10 في مع"واسع" ذكر ابن فارس: "الواو والسين والعين: كلمةع تدلُّ على خلافِ الضِّيق والعُسْر. يقال: وسع الشَّيءُ واتَّسَعَ . والوسع الغنى"( ). والسعة تقال في الأمكنة، وفى الحال، وفى الفعل ك القدرة والجود .. ونحو ذلك،( ) ولذلك شواهد من القرآن الكريم؛ فسعة المكان نحو قوله تعالى:(ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ )[النساء:13] .وقوله تعالى:(ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ )[العنكبوت:31] .وقولهتعالى:(ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ)[الزمر :6]. وسعة الحال كقوله تعالى:(ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ)[الطلاق:3.] وقولهتعالى: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ)[البقرة :51.] وفي الفعل كالسعة في القدرة؛ والمراد بالوسع من القدرة ما يفضل عن قدر المكلف، قال سبحانه:(ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ)[البقرة :11].(5) أمَّامعنى "واسع" في حق الله - تعالى-؛ فالمراد به الغني،( ) فهو- - يسع خلقه كلهم بالكفاية، والإفضال، والجود، والتدبير (3). قال الخطا :" "الواسع"؛ هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع ( ) مقاييس اللغة (مادة: وسع). ( ) ينظر: المفردات (مادة/ وسع). (5) ينظر: السابق. ( ) ينظر: مقاييس اللغة (مادة/ وسع). (3) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /353.)
عدد الصفحات ١٧11 خلقه."( ) وقال السعدي: "الواسع" الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه . واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم ."( ) ومعنى "عليم": ذكر ابن فارس في معجمه:" العين واللام والميم أصلع صحيح واح د، ي دلُّ عل ى أثَ رل بالش يء يتمي َّزُ به عن غيره."(5) وفي المفردات : العلم إدراك الشيء بحقيقته، و ذلك ضربان : أحدهما إداراك ذات الشيء . والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له أو نفي شيء هو منفي عنه. فالأول: هو المتعدي إلى مفعول واحد نحو قوله تعالى:(ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ )[الانفال:16]. والثا: المتعدى إلى مفعولين نحو قوله جل وعلا:(ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ)[الممتحنة:6].( ) و"عليم" في حق الله - تعالى- بمعنى: أنه عليم بأفعال الخلق لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم .(3) وهو "العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو هو كا ئن، والعالم للغيوب دون جميع خلقه."(1) فهو - جل وعلا - الذي أحاط علمه بالظواهر ( ) شأن الدعاء (3 .) ( ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( /1 1.) (5) مقاييس اللغة(مادة/ علم). ( ) ينظر: المفردات (مادة/ علم). (3) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /353.) (1) السابق،( /13.)
عدد الصفحات ١٨12 والبواطن، والأسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.( ) فيما سبق وُقف مع معنى "واسع عليم"، كُلاا على حده، لكن ما السر البلاغي في اقترانهما معا في النظم القرآني؟ يستفاد منهما إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأن الاسم من أسماء الله إذا قرن بغيره تضمن معنىً زائداً على ما إذا كان منفرداً؛ ف في قوله تعالى:( ﮠ ﮡ ) الصفة الثالثة التي تحصل باجتماعهما: أن علمه - جل وعلا - واسع؛ بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل م علوم لا في الأرض، ولا في السماء - وكل صفاته - تعالى - واسعة -؛ وهذا مأخوذ من اسمه «الواسع»؛ فعلمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وكل صفاته واسعة .( ) وقد أثبت الله - تعالى - لنفسه العلم الكامل الشامل في مواضع عديدة في النظم القرآني، وذلك بصيغة أخرى غير التي بين يدي القارئ؛ من ذلك :(ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ )[ط ه:11] .وقولهتعالى:(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ )[غافر:3] .وقوله:(ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ)[الطلاق: ]. ولعله من خلال ما سبق يلحظ السر البلاغي من إيثار التعبير بكلمة"واسع" دون كلمة "غني"، مع أنهما تحملان المعنى نفسه بحسب الظاهر . فالواسع وإن أولت بالغني، إلا أنها باقترانها بعليم، أفادت صفة ثالثة لله - جل وعلا -؛ هي سعة العلم؛ فهو - جل وعلا - لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض، ولا في السماء . ومجيء كلمة "عليم" ببناء صيغة المبالغة، أسهم - أيضاً - في المبالغة في إثبات هذه الصفة بكمالها لله - تعالى - مع سعتها. وفيما سبق أُورِدَ ما ذكره العلماء في دلالة اقتر ان "وَاسِعع " ب "عَلِيمع " بصورة مجملة، وهاهنا ( ) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( /1 3.) ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( /3.)
عدد الصفحات ١٩13 وقفة مع بعض الشواهد؛ للوقوف على دلالة اقترانهما في السياق الذي وردا فيه؛ من ذلك : قوله تعالى:(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)[البقرة :3.] ومعنى الآية؛ "لله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء ، ويح كم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي ."( ) "واختلف في تأويل قوله: (ﮚ ﮛ ﮜ) ؛ فقال بعضهم: تأويل ذلك: فثم قبلة الله، يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه . وقال آخرون: معنى قول الله- -: (ﮚ ﮛ ﮜ )، فثم الله - تبارك وتعالى -. وقال آخرون: معنى قوله: (ﮚ ﮛ ﮜ )، فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم . وقال آخرون: عنى ب "الوجه " ذا الوجه . وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له ."( ) "ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل ؛ وليس هناك ما يمنعه؛ وقد أخبر النبي - - أنالله - تعالى - قِبَل وجه المصلي؛ والمصلُّون حسب مكانهم يتجهون؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال؛ وأهل الشام إلى الجنوب؛ وأهل المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى الشرق؛ وكل يتجه جهة؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة؛ و كل يتجه إلى وجه الله؛ وعلى هذا يكون معنى الآية : أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب ."(5) فاقتران" ﮠ ﮡ " ملائم للسياق الذي وردت فيه هاتان الصفتان؛ ففي مطلع الآية قال تعالى:(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ )؛ وفي هذا دلالة على "عموم ملك الله؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء ."( ) و قوله تعالى بعدها: (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ )؛ فيه دلالة على "إحاطة الله تعالى بكل شيء."(3) ( ) جامع البيان في تأويل القرآن ( /355.) ( ) السابق ( /351.) (5) تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( /5.) ( )السابق،( / ). (3) السابق، نفسها.
عدد الصفحات ٢٠14 فكان أن ختمت الآية بقولهتعالى:( ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮝ)؛ أي "واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدر ته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و"ﮡ" أي ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء."( ) والسر في اقترانهما في هذا السياق؛ قد يكون للدلالة على سعة علم الله - تعالى - وإحاطته؛ فأينما يولي أيُّ عبد - في أي بقعة من بقاع الأرض - وجهه في صلاته فثم وجه الله - - فعلمه يسعالخلق جميعا، ويسع الجهات كلها، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . ومن الشواهد - أيضاً - قوله تعالى:(ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ)[البقرة :3]. مع قوله:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ)[البقرة :3]. "قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك : أن الملك لله وبيده دون غيره،... يؤتي ذلك من يشاء، فيضعه عنده ويخصه به، ويمنعه من أحب من خلقه. يقول: فلا تستنكروا، يا معشر الملإ من بني إسرائيل، أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم، وإن لم يكن من أهل بيت المملكة، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف، ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه، فلا تتخيروا على الله."( ) "فالله" هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [وحكمته ]ورأفته بخلقه؛ ولهذا قال : ( ﯙ ﯚ ﯛ)."(5). فاقتران واسع عليم في هذا السياق للدلالة أن الله "واسع الفضل يختص برحمته من يشاء ." وهو - أيضا - "عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه." ( )فهاتان الصفتان تقابلان اعتراض من اعترض من بني إسرائيل على بعث طالوت ملكًا؛ فالصفة "واسع" تقابل: "وَلمَْ ي ُؤْتَ سَعَةً ( ) تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( / ). ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (3/5 .) (5) تفسير القرآن العظيم ( /111.) ( )السابق، نفسها.
عدد الصفحات ٢١15 مِنَ الْمَالِ "، و"عليم" تقابل: "وَنحَْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ". فكأن قوله: (ﯚ ﯛ ) يُفنَّدُ قولهم الذي حكاه - تعالى- عنهم:(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ )؛ إذ باجتماعهما أفادتا صفة ثالثة لله - تعالى -؛ هي سعة العلم؛ فهو - جل وعلا - لا يفوته شيء من كل م علوم لا في الأرض، ولا في السماء؛ وعليه فإنه - جل وعلا - أعلم بمن يستحق الملك، ولمَ استحق الملك. والشاهد الأخير قوله تعالى:(ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[البقرة :1 ]. والآية"مثل ضربه الله - تعالى - لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ...وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله - -،لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة."( ) أما اقتران "وَاسِعع عَلِيمع " في هذا السياق فقد يكون لتأكيد المضاعفة المذكورة لمن يشاء تعالى، إذ فيه دلالة - والله أعلم - على سعة فضله - جل وعلا -؛ فهو تعالى "غني يعطي عن سعة"( )، "يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في س بيله على أضعاف السبعمائة."(5) و"ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة."( ) وفيه دلالة على إحاطة علمه - جل وعلا - بالسر وأخفى؛ فهو"(عَلِيمع ) من يستحق منهم الزيادة "(3)؛ "(عَلِيمع ) بنية من ينفق ماله."(1) وفي هذا تنبيه على على أهمية استحضار النية عند الإنفاق وإخلاصها لله - جل وعلا - طمعًا في رضاه - سبحانه -، ونيل ثوابه الجزيل . فاقترانهما يتناسب مع كثرة المنفقين وتفاوت نياتهم، كما يتناسب مع مضاعفة الأجر لمن شاء - تعالى - منهم. ( ) تفسير القرآن العظيم ( /11 .) ( ) المحرر الوجيز ( /5 3.) (5) جامع البيان في تأويل القرآن (3/3 1.) ( ) تفسير القرآن الكريم سورة البقرة (5/ 5 .) (3) جامع البيان في تأويل القرآن (3/3 1.) (1) المحرر الوجيز ( /5 3.)
عدد الصفحات ٢٢16 ومجيئهما فاصلة آية ملائم للسياق؛ إذ"واسع" تناسب المضاعفة المذكورة في الآية، و "عليم" تناسب الإنفاق ومضاعفة الأجر لصنف من المنفقين، وهم الذين يشملهم قوله: (ﮑ ﮒ ﮓ). فقد ذكر ابن كثير أن قوله هاهنا:(ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ). أي:"بحسب إخلاصه في عمله ( ﯙ ﯚ ﯛ ). أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق."( ) وقال ابن القيم: "ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها؛ وهما الواسع العليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عط نه، فإن المضاعف واسع العطاء، واسع الغني، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق، فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها ، فإن كرمه وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه."( ) ومن لطائف التعبير في النظم القرآني الإتيان بالجملة التي اقترن فيها اللفظان "واسع عليم"؛ جملة اسمية بقوله تعالى: (ﮔ ﮕ ﮖ )[البقرة :3]؛ وفي ذلك دلالة على ثبوت هذه الصفات لله - جل وعلا - الكامل في جميع أوصاف عظمته مع استمراريتها . ( ) تفسير القرآن العظيم ( /115.) ( ) التفسير القيم( /31.)
عدد الصفحات ٢٣17 المطلب الثاني اقـــتــــران فــعـــيــل بــفــعــيــل من صور الاقتران كذلك في النظم القرآني؛ اقتران كلمتتي "سميع"و"بصير" حيث اقترنت صيغة "فعيل" ب "فعيل". ظهر ذلك في سبعة مواضع من الذكر الحكيم . من ذلك قوله تعالى: (ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ) [الحج:1 ]. وقولهسبحانه:(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ)[الحج:33]. وقولهجل وعلا :(ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ) [لقمان:1]. في معنى السمع لغة قال ابن فارس: "السين والميم والعين أصلع واحدع، وهو إيناسُ الشيء بالأُ ذُن، من النّاس وكلِّ ذي أُذُن."( ) من ذلك قوله تعالى:(ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ)[الشعراء : ]. والسمع- أَيضاً - يطلق على: الأُذن، والجمع أَسمْاعع ( ). كما في قوله تعالى:(ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ )[البقرة :3]. وتارة يعبر بالسمع عن الفهم وتارة عن الطاعة تقول اسمع ما أقو ل لك ولم تسمع ما قلت وتعنى لم تفهم، (5) قال تعالى:(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ )[الأنفال:5 ]. وقوله:(ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ) [النساء:1]. ( ) مقاييس اللغة(مادة/سمع). ( ) ينظر: المفردات (مادة/سمع)، ولسان العرب، المادة نفسها . (5) ينظر: المفردات (مادة/سمع).
عدد الصفحات ٢٤18 قال ابن القيم: "فعل السمع يراد به أربعة معان : أحدها: سمع إدراك، ومتعلقه الأصوات . الثا: سمع فهم وعقل، ومتعلقه المعاني. الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل. الرابع : سمع قبول وانقياد."( ) فمن النوع الأول؛ قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ )[آل عمران :1 ] .وقولهتعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ) [المجادلة: ]. ومن النوع الثا :؛ قوله تعالى:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ)[البقرة :6 ]. ومن الثالث؛ قولهتعالى:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ )[إبراهيم :51] .ومنه قول المصلي في صلاته :"سمع الله لمن حمد ."( ) أي: استجاب حمد من حمده، فأثابه.(5) ومن الرابع؛ قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ)[المائدة: ] . ( ) بدائع الفوائد( /561.) ( ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب : الأذان، في باب: متى يسجد من خالف الإمام (3/116)، وفي باب: يهو ي بالتكبير حين يسجد (13/163)، وفي باب : السجود على سبعة أعظم (11/1 )، وفي كتاب : التفسير ، - سورة النساء ، باب: قوله (ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ )(13 / 311)، وفي كتاب : الكسوف، باب: هل يقول كسفت الشمس أو خسفت (61/ 6 3. )وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب : الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود (61/51 . ) (5) ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( /16.)
عدد الصفحات ٢٥19 ومع"سميع" في حق الله- جل وعلا -؛ أي: بأنه ذو سمع لما يقول عباده من قول؛ لا يخفى عليه منه شيء.( ) فهو- سبحانه - كما وصف نفسه:(ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) [طه:3] .و- أيضاً -:(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [الفرقان :1]. والسمع الذي اتصف به ربنا - - ينقسم قسم: سمع إدراك وسمع إجابة؛ فسمع الإدراك؛ معناه : أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر، حتى إنه - - يقول لنبيه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ )[اادلة: ] .قالت عائشة- رضي الله عنها-: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ) إلى آخر الآية.( ) فهو- - أخبر بأنه سمع كل ما جرى بين هذه المرأة وبين رسول الله ، وهذا سمع إدراك، ثم إن سمع الإدراك قد يُراد به: بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التهديد، وقد يُراد به التأييد، فهذه ثلاثة أنواع. فمن الأول: قوله - -:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ) [المجادلة: ]. ومن الثا: قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ)[آل عمران :1 ]. ومن الثالث: سمع يُراد به التأييد، ومنه قوله - تبارك وتعالى - لموسى وهارون:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ)[طه:1] .فالمراد بالسمع هنا التأييد يع : أسمعك وأؤيدك. أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله - تعالى - يستجيب لمن دعاه، و منه قوله - - حكاية عن قول إبراهيم - -:(ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/133)، و: تفسير القرآن العظيم (3/ 3 .) ( ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب:التوحيد باب : قوله تعالى:(ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) (16 /3511.)
عدد الصفحات ٢٦20 ﯟ ﯠ ﯡ) [إبراهيم :51]؛أي مجيب الدعاء.( ) فصفة السمع ثابتة لله - - في الكتاب والسنة؛ فهو سميع ذو سمع، بلا تكييف، و تشبيه، وهذا هو مذهب السلف "إجراءُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا ع لى ظَاهِرِهَا مَعَ ن َفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَشبِيهِ عنها؛ إذ الكَلامُ فيِ الصِّفَاتِ ف رعُ الكلامِ فيِ الذَّاتِ : يحُْتَذَى حَذْوُهُ وَي ُتَّبَعُ فيه مِثَالُهُ، فإذا كان إثباتُ الذَّاتِ إثب اتَ وُجُودل لا إثباتَ تَك يِيفل؛ فك ذلكَ إثباتُ الصِّفَاتِ؛ إثباتُ وُجُ ودل لا إثباتُ تَكيِيف."( ) أما معنى "بصير": فجاء في لسان العرب : البصر: العَينُْ إِلاَّ أَنه مذكر، وقيل: حاسة الرؤْية. والجمع أَبْصار. وأَبْصَرْتُ الشيءَ : رأَيته.(5) قالتعالى:(ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ )[النحل:33]. ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر؛ منه قوله تعالى:(ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) [ق: ] .والجمع: بصائر.( ) ومعنى "بصير"في حق الله تعالى: قال الطبري في تأويله لقوله تعالى:(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ) [البقرة :11]. (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ)؛ أي "والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفي عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها ."(3) قال السعدي: "البصير الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصم اء. ويبصر ما تحت الأرضين السبع، كما يبصر ما فوق ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة ( /16.) ( ) مجموع فتاوى ابن تيمية (5/ 11.) (5) ينظر: لسان العرب ( مادة/بصر). ( ) ينظر: المفردات (مادة/بصر). (3 )جامع البيان في تأويل القرآن ( /531.)
عدد الصفحات ٢٧21 السماوات السبع. وأيضا سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته "( ) وصفة البصر-كالسمع- من صفات الكمال للذات الإلهية؛ بدليل أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام- أنكر على أبيه عبادة ما لا يبصر ولا يسمع؛ قال تعالى:(ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) [مر: ]. وهي صفة ثابتة لله - تعالى- بالكتاب، والسنة، والعقل يدل عليهما - أيضاً -؛ إذ أن انْتِفَاءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضَيْهِمَا مِنَ الْعَمَى وَالصَّمَمِ، إِذِ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ لِلضِّدَّيْنِ لاَ يخَْ لُو مِنْ أَحَدِهمَِا، وقد قال تعالى: (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ )[هود: ].وَهُوَ ت َعَالىَ مُقَدَّسع عَنِ الن َّقَائِصِ وَيَسْتَحِيلُ صُدُورُ الأَْف ْعَالِ الْكَامِلَةِ مِنَ الْمُتَّصِفِ بِالن َّقَائِصِ، كَخَلْقِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ممَِّنْ لَيْسَ لَهُ سمَْعع وَلاَ بَصَرع . وقد أجمعت الأمة على تنزيه ه – تعالى- عن النقائص.( ) "ومَذهبُ السَّلف بين التَّعطيلِ والتَّمثِيلِ فلا يمَُث ِّلُ ون صفات اللَّه بصفات خلقه كما لا يمَُث ِّلُونَ ذاتَه بذات خلقه ولا ي َن ْفُون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله . فيعَطِّلُوا أَسمَاءهُ الحُْ سْنىَ وصفاتِهِ العُلْيَا ويحَرِّفُ وا الكَلِمَ عن مواضعه ويُلحِدُوا فيِ أَسمَاء اللَّه وَآيَاتِه."(5) وقبل الوقوف على السر في اقتران هاتين الكلمت"سميع بصير"، ثمة وقفة مع الصيغة التي بُنِيت عليها الكلمتان . ف "سميع" بمعنى سامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناؤه "فعيل"؛ بناء المبالغة، كقولهم : عليم من عالم، وقدير من قادر. أما أصل "بصير"، ف "مبصر" -من قول القائل -: "أبصرت ، فأنا مبصر ". ولكن صرف إلى"فعيل"، ك "عذاب مؤلم " إلى "أليم"، "ومبدع السماوات " إلى بديع ... وما أشبه ذلك( )؛ وذلك للمبالغة - كما ذكر أبو السعود - " أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات ."(3) وقد يكون مجيئهما معا على هذه الصيغة؛ للدلالة على كمال اتصافه - - بصف السمع والبصر، وأن هذا الكمال؛ كمال مطلق لا منتهى له . فهو "تعالى ذو بصر نافذ لا ( ) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن (1 1.) ( ) ينظر: تفسير القرطبي (3/ 31.) (5 )مجموع فتاوى ابن تيمية (3/ 3.) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /533.) (3) تفسير أبي السعود(1/ 1.)
عدد الصفحات ٢٨22 يغيب عنه شيء وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء."( ) أما السر البلاغي في اقترانهما إجمالا؛ فهو الدلالة على صفة ثالثة - كما هو الشأن في الصفات المقترنة-، ولعلها كمال إحاطته - جل وعلا - بالمخلوقات أجمع، كمال إحاطته بأقوال العباد وأفعالهم، لا تخفى عليه منهم خافية، الجميع تحت سمعه وبصره . وفي ذلك تنبيه لكل من ألقى السمع وهو شهيد؛ كي يراقب نفسه، ويعبد الله بإ حسان، ويقين باليوم الآخر.( ) فلا يُرِ ربَّه ما يكره، ولا يُسمعه ما يكر ه؛ لأن ما يفعله سيرُى، و ما يقوله سيُسمع. وهذا يوجب مزيد خشية لله - جل وعلا -(5). ولبيان السر في اقترانهما من خلال السياق الذي وردتا فيه ثمة وقفة مع بعض الشواهد؛ منها: في قوله تعالى:(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)[الحج:1 ]. الإشارة ب "ذلكَ " للنصر الوارد في قوله تعالى قبله:(ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ )[الحج:1 ]؛أي: هذا النصر الذي أنصره لمن بُغي عليه؛ لأني القادر على ما أشاء. فمن أعظم مظاهر قُدرة الله - - أنه (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ) أي: يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار؛ فما نقص من هذا زاد في هذا .(ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقُدرة التي تفعل ذلك ينصر محمدا -- وأصحابه على الذين بغوا عليهم؛ فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم .وختمت الآيه بقوله : ( ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ) أي: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول؛ لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه . ( ) ( ) تفسير القرآن الكريم سورة الكهف (6.) ( ) ينظر: النهج الأسمى ( /5 .) (5) تفسير القرآن الكريم سورة الك هف (6.) ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/133)
عدد الصفحات ٢٩23 والسر-والله أعلم- في اقتران "سمَِيعع بَصِيرع " في هذا السياق؛ أن الله - تعالى - "كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر ."( ) ففي اقترانهما دلالة على "علم الله بالأحوال كلها، فهو ينصر من ينصره بعلمه وحكمته، ويعد بالنصر من علم أنه ناصره لا محالة، فلا يصدر منه شيء إلا عن حكمة."( ) "ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر ."(5) ومن الشواهد- أيضاً - قوله تعالى :(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ)[الحج:33] "قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون : أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة ."( ) وفيها "يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقَدَره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته ."(3) والغرض من اقتران"سمَِيعع بَصِيرع " في هذا المقام؛ الدلالة على إحاطة علمه - - بالأشياء كلها،(1 ) ومن تلك الإحاطة أن"الله سميع لما يقول المشركون في محمد - -، وما جاء به من من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه ."(3) كما قالسبحانه:(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ)[الأنعام: ]. وقد تآزت كلمات الآية وجملها لأداء ذلك المعنى؛ فمن ذلك "تقديم المسند إليه؛ وهو اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله:(ﭼ ﭽ) دون أن يقول:يصطفي؛ لإفادة الاختصاص؛ أي الله وحده هو الذي يصطفي لا أنتم تصطفون، ولا ما تنسبون إليه ."(1) ( )تفسير الفخر الرازي (5/1 .) ( )التحرير والتنوير (3/5 1.) (5 )تفسير الفخر الرازي (5/1 .) ( )جامع البيان في تأويل القرآن (1/113.) (3 )تفسير القرآن العظيم (3/ 3 .) (1 )ينظر: التحرير والتنوير (3/5 .) (3 )جامع البيان في تأويل القرآن (1/113.) (1 )التحرير والتنوير (3/5 .)
عدد الصفحات ٣٠24 ومنها-أيضاً - "الإظهار في مقام الإضمار هنا حيث لم يقل: هو يصطفي من الملائكة رسلا؛ لأن اسم الجلالة أصله الإله؛ أي الإله المعروف الذي لا إله غيره، فاشتقاقه مشير إلى أن مسماه جامع كل الصفات العلى تقريرا للقوة الكاملة والعزة القاهرة ."( ) وخاتمة شواهد هذا الاقتران آية ذُكِرت في سياق يبطل فيه استبعاد المشركين للبعث قال تعالى: (ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ)[لقمان:1]. معالآية "ما خلقكم أيها الناس ولا بعثكم على الله إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، وذلك أن الله لا يتعذّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه:(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ)[ي س:1 ]، فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم ."( ) ومعنى قوله: ( ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ): أي؛ "إن الله سميع لما يقول هؤلاء المشركون، ويفترونه على ربهم، من ادّعائهم له الشركاء والأنداد وغير ذلك من كلامهم وكلام غيرهم، بصير بما يعملونه وغيرهم من الأعمال، وهو مجازيهم على ذلك جزاءهم ."(5) والغرض من الاقتران هنا بإمكان القارئ أن يستشفه من كلام ابن عاشور في بيان نوع الجملة(إن الله سميع بصير)، قال:"..واقعة موقع التعليل لكمال القدرة على ذلك الخلق العجيب استدلالا بإحاطة علمه- تعالى- بالأشياء والأسباب وتفاصيلها وجزئياتها ومن شأن العالم أن يتصرف في المعلومات كما يشاء ...وإذ قد كان المشركون أو عقلاؤهم يسلمون أن الله يعلم كل شيء جعل تسليمهم ذلك وسيلة إلى إقناعهم بقدرته - تعالى- على كل شيء ."( ) فعليه يكون الغرض إثبات قدرة الله - تعالى- على البعث من خلال التنصيص على صفتي "سميع بصير" في حق الله- تعالى-، وما تأتى من اقترانهما؛ وهو بيان كمال إحاطة علمه - - بكل شيء. و"كونه قادراً على البعث ومحيطاً بالأقوال والأفعال يوجب ذلك الاجتناب التام والاحتراز ( ) التحرير والتنوير (3/5 .) ( )جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 35.) (5 )السابق(6/ 3 .) ( )التحرير والتنوير ( /1 .)
عدد الصفحات ٣١25 الكامل."( ) ومجيء قوله:( ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ) فاصلة آية متناسب والسياق؛ ف "كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة؛ كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال:(ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ)."( ) ( ) تفسير الفخر الرازي (3/ 31.) ( ) تفسير القرآن العظيم (1/5 1.)
عدد الصفحات ٣٢