المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بلاغة الاقتران في القرآن الكريم

مريم بنت سليمان بن عبيد الله العبيد

صفحة ٨ من ٢٦

106 الاقتران في الإفراد والجمع الأصل في الأسماء الإفراد؛ لأن الأصل في المعنى أن يكون مفرداً .فيأتي اللفظ الدال عليه مفرداً؛ لأن اللفظ قالب المعنى ولباسه، وعلى هذا فإن الجمع تابع للإفراد.( ) ويعرف الجمع بأنه : "ضم شيء إلى أكثر منه".( ) والغرض منه الإيجاز؛ إذ التعبير باسم واحد أخف من الإتيان بأسماء متعددة. وربما تعذر إحصاء جميع آحاد ذلك الجمع وعطف أحدها على الآخر.(5) ولمَّا كان اللفظ المفرد هو الأصل، والجمع تابعا له، جُعل له في الاسم علامة تدل عليه، وجعلت آخره قضاء لحق الأصالة في المفرد، والتبعية في الجمع .( ) والجمع على ضربين : . جمع تصحيح: ويقال له:"جمع سالم"؛ لسلامة لفظ مفرده من التغيير. وهو نوعان: جمع مذكر، ومؤنث . . جمع تكسير: ويقال له: "مكسر"؛ لتغير بنيته عما كان عليها مفرده، فكأنك فككت بناء مفرده، وبنيته للجمع بناء ثانياً، فهو مشبه بتكسير الأبنية؛ لتغير بنيتها عن حال الصحة.(3) والمنعم نظره في النظم القرآني، يجد أن التعب القرآني يؤتى فيه باللفظ المفرد حيناً دون جمعه، وتارة أخرى بالجمع دون مفرده، ولو حاول القارئ التغيير؛ بإحلال أحدهما مكان الآخر لفسد التعبير، وذهبت بلاغته. ولو أعمل ذهنه فيها وفق ما انتظمت عليه في الذكر الكريم، لوقع على أسرار عظيمة، ولطائف بديعة .(1) وفي هذا البحث ثمة وقفة مع شواهد للاقتران في الإفراد والجمع، أبين فيها ما تيسر من لطائف اقترانها على تلك الصيغة. ( ) ينظر: بدائع الفوائد ( /61- 61.) ( )شرح المفصل (3/ .) (5 )ينظر: المرجع السابق . الصفحة نفسها. ( ) ينظر: بدائع الفوائد ( /61.) (3 )ينظر: شرح المفصل (3/ -1.) (1 )ينظر: من أسرار التعبير في القرآن صفاء الكلمة ( ).

عدد الصفحات ١١٣

107 المطلب الأول: اقتران المفرد بالجمع اقتران "السمع" بـــ"الأبصار": اقترن في النظم القرآني اللفظ المفرد بالمجموع، شاهد ذلك اقتران كلمتي "السمع" و"البصر" فإذا ذُكر"السمع" قرن ب "البصر"، غير أنه خُولف بينهما عند الاقتران في الإفراد والجمع، ف كلمة "السمع" يُؤتى به مفردة دائماً، بينما "الأبصار" يُؤتى بها جمعاً . وكان ذلك في خمسة مواضع . فلمَ لمْ يؤتَ بهما مفردتان "السمع والبصر"، أو مجموعتان "الأسماع والأبصار "؟. في هذا المطلب ثمة وقفة مع النكتة البلاغية لهذا الاقتران الذي خولف فيه بين بُنية اللفظتين المقترنتين. من شواهده قوله تعالى:(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) [يونس:5 ]. وقوله:(ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [النحل:31.] وقوله - جل وعلا -:(ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ) [المؤمنون:31] .....وغيرها. أما النكتة في اقتران حاستي السمع والبصر في النظم القرآني؛ فلأنهما طرق العلم؛ إذ الأصل في الإنسان الجهل، لقوله تعالى:(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ )[البقرة :3 ]؛وهو مما يدل على نقص الإنسان، قال تعالى:(ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ) [النحل:31.]؛ قال :(ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) [النحل:31.]؛ فبينَّ طرق العلم:"السمع والبصر"؛ وبهما الإدراك؛ و "الأفئدة"؛ وبها الوعي، والحفظ.( ) ف (السمع)؛ ليسمعَ البشرُ مواعظ الله، و(الأبصار)؛ ليبصروا دلائل الله في كونه الفسيح .( ) وأما اقتران "السمع" مفردا ب "الأبصار" جمعا، فيلحظ أنه قد لفت انتباه العديد من المفسرين ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم (الفاتحة والبقرة ) ( /13.) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/ .)

عدد الصفحات ١١٤

108 والمهتمين ببلاغة النظم القرآ . ومن أبرزهم الزمخشري، فقد اجتهد في الوقوف على سبب المغايرة بين صيغتي اللفظتين المقترنتين بقوله : "ووحد السمع كما وحد البطن في قوله : كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس. فإذا لم يؤمن كقولك : فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه . ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع. فلمح الأصل يدل عليه جمع الأذن في قوله:(ﭯ ﭰ ﭱ)[فصلت:3] .وأن تقدّر مضافاً محذوفاً: أي وعلى حواس سمعهم."( ) وهنا وقفة مع اجتهادات الزمخشري التي في مقولته السابقة؛ فآخرها القائل : بتقدير مضاف محذوف، لعل فيه ضعفاً؛ إذ تقدير محذوف هنا تكلف لا حاجة تدعو إليه، ثم هو خلاف للأصل، فما لا يحتاج إلى تقدير الأولى الاحتراز منه. ورد أحد الباحثين المعاصرين اجتهاد الزمخشري الأول؛ القائل : بإفراد السمع عند أمن اللبس؛ بقوله : " والحقيقة أنَّا لانطمئن لمثل هذه الآراء التي رددها مع الزمخشري كثير من الباحثين، والتي لا تعدو أن تكون محاولات لتبرير إفراد السمع في الآية عن طريق إثبات نظائره في موروث اللغة ...، ولعلنا نتساءل: إذا كان السبب في إفراد السمع هو أ من اللبس فلماذا لم تفرد ... الأبصار لهذا السبب ذاته؟"( ). وسؤاله في محله!. ولم يتبقَ من اجتهادات الزمخشري إلا ثانيها؛ القائل: بأن السمع مصدر والمصادر لا تجمع. وهذا - كما يظهر - أقوى اجتهاداته؛ لارتكازه على أسس نحوية . فإفراد السمع هنا لأنه مصدر، و المصدر يق ع على العدد القليل والكثير(5) .وهو دال على الجنس، فكان في قوة الجمع.( ) وذكر الطبري في تفسيره:" ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا ."(3) ( )الكشاف( /1.) ( )أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية (11.) (5 )ينظر: الجامع لأحكام القرآن ( /16.) ( )ينظر: التحرير والتنوير (1/ 5 .) (3 )جامع البيان في تأويل القرآن ( /51 .)

عدد الصفحات ١١٥

109 وبما أن التعبير مع اتفاق اللفظين المقنين في البناء فصيح صحيح، فما سر المغايرة بينهما؟ . أجاب عن هذا ابن عاشور في تفسيره، حين جعل سر إفراد "السمع" وجمع "الأبصار" نكتة لفظية؛ أقل ما يقال عنها أنها جارية على ما يقتضيه تمام الفصاحة؛ من خفة أحد اللفظين مفرداً والآخر جمعاً عند اقترانهما في النظم، ف إن لانتظام الحروف، والحركات، والسكنات في تنقل اللسان سراً عجيباً .. وهذا مما برزت براعته في النظم القرآني .( ) ومن لطائف إفراد السمع وجمع الأبصار عند اقترانهما ما ذكره الرازي من أن "السمع" قوة واحدة، تدرك بها نوعاً واحداً من المدركات؛ هو الأصوات، والإنسان لا يضبط في زمان واحد كلامين. والأذن محل السمع ولا اختيار لها فيه، فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة لها على تخصيص القوة بإدراك بعض دون بعض.( ) وهذا يعني أن السمع وإن اتسع لمئات الأصوات، فإنه لا يكاد يميز إلا واحداً منها، بالإصغاء إليه وعزل ما سواه عنه، وإلا كان المسموع له مجرد أصوات غير مفهومة، إلا على أنها دوي كدوي النحل – مثلاً -؛ فكأن في إفراد السمع توجيها لوظيفة السمع؛ بأن يستمع الإنسان سمعاً واحداً، ليكون لما يسمعه معقول، ومفهوم، وفائدة.(5) أما"الإبصار" فمحله العين، ولها فيه شبه اختيار؛ فإنه ا تتحرك إلى جانب مرئي دون آخر.( ) كما أن مدركات البصر متعددة؛ فإنه يدرك به الأضواء، والألوان، والأشكال (3)، فالعين تستطيع أن تضبط كثيراً من الصور المرئية بنظرة واحدة، كما تستطيع أن تعاود النظر فيما تراه حتى تتحققه وتستيقنه، ومن هنا - والله أعلم - جمعت لتعدد مرئياتها، ولترددها على الشيء، ومعاودتها النظر إليه حالا بعد حال..، وليس كذلك السمع الذي لا يكاد يميز إلا صوتاً واحداً في الوقت نفسه، وإن أفلت منه الصوت الملقى إليه، لم يكن بإمكانه رده، فقد ذهب أدراج الريح، وإن أمكن استدعاء مثله من مصدره الذي جاء منه . ومن دقائق النظم القرآني عند اقتران السمع بالأبصار، إضافة إلى إفراد الكلمة الأولى وجمع ( ) ينظر: التحرير والتنوير (1/ 5 .) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /56 .) (5 )ينظر: التفسير القرآني للقرآن ( /15_ 1 ) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /56 .) (3 )ينظر: روح المعاني (5/ 1 .)

عدد الصفحات ١١٦

110 الثانية؛ تقديم السمع على الأبصار؛ وذلك لأن السمع يؤدي مهمته أولا، والبصر ثانياً؛ فأول ما يولد المولود تكون حاسة السمع أول حاسة من حواسه تؤدي وظيفتها ( )، فذلك جاء موافقاً لمقتضى الحكمة؛ والإنسان يسمع أولاً من الأبوين أو الناس أموراً فيفهمها، ثم يحصل له بسبب ذلك بصيرة فيبصر الأشياء والأمور.( ) ولعله يُضاف لما سبق في نكتة تقديم السمع على الأبصار؛ أن تقدمه لكثرة منافعه، فإن أكثر أمور الدين لا تعلم إلا من جهته والله تعالى أعلم.(5) ( )ينظر: صفاء الكلمة (51.) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /565.) (5) ينظر: روح المعاني (3/ 11.)

عدد الصفحات ١١٧

111 المطلب الثاني: اقتران الجمع بالمفرد اقتران "السماوات" بـ" الأرض": كما اقترن اللفظ المفرد بلفظ الجمع في النظم القرآني، اقترن - أيضاً - عكسه؛ شاهد هذه الصورة اقتران لفظ "السماوات" ب " الأرض". وذلك في ثلاثة وثلاثين ومئة موضعاً . ولعل السر في اقتران السماوات والأرض في النظم القرآني؛ كونهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع لهم والأرزاق .( ) فهما تشتركان في الخلق والإبداع قال الله - تعالى-:(ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ )[الفرقان :31]. وقالجل وعلا: (ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ )[البقرة:3]. وأث-- على ذاته لخلقهما، فقال:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ)[الأنعام: ]. كما تشتركان في الاستدال بهما على أحقيته - سبحانه - بالعبادة وحده دون سواه، قال -  -:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [البقرة :1 ]، وقال:(ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ)[الروم: ]. واحتج على المشركين على توحيده - جل وعلا - بالعبادة بشيء يقرونه؛ وهو نسبة خلقهما له - -، كما قال تعالى:(ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ )[العنكبوت:1 ]،وقال تعالى:(ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ( ) ينظر: معالم التنزيل ( /15)، و:المحرر الوجيز (1/ .)

عدد الصفحات ١١٨

112 ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ) [الزُّمَر:51]. كما استدل بخلقهما على إثبات قضية البعث؛ من ذلك قولهتعالى:(ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ )[الإسراء :11]،وقال سبحانه:(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ)[يس:1 ]. يُضاف إ سر اقترانهما ما بينهما من تقابل؛ إذ الأرض تقابل السماء، ففي تعريف السماء جاء في مفردات الأصفهاني : سماء كل شيء أعلاه، وقيل:كل سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض إلا السماء العليا، فإنها سماء بلا أرض، وحمل على هذا قوله:(ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ) [الطلاق: ].( ) أما الأرض؛ فهي الجرم المقابل للسماء، وتجمع على أرضون، ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه.( ) والتقابل من مسوغات الاقتران، والغرض منه الوقوف على عظيم قدرة الله - تعالى - من خلال إبداع الشيء وضده . والمتأمل في النظم القرآني يجد أن كلمة "السماوات" تأتي جمعاً ومفردة، بينما كلمة "الأرض" مفردة دائماً، ولم يرد لها جمع في النظم القرآني "مع أن الأراضين كثيرة بدليل قوله تعالى:(ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ)[الطلاق: ]"(5). ويبقى السؤال لم تقترن كلمة "السماوات" جمعا ب "الأرض" مفردة ؟ السبب في ذلك يرجع إلى ما تميز به النظم القرآني من دقة في اختيار الكلمة؛ ف الإتيان بكلمة "السماوات" جمعاً مقرونة ب "الأرض" مفردة له أسراره؛ منها اللفظي، ومنها المعنوي . أما اللفظي؛ فبيانه: أن كلمة "الأرض" لو جمعت على قياس جموع التكسير، فقيل : آرض، على قياس "أفلس"، أو "آراض " على قياس "أجمال"، أو آُروض على قياس "فلوس"؛ لثقل هذا اللفظ، ونبا عنه السمع؛ إذ ليس فيه من الفصاحة والحسن والعذوبة ما في لفظ "السماوات"؛ ( ) ينظر: المفردات، (مادة: سما). ( ) ينظر السابق، (مادة: أرض). (5 )ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /33.)

عدد الصفحات ١١٩

113 فلفظ السماوات يلج السمع بلا استئذان؛ لعذوبته ونصاعته . ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره ولهذا لم يجمع بإحد ى تلك الألفاظ الثلاث التي تدل على التعدد، كما يجد القارئ في قوله تعالى:(ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ)[الطلاق: ] .فللثقل المستكره في جمع لفظة الأرض، لم ترد مجموعة في القرآن متى أريد التعدد .( ) أما الفرق المعنوي؛ فإنه إذا أريد التعبير عن السماء المحسوسة التي هي السقف، و قصد به ذاتها دون معنى الوصف جمعت جمع المؤنث السالم؛ لقلة عددها، وجمع المؤنث السالم بالقليل أولى؛ لقربه من التثنية القريبة من الواحد .( ) من شواهد ذلك قوله تعالى:(ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ )[البقرة :63]. وقوله:(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ )[البقرة :1]،وقوله:(ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ)[البقرة :3] ..وغيرها. فالسماوات أتت هنا "جمعاً "، وأريد بها السماء المحسوسة، فهو - جل وعلا -في هذه الآيات يلفت الأذهان قبل الأنظار إلى السماء الدنيا وما فوقها حتى يصل إلى السماء العليا؛ ليستشعر المتأمل سعة م لك الله - تعالى-، وكمال قدرته وعظمته وغناه، وبما أن هذا هو الحال، فهو المتصرف في هذا الكون على سعته كيف يشاء دون غيره،وهو المانع المعطي، المحيي المميت، الإله القادر المستحق وحده للعبادة . "وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودا بها معنى التحت والسفل، دون أن يقصد ذو اتها وأعدادها، وحيث جاءت مقصودا بها الذات والعدد، أتي بلفظ يدل على العدد، كقوله : (ﰈ ﰉ ﰊ)".(5) وثمة لطيفة معنوية أخرى لذلك؛ هي أن اللام في كلمة "الأرض" للجنس، فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها .( ) ( ) ينظر: بدائع الفوائد ( /3.) ( )ينظر: نتاج الفكر (5.) (5 )بدائع الفوائد( /3.) ( )ينظر: المحرر الوجيز (1/ .)

عدد الصفحات ١٢٠

114 ولعل في ذلك إشارة إلى أن "الأرض" لا نسبة لها بالنظر إلى السماوات بسعتها وعظمتها، بل هي بالنسبة للسماء كالواحد القليل، فلذا أُختير لها اسم الجنس.( ) وفي المقابل فإن في جمع "السماء" تفخيماً لها؛ لأن الجمع يقتضي التفخيم.( ) واللطيفة الثالثة أن "الأرض" هي دار الدنيا، التي هي بالإضافة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم، فما تعلق بها، هو مثال الدنيا من الآخرة، والله - سبحانه - لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها محقرا لشأنها . وأما السماوات فليست من الدنيا؛ إذ هي مقر ملائكة الرب - تعالى-، ومحل دار جزائه، ومهبط ملائكته ووحيه، فإذا أريد التعبير عنها أُتي بلفظ الجمع؛ إذ المقصود ذواتها، لا مجرد العلو والفوق.(5) فجاءت السماء مجموعة في قولهتعالى: (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ )[سورة الأنعام :5]، فإنها لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه - تبارك وتعالى- من معنى الإلهية؛ فالمعنى وهو الإله، وهو المعبود في كل واحدة من السماوات السبع، ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود، ف الإتيان بالكلمة ببناء الجمع هنا أبلغ وأحسن من التعبير لفظ الجنس الواحد؛ لمناسبتها المقام.( ) ونظير هذا جمعها في قوله:(ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ)[الأنبياء:1]. وكذلك جاءت مجموعة في قوله تعالى:(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ )[الإسراء : ] .والمعنى أن السماوات السبع والأرض، ومن فيهنّ من المؤمنين بالله - جل وعلا - من الملائكة والإنس والجنّ، تنزه الله - أيها المشركون - عما وصفتموه به إعظاما له وإجلالا، وأنتم مع إنعامه عليكم، وجميل أياديه ( ) ينظر: بدائع الفوائد ( /3.) ( )ينظر تفسير القرآن العظيم ( /1.) (5 )ينظر: نتاج الفكر ( ،)، و: بدائع الفوائد ( /3.) ( )ينظر: بدائع الفوائد ( /3.)

عدد الصفحات ١٢١

115 عندكم، تف ون عليه بما ت َفْترَون !( ). فهو - جل وعلا - يخبر بأنها تسبح له بذواتها على اختلاف عددها، وأُكِّد هذا المعنى بوصفها بالعدد، ولم يقتصر التعبير على السماوات فقط بل قال "السبع".( ) كما جمعت في استفتاح المسبحات؛ قال تعالى:(ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ )[الحديد: ] .وقال:(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) [الحشر: ] .وقالسبحانه:(ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ) [الصف: ] . وقال:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ )[الجمعة: ] .وقال سبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [التغابن: ] . ففي هذه السور جميعاُ لما كان المراد الإخبار عن تنزيهه - جل وعلا - ممن في السماوات كلها والأرض على كثرتهم، وتباين مراتبهم، كان الجمع أبلغ .(5) ففي النظم القرآني يُؤتى بلفظ"السماوات" حيث يراد المقابلة بينها وبين الأرض، لا من حيث الوضع علواً وسفلاً، إنما من حيث البناء التركيبي لكل منهما، وأن السماوات عوالم متعددة، والأرض أشبه بالمفرد بالنسبة للجمع، وإنهما إن اختلفتا اسماً، فقد اتفقتا صفة؛ بأنهما آيتان من آيات الله - تعالى - الدالة على قدرته، وحكمته، وعظمته .( ) ففي المقام الذي يراد فيه عرض صفات أُلوهيته - جل وعلا -؛ من عظمة، وقدرته، وسعة ملك تجمع "السماوات"، وتفرد "الأرض"؛ ليكون في ذلك العرض ما يدعو للتأمل والنظر، وتوجيه البصائر والأبصار إلى ما وراء ذلك الأفق المحدود الذي يعيش فيه من لا يمدون أبصارهم إلى أكثر من مواقع أقدامهم.(3) ومن اللطائف البلاغية في النظم القرآني عند اقتران لفظي السماوات والأرض تقديم كلمة ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (3/ 33.) ( )ينظر: بدائع الفوائد ( /1.) (5 )ينظر: صفاء الكلمة ( ). ( ) ينظر:التفسير القرآني للقرآن ( /6.) (3 )ينظر: السابق ( /11.)

عدد الصفحات ١٢٢

116 السماوات - غالبا - على الأرض؛ ولعل ذلك لشرفها، وعلو مكانها؛ ( ) ولأنها على عظيم قدرة الله - تعالى - أدل. وبذلك يلتقي الاقتران مع الجمع والتقديم في الكشف عن عظمة السماوات، وشرفها، وعلو مكانتها. ( ) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( /513.)

عدد الصفحات ١٢٣

117 المطلب الثالث: اقتران الجمع بالجمع من صور الاقتران بين الألفاظ في النظم القرآني؛ اقتران اللفظين مجموعين . شاهد ذلك ما يجده القارئ من اقتران ذكر "جنات"ب "عيون" عند الحديث عن جزاء المتقين؛ قال تعالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ) [الحِجر:3] .وقال:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮜ ﮝ ﮞ )[الدخان:3 -3 ] .وقالجل وعلا:(ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [الذاريات :3]. كما اقترنتا عند الحديث عمَّا يتمتع به الكفار في هذه الدنيا. قال تعالى في شأن فرعون وقومه : (ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ )[الشعراء :33] .وقالتعالى: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ )[الدخان:3] .وعند احتجاج الأنبياء علىأقومهم؛ فهود-- احتج على قومه بما أنعم الله عليهم به من صنوف النعم التي من جملتها الجنات والعيون؛ قال تعالى: (ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ  ﯾ ﯿ ﰀ ﰂ ﰃ) [الشعراء :5 - 5 ] . وكذا فعل صا --مع قومه؛ قالتعالى:(ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ  ﮖ ﮗ ﮘ) [الشعراء :1- 3]. وقد كان اقترانهما في سبعة مواضع؛ فما سر اقتران "جنات"ب "عيون"؟ وما نكتة الإتيان بهما جمعاً؟. قبل الوقوف على سر ذلك الاقتران يحسن إيراد تعريف هاتين الكلمتين المقترنتين . في تعريف جنات جاء في لسان العرب : الجنات: جمع جنة؛ والجَنَّةُ البُسْتانُ . والعربُ تسمِّي النخيلَ جَنَّةً . ولا تكون الجَنَّة في كلام العرب إلا وفيها نخلع وعنبع، فإن لم يكن فيها ذلك، وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجَنَّةل . والجَنَّةُ هي دارُ النعيم في الدار الآخرة من الاجْتنان؛ وهو السَّترْ؛ لتَكاثُفِ أَشْجارِها، وتظليلها بالتِفافِ أَغصانهِا . وسميت بالجَنَّة وهي المرَّة الواحدة من مَصْدر جَنَّ ه جَنّاً إذا ست َرَه فكأَنها سترْةع واحدةع لشدَّةِ التِفافِها وإظْلالهِا.( ) أما العَينُْ : في َنْبُوع الماء الذي ي َنْبُع من الأَرض ويجري، والجمع أَعْينُع و عُيُونع .( ) ( ) ينظر: لسان العرب (مادة: جنن). ( ) ينظر: السابق، (مادة: عين).

عدد الصفحات ١٢٤

118 فإذا كان ا - تعالى - قد أنعم على عباده بالجنات في الدنيا، أو كانت جزاؤهم في الآخرة، فلعله من تمام المنة والفضل وجود المنابع المائية التي تروي تلك ا لبساتين بكل ما حوته من زرع ونخيل وأشجار، فتؤتي ثمارها بإذن ربها . يُضاف إلى ذلك اللذة الحاصلة برؤية تلك المنابع؛ وهي تتخلل البساتين بكل سلاسة وجمال؛ قال ابن عاشور: "أَكْمَلُ محََاسِنِ الجَْنَّاتِ جَرَيَانُ الْمِيَاهِ فيِ خِلاَلهَِا وَذَلِكَ شَيْءع اجْتَمَعَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَن ْفَسِ الْمَنَاظِرِ؛لأَِنَّ فيِ الْمَاءِ طَبِيعَةَ الحَْيَاةِ؛ وَلأَِنَّ النَّاظِرَ ي َرَى مَنْظَرًا بَدِيعًا وَشَيْئًا لَذِيذًا . وَأَوْدَعَ فيِ الن ُّفُوسِ حُبَّ ذَلِكَ ."( ) فلذا قرن بين الجنات والعيون بالذكر في الن ظم القرآني . وعليه فإنه إذا كان الحديث عن الجنة التي هي دار المتقين كان لذلك الاقتران أثره في نفس المتلقي؛ إذ تحرص النفس على اتقاء الله؛ رغبة في ذلك الجزاء . وأما إذا كان الحديث عن نعيم الكفار في الدنيا؛ فللتفكر والاعتبار؛ فما أهون أولئك الذين كانوا يرفلون في ذلك النعيم على الله - جل وعلا - حين كذبوا برسله، لم تنفعهم ملذات دنياهم، ولا جناتهم ولا عيونها، ولم تبقَ لهم، ولم يُعمّروا فيها. والسر البلاغي في جمع "جنات" التي هي جزاء المتقين؛ الدلالة على كثرتها، وتنوعها؛ إذ هي جنات متعددة؛ بدليل قوله تعالى:(ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ )[الرحمن :1]،ثم قال :(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ )[الرحمن :1 ]،فهذه أربع جنات .( ) وعنه- عليه الصلاة والسلام-: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ."(5) يُضاف إلى ذلك أنعها ناسب جمع "المتقين"( )، فيكون المعنى لكل واحد من هؤلاء المتقين جنة وعين، أو لكل واحد عدد من الجنات والعيون.(3) ويلتقي الجمع"جنات" مع التنكير في تفخيم جزاء المتقين؛ إضافة إلى ما يفيده التنكير من تنويع؛ فيترك المتلقي وخياله، يتخيل ما قد تشتمل عليه تل ك الجنات؛ من زروع، ونخيل ( ) التحرير والتنوير ( /53 .) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/5 3.) (5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،باب قوله :(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ)، ص6 1، حديث رقم (131.) ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( / ). (3 )ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( /535.)

عدد الصفحات ١٢٥

119 بجميع أنواعها، وأشجار بشتى ثمارها ما كان له نظير في الدنيا، ولم يكن له نظير، مما لم ترَ الع مثله، ولم تسمع الأذن به، ولم يخطر على قلب بشر .( ) ففي جمع "جنات" وتنكيرها ترغيبع في ذلك النعيم المُعد لمن أتقى. وفي المقابل جمعت "عيون"؛ لكثرتها، فتقابل هذه الكثرة كثرة الجنات، وكثرة أهلها وربما جمعت - أيضاً – لتنوعها؛ فالله تعالى قال:(ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ)[محمد:3] .ويحتمل أن تكون هذه العيون مغايرة لتلك الأنهار الك بيرة.( ) ومن اللطائف البلاغية في شواهد اقتران "جنات وعيون"، أنه أُتي في النظم القرآني بحرف الجر "في"؛ قال تعالى:(ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ)[الحِجر:3] .وقال:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮜ ﮝ ﮞ)[الدخان:3 -3 ] .وقالجل وعلا:(ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [الذاريات:3]. ولعل السر في هذا؛ الاعتناء بشأن هؤ ء المتقين؛ إذ في الظرفية دلالة على الاستقرار والتمكن،(5) فهم مستقر ون خالدو ن في ذلك النعيم الذي لا يحيط به الفكر، يتقلبون فيه بسلام آمنين. أما السر البلاغي في جمع كلمة "جنات" الدنيوية؛ فهو -أيضاً - الدلالة على كثرتها، ففي قوله _سبحانهتعالى _في شأن فرعون وقومه:(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ )[الدخان:3] .جاء في تفسير ابن كثير : "كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعًا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج ...متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وك انت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ( ) ينظر: تفسير السعدي ( /161.) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/5 1.) (5 )ينظر: البحر المحيط (3/ 11.)

عدد الصفحات ١٢٦

120 ذراعًا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها."( ) وللدلالة على الكثرة - أيضاً – جمعت كلمة "عيون"، ذكر ابن كثير في تفسيره : "نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَهُ له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره ."( ) وتآزر مع جمع كلمتي "جنات وعيون" في الدلالة على كثيرة جناتهم وعيونها وتنوعها؛ التعبير ب "كم" الخبر ية؛ التي تدل على التكثير، والمعنى: ما أكثر ما تركوا من جنات وعيون .(5) ( )تفسير القرآن العظيم (3/ 35.) ( )السابق، نفسها. (5 )ينظر: الجامع لأحكام القرآن (1/15)

عدد الصفحات ١٢٧

121 اقتران الجمع بالصفة: المطلب الرابع من شواهد اقتران الجمع بالصفة اقتران "الجنة"- التي وعد الله - تعالى - عباده المتقين - بصفة جريان الأنهار من تحتها، وكان ذلك في ثمانية وعشرين موضعاً منها: قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)[البقرة :3] . وقال سبحانه:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ) [آل عمران:3]. وقال سبحانه :(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ)[آل عمران :51]...وغيرها. و"جنات"؛ هي البساتين.( ) و(تجَْرِي): "من الجري، وهو إسراع حركة الشيء ودوامها "( ) والمراد بقوله تعالى:(ﭚ ﭛ)؛ أي من أسفلها؛ إذ التحت اسم لجهة المكان الأسفل، وهو ضد الأعلى. فكل مكان له علو وسفل، ولا يقتضي ذلك ارتفاع ما أضيف إليه التحت على التحت، بل غاية مدلوله أنه بجهة سفلة؛ قال تعالى حكاية عن فرعون :(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ)[الزُّخرُف:3 ](5). والمع أن الماء جارل تحت أشجارها وغروسها، لا أنه جارل تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض، فلا حظَّ فيه لعيون منْ فَوقه إلا بكشف الساتر بينها وبينه.( ) ( ) ينظر: لسان العرب (مادة/ جنن). ( ) نظم الدرر ( /1 - 1 ) (5 )ينظر: التحرير والتنوير ( /63) ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /51 .)

عدد الصفحات ١٢٨