58 فإذا كان اقترانهما على سبيل الحقيقة؛ فالسر البلاغي في اقترانهما التشريف؛ بيان ذلك كما قال الطبري: "لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيٌّ كريم."( ) فالرزق الذي أُعد للذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوْا رسول الله - - ومن هاجر معه ونصروهم، ونصروا دين الله.. وُصف بالكرم لشرفه؛ إذ مآله مغاير لرزق الدنيا؛ فهو كريم محمود؛ "لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا، ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك."( ) وأما إذا كان اقترانهما من قبيل المجاز؛ فالسر في اقترانهما المبالغة في كثرة هذا الرزق، وعدم انقطاعه، إذ هو رزق من أكرم الأكرمين، جزل العطاء، الذي لا ينفد عطاؤه (5)، وهو مجاز عقلي؛ وعليه فإن معنى كون الرزق كريماً؛ أن رازقه كريم.( ) و"الكَريم: من صفات الله وأَسمائه، وهو الكثير الخير الجَوادُ المُعطِي الذي لا ي َن ْفَدُ عَطاؤه، وهو الكريم المطلق. والكَريم. اسم جامع لكل ما يحُْمَد، فالله - -كريم حميد الفِعال ورب العرش الكريم العظيم."(3) كما جاء في الحديث القدسي الصحيح: "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قا موا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ."(1) لذا كان دلالة هذا الاقتران المبالغة في كثرة الرزق وعدم انقطاعه؛ لكونه من الرزاق الكريم . وجمع للمؤمنين في النظم القرآني بين المغفرة والرزق الكريم، إلا أنه ميز الرزق بالوصف بقوله : "كريم"، ولم يصف المغفرة؛ والنكتة في ذلك - والله أعلم - "المغفرة واحدة هي للمؤمنين، والرزق منه شجرة الزقوم والحميم، ومنه الفواكه والشراب الطهور، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها ."(3) ( )جامع البيانفي تأويل القرآن ( /11.) ( )السابق، نفسها. (5 )ينظر: روح المعاني (3/ 3.) ( )ينظر: السابق، نفسها. (3 )لسان العرب (مادة: كرم ). (1 )أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب : البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (515/ 333) (3 )تفسير الفخر الرازي (3/ 5.)
عدد الصفحات ٦٥59 والسر البغي في اقتران"رِزْقع " ب "كَرِيمع " في بقية الشواهد مثل ما ذُكر في الشاهد السابق والله تعالى أعلم.
عدد الصفحات ٦٦60 2- اقتران النكرة بالعطف وقد تقترن النكرة المفردة بأخرى مثلها عن طريق العطف؛ من ذلك : 1- اقتران" هُدًى وَرَحْمَةً ": اقترنت كلمة "رحمة " ب "هدى" في ثلاثة عشر موضعاً في النظم القرآني؛ والمتأمل في ذلك يجد ذكرهما يرد عند الحديث عن التوراة، وعن القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ) [الأنعام:3 ]. وقولهتعالى:(ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ)[الأنعام:33]. وقوله:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ)[الأعراف:3 ]. في مع"هدى" جاء في مقاييس اللغة: الهاء والدال والحرف المعتلّ : التقدُّمُ للإرشاد. ويتشعب هذا فيقال:الهدى خِلافُ الضَّلالة . تقول: هَدَيته هدى.( ) وجاء فيه في معنى "الرحمة ": "الراء والحاء والميم أصلع واحدع يدلُّ على الرّقّة والعطف والرأفة . يقال من ذلك رَحمَِه ي َرْحمَُه، إذا رَقَّ له وتعطَّفَ عليه ."( ) لكن ما سر اقتران "هدى"و"رحمة " في سياق الحديث عن القرآن ؟ الإجابة عن هذا السؤال تبرز من خلال الوقفة مع بعض من شواهد هذا الاقتران: قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ )[الأعراف:3 ] . يقسم- سبحانه - في هذه الآية بأنه أنزل القرآن، مفصَّلا مبي َّنًا فيه الحق من الباطل على علم منه - جل وعلا - بحقِّ ما فُصِّل فيه، من الباطل الذي مَيَّز فيه بينه وبين الحق . "هدى ورحمة "، ( ) ينظر: مقاييس اللغة (مادة: هدى). ( ) السابق (مادة: رحم ).
عدد الصفحات ٦٧61 أي بيناه لي ُهْدَى وي ُرْحَم به قومع يصدقون به، وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى.( ) والنكتة البلاغية التي تظهر في اقتران الهدى بالرحمة؛ هي تعظيم شأن القرآن الكريم وإبراز صفات كماله؛ إذ هو هدى من خالق هذا الكون يهدي البشرية - بأمر الله تعالى - إلى الطريق المستقيم، الذي لا يضل من سلكه أبدا. وهو - أيضاً - رحمة؛ رحمة في الدارين لمن اتبع هداه؛ فقد تكفل - جل وعلا - لمن اتبع هداه؛ بأنه لن يضل، ولن يشقى، ولعل من أبرز تجليات تلك الرحمة في الدنيا تلك السكينة والطمأنينة التي تستقر في قلب المهتدي . وهذان الوصفان ثابتان للقرآن الكريم ملازمان له . وفي تعظيم شأن القرآن الكريم، ووصفه بهذين الوصفين؛ ترغيب في الإقبال عليه، والعمل بما جاء فيه. ويلحظ أن وصف الكتاب بالمصدر "هدى"، و "رحمة " قد آزر الاقتران في أداء المعنى السابق؛ إذ في هذا الوصف "إشارة إلى قوة هد يه الناس وجلب الرحمة لهم ."( ) فالقرآن الكريم كأنه هو هو الهدى والرحمة، فمن أراد الهدى والرحمة، فعليه بالقرآن الكريم فهو مصدرهما، ومنه تنبثق الهدايات، والرحمات أجمع . ومما آزر الاقتران في أداء المعنى السابق تأكيد الفعل في قوله:( ﭑ ﭒ ﭓ)، "وتأكيد هذا الفعل بلا م القسم و (قد) إما باعتبار صفة (كتاب) وهي جملة (ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ)، فيكون التأكيد جاريا على مقتضى الظاهر؛ لأن المشركين ينكرون أن يكون القرآن موصوفا بتلك الأوصاف. وإما تأكيد لفعل (ﭒ ﭓ ) وهو بلوغ الكتاب إليهم، فيكون التأكيد خارجا على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل المبلغ إل يهم منزلة من ينكر بلوغ الكتاب إليهم؛ لأنهم في إعراضهم عن النظر والتدبر في شانه بمنزلة من لم يبلغه الكتاب ."(5) أيضا"تنكير "كِتَابل "، وهو معروف قصد به تعظيم الكتاب."( ) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /33.) ( )التحرير والتنوير (1/ 35.) (5 )السابق،(1/ 3 .) ( )السابق، نفسها.
عدد الصفحات ٦٨62 وكما وصُف القرآن بأنه هدى ورحمة، وصفت التوراة بذلك، قال اتعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) [الأنعام:3 ]. مناسبة الآية لما قبلها أن ا– تعالى - لما أخبر عن الإسلام بقوله :(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ )، عطف بمدح التوراة ورسولها، والمعنى آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملا جامعا لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، وقوله:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ) فيه مَدْحع لكتابه الذي أنزله الله عليه.( ) "ومناسبة هذا الانتقال:...إن المشركين لما كذبوا دعوة الإسلام، ذكّرهم الله بأنه آتى موسى - - الكتاب كما اشتهر بينهم ..:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ) [انعام:1 ] الآية في هذه السورة؛ لينتقل إلى ذكر القرآن والتحريض على اتباعه فيكون التذكير بكتاب موسى - - تمهيدا لذلك الغرض."( ) وكما يُلحظ فقد جيء في النظم القرآني بمدح التوراة بعدة صفات؛ هي: "تمََامًا"؛ "ووصف التوراة بالتمام مبالغة في معنى المتم ."(5) "والتمام الكمال أي كان ذلك الكتاب كمالا لما في بني إسرائيل من الصلاح، الذي هو بقية مما تلقوه عن أسلافهم : من صلاح إبراهيم، وما كان عليه إسحاق، ويعقوب، والأسباط - عليهم السلام - فكانت التوراة مكملة لصلاحهم، ومزيلة لما اعتراهم من الفساد، وأن إزالة الفساد تكملة لل صلاح."( ) و"ت َفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءل "؛ التفصيل بمعنى التبيين و"(كل شيء) مراد به أعظم الأشياء أي المهمات المحتاج إلى بيان أحكامها في أحوال الدين. فتكون (كل) مستعملة في معنى الكثرة، كما في قوله تعالى:(ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ)[البقرة :3] .أو معنى العظيم من الأشياء كأنه جمع الأشياء كلها .(3) ( )ينظر: تفسير القرآن العظيم (5/511.) ( )التحرير والتنوير (1/ 31.) (5 )السابق، نفسها. ( ) السابق، نفسها. (3) السابق، نفسها وما بعدها.
عدد الصفحات ٦٩63 وختمت تلك الصفات ب "هُدًى وَرَحمَْةً "، وكان كل ذلك - كما قيل سابقا- تمهيدا لتحريض المخاطبين على اتباع القرآن الكريم . فالذي آتى موسى-- ذاك الكتاب الموصوف بتلك الصفات العظيمة، أنزل على محمد - عليه الصلاة والسلام- القرآن الك ريم بصفاته العظيمة-أيضاً -، فبعد هذه الآية قال تعالى:(ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ) [الأنعام:33- 33]. وقد زيد على ما سبق ذِكره أوصاف للقرآن الكريم لترغيب الكفار باتباعه؛ ف َوُصِفَ القرآن بأنه "مبارك "، وبأنه "مُنزّل من الله"، وبأنه "بينة"، و"هدى" و"رحمة "؛ "والبينة ما به البيان وظهور الحق؛ فالقرآن بينة على أنه من عند الله لإعجازه بلغاء العرب، وهو هدي بما اشتمل عليه من الإرشاد إلى طريق الخير، وهو رحمة بما جاء به من ش ريعة سمحة لا حرج فيها؛ فهي مقيمة لصلاح الأمة مع التيسير. وهذا من أعجب التشريع، وهو أدل على أنه من أمر العليم بكل شيء."( ) فالسر البلاغي في اقتران "هدى" و"رحمة " هنا - والله أعلم -؛ ترغيب المتلقي في اتباع القرآن الكريم . ( ) التحرير والتنوير (1/ 1 .)
عدد الصفحات ٧٠64 :"مَّغْفِرَة وَأَجْر"اقتران -2 ومن اقتران النكرتين عن طريق العطف؛ اقتران المغفرة بالأجر، فقد قرنت المغفرة بالأجر في ثمانية مواضع في النظم القرآني؛ من ذلك قوله تعالى:(ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ)[المائدة:1] . وقولهسبحانه: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) [هود: ]. وقولهجل وعلا: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [الأحزاب :53]. مع"مغفرة ": أَصل الغَفْرِ التغطية والستر . يقال: غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها وعفا عنها؛ والغَفْر: الغُفْرانُ .( ) والأجر: الجزاء على العمل، والأجر الثواب؛ وقد أَجَرَه الله يأْجُرُه ويأْجِرُه أَجْراً وآجَرَه الله.( ) والمعنى: أنه - - وعد عباده المؤمنين، الذين عملوا الصالحات بمغفرة ذنوبهم؛ أي : ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها، ومع ذلك كله لهم - أيضا - "أجر" أي ثواب على أعمالهم التي عملوها.(5) ولعل النكتة البلاغة في اقتران الأجر هنا بالمغفرة؛ هي أن المرء يحتاج لهذين الأمرين معاً؛ زوال العقاب والخلاص منه؛وهو المراد من قوله سبحانه:( ﯟ ﯠ )، والثاني: الفوز بالثواب، ورفعة الدرجات وهو المراد من قوله :( ﯡ).( ) وفي اقترانهما ترغيب بالأخذ بالأسباب الموجبة لهما؛ فالإيمان بالله-- والعمل الصالح من أبرز دواعي المغفرة والأجر؛ كما قال تعالى:(ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [المائدة:1]. ( )ينظر: لسان العرب (مادة: غفر). ( ) ينظر: السابق (مادة: أجر). (5 )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (6/11.) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/3.)
عدد الصفحات ٧١65 والص-أيضاً - كما في قوله سبحانه: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [هود: ]. أيضا ما جاء في قوله تعالى: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ)[الأحزاب :53 ]. والمع"إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين والمصدقات رسول الله -- فيما أتاهم به من عند الله، والقانتين والقانتات لله، والمطيعين لله والمطيعات له فيما أمرهم ونهاهم، والصادقين لله فيما عاهدوه عليه والصادقات فيه، والصابرين لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه وحين البأس والصابرات، والخاشعة قلوبهم لله وجلا منه ومن عقابه والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات وهم المؤدون حقوق الله من أموالهم والمؤديات، والصائمين شهر رمضان الذي فرض الله صومه عليهم والصائمات ذلك، والح افظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم والحافظات ذلك إلا على أزواجهن إن كن حرائر أو من ملكهن إن كن إماء، والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات، كذلك أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجرًا عظيمًا: يعني ثوابًا في الآخرة على ذلك من أعمالهم عظيمًا، وذلك الجنة."( ) وجملة "أَعَدَّ اللَّهُ لهَُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" خبر في المعنى عن كل واحد من المتعاطفات فكأنه قيل: إن المسلمين أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيم، إن المسلمات أعد الله لهن مغفرة وأجرا عظيما وهكذا.( ) و الأجر العظيم يصلح لأن يعطى لكل واحد ويقبل التفاوت، فيكون لكل من أصحاب ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (6/11.) ( )ينظر: التحرير والتنوير ( /3 )وسبب هذا التوجيه بينه ابن عاشور بقوله :"واعلم أن عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب : الفاء وثم شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتا لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف المشتق منها موصو فه؛ لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في الذات، فإذا قلت : وجدت فيهم الكريم والشجاع والشاعر كان المعنى : أنك وجدت فيهم ثلاثة أناس كل واحد منهم موصوف بصفة من المذكورات .. بخلاف العطف بالفاء كقوله تعالى :(ﭑ ﭒ ﭔ ﭕ ﭗ ﭘ ) فإن أوصاف المذكورة في تلك الآية ثابتة لموصوف واحد." التحرير والتنوير ( / ).
عدد الصفحات ٧٢66 تلك الأوصاف أجره على اتصافه به، ويكون أجر بعضهم أوفر من أجر بعضهم الآخر .( ) والنكتة البلاغية في اقترانهما هنا الترغيب بالتحلي بالصفات المذكورة في الآية . لنيل هذا الجزاء . وجيء بكلمة "مغفرة " نكرة، وذلك للتعظيم م ن شأنها؛ إذ هي مغفرة من الغفور الرحيم، والشخص الذي تناله سيصير مطهرا من الذنوب كلها، وبما أن الغفور قد عفا عنه ما كان، فهو - جل وعلا - سيسبغ عليه من وافر ستره. ونكرت كلمة "أجر"، وتنكيرها – أيضاً - للتعظيم، فبما أنه أجر من الله العظيم، فهو - أيضاً - أجر عظيم لا يحُيط به الوصف . ويلحظ أن التنكير هنا مع دلالته على التعظيم، فإنه يفيد التكثير، فالأجر الذي من الله بعظمته، وجلال قدره، وكرمه لا يعرف مداه . وذلك لما قيل لترغيب العبادة بالأسباب الموجبة لهما . ومن اللطائف البلاغية في النظم القرآني عند اقتران الأجر با لمغفرة؛ تقديم المغفرة على الأجر، ولعل سر ذلك -كما ذكر ابن عاشور- هو بث الطمأنينة في القلوب، لأن النفس تخشى المؤاخذة على ما كان، ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم، فكان الكلام جاريا على تقديم دفع الضر على جلب النفع، أو تقديم التخلية على التحلية .( ) ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( /3 ). ( )ينظر: السابق (1/ 1.)
عدد الصفحات ٧٣67 3- اقتران"خَوْفًا وَطَمَعًا": اقترن ذكر الخوف بالطمع في القرآن الكريم في أربعة مواضع؛ من ذلك قوله تعالى: (ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ) [الأعراف:31]. وقولهسبحانه:(ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ) [الرعد : ]. وقولهجل وعلا:(ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) [الروم: ]. معنى الخوف في اللغة: "الخاء والواو والفاء أصلع واحد يدلُّ على الذُّعْرِ والفزَع ."( ) والطمع:"الطاء والميم والعين أصلع واحدع صحيح يدلُّ على رجاءل في القلبِ قويٍّ للشَّيء."( ) وفي معناهما جاء في المفردات :"الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة ."(5) وكان اقترانهما في النظم القرآني في سياقين مختلف : الأول: سياقُ التعبدِ لله - - بالدعاء، كما قال تعالى:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ )[الأعراف:31] .وقال سبحانه:(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) [السجدة:1] . الثا: سياق الحديث عن آيات الله - جل وعلا - في الكون؛ وذلك عند رؤية البرق؛ قال سبحانه: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [الرعد : ] .وقال سبحانه:(ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ)[الروم: ]. ( )مقاييس اللغة(مادة: خوف). ( ) السابق (مادة: طمع). (5 )المفردات (مادة: خوف).
عدد الصفحات ٧٤68 ومعنى أن يُدعى ا-- خوفا وطمعا؛أي أن يكون في قلب الداعي خوف من عقابه - جل وعلا -، وطمع في ثوابه.( ) طمع في قبول دعواته وأعماله، وخوف من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهل .( ) والذي يضاد الخوف هنا الأمن(5)،كما جاء في الحديث القدسي: "يقول الله :وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة."( ) واقتران هذين الأمرين "الخوف والطمع" في مقام الدعاء؛ جعل الآيتين تشتملان على جميع مقامات الإيمان والإحسان؛ وهي الحب والخوف والرجاء .(3) فالسر البلاغي في اقترانهما؛ الدلالة على أهمية الجمع بين الخوف والطمع حال الدعاء خاصة، والعبادات عامة؛ إذ القلب حال سيره في طريق الاستقامة كالطائر، رأسه المحبة، والخوف والرجاء هما كالجناحين له ، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كث ير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء .(1) فمدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما؛ لذا قُرنا النظم القرآني في غير موضع .(3) والسر البلاغي لاقتران الخوف والطمع، في السياق الثاني؛ وهو عند رؤية البرق الذي هو آية من آيات الله - جل وعلا -؛ هو- والله أعلم - الدلالة على كمال قدرة الله؛ فهذان الأمران الخوف والطمع فلا يجتمعان معا عند رؤية البرق في شخص واحد؛ فعند لمعان البرق يخاف الإنسان وقوع الصواعق، ويطمع في الوقت ذاته في نزول الغيث . وقد يجتمعان عند رؤية البرق، لكنهما يفترقان بين الخلق؛ فالمطر يخافه من له فيه ضرر كالمسافر؛ يخاف أذاه ومشقته، ويطمع ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /13.) ( )ينظر: تيسير الكريم المنان( /1 .) (5) ينظر: السابق ( /1 .) ( )أورده الألباني في صحيح الترغيب، كتاب : التوبة والزهد، 1- باب: الترغيب في الخوف وفضله، ( /5531/5 1)، وفي السلسلة الصحيحة (1/553 / 111.) (3 )ينظر: بدائع الفوائد (5/3 1.) (1 )ينظر: المحرر الوجيز (5/3 .) (3 )ينظر: التبيان في أقسام القرآن (63.)
عدد الصفحات ٧٥69 فيه المقيم يرجو بركته ومنفعته . قد يكون الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر. وبالجملة فالمطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك ، إما بحسب المكان أو بحسب الز مان.( ) وفي ذلك دلالة على عظم قدرته - جل وعلا -، وبديع تصريفه في الكون والخلق، وذلك يثبت أنه - - هو وحده المستحق للعبادة دون سواه . ( ) ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/ 33)، و: أضواء البيان ( /5 .)
عدد الصفحات ٧٦70 المطلب الثاني: الاقتران في التعريف 1 /اقتران الأعلام أ - اقتران العلم بالعلم 1- اقتران"مُوسَى وَهَارُون": من صور الاقتران التي ظهرت في القرآن الكريم؛ اقتران العلم بعلم مثله؛ من ذلك اقتران "موسى"ب "هارون"- عليهما السلام -؛ من الشواهد على ذلك قوله تعالى:(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ)[الأنعام:1 ]. وقولهسبحانه:(ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ)[الأعراف: ]. وقولهجل وعلا:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ)[يونس:33]. و"هارون" شقيق موسى وقيل لأمه فقط.كان فصيحا، مات قبل موسى، وكانت ولادته قبل موسى بسنة.( ) واقترن "موسى"و"هارون" بهذه الصيغة: (مُّوسَى وَهَارُونَ ) في سبعة مواضع من الذكر الحكيم؛ وفي سياقات متنوعة، وهي على النحو التالي: - ذكر "موسى وهارون"- عليهما السلام- في سياق، يمتن فيه الله- - على نبيه"إبراهيم "- عليه الصلاة والسلام- بما آتاه جزاء طاعته، وإخلاصه توحيد ربه، ومفارقته دين قومه المشركين بالله بأن رفع درجته في عليين، وآتاه أجره في الدنيا، ووهب له أولادًا اختصهم بالنبوّة، وذرية شرفهم بالكرامة، وفضلهم على العالمين ، وفي السياق نفسه يذكر - جل وعلا- أنه قد امتن على "نوح " بأن وفقه للحق والصواب من قبل "إبراهيم "و"إسحاق"و"يعقوب"، وهدى-أيضاً - من ذرّية "نوح "، "داود" و"سليمان،" و"أيوب"، و"يوسف"، و"موسى"، هو موسى بن عمران، ( ) ينظر: معترك الأقران (5/ .)
عدد الصفحات ٧٧71 و"هارون"، أخو "موسى".( ) وسبب اقترانهما - عليهما السلام - بالذكر في هذا المقام - كما يظهر -؛ هو تلازمهما بالبعثة زمانا؛ فكلاهما مبعوث من الله -تعالى- لبني إسرائيل في زمن واحد . وارتباطهما -أيضاً - نسبا؛ فبينهما تلازم أُخوة. - اقترن ذكرهما معا في موضعين على لسان السحرة؛ عند ما عاينوا من عظيم قدرة الله - تعالى -، ما جعلهم يخرون سجَّدًا لربهم، يقولون : " آمنا برب العالمين "، الذي يملك الجنّ والإنس وجميع الأشياء، ويدبر ذلك كله؛ هذا الرب "رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ".( ) ويبدو أن اقترانهما- عليهما السلام- بالذكر في هذا المقام؛ لارت باط"موسى وهارون"- عليهما السلام - في أذهان السحرة معا؛ لتوحد دعوتهما إليهم، فالرب الذي آمنوا به، هو الرب الذي نادى "موسى وهارون"- عليهما السلام -؛ بعبادته وحده لا شريك له بدليل أنهم قالوا : "آمنا برب العالمين "، بالتنصيص على كلمة "رب العالمين " التي قال بها موسى-- عندما عرض دعوته على فرعون قال تعالى: (ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ) [الأعراف:6 ]؛لم يكتفوا بذلك، بل أردفوها بما يُبينِّ ماهية الرب الذي آمنوا به "رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ "، ويزيلوا ما قد يرد من لبس لدى من يسمعهم (5)؛ لأن فرعون كما حكى عنه تعالى كان يقول:( ﭹ ﭺ ﭻ)[النازعات : ]. 5- أما بقية المواضع فورد ذكرهما معا في سياق ذُكرت فيه قصة بعثتهما لفرعون. ولعل اقترانهما - عليهما السلام - بالذكر في هذا المقام؛ لكون موسى -- عندما بعثه ا -- لفرعون، طلب من الله أن يشد أزره بأخيه هارون؛ كما قال تعالى:(ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯯ ﯰ ﯲ ﯳ ﯴ ﯶ ﯷ ﯸ)[طه:1-5 ]. وقد أعُطِي موسى - - سُؤله؛ قالسبحانه:(ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ )[طه:51] .وقال- سبحانه - في موضع آخر:(ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ) [الفرقان :53] . ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /363)، وما بعدها. ( ) ينظر: السابق (5/5 .) (5) التحرير والتنوير (1/35.)
عدد الصفحات ٧٨72 فلكون هارون شريك اً لموسى - عليهما السلام - في الدعوة قُرن بينهما في الذكر عند الحديث عن قصة إرسال موسى - - لبني إسرائيل .
عدد الصفحات ٧٩73 2- اقتران"إِبـْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل": ومما اقترن - أيضاً - من الأعلام في النظم القرآني عن طريق العطف بالواو؛ "إبراهيم وإسماعيل" - عليهما الصلاة والسلام -؛ وذلك في ستة مواضع من القرآن الكريم؛ من ذلك قوله تعالى:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ)[البقرة :3]. وقولهجل وعلا:(ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ) [البقرة :55]. وقولهسبحانه:(ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ)[البقرة :51]. فما السبب في هذا الاقتران؟ الذي يظهر أن اقترانهما بسبب علاقة الأبوة، والتلازم - كما هو شائع - بين الأب وابنه مما يدعو إلى الاقتران بينهما في الذكر . وقد يجمع بينهما – أعني "إِب ْرَاهِيم وَإِسمَْاعِيل" - في سياقات مختلفة؛ لغرض بلاغي يكشف عنه السياق الذي وردا فيه؛ من ذلك - مثلا - ما جاء في قوله تعالى:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ)[البقرة :3]. قال الطبري في تأويله لقولهتعالى:(ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ) [البقرة : ]. "قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات، فأ تمهن.
عدد الصفحات ٨٠