ ﺑﻧـﻲ ﻹﺿـﺎﻓﺗﻪ إﻟـﻰ اﻟﻔﻌـل ﻛﻣـﺎ ﻗرأ ﻧﺎﻓﻊ واﻷﻋرج ﻗوﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : )ﻫ ﻳ ﻳ ﺍﻟﺼ ﺻ( ]اﻟﻣﺎﺋدة: 119 .[ وﻓﻲ ﻛﺗﺎب اﻟﻧﺷر ﻓﻲ اﻟﻘراءات اﻟﻌﺷر ، ﻧﺟد أن اﻟﻘرّاء ﻗد اﺧﺗﻠﻔوا ﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻘراءة، ﻓﻘـرأ ﻧﺎﻓﻊ ﺑﺎﻟﻧﺻب، وﻗرأ اﻟﺑﺎﻗون ﺑﺎﻟرﻓﻊ )1( . وﯾزﯾــدﻧﺎ ﺗوﺿــﯾﺣﺎً ﻓــﻲ ﻫــذﻩ اﻟﻣﺳــﺄﻟﺔ، اﻷﻧﺑــﺎري ﻓــﻲ ﻛﺗﺎﺑــﻪ أﺳــرار اﻟﻌرﺑﯾــﺔ، ﺑــﺄن )ﻟــﯾس( ﻓﻌــل ﻻ ﯾﺗﺻــرف، واﻟﻔﻌـــل إﻧﻣــﺎ ﯾﺗﺻـــرف ﻋﻣﻠــﻪ ، إذا ﻛــﺎن ﻣﺗﺻـــرﻓﺎً ﻓــﻲ ﻧﻔﺳـــﻪ، وإذا ﻟــم ﯾﻛـــن ﻣﺗﺻرﻓﺎً ﻓﻲ ﻧﻔﺳﻪ ، ﻟم ﯾﺗﺻرف ﻋﻣﻠﻪ ، وأﻣﺎ ﻗوﻟﻬم؛ إﻧّ ﻪ ﯾﺟوز ﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻫﺎ ﻋﻠـﻰ اﺳـﻣﻬﺎ، ﻓﺈﻧـﻪ ﯾﺟــوز ﺗﻘــدﯾم ﺧﺑرﻫــﺎ ﻋﻠﯾﻬــﺎ، ﻓﻬــذا أﻣــر ﻓﺎﺳــد، ﻷنّ ﺗﻘــدﯾم ﺧﺑرﻫــﺎ ﻋﻠــﻰ اﺳــﻣﻬﺎ ، ﻻ ﯾﺧرﺟــﻪ ﻋــن ﻛوﻧﻪ ﻣﺗﺄﺧراً ﻋﻧﻪ، وﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻫـﺎ ﻋﻠﯾﻬـﺎ، ﯾوﺟـب ﻛوﻧﻬـﺎ ﻣﺗﻘـدﻣﺎً ﻋﻠﯾﻬـﺎ، وﻟـﯾس ﻣـن ﺿـرورة أن ﯾﻌﻣل اﻟﻔﻌل ﻓﯾﻣﺎ ﺑﻌدﻩ، ﯾﺟب أن ﯾﻌﻣل ﻓﯾﻣﺎ ﻗﺑﻠﻪ، وﻟم ﯾﺟز ﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻫﺎ ﻋﻠﯾﻬﺎ ﻧﻔﺳﻬﺎ، ﻟﺗﻧﺣط ﻋن درﺟﺔ ﻛﺎن، وﺟواز ﺗﻘدﯾم ﺧﺑرﻫﺎ ﻋﻠﻰ اﺳﻣﻬﺎ، ﻟﺗرﺗﻔﻊ ﻋن درﺟﺔ )ﻣﺎ( اﻟﺣرﻓﯾﺔ )2( . وﻗد ورد ﻓﻲ ﻛﺗﺎﺑـﻪ اﻟﺣﺟـﺔ ﻓـﻲ اﻟﻘـراءات اﻟﺳـﺑﻊ، ﺑـﺄن ﻗوﻟـﻪ ﺗﻌـﺎﻟﻰ )ﻫـذا ﯾَـ ومُ ﯾَ ﻧﻔَـ ﻊُ ( ﯾﻘـرأ ﺑﺎﻟرﻓﻊ واﻟﻧﺻب ﻓﺎﻟﺣﺟﺔ ﻟﻣن رﻓﻊ أﻧﻪ ﺟﻌل ﻫذا ﻣﺑﺗدأ، وﯾوم ﯾﻧﻔﻊ اﻟﺧﺑر، واﻟﺣﺟﺔ ﻟﻣن ﻧﺻـب أﻧــﻪ ﺟﻌﻠــﻪ ظرﻓــﺎً ﻟﻠﻔ ﻌــل، وﺟﻌــل ﻫــذا إﺷــﺎرة إﻟـــﻰ ﻣــﺎ ﺗﻘــدم ﻣــن اﻟﻛــﻼم ، ﯾرﯾــد واﷲ أﻋﻠــم، ﻫـــذا اﻟﻐﻔران، واﻟﻌذاب ﻓﻲ ﯾوم ﯾﻧﻔﻊ اﻟﺻﺎدﻗﯾن ﺻدﻗﻬم، أو ﯾﻛـون اﻟﯾـوم ﻫـﺎ ﻫﻧـﺎ ﻣﺑﻧﯾـﺎً ﻋﻠـﻰ اﻟﻔـﺗﺢ، ﻹﺿـﺎﻓﺗﻪ إﻟــﻰ أﺳــﻣﺎء اﻟزﻣــﺎن، ﻷﻧــﻪ ﻣﻔﻌــول ﻓﯾــﻪ، ﻓــﺈن ﻗﯾــل: ﻓﺎﻷﻓﻌــﺎل ﻻ ﺗﺿــﺎف، وﻻ ﯾﺿــﺎف إﻟﯾﻬـــﺎ، ﻓﻘـــل: إنّ اﻟﻔﻌـــل وإن أﺿـــﯾف ﻫـــﺎ ﻫﻧـــﺎ إﻟـــﻰ أﺳـــﻣﺎء اﻟزﻣـــﺎن ، ﻓـــﺎﻟﻣراد ﺑـــ ﻪ اﻟﻣﺻـــدر دون اﻟﻔﻌل)3(. )1( اﺑـــن اﻟﺟـــزري، ﺷـــﻣس اﻟـــدﯾن أﺑـــو اﻟﺧﯾـــر، ﻣﺣﻣـــد ﺑـــن ﻣﺣﻣـــد ﺑـــن ﯾوﺳـــف، اﻟﻧﺷـــر ﻓـــﻲ اﻟﻘـــراءات اﻟﻌﺷـــر، ﺗﺣﻘﯾق: ﻋﻠﻲ ﻣﺣﻣد اﻟﺿﺑﺎع، اﻟﻧﺎﺷر: اﻟﻣطﺑﻌﺔ اﻟﺗﺟﺎرﯾﺔ اﻟﻛﺑرى، ج 2، ص256 . )2( اﻷﻧﺑﺎري ، ﻛﻣﺎل اﻟدﯾن اﻷﻧﺑﺎري، أﺳرار اﻟﻌرﺑﯾﺔ، اﻟﻧﺎﺷر : دار اﻷرﻗم، ط 1، ج1، ص118 . )3( اﺑــن ﺧﺎﻟوﯾــﺔ، اﻟﺣﺳــﯾن ﺑــن أﺣﻣــد، اﻟﺣﺟــﺔ ﻓــﻲ اﻟﻘــراءات اﻟﺳــﺑﻊ، ﺗﺣﻘﯾــق : د. ﻋﺑــد اﻟﻌــﺎل ﺳــﺎﻟم ﻣﻛــرم، دار اﻟﺷروق، ﺑﯾروت، ط4، ج1، ص136 .

عدد الصفحات ٤٤

38 ﺗﻘدﯾم اﻟﺣﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻣل: اﺧﺗﻠــف اﻟﻧﺣــﺎة ﻓــﻲ ﻗﺿــﯾﺔ ﺗﻘــدم اﻟﺣــﺎل ﻋﻠــﻰ اﻟﻌﺎﻣــل ﻓﯾﻬــﺎ، ﻓــذﻫب اﻟﻛوﻓﯾــون إﻟــﻰ ﻋــدم ﺟواز ذﻟك، ﻷن ذﻟك ﯾؤدي إﻟﻰ ﺗﻘدﯾم اﻟﻣﺿـﻣر ﻋﻠـﻰ اﻟﻣظﻬـر، ﻓﻘوﻟـك: راﻛﺑـﺎً ﺟـﺎء زﯾـد، ﻓـﺈنﱠ ﻓـﻲ )راﻛﺑـﺎً ( ﺿــﻣﯾرُ زﯾـ د، وﻗـد ﺗﻘــدم ﻋﻠﯾـﻪ، وﺗﻘــدﯾم اﻟﻣﺿـﻣر ﻋﻠـﻰ اﻟﻣظﻬــر ﻻ ﯾﺟـوز، وﺧــﺎﻟف اﻟﺑﺻـرﯾون اﻟﻛـوﻓﯾﯾ ن اﻟـرأي ﺑﺟــواز ﺗﻘـدم اﻟﺣـﺎل ﻋﻠـﻰ ﻋﺎﻣﻠﻬــﺎ، واﺣﺗﺟـوا ﻟـرأﯾﻬم ﺑﺎﻟﻧﻘـل واﻟﻘﯾــﺎس، أﻣﺎ اﻟﻧﻘل، ﻓﻘوﻟﻬم: ﺷﺗﻰ ﺗؤوب اﻟﺣﻠﺑﺔ، ﻓﺷﺗﻰ ﺣﺎل ﻣﻘدﻣﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﻌل اﻟﻌﺎﻣل ﻓﯾﻬﺎ ﻣـﻊ اﻻﺳـم اﻟظـــﺎﻫر، ﻓـــدلّ ﻋﻠـــﻰ ﺟـــوازﻩ، وأﻣـــﺎ اﻟﻘ ﯾـــﺎس، ﻓـــﻸن اﻟﻌﺎﻣـــل ﻓﯾﻬـــﺎ ﻣﺗﺻـــرف، وإذا ﻛـــﺎن اﻟﻌﺎﻣـــل ﻣﺗﺻرﻓﺎً، وﺟب أن ﯾﻛون ﻋﻣﻠﻪ ﻣﺗﺻرﻓﺎً، وإذا ﻛﺎن ﻋﻣﻠﻪ ﻣﺗﺻرﻓﺎً وﺟب ﺟواز ﺗﻘـدﯾم ﻣﻌﻣوﻟـﻪ ﻋﻠﯾﻪ ﻛﻘـوﻟﻬم: )ﻋﻣـراً ﺿـرب زﯾـد ( ﻓﺎﻟﺣـﺎل ﺗﺷـﺑّﻪ ﺑـﺎﻟﻣﻔﻌول، وﻛﻣـﺎ ﯾﺟـوز ﺗﻘـدﯾم اﻟﻣﻔﻌـول ﻋﻠـﻰ اﻟﻔﻌل، ﻓﻛذﻟك ﯾﺟوز ﺗﻘدﯾم اﻟﺣﺎل ﻋﻠﯾﻪ)1(. وﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻘﺿﯾﺔ ﯾؤﯾد اﻷﻧﺑﺎري رأي اﻟﺑﺻرﯾﯾن ، وﯾﺟﯾب ﻋن ﻛﻠﻣﺎت اﻟﻛوﻓﯾﯾن ﻗﺎﺋﻼً : وأﻣــﺎ ﻗــول اﻟﻛــوﻓﯾﯾن ﺑﻌــدم ﺟــواز ﺗﻘــدم اﻟﺣــﺎل ، ﻷﻧــﻪ ﯾــؤدي إﻟــﻰ ﺗﻘــدﯾم اﻟﻣﺿــﻣر ﻋﻠــﻰ اﻟﻣظﻬــر، رأﯾﻧــﺎ ﻓﺳــﺎد ﻫــذا اﻷﻣــر، وذﻟــك ﻷﻧــﻪ وإن ﻛــﺎن ﻣﻘــدﻣﺎً ﻓــﻲ اﻟﻠﻔــظ ، إﻻ أﻧــﻪ ﻣــؤﺧر ﻓــﻲ اﻟﻣﻌﻧﻰ، وإذا ﻛﺎن ﻣؤﺧراً ﻓﻲ اﻟﺗﻘـدﯾر ، ﺟـﺎز ﻓﯾـﻪ اﻟﺗﻘـدﯾم، ﻗـﺎل ﺗﻌـﺎﻟﻰ: )ﻓَـﺄَﻭ ﻓ ﻧَﻔْﺴ ﺧ ﻣ( ]طﻪ: 67[، ﻓﺎﻟﺿـﻣﯾر ﻓـﻲ"ﻧﻔﺳـﻪ" ﻋﺎﺋـد إﻟـﻰ ﻣوﺳـﻰ، وإن ﻛـﺎن ﻣـؤﺧراً ﻓـﻲ اﻟﻠﻔـظ، إﻻ أﻧﻪ ﻟﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ ﺗﻘدﯾر اﻟﺗﺄﺧﯾر، ﺟﺎز اﻟﺗﻘدﯾم، وﯾؤﯾد ﻫذا اﻟﻛﻼم ﻗول زﻫﯾر : ﻣَــــنْ ﯾَ ﻠْــــ قَ ﯾوﻣــــﺎً ﻋﻠــــﻰ ﻋِ ﻼﱠ ﺗِــــﻪِ ﻫَ رِ ﻣَــــ ﺎً ﯾﻠــــقَ اﻟﺳﱠــــ ﻣَ ﺎﺣﺔَ ﻣِ ﻧْــــ ﻪُ واﻟﻧﱠــــ دى ﺧُﻠُ ﻘــــﺎ)2( ﻓﺎﻟﻬﺎء ﻓﻲ)ﻋﻼﺗﻪ( ﺗﻌود إﻟﻰ )ﻫرم (، ﻷﻧﻪ ﻓﻲ ﺗﻘدﯾر اﻟﺗﻘدﯾم)3(. )1( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص203. )2( زﻫﯾــر ﺑــن أﺑــﻲ ﺳــﻠﻣﻰ، دﯾــوان زﻫﯾــر ﺑــن أﺑــﻲ ﺳــﻠﻣﻰ، ﺗﺣﻘﯾــق : ﻋﻠــﻲ ﺣﺳــن ﻓــﺎﻋور، دار اﻟﻛﺗــب اﻟﻌﻠﻣﯾــﺔ، 1988، ﻟﺑﻧﺎن،ط1، ص77. )3( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص204 .

عدد الصفحات ٤٥

39 وﻗد ورد ﻓﻲ اﻟﺑﺣر اﻟﻣﺣﯾط ﻗوﻟـﻪ ﺗﻌـﺎﻟﻰ : )ﻭ ﻣ ﻓ ﺑ ﻫ ﺍﻷَﻧْﻌ ﺧ ﻟﱢـﺬُﻛُﻮﺭِﻧَﺎ ( وﻗـــد ﻗـــرأ ﻋﺑـــداﷲ واﺑـــن ﺟﺑﯾـــر ﺧﺎﻟﺻـــﺎً ﺑﺎﻟﻧﺻـــب، ﻣـــ ن ﻏﯾـــر ﺗـــﺎء، واﻧﺗﺻـــب ﻋﻠـــﻰ اﻟﺣـــﺎل ﻣـــن اﻟﺿﻣﯾر اﻟذي ﺗﺿﻣﻧﺗﻪ اﻟﺻﻠﺔ، أو ﻋﻠﻰ اﻟﺣﺎل ﻣن )ﻣﺎ( ﻋﻠﻰ ﻣذﻫب أﺑﻲ اﻟﺣﺳن ﻓﻲ إﺟﺎزﺗﻪ ﺗﻘدﯾم اﻟﺣﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻣل ﻓﯾﻬﺎ)1(. وﻓـﻲ ﻗوﻟــﻪ ﺗﻌــﺎﻟﻰ: ) ﺧ ﺃَﺑ ﻳ ﻣ ﺍﻟْﺄَﺟ( ]ﺳــورة اﻟﻘﻣــر : 54[، وﻗــد اﻧﺗﺻــــﺑت ﺧﺷــــﻌﺎً ﻋﻠــــﻰ اﻟﺣــــﺎل ﻣــــن ﺿــــﻣﯾر ﯾﺧرﺟــــون، واﻟﻌﺎﻣــــل ﻓﯾــــﻪ ﯾﺧرﺟــــون؛ ﻷﻧــــﻪ ﻓﻌــــل ﻣﺗﺻــرف، وﻓــﻲ ﻫــذا دﻟﯾــل ﻋﻠــﻰ ﺑطــﻼن ﻣــذﻫب اﻟﺟرﻣــﻲ ، ﻷﻧــﻪ ﻻ ﯾﺟــوز ﺗﻘــدم اﻟﺣــﺎل ﻋﻠــﻰ اﻟﻔﻌل، وإن ﻛـﺎن ﻣﺗﺻـرﻓﺎً، ﻓﻘـد ﻗـرأ اﻟﻘـرّاء ، وﻣـﻧﻬم ﻗﺗـﺎدة وأﺑـو ﺟﻌﻔـر وﺷـﯾﺑﺔ ، واﻷﻋـرج : ﺧﺷـﻌﺎً ﺟﻣــﻊ ﺗﻛﺳــﯾر. واﺑــن ﻋﺑــﺎس واﺑــن ﺟﺑﯾــر وﻣﺟﺎﻫــد اﻟﺟﺣــدري ، وأﺑــو ﻋﻣــ رو وﺣﻣــزة واﻟﻛﺳــﺎﺋﻲ : ﺧﺎﺷﻌﺎً ﺑﺎﻹﻓراد ، وﻗرأ أﺑﻲ واﺑن ﻣﺳﻌود ﺧﺎﺷﻌﺔً ، وﺟﻣﻊ اﻟﺗﻛﺳﯾر أﻛﺛر ﻓﻲ ﻛـﻼم اﻟﻌـرب، وﻗـﺎل اﻟﻔرّاء وأﺑو ﻋﺑﯾدة : ﻛﻠﻪ ﺟﺎﺋز)2(. وﯾؤﻛــد ﻫــذا اﻷﻣـــر اﻷﺷــﻣوﻧﻲ ﻓـــﻲ ﺷــرﺣﻪ ﻷﻟﻔﯾــﺔ اﺑـــن ﻣﺎﻟــك ، وﻣﺳـــﺗدﻻً ﺑﻘوﻟــﻪ ﺗﻌـــﺎﻟﻰ: )ﺧ ﺃَﺑ ﻳ ﻣ ﺍﻟْﺄَﺟﺪ( ﻓﺗﻘدﻣت اﻟﺣﺎل ﻋﻠـﻰ ﻋﺎﻣﻠﻬـﺎ، وﻛـذﻟك ﻗوﻟﻧـﺎ: ﻣﺧﻠﺻـﺎً زﯾـدٌ دﻋﺎ)3( . ﻛﻣــﺎ أن ﺗﻘــدﯾم اﻟﻣﺿــﻣر ﻋﻠــﻰ اﻟظــﺎﻫر، إﻧﻣــﺎ ﯾﻣﺗﻧــﻊ إذا ﺗﻘــدم ﻟﻔظــﺎً دون ﻣﻌﻧــﻰً ﻧﺣــو : ﺿرب ﻏﻼﻣُﻪ زﯾداً، وأﻣﺎ إذا ﺗﻘدم واﻟﻧﯾﺔ ﺑﻪ اﻟﺗﺄﺧﯾر ، ﻓـﻼ ﺑـﺄس ﺑـﻪ ﻧﺣـو )ﺿـرب ﻏﻼﻣَـ ﻪ زﯾـدٌ ( ﻓﺎﻟﻐﻼم ﻫﻧﺎ ﻣﻔﻌول ﺑﻪ، واﻷﺻل أن ﯾﻛون ﺑﻌد اﻟﻔﺎﻋل، ﻓﻬو وإن ﺗﻘدم ﻟﻔظﺎً ﻓﻬو ﻣؤﺧر ﺗﻘـدﯾراً وﺣﻛﻣﺎ،ً وﻣﻧﻪ ﻗوﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ) ﻓَﺄَﻭ ﻓ ﻧَﻔْﺴ ﺧ ﻣ( ﻓﺎﻟﻬـﺎء ﻓـﻲ ﻧﻔﺳـﻪ ﻋﺎﺋـدة إﻟـﻰ ﻣوﺳـﻰ )1( أﺑو ﺣﯾﺎن اﻷﻧدﻟﺳﻲ، اﻟﺑﺣر اﻟﻣﺣﯾط، ج4، ص660 . )2( أﺑو ﺣﯾﺎن اﻷﻧدﻟﺳﻲ، اﻟﺑﺣر اﻟﻣﺣﯾط، ج10،36. )3( اﻷﺷﻣوﻧﻲ، ﺷرح اﻷﺷﻣوﻧﻲ ﻷﻟﻔﯾﺔ اﺑن ﻣﺎﻟك، ج 2، ص21.

عدد الصفحات ٤٦

40 وإن ﻛــﺎن اﻟظــﺎﻫر ﻣﺗــﺄﺧرا ،ً ﻷﻧــﻪ ﻓــﻲ ﺣﻛــم اﻟﻣﻘــدم ﻣــن ﺣﯾــث ﻛــﺎن ﻓــﺎﻋﻼً ، وﻣﺛﻠــﻪ ﻗــوﻟﻬم ﻓــﻲ اﻟﻣﺛل: ﻓﻲ أﻛﻔﺎﻧﻪ ﻟُ فﱠ اﻟﻣﯾت، وﻗﺎﻟوا : ﻓﻲ ﺑﯾﺗﻪ ﯾؤﺗﻰ اﻟﺣﻛم)1(. ﺗﻘدﯾم ﺧﺑر اﻟﻣﺑﺗدأ ﻋﻠﯾﻪ: اﺧﺗﻠف اﻟﻧﺣﺎة ﻓﻲ ﻗﺿـﯾﺔ ﺗﻘـدﯾم اﻟﺧﺑـر ﻋﻠـﻰ اﻟﻣﺑﺗـدأ، ﻓـذﻫب اﻟﻛوﻓﯾـون إﻟـﻰ ﻋـدم ﺟـواز ذﻟــك؛ ﻷﻧــﻪ ﯾــؤدي إﻟــﻰ ﺗﻘــدم ﺿــﻣﯾر اﻻﺳــم ﻋﻠــﻰ ظــﺎﻫرﻩ، ﻓﻠــو ﻗﻠــت : "ﻗــﺎﺋم زﯾــد " ﻛــﺎن ﻓــﻲ ﻗــﺎﺋم ﺿﻣﯾر زﯾد، وﻛذﻟك ﻗوﻟﻧﺎ : "أﺑوﻩ ﻗﺎﺋم زﯾد " ﻛﺎﻧت اﻟﻬﺎء ﻓـﻲ أﺑـوﻩ ﺿـﻣﯾر زﯾـد " وﻻ ﯾوﺟـد ﺧـﻼف ﺑﯾن اﻟﻧﺣوﯾﯾن ﻓﻲ أن رﺗﺑﺔ ﺿﻣﯾر اﻻﺳم ﺑﻌد ظﺎﻫرﻩ؛ ﻓوﺟب أن ﻻ ﯾﺟوز ﺗﻘدﯾﻣﻪ ﻋﻠﯾﻪ )2( . وﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻣﺳـﺄﻟﺔ ذﻫـب اﻟﺑﺻـرﯾون إﻟـﻰ أﻧـﻪ ﯾﺟـوز ﺗﻘـدﯾم ﺧﺑـر اﻟﻣﺑﺗـدأ ﻋﻠﯾـﻪ، ﻷﻧـﻪ ﻗـد ﺟﺎء ﻛﺛﯾراً ﻓﻲ ﻛﻼم اﻟﻌرب وأﺷﻌﺎرﻫم، وﻣن أﻣﺛﻠ ﺗﻪ ﻗوﻟﻬم "ﻓﻲ ﺑﯾﺗﻪ ﯾؤﺗﻰ اﻟﺣﻛم"، وﻗـوﻟﻬم "ﻓـﻲ أﻛﻔﺎﻧﻪ ﻟفﱠ اﻟﻣﯾت "، وﺣﻛﻰ ﺳـﯾﺑوﯾﻪ )ﺗﻣﯾﻣـﻲ أﻧـﺎ( ﻓﻔـﻲ ﻫـذﻩ اﻷﻣﺛﻠـﺔ ﻧﻠﺣـظ ﺗﻘـدم اﻟﺿـﻣﯾر ﻋﻠـﻰ اﻟظﺎﻫر، ﻷن اﻟﺗﻘدﯾر ﻓﯾﻬﺎ: اﻟﺣﻛم ﯾؤﺗﻰ ﻓﻲ ﺑﯾﺗﻪ، واﻟﻣﯾت ﻟف ﻓﻲ أﻛﻔﺎﻧﻪ، وأﻧـﺎ ﺗﻣﯾﻣـﻲ، وﻣﻣـﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ أﺷﻌﺎر اﻟﻌرب، ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ اﻟﺷﺎﻋر : ﺑَ ﻧُ وﻧـــــــــــــــﺎ ﺑَ ﻧُـــــــــــــــ و أﺑْ ﻧﺎﺋِ ﻧـــــــــــــــﺎ وﺑَ ﻧَ ﺎﺗُ ﻧـــــــــــــــﺎ ﺑَ ﻧُــــــــوﻫُنّ أَ ﺑْ ﻧــــــــﺎءُ اﻟرﱢ ﺟــــــــﺎلِ اﻷَ ﺑﺎﻋــــــــدِ )3( واﻟﺗﻘدﯾر ﺑﻧو أﺑﻧﺎﺋﻧﺎ ﺑﻧوﻧﺎ)4(. وﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻘﺿﯾﺔ ﯾؤﯾد اﻷﻧﺑﺎري رأي اﻟﺑﺻرﯾﯾن ، وﯾﺟﯾب ﻋن ﻛﻠﻣﺎت اﻟﻛوﻓﯾﯾن ﻗﺎﺋﻼً : أﻣـﺎ ﻗــوﻟﻬم: ﻟــو ﺟوزﻧــﺎ ﺗﻘــ دﯾم اﻟﺧﺑــر ﻋﻠـﻰ اﻟﻣﺑﺗــدأ، ﻷدى ذﻟــك إﻟــﻰ ﺗﻘــدم ﺿــﻣﯾر اﻻﺳــم ﻋﻠﻰ ظﺎﻫرﻩ ، رأﯾﻧﺎ أنّ ﻫذا اﻷﻣر ﻓﺎﺳدٌ؛ وذﻟك ﻷن اﻟﺧﺑر ، وإن ﻛﺎن ﻣﻘدﻣﺎً ﻓـﻲ اﻟﻠﻔـظ، إﻻ أﻧـﻪ ﻣﺗﺄﺧر ﻓﻲ اﻟﺗﻘدﯾر، واﺣﺗﺞ اﻷﻧﺑﺎري ﺑﻘوﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ) ﻓَﺄَﻭ ﻓ ﻧَﻔْﺴ ﺧ ﻣ( ]طﻪ: 67 [ )1( اﺑن ﯾﻌﯾش، ﺷرح اﻟﻣﻔﺻل، ج 1، ص235. )2( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف،ج1، ص65. )3( ﻣن ﺷواﻫد اﻟﺑﻐدادي ﻓﻲ اﻟﺧزاﻧﺔ، ج 1، ص444 وﻧﺳﺑﻪ ﻟﻠﻔرزدق . )4( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف،ج1، ص65-66.

عدد الصفحات ٤٧

41 ﻓﺎﻟﻬــﺎء ﻋﺎﺋــدة إﻟــﻰ ﻣوﺳــﻰ، وإن ﻛــﺎن ﻣﺗــﺄﺧر اً ﻟﻔظــﺎ؛ ﻷنّ ﻣوﺳــﻰ ﻓــﻲ ﺗﻘــدﯾر اﻟﺗﻘــدﯾم، واﻟﺿــﻣﯾر ﻓﻲ ﺗﻘدﯾر اﻟﺗﺄﺧﯾر)1( . واﺣﺗﺞ اﻷﻧﺑﺎري أﯾﺿﺎً ﺑﻘوﻟﻪ ﺗﻌـﺎﻟﻰ : ) ﻭ ﺍﺑ ﺇِﺑ ﺭ( ]اﻟﺑﻘـرة : 124[، ﻓﻧﺟـد أﻧّـ ﻪ ﻗــد ﺗﻘــدم ﻓﯾــﻪ ﺿــﻣﯾر اﻻﺳــم ﻋﻠــﻰ ظــﺎﻫرﻩ ﺗﻘــدﯾراً ﻻ ﻟﻔظــﺎً، واﻟﺿــﻣﯾر ﻣﺗــﻰ ﺗﻘــدم ﺗﻘــدﯾراً ﻻ ﻟﻔظــﺎً ﻓﺈﻧﻪ ﯾﺟوز، ﺑﺧﻼف ﻣﺎ ﺗﻘدم ﻋﻠﯾﻪ ﻟﻔظﺎً وﺗﻘدﯾراً )2(. واﻷﺻـل ﻓــﻲ اﻟﺧﺑــر أن ﯾﺗــﺄﺧر ﻋــن اﻟﻣﺑﺗــدأ، ﻷن اﻟﺧﺑــر ﯾﺷــﺑﻪ اﻟﺻــﻔﺔ، ﻣــن ﺣﯾــث أﻧــﻪ ﻣواﻓق ﻓﻲ اﻹﻋراب، ﻟﻣﺎ ﻫو ﻟﻪ دال ﻋﻠﻰ اﻟﺣﻘﯾﻘﺔ ، أو ﻋﻠﻰ ﺷﻲءٍ ﻣن ﺳﺑﺑﻪ )3( . ﺗﻘدﯾم ﻣﻌﻣول اﻹﻏراء : ﺗﻔرﻗـت آراء ﻋﻠﻣـﺎء اﻟﻧﺣـو ﻓـﻲ ﻫـذﻩ اﻟﻘﺿـﯾﺔ اﻟﻧﺣوﯾـﺔ ، ﻓـذﻫب اﻟﻛوﻓﯾـون إﻟـﻰ أن ﻋﻠﯾـك، ودوﻧــك وﻋﻧــدك ﻓــﻲ أﺳــﻠوب اﻹﻏــراء ، ﯾﺟــوز ﺗﻘــدﯾم ﻣﻌﻣوﻻﺗﻬــﺎ ﻋﻠﯾﻬــﺎ ﻧﺣــو : زﯾــدًا ﻋﻠﯾــك، ﻋﻣــراً ﻋﻧدك، وﺑﻛرًا دوﻧك، واﺣﺗﺟوا ﻟرأﯾﻬم ﺑﻘوﻟﻪ ﺗﻌـﺎﻟﻰ : ) ﻛ ﺍﻟﻠّﻪ ﻋ( ]اﻟﻧﺳـﺎء: 24 [واﻟﺗﻘـدﯾر: ﻋﻠﯾﻛم ﻛﺗﺎب اﷲ: أي اﻟزﻣو ﻛﺗﺎب اﷲ، ﻓﻧﺻب ﻛﺗﺎب ﺑﻌﻠﯾﻛم، ﻓدل ﻋﻠـﻰ ﺟـواز ﺗﻘدﯾﻣـﻪ، وﻣـن اﻟﻘﯾﺎس اﺣﺗﺞ اﻟﻛوﻓﯾون ﺑﻘول اﻟﺷﺎﻋر: ﯾـــــــــﺎ أﯾﱡ ﻬـــــــــﺎ اﻟﻣَـــــــــ ﺎﺋِ ﺢُ دَ ﻟْـــــــــ وي دُ وﻧَ ﻛـــــــــﺎ إﻧﱢـــــــــ ﻲ رأﯾـــــــــتُ اﻟﻧـــــــــﺎسَ ﯾَ ﺣْ ﻣـــــــــدُ وﻧَ ﻛﺎ)4( واﻟﺗﻘدﯾر: دوﻧك دﻟوي، ﻓدﻟوي ﻓﻲ ﻣوﺿﻊ ﻧﺻب ﺑدوﻧك ﻓدلّ ﻋﻠﻰ ﺟواز ﺗﻘدﯾﻣﻪ )5(. أﻣّﺎ ﻋن رأي اﻟﺑﺻرﯾﯾن ﻓﻲ ﻫـذﻩ اﻟﻣﺳـﺄﻟﺔ، ﻓﻘـد ذﻫﺑـوا إﻟـﻰ ﻋـدم ﺟـواز ﺗﻘـدﯾم ﻣﻌﻣوﻻﺗﻬـﺎ ﻋﻠﯾﻬـــﺎ، وإﻟـــﻰ ﻫـــذا اﻟـــرأي ذﻫـــب اﻟ ﻔـــراء ﻣـــن اﻟﻛـــوﻓﯾﯾن، واﺣـــﺗﺞ اﻟﺑﺻـــرﯾون ﺑﻌـــدم ﺟـــواز ﺗﻘـــدم )1( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف،ج1، ص68. )2( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص70. )3( اﻷﺷــﻣوﻧﻲ، أﺑــو اﻟﺣﺳــن ﻋﻠــﻲ ﺑــن ﻣﺣﻣــد ﺑــن ﻋﯾﺳــﻰ، ﺷــرح اﻷﺷــﻣوﻧﻲ ﻷﻟﻔﯾــﺔ اﺑــن ﻣﺎﻟــك، اﻟﻧﺎﺷــر : دار اﻟﻛﺗب اﻟﻌﻠﻣﯾﺔ، ﺑﯾروت، ط1،1981، ص199. )4( اﻟرﺟـز، ﻟﺟﺎرﯾـﺔ ﻣـن ﺑﻧـﻲ ﻣـﺎزن، ﻓـﻲ اﻟــدرر )5/301 (وﺷـرح اﻟﺗﺻـرﯾﺢ )2/200 (وﺑـﻼ ﻧﺳـﺑﻪ ﻓـﻲ أﺳــرار اﻟﻌرﺑﯾﺔ )165 (وﺧزا ﻧﺔ اﻷدب )6/201.( )5( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص228.

عدد الصفحات ٤٨

42 ﻣﻌﻣوﻻﺗﻬﺎ ﻋﻠﯾﻬﺎ، ﺑﺄن ﻫذﻩ اﻷﻟﻔـﺎظ، ﻓـرع ﻋﻠـﻰ اﻟﻔﻌـل ﻓـﻲ اﻟﻌﻣـل؛ ﻷﻧﻬـﺎ ﻋﻣﻠـت ﻋﻣﻠـﻪ ﻟﻘﯾﺎﻣﻬـﺎ ﻣﻘﺎﻣﻪ، ﻓﯾﻧﺑﻐﻲ أن ﻻ ﺗﺗﺻرف ﺗﺻرﻓﻪ، ﻓوﺟب ﻋدم ﺗﻘدﯾم ﻣﻌﻣوﻻﺗﻬﺎ ﻋﻠﯾﻬﺎ )1( . وﻓــﻲ ﻫــذﻩ اﻟﻘﺿــﯾﺔ ﯾــرد اﻷ ﻧﺑــﺎري ﻋﻠــﻰ اﻟﻛــوﻓﯾﯾن ﺑﻘوﻟــﻪ : إنّ اﺣ ﺗﺟــﺎﺟﻬم ﺑﻘوﻟــﻪ ﺗﻌــﺎﻟﻰ: )ﻛ ﺍﻟﻠّــﻪ ﻋ( ﻟــﯾس ﻟﻬــم ﻓﯾــﻪ ﺣﺟــﺔ، ﻷن ﻛﺗــﺎب اﷲ ﻟــﯾس ﻣﻧﺻــوﺑﺎً ﺑﻌﻠــﯾﻛم، وإﻧﻣــﺎ ﻫــو ﻣﻧﺻوب؛ ﻷﻧّ ﻪ ﻣﺻدر، واﻟﻌﺎﻣل ﻓﯾﻪ ﻣﻘدر، واﻟﺗﻘدﯾر : )ﻛﺗب ﻛﺗﺎﺑﺎً اﷲُ ﻋﻠﯾﻛم(، وﻗد ﻗُ دﱢ ر ﻫـذا اﻟﻔﻌل، وﻟم ﯾظﻬر، ﻟدﻻﻟﺔ ﻣﺎ ﺗﻘدم ﻋﻠﯾﻪ)2( . وأﻣﺎ ﻋن اﺣﺗﺟﺎﺟﻬمﺑﻘول اﻟﺷﺎﻋر: ﻓﯾرى اﻷﻧﺑﺎري ﺑﺄن اﻟﻣﻌﻧﻰ ﻫو اﻟﺧﺑر ، ﻻ اﻷﻣر، وذﻟك أﻧّ ﻪ ﻧﺑّ ﻪ أنّ دﻟوﻩ ﻗرﯾب ﻣﻧﻪ ، ﻟﯾﻌﺗﻧﻲ ﺑﻣﻠﺋﻪ)3(. وﯾرى أﺑو ﺣﯾﺎن اﻷﻧدﻟﺳﻲ ، ﺑـﺄن ﻛﺗـﺎب اﷲ ﻋﻠـﯾﻛم، اﻧﺗﺻـب ﺑﺈﺿـﻣﺎر ﻓﻌـل، وﻫـو ﻓﻌـل ﻣؤﻛد ﻟﻣﺿﻣون اﻟﺟﻣﻠﺔ اﻟﺳﺎﺑﻘﺔ، ﻣن ﻗوﻟﻪ: ﺣرﻣت ﻋﻠﯾﻛم، وﻛﺄﻧﻪ ﻗﯾل : ﻛﺗب اﷲ ﻋﻠﯾﻛم ﺗﺣرﯾم ذﻟــك ﻛﺗﺎﺑــﺎً، وأﻣــﺎ ﻣــﺎ ذﻫــب إﻟﯾــﻪ اﻟﻛﺳــﺎﺋﻲ ﻣــن أﻧــﻪ ﯾﺟــوز ﺗﻘــدﯾم اﻟﻣﻔﻌــول ﻓــﻲ ﺑــﺎب اﻹﻋــراب، اﻟظروف واﻟﻣﺟرورات ﻣﺳﺗدﻻً ﺑﻬذﻩ اﻵﯾﺔ، واﻟﺗﻘدﯾر ﻋﻧدﻩ : ﻋﻠﯾﻛم ﻛﺗـﺎب اﷲ: أي اﻟزﻣـوا ﻛﺗـﺎب اﷲ. ﻻ ﯾﺗﺣر دﻟﯾﻠﻪ، ﻻﺣﺗﻣﺎﻟﻪ أن ﯾﻛون ﻣﺻدراً ﻣؤﻛداً )4( . وﻫﻛذا ﻧرى ﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻘﺿﯾﺔ أن اﻻﺧـﺗﻼف ﺑـﯾن اﻟﻧﺣـﺎة ﻧﺎﺷـﺊ ﻋـن ﻗﺿـﺎﯾﺎ إﻋراﺑﯾـﺔ ﻣـن ﺣﯾث اﻟﺗﻘدﯾم واﻟﺗﺄﺧﯾر ، وﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻣﺳﺄﻟﺔ أﻓﺿل رأي اﻟﺑﺻرﯾﯾن . )1( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص229. )2( اﻷﻧﺑﺎري ، اﻷﻧﺻﺎف، ج1، ص230. )3( اﻟﻌﻛﺑــري، أﺑـــو اﻟﺑﻘـــﺎء، اﻟﺗﺑﯾـــﯾن ﻋــن ﻣـــذاﻫب اﻟﻧﺣـــوﯾﯾن اﻟﺑﺻـــرﯾﯾن واﻟﻛــوﻓﯾﯾن، ﺗﺣﻘﯾـــق : ﻋﺑـــد اﻟـــرﺣﻣن ﺑـــن ﺳﻠﯾﻣﺎن اﻟﻌﺛﯾﻣﯾﯾن، ﻣﻛﺗﺑﺔ اﻟﻌﻛﯾﺑﺎت، ط1، ص374. )4(اﻷﻧدﻟﺳــﻲ، أﺑــو ﺣﯾــﺎن: ﻣﺣﻣــد ﺑـــن ﯾوﺳــف، ﺗﻔﺳــﯾر اﻟﺑﺣــر اﻟﻣﺣـــﯾط، ﺗﺣﻘﯾــق: ﺻــدﻗﻲ ﻣﺣﻣــد ﺟﻣﯾـــل، دار اﻟﻔﻛر، ﺑﯾروت، طﺑﻊ142ه، ج3، ص584-585.

عدد الصفحات ٤٩