المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بلاغة الاقتران في القرآن الكريم

مريم بنت سليمان بن عبيد الله العبيد

صفحة ٣ من ٢٦

26 المطلب الثالث اقــتــران فُـعــلان بـفـعـيـل من الصيغ المقترنة أيضا في النظم القرآني اقتران صيغة فُعلان بفعيل؛ من ذلك اقتران كلمة "سلطان" ب "مبين"،كما في قوله تعالى:(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [هود:11] . وقولهجل وعلا :(ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [إبراهيم :6] . وقولهتعالى:(ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)[المؤمنون:3]. السلطان: الحُجَّةُ والب ُرْهان، ولا تجمع لأَن مجراها مجَْرى المصدرِ .( ) و المبين: بانَ الشيءُ بَياناً : اتَّضَح، فهو ب َينِّع، وكذلك أَبانَ الشيءُ فهو مبين( ) وقد اقترنت هاتان الكلمتان في النظم القرآني في اثني عشر موضعا؛ نصفها في شأن موسى -  -، من ذلك- إضافة لما ذُكر- قوله - جل وعلا -:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ )[الدخان:1] .وقالسبحانه:(ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) [الذاريات :51]. وذكر المفسرون أن المراد بالسلطان المبين الذي آتاه الله -  - موسى- -؛ الحجة البينة؛ التي تبين عن صدقه، وحقيقة نبوّته، وما يدعو إليه من عبادة الله وتوحيده -- وتلك الحجة هي: الآيات البينات التي آتاه الله إياها.(5) وا- جل وعلا - أعطى موسى تسع آيات بينات؛ كما قال تعالى:(ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ )[الإسراء :6 ] .وتلك الآيات؛ هي العصا ، واليد، والطوفان، والجراد ، والقمل، والضفادع ، والدم، ونقص من الثمرات والأنفس . ومنهم من ترك ( ) ينظر: لسان العرب (مادة: سلط). ( ) ينظر: السابق، (مادة: بين). (5 )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/516)، و: أيسر التفاسير (5/5 .)

عدد الصفحات ٣٣

27 نقص الثمرات والأنفس ، وجعل مكانه إظلال الجبل وفلق البحر.( ) والعصا من الآيات العظيمة التي جاء بها موسى، وهي عصاه التي كان يستعملها ويتوكأ عليها عند الحاجة، ويهش بها على غنمه عند رعيها، وله فيها مآرب أخرى، كما قال هو - - لما سأله ا - تعالى-:(ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ )[طه:3- 1] .فهي آية في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعب اناً مبيناً، أي:حية عظيمة تخيف من رآها، ولهذا رهب منها موسى - - حين ألقاها وولى هارباً، كما قال تعالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ) [النمل:1]، فناداه ا- -: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [النمل:6].( ) فعند الحديث عن إرسال موسى - - إلى فرعون ترد في النظم القرآ ني كلمة "سلطان" مقترنة ب "مبين"، ولعل السر البلاغي في هذا الاقتران؛ هو إفحام فرعون وحمله على الإذعان للحق الذي جاء به موسى - - ؛ بيان ذلك: أن فرعون رجل متكبر طاغية، فهو الذي حُكي عنه قوله :(ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [النازعات : ]، وأيضا قوله:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [القصص:51]. إضافة إلى ما عُرف به قومه من براعة في السحر. فرجل كهذا وقوم كهؤلاء كان لابد من إفحامهم بآية -أو آيات- لا نظير لها، فكانت العصا وما تلاها من معجزات . لذا جاء وصفها بسلطان مبين، والسلطان من أسماء الحجة قال تعالى: (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ )[يونس:11]،وهي تلجئ المحجوج على الإقرار لمن يحاجه؛ فهي كالمتسلط على نفسه. ( ) ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/3 .) ( )ينظر: تفسير القرآن الكريم الحجرات إلى الحديد (3 .)

عدد الصفحات ٣٤

28 والمعجزة : حجة عظيمة ولذلك وصف السلطان ب (مبين) أي واضح الدلالة لا ريب فيه . فهي معجزات ظاهرة في نفسه ا منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة، فكان فيها دلالة واضحة على صدق نبوته، ووعده، وعيده.( ) وفي بعض الشواهد كان يقترن ذكر الآيات ب "سلطان مبين"؛ من ذلك قوله تعالى: (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ )[هود:11]، وقوله سبحانه:(ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)[المؤمنون:3]، وذكر الرازي في الجمع بينهما وجه : "الأول: أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام ، ومن السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة والتقدير : ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة . الثاني: أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله :( ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ) [يونس:11] وقوله: (ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ)[النجم:5]".( ) وقد يكون في الكلام إطناب بعطف الخاص على العام؛ فالعام"آيَاتِنَا"، والخاص "سُلْطَانل مُّبِينل "؛ فموسى أرسله الله - تعالى- بالتوراة وهي آيات فيها هدى ونور لمن اتبعها كما قال تعالى: (ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ) [المائدة: ] .ومن الآيات المعجزات كما قال تعالى:(ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ) [الإسراء :6 ] .وقال:(ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [النمل: ]. والسر البلاغي في هذا العطف؛ هو التنبيه على مزية الخاص وعظمته؛ فمن الآيات التي أُرسل بها موسى-- ما هو معجزة ظاهرة في نفسه ا، منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة ، ( ) ينظر: نظم الدرر (1/ 61.) ( )تفسير الفخر الرازي (1/3 .)

عدد الصفحات ٣٥

29 ألجأت فرعون ومن معه، على الإقرار بصدقه ؛ كالعصا التي خرَّ السحرة سجدا عندما ألقاها - - قالتعالى:(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ) [الأعراف:3]، ثم قال سبحانه:(ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭖ ﭗ ﭘ)[الأعراف:6- ] .والطوفان الذي جعل فرعون يؤمن؛ كما قال تعالى: (ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ)[يونس:16]. أما بقية المقامات التي وردت فيها كلمتا "سلطان مبين"، فهي - أيضاً - مقامات عظيمة، تستدعي سلطانا بينا لإثبات ما يُطلب إثباته؛ منها ما ورد في سياق الإنكار على من طعن في الذات الإلهية، فنسب لله -- ما نزه ذاته الشريفة عنه؛ بادعاء الولد --، كما قال -  -:(ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ  ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ  ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ  ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ  ﭖﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ)[الصافات:1- 33 ]. قال الرازي في تفسير ه: "إن قريشاً وأجناس العرب؛ جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله ."( ) وقد تآزت الآيات هنا لإنكار ما ادعاه هؤلاء؛ ف كلامهم "يشتمل على أمرين ؛ أحدهما: إثبات البنات لله ، وذلك باطل؛ لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق . والثاني: إثبات أن الملائكة إناث، وهذا - أيضاً - باطل؛ لأن طريق العلم إما الحس ، وإما الخبر، وإما النظر. أما الحس: فمفقود ههنا؛ لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله ا لملائكة؛ وهو المراد من قوله : (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯭ) . ( ) تفسير الفخر الرازي (1/ 13.)

عدد الصفحات ٣٦

30 وأما الخبر: فمنقود - أيضاً - لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً ، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون ، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله :(ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ)."( ) والنظر-أيضاً - مفقود؛ وبينّ ه الرازي بقوله: "أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل، فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم . وهذا هو المراد من قوله : (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ  ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ)."( ) ومعنى قوله: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ )؛ أي: "ألكم حجة تبين صحتها لمن سمعها بحقيقة ما تقولون؟."(5) "فثبت... أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته، لا الحس، ولا الخبر ، ولا النظر، فكان المصير إليه باطلاً قطعاً ."( ) فكما يظهر فإن الغرض من اقتران "سلطان مُّبِينع " في هذا السياق - والله أعلم -؛ تفنيد ما ادعاه المشركون في حق الله - تعالى -، فأمر عظيم كهذا الادعاء بحاجة إلى حجة عظيمة في غاية البيان؛ لتثبته، فإن لم يأتوا بها، فذا دليل قاطع على بطلان ما قالوه. وفيه – أيضاً - دلالة على "أن الدين لا يصح إلا بالدليل ."(3) وهكذا الشأن في بقية شواهد اقتران "سلطان مبين"؛ إذ ترد في مقامات عظيمة، تستدعي سلطانا بينا لإثبات ما يُطلب إثباته. ( ) تفسير الفخر الرازي (1/ 13.) ( )السابق، نفسها، وما بعدها. (5 )جامع البيان في تأويل القرآن ( /6.) ( )تفسير الفخر الرازي (1/ 13 )وما بعدها. (3 )السابق (1/ 11.)

عدد الصفحات ٣٧

31 المطلب الرابع اقــتــران فــعــول بـفـعـيـل مما اقترن في النظم القرآني على صيغة "فعول" و"فعيل"؛ كلمتا "رؤوف رحيم "؛ من ذلك قوله تعالى:(ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ) [البقرة :5] . وقولهسبحانه:(ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) [التوبة:3] . وقولهجل وعلا:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ) [التوبة:1]. وقد وردت هاتا ن الكلمتان تسع مرات في الذكر الحكيم، كلها كانت في شأن الله - سبحانه-، عدا موضع واحد كان عند الحديث عن صفات النبي محمد - عليه الصلاة والسلام-. معنى الرأفة : "الراء والهمزة والفاء كلمةع واحدة تدلُّ على رِقّة ورحمة ." ( )وفي لسان العرب : الرأفة؛ هي الرحمة، وقيل: أَشد الرحمة.( ) و في معنى " ﯙ ﯚ " في حق الله - تعالى - قال الطبري: "الرأفة " منه --؛ هي "أعلى مَعاني الرحمة، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، و لبعضهم في الآخرة."(5) "والرؤوف سبحانه هو الذي يتعطف على عباده المؤمنين بحفظ سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم في توحيده وطاعته وهذا من كمال الرأفة بالصادقين ."( ) ( ) مقاييس اللغة (مادة/رأف ). ( ) ينظر: لسان العرب (مادة/ رأف ). (5 )جامع البيان في تأويل القرآن (5/ 3 .) ( )أسماء الله الحس( /1- 1.)

عدد الصفحات ٣٨

32 ومع"رحيم " في اللغة: الرحمة؛ هي الرّقّة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه، يرحمه : إذا رَقَّ ل ه وتعطَّفَ عليه .( ) ومعناها في حق الله تعالى: "الرحيم ": ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا و الآخرة .( ) قال الزجاج : "والرحيم خاص في رحمته لعباده المؤمنين؛ بأن هداهم إلى الإيمان، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع."(5) وإذا نُظر إلى الكلمتين من جهة البناء، يجد الناظر أن"رؤوف" صيغة مبالغة من اسم الفاعل الرائف، وهو الموصوف بالرأفة ."( ) وكذا "رحيم " صيغة مبالغة من اسم الفاعل الراحم؛ فهو - سبحانه - الراحم برحمته .(3) وقد أكدت هذه الصيغة- صيغة المبالغة - كمال صفتي الرأفة والرحمة لله - تعالى -. ووردت "رؤوف رحيم " في مقامات ذُكرت فيها صور من رحمة الله - تعالى - ؛ من ذلك: إرسال رسوله محم د- عليه الصلاة والسلا -؛ ليخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان؛ كما قال -  -:(ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) [الحديد:1]. وفي مقام تعداد النعم التي سخَّرها - سبحانه - لعباده؛ قال - سبحانه -:(ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ  ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) [النحل:3 – 3 ]. أما السر في اقترانهما، فهو الدلالة- والله أعلم - على صفة ثالثة لله - تعالى -، هي سعة رحمته - جل وعلا -، مع ما فيها من عموم وخصوص، كما قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ( ) ينظر: مقاييس اللغة (مادة/رحم ). ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (5/ 3 .) (5 )تفسير أسماء الله الحس(1.) ( )أسماء الله الحسنى ( /1.) (3 )ينظر: بدائع الفوائد ( /1.)

عدد الصفحات ٣٩

33 ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ) [الأعراف:31]. ف"الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرَين لطاعة الله، ورسوله ."( ) وفي إثبات تلك الصفات لله - جل وعلا - دلالة على عظم شأنه -  -، وفي هذا إثبات لأحقيته بإفراد العبادة له وحده دون ما سواه . وقدمت في النظم القرآني كلمة "رؤوف" على "رحيم "؛ وذلك من تقديم الأبلغ على البليغ؛ إذ الرأفة : شدة الرحمة . فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة؛ بإسباغ جلائل النعم، ودفع جلا ئل النقم، ويرحمهم أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم. والمرحوم هنا برحمة الله - تعالى - إن كان من الثابتين على الدين سنجده يرحم مرتين؛ إذ رأفته - جل وعلا -؛ تكون للثابتين على الدين والرحمة لمن قارب الزيغ – هذا مما قيل في توجيههما -، فيصير الثابت على الدين مرحوماً مرتين؛ لأنه منظور إليه بالصفتين .( ) وقد يكون - أيضاً - من باب درء المفسدة قبل جلب المصلحة؛ من كون أن الرأفة : إزالة الضر، والرحمة : إيصال النفع - كما قيل في التفريق بينهما -.(5) وفي ذلك ترغيب العباد في الإقبال على الله؛ إذ الله الرب المعبود شد يد الرحمة، يقبل التوبة من عباده، ثم هو رحيم لا يضيع أجر عامل منهم من ذكر أو أنثى . ومن سياقات اقتران "رؤوف رحيم " سياق التذكير بأعظم منن الله - تعالى - على العرب، وأجزلها؛ ألا وهي أنه بعث لهم رسولا من أنفسهم، "أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم،  :(ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ) [البقرة :1]،"( ) قال تعالى:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ)[التوبة:1]. ( )تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( / ). ( ) ينظر: نظم الدرر ( /1.) (5 )ينظر: السابق. ( ) تفسير القرآن العظيم ( / ).

عدد الصفحات ٤٠

34 جاء في تفسير القرط : "لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد -  -، فإنه قال:(ﯘ ﯙ ﯚ )."( ) لكن اتصاف المخلوق بها يختلف عن الخالق؛ فهو جل وعلا:( ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ) [الشورى : ]. ولعل اقتران الرأفة والرحمة هنا ومجيئهما بصيغة المبالغة؛ لتأكد شدة رحمته - عليه الصلاة والسلام- بالمؤمنين، وفي ذلك تزكية له - عليه الصلاة والسلام - وتعظيم لشأنه، وفيه -أيضاً - استمالة القلوب لقبول دعوته، وفيه تثبت لمن آمن به. ومما يدل على ذلك أن هذه الآية خاتمة سورة التوبة؛ قال تعالى:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) [التوبة:1- 1]. و"كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب وأمرا للمؤمنين بالجهاد وإنحاء على المقصرين في شأنه . وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصرو ا واتبعوا الرسول في ساعة العسرة فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد -  - والتنويه بصفاته الجامعة للكمال. ومن أخصها حرصه على هداهم، ورغبته في إيمانهم ، ودخولهم في جامعة الإسلام؛ ليكون رؤوفا رحيما بهم ؛ ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم. وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله - تعالى - مقارنة لبعثة رسوله -- بقوله: (ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ)[الأنبياء:63]؛ بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة ، وعوملوا بالغلظة، تعقيبا للشدة بالرفق ، وللغلظة بالرحمة وكذلك عادة القرآن . فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها."( ) ( ) تفسير القرطبي (1/56 .)ومن أسمائه تعالى ما يسمي به غيره، كرحيم وحليم و منها ما لا يسمي به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ...ونحو ذلك ينظر في هذا: تفسير القرآن العظيم ( /1.) ( ) التحرير والتنوير ( /36.)

عدد الصفحات ٤١

35 ومما ساند الاقتران في إثبات المعنى؛ تقديم المتعلق على عامليه في قوله :(ﯘ ﯙ ﯚ )؛ والسر البلاغي فيه - والله أعلم - "للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم ."( ) فهو - عليه الصلاة والسلام - شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، وهو أرحم بهم من والديهم؛ ولذا قُدم حقه على حقوق سائر الخلق.( ) "وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى:(ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ) [الأنبياء:63]؛ فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم ولا يقال : بهم رؤوف رحيم ."(5) "والرؤوف: الشديد الرأفة . والرحيم : الشديد الرحمة ؛ لأنهما صيغتا مبالغة."( ) فالتعبير عن رأفته ورحمته - عليه الصلاة والسلام - بصيغة المبالغة؛ للإشعار ببلوغهما غاية الكمال في حقه - عليه الصلاة والسلام -، و لتأكيد اتصافه - عليه الصلاة والسلام - بغاية الشفقة على المؤمنين - والله أعلم -. ( ) التحرير والتنوير ( /35.) ( )ينظر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ( /1.) (5) التحرير والتنوير ( /35). ( ) السابق، نفسها.

عدد الصفحات ٤٢

36 المطلب الخامس اقــتــران فِــعَــال بـفـعـيـل اقترنت صيغة فِعَال بفعيل في النظم القرآني؛ وذلك من خلال تلازم كلمة "شِقَاق " و"بَعِيد"، ظهر ذلك في المواضع الآتية: قال تعالى:(ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ) [البقرة :31]. وقالسبحانه:(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [الحج:35]. وقالجل وعلا:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [فُصِّلَت:3 ]. الشقاق: "الشين والقاف أصلع واحد صحيح يدلُّ على انصداعل في الشيء، ثم يحمل عليه ويشتقُّ منه على معنى الاستعارة . تقول شقَقت الشيء أَشُقه شقَّا، إذا صدعتَه . الشقاق: الخلاف، وذلك إذا ان صدعت الجماعةُ وتفرَّقتْ ."( ) وفي اللسان : " الشقاق: غلبة العداوةِ والخلاف، شاقَّهُ مُشاقَّةَ ، وشِقاقا : خالفه."( ) بعيد: "الباء والعين والدال أصلان: خِلاَفُ القُرْبِ ."(5) "وليس لهما حد محدود."( ) بالنظر للشواهد الثلاثة، يجد القارئ أنها جمعيا تتحدث عمن ترك الح ق وتمسك بالباطل؛ ففي الشاهد الأول؛ وهو قوله تعالى:(ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [البقرة :31]. هذه ا لآية وردت في سياق "الوعيد للكاتمين لما أنزل الله، المؤثرين عليه، عرض الدنيا بالعذاب والسخط."(3) ( )مقاييس اللغة(مادة: شق). ( ) لسان العرب (مادة: شق). (5) مقاييس اللغة(مادة: بعد). ( ) المفردات (مادة: بعد). (3) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1 .)

عدد الصفحات ٤٣

37 والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب اليهود والنصارى؛ قال الط بري في تفسيره: "يعني بذلك اليهودَ والنصارى. اختلفوا في كتاب الله، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من قَصَص عيسى ابن مريم وأمه. وصَدقت النصارى ببعض ذلك، وكفروا ببعضه، وكفروا جميعًا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ."( ) والسر- والله أعلم - في اقتران "شقاق" ب "بعيد"؛ المبالغة في بيان شدة ما هم فيه من مخالفة وفي هذا ذم شديد لهم؛ فهم في شقاق مع الفطرة السليمة، ومع بعضهم بعضا، ومع الحق . وأتت هذه المبالغة من دلالة المجاز العقلي الذي أفاده اقتران الكلمتين؛ إذ أُسند البعد للشقاق، بينما الذي بعُد عن الحق هم أصحابه.( ) والتنكير في "شقاق بعيد"؛ "للتفخيم؛ أي هم مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق. وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون."(5) وجيء بهما بصيغة الصفة المشبهة "فِعال" و"فعيل". والصفة المشبهة تدل على الثبوت، ومعنى الثبوت أي الاستمرار واللزوم.( ) فالمختلفو ن في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم وإن تقاربت أبدانهم .(3) فكأن هاتين الصفتين ثابتة لهم لا تفارقهم؛ وفي هذا مزيد ذم لهم . ويلحظ الدقة في اختيار الكلمة في النظم القرآني؛ من خلال إيثار اختيار كلمة "شقاق" على كلمة "خلاف" مع أنهما تحملان المعنى نفسه، قال ابن فارس: " وأمّا قولهم: اختلفَ النَّاسُ في كذا، والناس خلْفَةع أي مختلِفون، ...؛ لأنَّ كلَّ واحدل منهم ي ُنَحِّي قولَ صاحبه، ويُقيم نفسَه مُقام الذي نحَّاه."(1) وقد يكون السر البلاغي في ذلك؛ أن كلمة شقاق أدل هذا المقام على المعنى المراد ، حيث تفيد الاختلاف مع طلب المشقة على الخصم؛ يدل على هذا ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (5/551.) ( )ينظر: تفسير أبي السعود (1/ .) (5 )السابق( /13.) ( )ينظر: شرح الرضي على الكافية ( /3.) (3 )ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( /3 .) (1 )مقاييس اللغة( مادة/خلف).

عدد الصفحات ٤٤

38 أصل مع"الشقاق"؛ فالأصل فيه أن يكون أحد الطرفين في شق، والثاني في شق آخر؛ وبهذا يكون الخلاف معها أشد.( ) ومن الدقة في اختيار الكلمة القرآنية وصف الشقاق بالبعد؛ فالبعد مناسب للشقاق؛ لأن المنشق قد فارق المنشق عنه ، فكان فراقه بعيدا ، بعدًا لا رجاء معه للدنو .( ) ومما آزر الاقتران في أداء المعنى التعبير عن شقاقهم البعيد بالجملة الاسمية؛ "وإنما أوثرت الجملة الاسمية؛ لدلالة على ثباتهم واستقرارهم في ذلك ."(5) ومن لطائف النظم القرآ ني عند التعبير عن "شقاق بعيد " مجيئه على هذه الصورة : قال تعالى:(ﯔ ﯕ ﯖ )، بجرها بحرف الجر "في"؛ إذ أفاد أن الشقاق البعيد قد صار ظرفا لهم، فهو محيط بهم، وهم منغمسون فيه، و هذا دلالة على تمكنه منهم، وفيه مزيد ذم لهم ولأفعالهم، وفيه - أيضاً - التحذير من سلوك طري قهم. أما الشاهد الثاني والثالث قال سبحانه:(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [الحج:35]. وقالجل وعلا:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [فُصِّلَت:3 ]. فكان الحديث فيه عن المشركين الذين كذبوا بالنبي محمد -  -.( ) ومعنى كونهم "في شقاق بعيد": أن هؤلاء لفي منازعة ، وكفر، وعناد، ومفارقة للحق بعيدة عن الرشد والصواب .(3) ففي اختلافهم في القرآن الكريم قال تعالى: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [فُصِّلَت:3 ]. أي: "(قُلْ ) يا محمد للمكذّبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن (أَرَأَي ْتُمْ ) أيها ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( / 15.) ( )ينظر: التحرير والتنوير (3 / 3.) (5 )تفسير أبي السعود ( /13.) ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/111)، و:( /1 .) (3 )ينظر: السابق (5/551)، و: تفسير القرآن العظيم (3/ 13)

عدد الصفحات ٤٥

39 القوم (إِنْ كَانَ ) هذا الذي تكذبون به (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثمَُّ كَفَرْتُُْ بِهِ ) ألستم في فراق وبعد من الصواب."( ) أما النكتة البلاغية في اقترانهما، فما قيل في بيانها في الشاهد السابق يقال هنا؛ يُضاف إلى ذلك التنبيه "على أنهم صاروا كذلك [أي في شقاق بعيد]، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله -  - التي من واقعته هلكمحالة، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب ، وهو الذي آمن؛ لأنه سَ المَ الله، الذي مَ ن سَ المه، سالمه كل شيء ، فنجا من كل خطر ."( ) ومن اللطائف البلاغية في الآية الاحتباك؛ "ذكر الكفر أولاً دليلاً على الإيمان ثانياً، والضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً؛ وسره أن ذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ."(5) وفي هذا تخويف لهم، وتحذيرهم من مغبة شقاقهم هذا إن لم يرتدعوا . ( ) جامع البيان في تأويل القرآن ( /1 .) ( )نظم الدرر (3/ .) (5) السابق، نفسها.

عدد الصفحات ٤٦

40 المطلب السادس اقــتــران فــعَّـــال بـفــعــول الصورة التي اقترنت فيها صيغت ا فعال وفعول؛ كانت بملازمة كلمة "صبار" ل "شكور" في أربعة مواضع في النظم القرآني؛ من ذلك قوله تعالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) [إبراهيم :3]. وقولهتعالى:(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ) [لقمان:5 ]. وقولهتعالى:(ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ)[سبأ:1]. في معنى الصبر جاء في لسان العرب : يقال: صَب َرَه عن الشيء يَصْبرُِه صَبرْاً؛ أي حَبَسَه .( ) وفي المفردات الصبر : "حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع ، أو عما يقتضيان حبسها عنه."( ) قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ) [الكهف:1]. "والصبر على ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله."(5) الشُّكْرُ: عِرْفانُ الإِحسان ونَشْرُه، و الشُّكْرُ لا يكون إِلاَّ عن يَدل .( ) "ويقال إنَّ حقيقة الشكر ( ) ينظر: لسان العرب (مادة: صبر). ( ) المفرد ات (مادة: صبر). (5 )بصائر ذوي التمييز(5/533.) ( )ينظر: لسان العرب (مادة: شكر).

عدد الصفحات ٤٧

41 الرضا بال يسير."( ) والشكر على أضرب ثلاثة : "شكر بالقلب؛ وهو تصّور النعمة. وشكر باللسان؛ وهو الثناء على المنعم. وشكر بسائر الجوارح؛ وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه ."( ) ومنزلة الشكر من أعلى المنازل ؛ وهي فوق منزلة الرضا وزيادة ؛ فالرضا مندرج في الشكر ؛ إذ يستحيل وجود الشكر بدون رضا .(5) والذي يلحظ أنكلمة "صبّار"، لم تأت وحد ها في القرآن كله ، إنما أتت مقترنة مع كلمة "شكور"، كما يُلحظ أنه لم يعطف بين الكلمتين، فما السر البلاغي في هذا الاقتران وترك العطف؟. سر ترك العطف بين الكلمتين الدلالة على أنهما صفتان لموصوف واحد؛ إذ الأ صل في العطف أنه يقتضي المغايرة . وقد يكون لتأكيد لصوق هاتين الصفتين بالموصوف. أما السر في اقترانهما فهو الدلالة على إيمان صاحب هاتين الصفتين أو كماله، فقد ذكر العلماء أن الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر. قال الطبري: "الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان."( ) "فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به ، والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به، فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر."(3) والمتأمل حال المؤمن يجده أحد أمرين؛ إما أن يكون حال محنة وبلية، أو حال منحة وعطية؛ فإن كان الأول، كان المؤمن صبا راً، و إن كان الثاني كان شكوراً . وفي هذا تنبيه على أن المؤمن يجب ألا يخلو زمانه من أحد هذين الأمرين، فإن جرى الزمان على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته، كان مشغولاً بالشكر، وإن جرى على ما لا يلائم طبعه كان مشغولاً بالصبر.(1) وقد قال الن - عليه الصلاة والسلام -:" عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن ( ) مقاييس اللغة (مادة: شكر). ( ) بصائر ذوي التمييز (5/55 .) (5 )ينظر: مدارج السالكين ( / ). ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 33.) (3 )طريق الهجرت (13.) (1 )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/ .)

عدد الصفحات ٤٨