المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أدلة تحريم حلق اللحية تحميل PDF

محمد إسماعيل المقدم

صفحة ٨ من ٩

الدين » أو على أنه أمر مطلوب على وجه الجزم فإنه يبتدع في الدين ما ليس منه()أه . وهؤلاء يكتفون بمثل هذه الدعاوى دون أن يطرقوا الأدلة السابقة » ومن عادة أهل العلم أنه إذا كان في المسألة خلاف بين العلماء فإنهم يقيمون الأدلة الصحيحة على فتواهم » ويجيبون عن أدلة مخالفيهم » وهؤلاء أثمة المذاهب الأربعة وأتباعهم القدامى متفقون على وجوب إعفاء اللحية.» وهذا المستهتر الذي يطيح بلحيته مذكور حتى اليوم في كتب الفقه وموصوف بأنه فاسق لا تقبل شهادته » وذلك أن الفاسق هو الذي يعلن على الملا ارتكابه لأمر حرام - ومن أفتى برد شهادته الشيخ محمد حبيب الله رحمه الله ونص في كتابه « فتح المنعم » على منع حلق اللحية » ثم لم يلبث أن حاد عن المنبج العلمي في التحقيق حين قال عقيب ذلك مباشرة : ( ولا عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيرا من أهل الديانة قلد فيه غيره خوقاً من ضحك العامة منه لاعتيادهه(") حلقها في عرفهم 29 بحثت غاية البحث عن أصل أخرج عليه جواز حلقها حتى يكون ٠ ‏والقول بأن إعفاء اللحية من العادات التي‎ ) 4٠ -7”4 ( ‏أصول الفقه للشيخ محمد أبي زهرة ص‎ )١( ‏قد تجرى بها أعراف الناس باطل . لأن ما تجرى به العادة قسمان : قسم سكت عنه الشارعولم‎ ‏يتعرض له بوجوب ولا تحريم فهذا مباح لا لوم على فاعله . والثاني : ما أوجبه الشارع وأمر به‎ نيدلا ‏أو حرمه ونهى عنه . فهذا القسم لما تعرض له الشارع بالإيجاب أو التحريم صار من‎ ‏وما أكثر الأعمال التي كانت تجرى مجرى العادات قبل البعثة » ثم دخلت في حدود المناهي التي‎ ‏حرمها الشارع فأصبح اجتنابها من الدين كالوشم والتنميص ووصل الشعر والنياحة والميسر‎ . ‏وغير ذلك‎ (؟) في الأصل : لأعيادهم . (؟) هذا عرف كاذب يصادم الأدلة الشرعية فلا عبرة به وكان الأولى بالشيخ أن يحث هؤلاء الخواص من الأفاضل فضل عن غيرهم على الصبر على الدين والقبض على الجمر إظهاراً للشرائع » وطاعة لله ورسوله ‎٠‏ ولا فأين تقع النصوص النيي تصف غربة الاسلام في آخر الزم » كقوله صل الله عليه وسلم : ( طوبي للغرباء أناس صا حون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر عمن يطيعهم ) رواه الإمام أحمد وابن المبارك بسند صحيح فأين تقع هذه النصوص موقعها من الترغيب إن لم يكن الاستمساك بالنصوص هو المتعين . ١١

عدد الصفحات ١١٣

لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق . فأجريته على القاعدة الأصولية وهي أن صيغة « أفعل » في قول الأكثرين للوجوب ‎٠.‏ وقيل : للندب ‎٠‏ وقيل : للقدر المشترك بين الندب والوجوب ؛ وقيل : بالتفصيل » فإن كانت من الله تعالى في القرآن فهي للوجوب . وإن كانت من النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث هنا على الروايتين وهما رواية : وفروا ‏ ورواية : إغفوا ‏ فهي للندب 5 وقد أشار إلى هذه الأقوال في صيغة افعل وافعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب وو المطلوب وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب وهذا القول الأخير هو الذي ينبغي حمل العامة عليه لما عمت“البلوى بهذه البدعة الشنيعة وهي في حق العلماء أقبح وأقبح . وغيرهم أولى بالعذر . نسأل الله تعالى التوفيق لاتباع السنة والمحجة البيضاء )200 اه . وإن تعجب فعجب قول بعضهه”( : ( صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية » ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم ) أه . وهذا تعليل ساقط يكفي سقوطه عن رده . وكان الأولى به أن يستدل بعدم حلق أحدهم اللحية على عدم جوازه عندهم » قال الإمام ابن حزم رحمه الله في « مراتب الاجماع» : ( واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز) أه . وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : ( يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة » ولم يبحه أحد) أه . بل كان السلف يعظمون اللحية » ويعلون من شأنها كما في قصة قيس بن سعد رضي الله عنب| فقد كان أثطأ ( أي أمرد لا لحية له ) فقالت الأنصار : .)1١19-1١9!8/1١( ‏فتح المنعم‎ )١( . ‏(؟) الجلال والحرام في الاسلام للقرضاوي‎ ١15

عدد الصفحات ١١٤

نعم السيد قيس لبطولته وشهامته ولكن لا لحية له » فوالله لو كانت اللحية تشتري بالدراهم لاشترينا له لحية ليكمل رجلا . وقسمة الدين إلى قشر ولب تؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير» وتورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة 3 وينتج عنها الإخلال مهذه الأمور الي سميت قشوراً 3 فلا تلتفت قلوهم إليها » فتخلو من أضعف الإيمان ألا وهو الإنكار القلبي الذي هو فرض عين على كل مسلم تجاه المتكرات . ونحن إذا تسامحنا معهم في هذه القسمة إلى قشر ولب » ‎٠»‏ فإننا نلفت أنظارهم إلى أن قياس أمور الدين على الثمار من حيث إن لكل منها قشراً ولباً ‎٠‏ وظاهراً وباطنا » لا يعني أن القشرة التي أوجدها الله للثمرة إنما خلقت. عبقاً » حاشا وكلا بل لحكمة عظيمة وهي المحافظة على ما دونها وهو اللب نفسه , وهذا يحملنا على أن لا نستهين بالقشر من حيث كونه حارساً أميناً عل اللب . وهكذا الشأن في أمور الدين الظاهرة على التفصيل الذي تقدم قريباً من كلام شيخ الإسلام رحمه الله . ومن هذا القبيل تقسيم الدين إلى أصول وفروع , فإن العلماء الذين فعلوا ذلك لا يظن بهم أ:بم قصدوا بذلك التقسيم إيجاب الاتفاق على الأصول ‎٠‏ ثم التسامح مطلقا في الفروع . » كنا يظن بعض متفقهة هذا الزمان » فتراهم يميعون كل قضية فرعية بدعوى أن اختلاف الأمة . ما دام في الفروع فهو رحمة » وهذا أصل قولهم : ومن قلد عالاً لقى الله سالا » . وهذا بدوره قد أدى ببعضهم إلى اتباع الحوى والترخص دون تحري الدليل » ويلزم من ذلك القول بأن الاتفاق سخط , وهذا مالا يقوله مسلم , ولوأ :هم كانوا يرون أن « الخلاف شر » كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وغيره بل ىا دلت عليه نصوص الكتاب والسنة » لسعوا إلى الاتفاق » ولأمكنهم ذلك في كثير من هذه المسائل المتناقضة التى لا يمكن التوفيق بينها » إلا برر بعضها المخالف للدليل وقبول البعض الآخر الموافق له » وإلا فقد نسبوا إلى الشريعة للتناقص والله عز وجل يقول : ١١6

عدد الصفحات ١١٥

( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)20© . فإذا كان الاختلاف ليس من الله فكيف يصح جعله شريعة متبعة ورحمة منزلة ؟ فالواجب التخلص من الخلاف ما أمكن أو تضبيق دائرته عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( سددوا وقاربوا ) » وهذا تمكن في كثير من المسائل يما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ والحق من الباطل » ثم بعد تحري الدليل والعجز عن التخلص من الخلاف يعذر بعضهم بعضا فيا قد يختلفون فيه9© . والذين قسموا الدين إلى قشر ولب استدلوا ببعض النصوص تتبرير ما ذهبوا إليه : - منها ما رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إنما الأعمال بالنيات » وإثما لكل أمرىء ما نوى » الحديث أخرجه البخاري ومسلم . - ومنها ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنها قال : سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول : « إن الحلال بين » وإن الحرام بين » وبينهه| أمور وعرضه . ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام » كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » ألا وإن لكل ملك حمى » ألا وإن حمى الله محارمه , ألا وإن في الجسد مضعة إذا صلحت صلح الحسد كله » وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) رواه البخاري ومسلم : - ومنها ما رواه أبوهريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم . ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . رواه مسلم . (١)(الساء‏ : 92م). ‎)١(‏ الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم . ( 2514/8 /58-51) . ١15

عدد الصفحات ١١٦

قالوا : فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على أن العبرة بصلاح الباطن وصفاء النية وسلامة القلب . وجواب ذلك أن يقال : قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو وهذه من حكم الله الباهرة وأياته الظاهرة التي تبطل عمل المفسدين . فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات . وإنما لكل أمرىء ما نوى ) لا يدل بأي وجه من وجوه الدلالات على إهدار العمل الظاهر 3 وعدم اعتباره » ولكنه يرشدنا إلى أحد شرطي العبادة الصحيحة . وهما شرط في الظاهر.وشرط في الباطن . فأما شرط الظاهر فأن يكون العمل موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم منافياً للبدع , ودليل هذا الشرط قوله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد ) وفي رواية : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد ) » وأما شرط الباطن فهو إخلاص النية لله عز وجل المنافى للرياء ودليله قوله صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات ) . وقد جمعها الله تبارك وتعالى في قوله : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً . ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) . وقال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً قال أخلصه وأصوبه 3 وقال : إن العمل إذا كان خالصاً ول يكن صواباً يقبل ‎٠‏ ؛ وإذا كان صواباً وم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً وصواباً » : والخالص إذا كان لله عز وجل . والصواب إذا كان على السنة . اديت ليل حل خط لنية وم لي » ولا يدل بحال على إسقاط شعائر الإسلام الظاهرة » وقوله صلى الله عليه وسلم ( الأعمال بالنيات ) تقديره ( الأعمال الواقعة بالنيات ) أو ( الأعمال حاصلة بالنيات )20 أي الأعمال ‎)١(‏ وفي رواية ( إنما العمل بالنية ) 2 ( أل ) للعهد وليست للاستغراق والشمول يراد منها الأعمال الصالحة . ‎1١١1 /

عدد الصفحات ١١٧

الاختيارية لا تقع إلا عن قصد من العامل هو سبب وجودها وعملها ‎٠‏ ثم يكون قوله : ( وإنما لكل أمرىء ما نوى ) إخباراً عن حكم الشرع , وهو أن حظ العامل من عمله بنيته فإن كانت صالحة فله أجره ‏ وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره ) . بل في الحديث ما يدل على خطورتها أيضاً » وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو أمرأة يتكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . فهذا مثل من الأمثال والأعمال التي صورتها في الخارج واحدة ويشترك فيها المؤمنون والمنافقون 2 ويختلف صلاحها وفسادها بإختللاف النيات 2 فهل يستقيم أن يستنبط إنسان من هذا ذم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام اعتمادا على صدق النية » ألا يكون تخاذله عن هذه الهجرة من باب أولى أعظم دليل على فساد قلبه وسوء نيته ؟! مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضّغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد وما قيمة هذه النية المزعومة إذا 1 ينيثق عنها امتثال الأوامر واجتناب المناهي ونظير ذلك نصوص كثيرة تربط بين كافة الشرائع الظاهرة وبين النية وتعلق القلب بصلاح العمل » وصلاح العمل بصلاح النية ) . من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله » ويقيموا الصلاة . ويؤتوا الزكاة » فإذا فعلوا ذلك .» عصموا منى دماءهم وأموالهم . إلا بحق الإسلام ‎٠‏ ‏وحسابهم على الله تعالى ) رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه) ‏ فقوله صل الله عليه وسلم « وحسابهم على الله عز وجل » يعني أن الشهادتين مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة » وهي أعمال ظاهرة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا بأن يأتي ما يبيح دمه » وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل فإن كان صادقاً أدخله الله بذلك الجنة » وإن كان كاذبا فإنه من ١14

عدد الصفحات ١١٨

حملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار» وفي بعض روايات مسلم : رت تلا فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيايهم ثم إن علينا حسابهم ) . ‎٠‏ ومن ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد ندري رضي الله عنه : ( أن ‏بن الوليد إستأذن النبي صل الله عليه وسلم في قتل رجل ‎٠‏ فقال : لا لعل أل يكن يل » فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه 1 فقال رسبوك الله بل اله خلية وسلم : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب ‏ومن ذلك قوله صل الله عليه وسلم : ( من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى ) أخرجه الإمام أحمد والنسائي من حيث عبادة بن الصامت ‏رضى الله عنه . ‏ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( من طلب العلم ليمارى به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار ) 5 ‏أخرجه الترمذي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه . ‏فهذه كلها وأمثالها كثير نصوص تنبه على خطورة الإخلاص واشتراطه في الأعمال الصالحة » وإن القول بإهدار الأعمال الظاهرة قول ساقط يؤدي إلى ضياع الدين واستحلال المحرمات احتجاجاً بالنية الصالحة المزعومة . وكذبوا » لو حسنت نياتهم لحسنت أعمالهم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للحرمات واتقائه للشبهات. بحسب صلاح حركة قلبه » فإن كان قلبه سليًا ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله » وخشية الله وخحشية الوقوع فيا يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها » ونشأ عن ذلك اجتذاب المحرمات كلها » وتوقى الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات . وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الموى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت ‎١8

عدد الصفحات ١١٩

حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب 5 وهذا يقال : القلب ملك الأعضاء ) وبقية الأعضاء جنوده 03 وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره . لا يخالفونه في . شيع من ذلك والحاصل أنه يمكن الاستدلال على صلاح القلب أو فساده بمدى ما تظهره ه جنوده من ‎٠‏ الانقياد لشرائع الاسلام 6 فلا يتصور قلب صالح عامر بالعلم والإيمان ينضح منه معاندة الشرع , إذ أن الظاهر عنوان الباطن ودليل صلاحه أو فساده - فاللحية مثلاً من الجسد الذي هومرأة القلب فمن استأصلها محتجاً بصلاح قلبه كذبه ظاهره ‎٠»‏ ومن امتثل أوامر الشرع بإعفائها كانت قرينة ظاهرة في الدنيا على امتثاله لشرع الله في الظاهر وحسابه على الله في الآخرة . والله نسأل أن يجعل سرائرنا أصلح من ظواهرنا وهو وحده ولي التوفيق . وأما قوله صل الله عليه وسلم : « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم » ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . فهو حجة عليهم لا لهم - لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل « ولكن ينظ ر إلى قلوبكم » حتى عطف عليها « وأعمالكم » يعني التي تنبثق من تلك القلوب » والتي لا بد أن تكون صا حة موافقة لمرضاة الله عز وجل مرجوا مها وجهه سبحانه . وقد قال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم اياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون » الذين يقيمون الصلاة ومما رزفناهم ينفقون » أولئك هم المؤمنون قا هم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم )20 . ولا شك أن هذا الأسلوب في ذ فهم النصوص هو وحده الكفيل بأن يسد الباب في وجه الزنادقة والملاحدة الى يتحصنون وراء دعوى حسن النية ويرتكبون المخالفات الشرعية ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون )20 ويضربون (0) الأنفال : (؟-14). .)١7-1١( : ‏البقرة‎ )5(

عدد الصفحات ١٢٠

بالأحكام الظاهرة التي , هي شعائر الإسلام وأعظم أركانه كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها عرض الحائط دون أن ينكر عليهم منكر وإلا لزم أيضاً نسبة التناقض إلى الشرع المنزه حيث تنبني أحكامه على ما يظهره الناس في دار “الدنيا ثم تهدر هذه الشرائع بحجة حسن نية من أهدروها ‏ وهذا مالم يفعله المنافقون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يصلون معه ويحجون معه ويجاهدون معه . وكانوا يتناكحون ويتوارثون مع المسلمين وكان المسلمون يصلون عليهم ويدفئونهم معهم أخذاً بما يظهرونه . ثم نقول : أليس الذي نطق بالنصوص التي تدل على أهمية النية هو الذي نطق بالنصوص التي فيها إعتبار الظاهر ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) صل الله عليه وسلم وصدق الله تعالى إذ قال : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )2300 . وإذا كانت النصوص السابقة قد أسست فكرة الارتباط بين الظاهر والباطن فإن هناك جملة من النصوص قد فصلت هذه الفكرة وأثبتت تأثير كل منبما في الآخر : منها ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهم| قال : ( كان رسول الله صلل لله عليه وسلم يسوى صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح , حتى رأى أنا قد عقلنا عنه » ثم خرج يوماً فقام من يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال : «عباد الله » لتسون صفوفكم . أو ليخالفن الله بين وجوهكم » وفي رواية : قلوبكم ) أخرجه مسلم وأبوعوانة والراوية الأخرى لأبي داود فأشار صل الله عليه وسلم إلى أن الإختلاف في الظاهر ولوفي تسوية الصف ما يوصل إلى اختلاف القلوب . فدل على أن الظاهر له تأثيرني الباطن ولذلك كان التبي صل الله عليه وسلم ينهبى عن التفرق حتى في جلوس الجماعة » فقد قال جابر بن سمرة رضي الله عنه . )3( النساء : ؟م ١1١

عدد الصفحات ١٢١

( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنا حلقاً » فقال : مالي أراكم عزين )() . رواه مسلم وأحمد والطبراني . وعن أبي ثعلبة الخشنى رضى الله عنه قال : ( كان الناس إذا نزلوا منزل تفرقوا في الشعاب والأودية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن تفرقكم ف هذه الشعاب والأودية إغا ذلكم من الشيطان )0 . فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال : « لو بسط عليهم ثوب لعمهم». أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وغيرهم ‏ وقال الحاكم « صحيح الإسناد » . ووافقه الذهبي . وما يقوى اعتبار الظاهر ما تقرر في الشريعة من وجوب مخالفة. الكفار وتحريم التشبه بهم وقد مرت أدلته . وما تقرر أيضا من تحريم تشبه الرجال المشاركة في الظاهر تورجب الاختلاط الظاهر بين امو منين والكافرين 3 وهذاما حرص السلف على تجنبه » وهو واضح من سلوكهم مع أهل الملل من البلاد التي فتحوها » حتى كانوا يشترطون في عقد الذمة ألا يتزيا المشركون بزي المسلمين . وطريق الحهدى أن تصلح الظاهر والباطن : نصلح ظاهرنا باتباع السنة وباطننا بدوام مراقبة الله تعالى ولا ندع العمل الصالح حذر الرياء . ولا نعمله رئاء الناس . والله الموفق . . ‏عزين : أي متفرقين » جماعة جماعة ومعناه النبي عن التفرق والأمر بالإجماع‎ )١( يفن

عدد الصفحات ١٢٢

' : 1 رعوا الك :؛ تمحى , لا تعضوا لبااراي يحلو لبعض الناس ممن يتقنون صناعة الشبهات وضرب الأمثال أن يتصدوا إجابة لسائل يسأل . فيثيرون الاعتراضات العقلية الجدلية معرضين عن الأدلة الشرعية » فيقولون مثلا : المسلمون ينبغي أن تتجه همتهم إلى الأمور الخطيرة الي تهدد كيانهم 3 ولا ينبغي تضييع الوقت في الدعوة إلى هذه الشكليات 3 الإإسلام ؟ وهل زالت المنكرات الكبرى التي عمت المجتمع حتى لم يبق إلا حلن اللحية منكرا يجب تغييره ؟ والحق أن هذه الشبهات لا تصدر عن صاحب فقه وورع . وهي شبهات فارغة ساقطة يكفي سقوطها في ردها ؛ ولولا أنها تلبس على بعض الناس أمور دينهم لا التفتنا إليها ' ولا تجشمنا الرد عليها : لأن هذا المنطق الكاسد والرأي الفاسد سوف ينسحب بلا قيد على كثير من أحكام الشريعة التي لا توافق الأهواء » بحيث لا يبقى بعد ذلك محال للدعوة إلى اجتناب المحارم وتعظيم الشعائر » وتصبح الشريعة ألعوبة في يد المنحرفين عن أحكامها »؛ يعظم أحدهم ما يحتقره الآخر والعكس بالعكس . فماذا يبقى من الإسلام بعد تمييع هذا كله ؟ هذا وإن أخطار هذا المنبج العليل غير محدودة إذ لا يلبث أصحابه أن ينقلوا التمبيع إلى الخلاف في الأصول فماذا يبقى من الإسلام حين يصبح الإنكار في مسائل التوحيد والشرك مثلا أيضا مما يفرق المسلمين ؟ وف

عدد الصفحات ١٢٣

ويقولون أيضاً : هؤلاء المسلمون المستضعفون يذبحون في بلادهم , والكنيسة الشرقية تتحد مع الكنيسة الغربية للفتك بالمسلسين ‎٠‏ واليهود يخططون لاستئصالنا وأنتم تتكلمون في هذه الفرعيات وتثيرون الفرقة . والفتنة . والجواب : أن ترك الواجب الشرعي محافة الفتنة الظنية هو في حد ذاته فتنة ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تة تفتني ألا في الفتنة سقطوا ‎2١0)‏ ولا تكون الفتنة حادثة بسبب التناصح بين المؤمنين بالتي هي أحسن وإا تحدث من الجدل والعناد مع وضوح الحق وبيان الحجة . إن ما ذكرتموه من إذمطهاد المسلمين وضعفهم وتأمر أعدائهم إلخ كل هذا حق ولكنكم أتيتم من خلطكم بين الأمور » فكلامكم قد يكون حقا إذا سلمنا والحق أنه لا يلزم. التعارض بينهها » إذ إن بيان الحق في الأمور الفرعية لا يتعارض مع جهاد الأعداء إذا كان الهدف هو حقاً بيان الحق مع البعيد عن الجدل العقيم وقد واجه الرعيل الأول أخطاراً تهدد كيانهم . ولم يحملهم ذلك على ترك الفرعيات وتقرير الحق فيها وإلزام أنفسهم باللازم منها » ومع ذلك سادوا الأمم » وأسقطوا عروش الكفرة وأثاموا صرح الإيمان شاغاً » والذي يفت في عضد المسلمين هومن يجادل في الحق بعدما تبن » ويصر على عدم الانقياد له » ويثير الجدال بشبهات سقيمة » وليس من يدعوهم إلى التمسك بالكتاب والسنة . وإذا كان الكفار مخاطبين بفروع الشريعة على الأرجح؟) فكيف بالمسلمين الذين قال الله تعالى في حقهم : ( إنما كان قول المؤ منين إذا 8 : ‏التوبة‎ )١( ‏ومن أدلة هذا الترجيح قوله تعالى : ( ما سلككم في سقر قالوالم نك من اللصلين ول نك‎ )1( ‏نطعم المسكين ) وقوله سبحانه تعالى : ( خذوه فغلوه ؛ ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة‎ ‏ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام‎ المسكين ) . ومنها قوله تعالى : ( والذين لا يدعون مع الله إِغَا آخر ولا يقتلون النفسٍ التي حرم الله إلا بالحق ) إلى قوله : ( يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) الآية : لأن الآية نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات . ١75

عدد الصفحات ١٢٤

دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعناء وأولئك المفلحون ‎2١7)‏ وقال عز وجل : ( يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة )9 دون تفريق بين فروع وأصول وبين ظاهر وباطن وبين « قشر » « ولب » وربنا جل وعلا قد أمر المؤمنين بالقيام بما شرعه من دينه ولو كان من القضايا العلمية التي يسمونها فروعا في أشد أوقات الكفاح وهو وقت الالتحام المسلح مع الأعداء » في قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت هم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم . فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم » ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم لذ الآية . وما يتوهمه هؤلاء المخالفون ما هو إلا نتيجة لتخيلهم أن النسبة بين ( مواجهة الأعداء والانتصار عليهم ) وبين ( تعلم المسائل الفرعية والتمسك مها وإن دقت ) إنما هي تباين المقابلة » كتباين النقيضين : كالعدم والوجود » والنفي والإثبات . أو تباين الضدين : كالسواد والبياض » والحركة والسكون . أو تباين المتضائفين : ( كالأبوة والبنوة ) والفوق والتحت ». أو العدم والملكة كالبصر والعمى . فإن الوجود والعدم لا يجتمعان 3 شيء واحد ف وقت واحد من جهة واحدة كذلك الحركة والسكون مثلاً » وكذلك الأبوة والبنوة » فكل ذات تثبتت ها الأبوة لذات استحالت عليها البنوة لها » بحيث يكون شخص أباً واب لشبتض واحد » كاستسالة إجتماج السوادوالبياض في نقطلة بسيطة + أو الحركة والسكون في جرم . وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان . فتخيل هؤلاء أن مواجهة الأعداء والتمسك بالفروع متباينان تباين مقابلة بحيث يستحيل إجتماعهما » فكان من نتائج ذلك هذه المعارضة المتهافتة . والتحقيق أن النسبة بين الأمرين بالنظر إلى العقل وحده . وقطع النظر عن النصوص النقلية ‏ إنما هي تباين المخالفة . (١)(النور: ‎.)0١‏ ‏(؟) ( البقرة : ‎7١4‏ ) . 95 ) رالنساء : ؟١1١),.‏ ١6

عدد الصفحات ١٢٥

حقيقة ا 4ك اجتماعها عقلاً في ذات لا كالبياض والبرودة 3 والكلام والقعود 3 والسواد والحلاوة : فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة » ولكن البياض والبرودة يمكن إجتماعههما في ذات واحدة كالثلج ؛ وكذلك الكلام والقعود » فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود» مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعداً متكلًا في وقت واحد . وهكذا فالنسبة بين ( جهاد الأعداء . ومواجهة تأمرهم ) وبين ( الدعوة إلى الفروع والتمسك بها وتعليم للناس ) من هذا القبيل » فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلاً أن يكون بارداً كالثلج ر » والإنسان القاعد يجوز عقلاً أن يكون متكلً . والتمرة السوداء يجوز عقلا أن يكون مذاقها حلواً ‎٠»‏ فكذلك المتمسك بالفروع يجوز عقلاً أن يواجه أعداءه ويجاهدهم إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على أوامر الله واجتناب مناهيه مشتغلا بجهاد أعدائه بكل ما في طاقته ىا لا يخفي . وكا عرفه التاريخ لنبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان . أما بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة كقوله تعالى ( ولينصرن الله من ينصره )20 وقوله عز وجل : ( إن تنصروا الله ينصركم )20 وغير ذلك من النصوص فإن النسبة بين التمسك بالشعائر الإسلامية وبين تنزيل النصر من الله جل وعلا كالنسبة بين الملزوم ولازمه » لأن التمسك بالدين هو ملزوم النصر » بمعنى أن يلزم عليه الانتصار كما صرحت الآيات . وهؤلاء المخالفون أظهروا الناس أن الربط بين الملزوم: ولازمه كالتنانفي الذي بين النقيضين والضدين . وهؤلاء بدورهم أذعنوا هم لسذاجتهم وجهلهم 2 وأنتج ذلك نفرة في قلويهم - بمجرد سماع من يتكلم في الفروع إيهاماً له بأنه يبطل بذلك الجهاد . هذا وإن من البديبي أن فاقد الشيء لا يعطيه . « ولا يستقيم الظل والعود أعوج » . . والدولة المسلمة لن تقوم إلا على أكتاف أولى العزم الذين يلتزمون بكافة (١)(الحج‏ : 0)(محمد: /ا). حال

عدد الصفحات ١٢٦

أحكام الشرع . ويوافقونها في ظاهرهم هم وباطنهم لقوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )20 . والدولة المسلمة ما هي إلا ثمرة حتمية لتمسك جنود الإسلام بكل شرائع دينهم » والدعوة الإسلامية الأمينة على الإسلام / لد تساوم على شيء من أحكامه ولكنها تحنظها كلها آداء للأمانة وإعذاراً لنفسها أمام الله تبارك وتعالى . ولا شك أن إنكار المنكرات المتعلقة بالنفس - مع فقدان المانع من تغييرها - من أيسر“الأمور . فإذا تساهلنا في هذا مختارين » فكيف ننكر على غيرنا ؟ وقد أخبرنا الله عز وجل أن مصدر ال خيرية لهذه الأمة هو الأمر بالمعروف والنبي عن المنكر . قال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتغبون عن المنكر وتؤمنون بالله )("© وأخبر أن من أسباب ضعف المجتمع ترك التناهمي عن المنكرات والأمر بالمعروف فقال تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )20 وتوعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصيبنا ما أصابهم إذا فعلنا مثل فعلهم وقد عاقب الله من ضيع حظأ من شريعته في قوله تعالى : ( فنسوا حظأ مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )”249 ودلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المخرج من فتنة الافتراق . بقوله : « فإن من يعش منكم فسيرى إختلافا كثيرا » فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ . وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النارع» . فالمسلمون إذا نزلت بهم محمصة وشدة فإن من أسباب جلاء الغمة عنهم .)١١ : دعرلا()١(‎ (9) ( أل عمران : ‎.)١١١‏ ‏(" المائدة : (لاء قلا ) . (9) (المائدة : 14) . شيل

عدد الصفحات ١٢٧

المزيد من التمسك بالسئن والبراءة من البدع وليس مهادنة أهل البدع ‏ وتشبيط الدعاة إلى السئن . قياس فاسد ومن أقيستهم العقلية الفاسدة التي يلبسون بها على العوام قولهم : إنما مثل من يتكلم في هذه الفرعيات والأعداء محدقون بنا كمثل رجل قائم على الشاطىء » وشخص يعالج الأمواج يوشك أن يغرق وقد بدا شيء من عورته » فيهتف الأول بالثاني منكرا عليه ما ظهر من عورته غير مبال بالخطر المحدق به والذي يودي بحياته . أنتم تقيسون فرعا على أصل ليس بينهها أي تمائل والأصل المقيس عليه حالة ضرورة فلا شك يقدم دفع الضرر الأكبر الذي هو تلف النفس على المنكرٍ الأصغر الذي هو بدو شيء من العورة » فكذا إذا دهمنا الأعداء ننفر جميعا لمواجهتهم دون التفات إلى خلافات فرعية ة إنشغالا بالمتكر الأكبر . أما الفرع المقيس وهو وضع مجتمعاتنا في هذا الزمان فلا شك أنه في بلادنا ‏ على الأقل ‏ دون حالة الضرورة التي فيها تتلف الأنفس والآديان وهلك الحرث والنسل وينفر المسلمون نفيراً عاماً بما فيهم الشيوخ والنساء . . . وقد يستنكر هذا الكلام لأول وهلة » أو يساء الظن بقائله , ولكني أتي بالدليل عليه من واقع حياة المعترضين أنفسهم فأقول : هل واقع حياتكم مثل واقع رجل يلقى بنفسه في المخاضة ولا يلوي على شيء لينقذ غريقاً يصارع الأمواج ويوشك على الغرق ؟ وهل هو واقع قوم أتاهم النذير ونودي فيهم بالنفير العام ؟ لماذا إذن تحيون حياة رتيبة هنيئة تتمتعون فيها بالحاجيات بل الكماليات والتحسينات تطعمون الفواكه » وتتنعمون في الفرش . وتتنزهون في المتنزهات . وكل هذا لا ينكر عليكم ولا تستنكرونه من غيركم . ١ 4

عدد الصفحات ١٢٨