المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بلاغة الاقتران في القرآن الكريم

مريم بنت سليمان بن عبيد الله العبيد

صفحة ٢٠ من ٢٦

298 5 )التصوير البياني: من وسائل الاقتران – أيضاً - التصوير البياني، برز ذلك من خلال: أ- الربط بين جملتي التشبيه ب "مثل"و"كمثل"، كما في "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ".( ) ب- نقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر لعلاقة المشابهة وتخصيصه بموصوف معين؛ كما في: "في قلوبهم مرض".( ) ج- الكناية بالجمع بين طرفي الشيء؛ كما ظهر في "الغدو والآصال".(5) 6 )الفاصلة القرآنية: ظهرت هذه الوسيلة في ثلاث سور؛ هي سورة الشعراء، والصافات، والقمر؛ إذ اقترنت كل قصة من القصص الواردة في تلك السور بالفاصلة نفسها .( ) 7 )القصة: كان ذكر القصة في النظم القرآني بعد القصة من وسائل الاقتران؛ إذ قُرن بين زكريا ومريم - عليهما السلام - بواسطة هذا الأسلوب (5). ( ) ينظر: هذا البحث (15- 13) ( )ينظر: السابق (13- 11) (5 )ينظر: السابق (6 - 63) ( ) ينظر: السابق (16- 1 ) (3) ينظر: السابق (3 - 31 .)

عدد الصفحات ٣٠٥

299 المبحث الثاني أغراض الاقتران

عدد الصفحات ٣٠٦

300 أغراض الاقتران الاقتران ظاهرة نظمية في القرآن الكريم جيء به لتحقيق غرض ما . وأغراضه متعددة؛ تخت لف - كأي فن بلاغي - باختلاف السياق، ليس ذلك فحسب، إنما تتنوع أغراض النموذج من الاقتران - في كثير من الشواهد - بحسب السياق الذي ورد فيه، فيجد القارئ أن في كل سياق ثمة دلالة تناسبه. ومن اللطيف في هذا الأسلوب أن الغرض تنبثق منه العديد من الدلالات، تمثل الدلالة منهن غرضًا آخرَ؛ والذي ي ُتَصوّر أن هذه السمة موجودة في الأساليب البلاغية عامة. وعليه فإنه يتعذر حصر أغراض الاقتران كلها؛ لكن لعل بالإمكان رصد أبرز ما وقفت عليه الدراسة من أغراضه؛ منها : 1) إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى: كان هذا الغرض هو الأبرز ظهورا؛ وقد تعددت محاوره، وطرق إثباتها بأسلوب الاقتران في القرآن الكريم؛ وهو يشمل أنواع التوحيد؛ توحيد الله بالربوبية، وبالألوهية، وبأسمائه وصفاته .( ) 2) إثبات قضية البعث: البعث بعد الموت من الأمور التي كذّب بها المشركون؛ وقد ظهر في القرآن الكريم العناية بإثباتها، فكان من الأساليب التي جيء بها لذلك الغرض اسلوب الاقتران؛ من شواهد ذلك اقتران؛ إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، كما في :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ) [لقمان:1] .وفي اقتران إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي؛ كما قال سبحانه:(ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ)[الروم:1].( ) ( ) سيأتي تفصيل ذلك في المبحث الرابع من هذا الفصل، ينظر : هذا البحث (5 3.) ( ) ينظر: السابق (31- 1 .)

عدد الصفحات ٣٠٧

301 3) التأكيد: يقصد بالتأكيد؛ تأكيد المعنى المراد، الذي تضمنته الجملة الأولى المُقترن بها. والتأكيد نكتة عامة للاقتران، ويتنوع المعنى المؤكد بحسب السياق الذي ورد فيه الاقتران؛ من ذلك - مثلا-: أ- التأكيد الحاصل باقتران لفظ "ضلال" ب الوصف "مبين"، ففي أغلب ورد الضلال كان يراد به البعد عن طريق الحق إلى الباطل . ووُصف بأنه مبين لوضوحه؛ فهو لا يلتبس على أحد بشائبة هدى أو شبهة؛ لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل.( ) وعليه فلعل النكتة من اقتران الضلال بمبين؛ لتأكيد كونه كما وُصف؛ بعيد عن الحق تمام البعد.( ) ب- من ذلك - أيضاً - الاقتران في قوله تعالى:(ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [الأعراف:31]. فهنا اقترن الأمر بعبادة ا بنفي ألوهية غيره، ولعل السر في اقتران الأمر بالعبادة بنفي ألوهية غيره؛ لأن التعبد لله - تعالى - يعني التذلل له -  - حباا وتعظيما؛ بفعل أوامره واجتناب نواهيه.(5) .والعبادة هي الغاية من الخلق؛قالتعالى:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ) [الذاريات:31] .والإنسان بفطرته بحاجة إلى إله يعبده ويدعوه في السراء والضراء، والله - - هو وحده المستحق أن تُصرف جميع صور العبادة من صة، ودعاء، وخوف، ورجاء، وذبح، ونذر ...وغيرها. لذا كان الأمر بعبادة الله تعالى، وقُرن معه "مَا لَكُم مِّنْ إِلَهل غَي ْرُهُ "؛ لتأكيد المعنى السابق؛ الذي هو إفراد الله - تعالى – بالعبادة وحده، ونفي إلوهية غيره .( ) 4) تمييز الخبر أكمل تمييز: وشاهد هذا الغرض الاقتر ان في قوله تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ )[الأعراف:35]، وكما يلحظ اقترن في النظم القرآني اسم الإشارة "هذه" ب "ناقة". والإشارة إلى الناقة التي جعلها الله آية ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( /133.) ( ) ينظر: هذا البحث (1-3 .) (5) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين ( /3.) ( ) ينظر: هذا البحث (13،11.)

عدد الصفحات ٣٠٨

302 لصدق صا -  -، تقتضي أن الناقة كانت حاضرة أمامهم، كما طلبوا .( ) ولعل هذا الاقتران لتميزها أكمل تمييز، تأكيدا لتحق ق ما طلبوه، وكأنه يتحدى أن يكون لها نظير، أو مثيل؛ إذ هي مفارقة لسائر ما يجانسها خلقاً وخلقاً . وبهذا تقوم الحجة عليهم، فلا عذر لهم بعد هذه المعجزة الحاضرة البينة .( ) 5) التعظيم: التعظيم من الأغراض العامة للاقتران؛ ويتنوع المراد تعظيمه بتنوع السياق؛ من ذلك . - مثلا -: أ- ما يجد القارئ في اقتران "هدى ورحمة " في شأن القرآن الكريم؛ ولعل في اقترانهما دلالة على عظم شأن القرآن الكريم؛ إذ هو هدى من خالق هذا الكون يهدي البشرية - بأمر الله تعالى - إلى الطرق المستقيم، الذي لا يضل من سلكه أبدا . ثم هو رحم ة؛ رحمة في الدارين لمن اتبع هداه؛ فقد تكفل - جل وعلا - لمن اتبع هداه؛ بأنه لن يضل، ولن يشقى، ولعل من أبرز تجليات تلك الرحمة في الدنيا تلك السكينة والطمأنينة التي تستقر في قلب المهتدي.وفي تعظيم شأن القرآن الكريم ترغيب في الإقبال عليه، والعمل بما جاء فيه.(5) ب- أيضا عند اقتران الاستفهام بالاستفهام؛ شاهده "ما أدراك ما ..". والغالب استعمال هذا التركيب عند الحديث عن يوم القيامة، وما يتصل به من جزاء؛ كالنار، ومكانة الأبرار والفجار . وعليه فلعل غرض الاقتران؛ هو التعظيم، والتهويل، والتفخيم من شأن المستفهم عنه؛ فقوله "ما أدراك "؛ مستعمل في النفي؛ أي لا علم عندك، ولا مدر يدريك؛ لأن الأمر أعظم من أن يحيط به علم سوى علم الله - تعالى - فالناس جميعا لا علم لهم بحقيقة يوم القيامة؛ وما فيه من أهوال، وكربات، وحساب وجزاء، ولن يتم العلم بذلك كله عن طريق التصوير البياني، بل حين يُرى ذ لك بالعين واقعاً .( ) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (1 /1.) ( ) ينظر: هذا البحث (1 ،1 .) (5) ينظر: السابق (16-15.) ( )ينظر: التفسير البلاغي للاستفهام ( /513.)

عدد الصفحات ٣٠٩

303 والاستفهام"ما" الثانية للتعظيم والتفخيم؛ فلتعظم شأن ذلك اليوم، وتهويل ما فيه اقترن هذا التركيب البديع في هذا المقام؛ لبث الفزع والخوف في نفس المتلقي، فإن كان من المكذبين الضالين ارتدع، وإن كان من المؤمنين اعتبر واستقام على الصراط المستقيم.( ) 6) الترقي فيالشيء : الترقي في الشيء، يتنوع - أيضاً - بتنوع السياق؛ من ذلك : أ- الترقي في التيئيس: تيئيس المخاطب من أمر كان يؤمله، من ذلك ما يجده القارئ عند الإتيان بأسلوبي الاستفهام والنفي مقترنين قي السياق؛ كما في قوله :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ )[البقرة :1] .والسياق الذي ورد فيه شاهد هذا الغرض، كان الكلام موجها للنبي - عليه الصلاة والسلام -؛ لتيئيسه -  - من هداية أولئك الذين يحزن لكفرهم، وفي ذلك - أيضاً - تسلية له - عليه الصلاة والسلام - لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات .( ) ب- الترقي من العجيب إلى الأعجب : كما في اقتران قصة زكريا بمريم – عليهما السلام -؛ إذ إن ولادة ابن من شيخ كبير وامرأة عاقر أمر عجيب، والأعجب منه ولادة ابن من غير أب (3). 7) الإحاطة بطرفي الشيء؛ لإثبات وحدانية ا: قد يُؤتى بالشيئين مقترنين؛ للإحاطة بالشيء - وبما فيه - من جهاته؛ شاهد هذا الغرض؛ ما كان من اقتران "المشرق والمغرب "؛ كما في :(ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ) [المزَّمل:1] .إذ لحُظَ أن الغرض من اقترانهما؛ تعميم جهات الأرض؛ لأنها -كما سبق بيانه-( ) ( ) ينظر: هذا البحث (3- 3.) ( )ينظر: السابق (1 .) (5) ينظر: السابق (3 - 31.) ( ) ينظر: هذا البحث (36.)

عدد الصفحات ٣١٠

304 تنقسم بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدئ من حيث تطلع الشمس، وقسم ينتهي في حيث تغرب، وهو تقسيم كان مشهورا عند المتقدمين لأن المبني على المشاهدة مناسب لجميع الناس. وبالاقتران أحيط بما في الأرض أجمع؛ فإذا كان الله له ملك جهة المشرق والمغرب؛ ففي هذا دلالة على أن ما بينهما - أيضاً - ملك له، وفي هذا إيجاز، فكل ما بين المشرق والمغرب من حجر، وشجر ، وبشر، ومخلوقات لا يحصيها إلا الله- تعالى- ملك له- سبحانه-، وإذا كان الحال كذلك فهو وحده المتصرف في شؤون الكون أجمع، المستحق للعبادة دون ما سواه. 8) الترغيب بالإيمان والتنفير من الكفر: أ- من شواهده اقتران "صراط " ب "مستقيم" من ذلك ما جاء في قوله تعالى:(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ )[البقرة : ]؛ولعل ذلك للدلالة على أن دين الإسلام هو الطريق الوحيد الأقرب الموصل إلى المقصد؛ لأن الطريق المستقيم دائما هو أقرب الطرق الموصلة للغاية( )؛ إذ المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة، فشرع الله تعالى لا ضيق فيه، ولا اعوجاج، ولا تعب؛ لأنه صرا ط واسع، إضافة إلى كونه مستقيماً؛ ففي هذا الاقتران ترغيب بهدي الله - تعالى-، و بملازمة عبادة الله - جل علا -؛ لتحقيق الغاية من خلق الجن والإنس، ثم الفوز بخير الجزاء منه  .ويفهم منه ضمنا أن الكفر بخلاف ذلك، فيقع في النفس نفور منه.( ) ب- من شواهده - أيضاً -؛ اقتر ان "الظلمات والنور "؛ قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ )[البقرة :33]؛ولعل من أغراض اقترانهما الترغيب بالإيمان والتنفير من الكفر؛ فالمتلقي هنا يقف أمام البون الشاسع بين الصورتين؛ صورة الكفر وكأنه الظلمات بوحشتها وتخبط السال ك فيه وضياعه، وصورة الإيمان؛ وكأنه النور بوضوحه واستبانة الطريق معه . وما يحصل من ( ) ينظر:تفسير اللباب (5/ 5.) ( ) ينظر: هذا البحث (35-31.)

عدد الصفحات ٣١١

305 ذلك من نفور من الكفر، ورغبة في الإيمان . فلتنفير من الكفر، والترغيب بالإيمان قرن بينهما بالذكر على هذه الصورة والله - تعالى - أعلم. 9) التشريف: وقد يكون الغرض من الاقتران تشريف أمر ما؛ من شواهده: أ- قوله تعالى:(ﮊ ﮋ)[الأنفال: ]؛فالرزق وُصف بالكرم هنا لشرفه؛ فمآله مغاير لرزق الدنيا؛ فهو كريم محمود؛ "لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا، ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك ."( ) ب- قوله تعالى:(ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ )[البقرة :56] .فالشاهد اقتران "ملة"ب "إبراهيم " بغرض تشريف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام – مع ما فيه من تعظيم.( ) 11) المبالغة: وتُعد المبالغة - أيضاً - من الأغراض العامة للاقتران؛ ثم هي تختلف بحسب السياق؛ من ذلك: أ- المبالغة في التحذير: ويظهر هذا الغرض في اقتران صفة الإبانة بعداوة الشيطان؛ كما في قوله تعالى:(ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ)[البقرة :11] . فلعل اقتران صفة الإبانة بعداوة الشيطان فيها دلالة على مزيدِ تحذيرل من اتباع الشيطان؛ لأن التحذير من اتباعه واقع بوصفه بالعدو؛ "إذ العداوة أبلغ موانع الاتباع "(5) .فكان في اقتران صفة الإبانة بالعداوة مبالغة في التحذير من اتباعه. ب- المبالغة في الكثرة: ( ) ينظر: هذا البحث (33-31.) ( )ينظر: السابق (11-11) (5) التفسير الكب(5/33.)

عدد الصفحات ٣١٢

306 شاهده وصف الرزق بالكر ، قال تعالى:(ﮊ ﮋ )[الأنفال: ] .إذا عُدَّ من المجاز العقلي؛ فالرزق لا يكون كريما، إنما الكريم الرازق، والغرض الذي تحقق بالاقتران المبالغة في كثرة هذا الرزق، وعدم انقطاعه، إذ هو رزق من أكرم الأكرمين، جزل العطاء، الذي لا ينفد عطاؤه( )، كما جاء في الحديث القدسي الصحيح : "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واح د فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ."( ) جـ- المبالغة في الذم: شاهده اقتران "شقاق بعيد "؛ قال تعالى:( ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ) [البقرة :31]. فلعل الغرض المبالغة في بيان شدة ما هم فيه من مخالفة وفي هذا ذم شديد لهم؛ فهم في شقاق مع الفطرة السليمة، ومع بعضهم بعضا، ومع الحق . وأتت هذه المبالغة من دلالة المجاز العقلي الذي أفاده اقتران الكلمتين؛ إذ أُسند البعد للشقاق، بينما الذي بعُد عن الحق هم أصحابه.(5) د- المبالغة في التحسر والتندم: وقد تمثل هذا الغرض عند اقتران النداء ب "يا"، ب "ليت". ومن خلال النظر في شواهد هذا الاقتران، يجد القارئ أن ما وقع عليه التمني كله من الأمور المستحيلة؛ من ذلك : في قوله تعالى:(ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ ) [الأنعام:3] .فلعل الغرض من الاقتران؛ لبيان شدة التحسر والتندم الذي يجيش في صدر من حكيت للقارئ مقالته من هول ما عاينه من العذاب .( ) ( ) ينظر: روح المعاني (3/ 3.) ( ) الحديث سبق تخريجه . ينظر: هذا البحث (31) (5) ينظر: هذا البحث (51-51.) ( ) ينظر: هذا البحث (31- 1 .)

عدد الصفحات ٣١٣

307 11) إفحام الخصم: والمراد به أن يقع الاقتران بين الشيئين؛ لإفحام الخصم، وإرغامه على التسليم بحجة الطرف الآخر، مع ما فيه من إقامة الحجة عليه؛ كما في اقتران كلمة "سلطان" ب "مبين"، كما في قوله تعالى:(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ)[هود:11] .فكما يلحظ اقترن في النظم القرآني "سلطان"و"مبين" عند الحديث عمَّا أرسل به موسى -- عندما بعثته - جل وعلا - لفرعون . والغرض من هذا الاقتران أن فرعون رجل متكبر طاغية، فهو الذي حُكي عنه قوله: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ )[النازعات : ]،وأيضا قوله:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ)[القصص:51]. إضافة إلى ما عُرف به قومه من براعة في السحر. فرجل كهذا وقوم كهؤلاء كان لابد من إفحامهم بآية - أو آيات - لا نظير لها، فكانت العصا وما تلاها من معجزات . لذا جاء وصفها بسلطان مبين، والسلطان من أسماء الحجة، وهي تلجئ المحجوج على الإقرار لمن يحاجه؛ فهي كالمتسلط على نفسه .( ) 12) بيان المداومة على فعل الشيء والحث عليه: أ- يجد القارئ هذا الغرض متحققاً في اقتران" الغدو والآصال"؛ من ذلك قوله تعالى:(ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ) [الأعراف:63]. فبالنظر إلى المواضع ال وردت فيها هاتان الكلمتان المقترنتان "الغدو والآصال"، يجد القارئ أنها وردت في مقام الذكر والعبادة . واقترانهما - في هذا المقام - كناية عن مداومة الذكر على كل حال، والمواظبة عليه بقدر الإمكان .( ) ب- وكما يجده الغرض متحققًا - أيضاً - عند اقتران "سرا وعلانية "؛ إذ اقترنتا في سياق الإنفاق في سبيل الله - تعالى -؛ فلعل الغرض من اقترانهما - مع تضادهما -؛ ل لحث على ( ) ينظر: السابق (1-56.) ( )ينظر: هذا البحث (6 - 63.)

عدد الصفحات ٣١٤

308 الإنفاق كيفما يتهيأ وعلى أي حال؛ فإن تهيأ "سراً " فذاك ونعم، وإلا فعلانية. ولا يمنع المنفق "إعلان" نفقته ظنه أن يكون عمله رياءً ، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء . ولعله - أيضاً - للمبادرة بالنفقة؛ فلا ينتظر بنفقة "العلانية" وقت "السر"، ولا بنفقة "السر" وقت "العلانية"، فإن نفقته على أي حال وجدت سبب لنيله الثواب من الله تعالى . فربما توخى المنفق أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في الحال الآ خر، فتعطل نفع كثير وثواب جزيل، فبين الله - تعالى - للناس أن الإنفاق بِرٌّ لا يكدره ما يحف به من الأحوال "وإنما الأعمال بالنيات".( ) 13) بيان غرابة الشيء والتعجيب منه: ظهر ذلك عند الإتيان بلفظ المثل في القرآن الكريم بعد كاف التشبيه، في كلام صُدرت فيه كلمة "مثل"؛ كما في قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ )[البقرة :3] .ويُراد بهذا الاقتران؛ تشبيه حالة مركبة عجيبة الشأن - أو هيئة - بحالة مركبة أخرى، بينهما صفات مشتركة؛ لغرض التعجيب من هيئة المشبه وغرابتها .( ) ( ) ينظر: السابق (1- 1.) ( )ينظر: السابق (15- 13.)

عدد الصفحات ٣١٥

309 المبحث الثالث الاطراد في الاقتران

عدد الصفحات ٣١٦

310 الاطراد في الاقتران يراد بالاطراد : النمط التركيبي الذي يرد متكرراً في شواهد الاقتران. فهل اطرد الشاهد بنمط تركيبي ثابت في جميع الآيات التي ورد فيها؟ من المتعذر التسليم بأن جميع ما حصرت هذه الدراسة من شواهد الاقتران مطردة في القرآن الكريم اطرادا لا مراء فيه . لقد كان منهج الدراسة أن تنظر في الشواهد فما غلب فيها الاقتران؛ كان موضع دراسة في هذا البحث؛ لذا فمن المسلم به أن ثمة عدول أو خروج على النمط السائد في النظم القرآني . سيجد القارئ من صور العدول؛ العدول في اللفظ بالنظر إلى صيغة الكلمة - أو وزنها - التي بُنيت عليها، وفي الإفراد والتثنية والجمع، كما سيجد عدولا في التراكيب بالنظر إلى التقديم والتأخير، وإلى الاسمية والفعلية . وكل ذلك العدول لغرض بلاغي استدعاه السياق؛ ويمكن الإشارة إلى بعض ذلك - الاطراد والعدول - من خلال المحاور التالية: 1) صيغة الكلمة في الاقتران: لحُظ اطراد في بعض الكلمات عند اقترانها؛ إذ تطرد الكلمة بصيغة بعينها بكلمة جيء بها بصيغة خاصة؛ من ذلك: أ- عند الإتيان بالشقاق مقرونا بوصف؛ فإنه لا يُقرن إلا بكلمة "بعيد" ويُعمل فيه حرف الجر "في"؛ فاطرد في النظم القرآني "فيِ شِقَاقل بَعِيدل "؛ من ذلك قوله تعالى: (ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ) [البقرة :31].( ) ب- اطرد في النظم القرآني اقتران الصبر على زنة "صبار" بالشكر على زنة "شكور"؛ من ذلك قوله تعالى:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ)[إبراهيم :3].( ) كما لحظ أن ثمة صيغ يكون الغالب اقترانها بصفة خاصة؛ ولا يعدل عن ذلك إ موضع واحد؛ من ذلك: ( ) ينظر: هذا البحث (51-51.) ( ) ينظر: السابق (6- 5.)

عدد الصفحات ٣١٧

311 أ- اطرد اقتران كلمة "سلطان" بالوصف "مبين"؛ منه قوله تعالى:(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ )[هود:11]،ولم يخرج عن هذا الاطراد إلا موضع واحد اقترنت كلمة "سلطان" ب "نصير"؛ قال تعالى:(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ)[الإسراء :16].( ) ب- اطرد اقتران كلمة "واسع" صفة لله -- ب"عليم"؛ منه فوله تعالى:(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ )[البقرة :3]،إلا في موضع واحد عُدل فيه عن "عليم" إلى "حكيم"؛ قال تعالى:(ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[النساء:56].( ) 2) الإفراد، والتثنية، والجمع في الاقتران: وجدت الدراسة عند النظر في بناء الكلمة من حيث الإفراد، والتثنية، والجمع عند الاقتران، ما يلي: - أن ثمة كلمات إذا اقترنت لا ترد هي مع ما اقترنت به إلا بالإفراد؛ من ذلك - مثلا-: أ- كلمة "البر"،لم ترد في النظم القرآني عند اقترانها إلا مفردة، وكذا ما اقترنت به؛ وهي "البحر"؛ من شواهده قوله تعالى:(ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ)[الأنعام:31].(5) ب- وردت كلمة "الأعمى" في النظم القرآني مفردة، وكذا ما اقترنت به "البصير" عند نفي استوائهما؛ من ذلك:( ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ)[الأنعام:36]( ). - قد تأتي الكلمة مفردة في مواضع وجمعا في مواضع أخرى بينما تلتزم ما اقترنت بها حالة و احدة هي الإفراد؛ ككلمة "السماوات" عند اقترانها ب "الأرض" (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ( ) ينظر: هذا البحث (1-56.) ( )ينظر: السابق (1- 1.) (5) ينظر: السابق (51- 51.) ( )ينظر: السابق (3 - 35.)

عدد الصفحات ٣١٨

312 ﮝ ﮞ)[البقرة :55].( ) 5- يطرد اقتران الكلمة مع ما اقترنت به مفردا، لكن يعدل عن ذلك إلى تثنيتهما، أو جمعهما؛ وُجد ذلك عند اقتران "المشرق والمغرب "؛ وكان المطرد عند اقتران هذين اللفظين أن يردا مفردين، ( ) ولم يخرج عن هذا الاطراد إلا آيتان؛ إحداهما جاءت بالتثنية؛ قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ)[الرحمن :3]. والأخرى بالجمع؛ قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ)[المعارج :6]. والجمع بين هذه الأوجه الثلاثة أن يقال : أما "المشرق " فلا ينافي "المشرقين " ولا "المشارق "؛ لأنه مفرد معرّف ب «أل»؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد؛ وأما(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ )، و(ﭓ ﭔ ﭕ ) فالجمع بينهما أن يقال: التثنية بالنظر إلى مشرق الشتاء، ومشرق الصيف؛ فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب؛ ومشرق الصيف في أقصى الشمال؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله ؛ وهذه الآية التي جيء بها باللفظين بالتثنية؛ هي سورة "الرحمن "، وسورة "الرحمن " أكثر ما ورد فيها من ألفاظ كان بصيغة التثنية؛ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر "المشرق والمغرب " بصيغة التثنية. وجمع "المشارق "، و "المغارب "؛ نظراً للشارق، والغارب؛ لأن الشارق، والغارب كثير : الشمس، والقمر، والنجوم؛ كله له مشرق، ومغرب؛ فمن يحصي النجوم؟ . أو بالنظر إلى مشرق كل يوم، ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق، ومغرب؛ و للقمر مشرق، ومغرب . فعند العظمة ذكرت بالجمع :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ) [المعارج :6- ].(5) ( ) ينظر: هذا البحث ( -1.) ( )ينظر: السابق (36.) (5 )ينظر: تفسير القرآن الكريم (البقرة ) ( / ).

عدد الصفحات ٣١٩

313 2 /التقديم والتأخير في الاقتران: وجدت الدراسة من حيث التقديم والتأخير؛ ما يلي : - أن من الكلمات أو الجمل ما يطرد تقديمه في النظم القرآني على ما اقترن به؛ من شواهد ذلك: أ- ما اطراد في القرآن الكريم عند اقتران الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر؛ إذ يُقدم الأمر على النهي؛ من شواهده قوله تعالى:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ)[آل عمران :6 ].( ) ب- ما اطرد عند اقتران نفي الخوف على المؤمنين بنفي حزنهم؛ إذ اطرد تقديم نفي الخوف؛ من شواهده قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ)[البقرة :51].( ) ج- اطراد التقديم عند اقتران الأسا ليب الإنشائية؛ فالقارئ يجد أن ثمة أساليب إنشائية اطرد تقديمها على ما اقترنت به؛ كما في أسلوب النداء والنهي؛ إذا اطرد أن يأتي النداء ب "يا أيها الذين آمنوا"متقدما على الأمر الذي نهُي عنه المنادى؛ كما في قوله تعالى:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ) [النساء: ].(5) ومن الاطراد في اقتران الأساليب الإنشائية؛ اقتران النداء ب "يا" بالتمني ب "ليت"؛ كما في قوله تعالى:(ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ ) [الأنعام:3].( ) - أن من الجمل ما غلب الاطراد فيه من حيث التقديم؛ من ذلك تقديم المغفرة "ي َغْفِرُ لِمَن يَشَاء"، على العذاب "وَي ُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ "، في جميع شواهد اقترانهما، ولم يخرج عن هذا الاطراد إلا شاهد واحد؛ قُدم فيه العذاب على المغفرة؛ قال تعالى:(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ( ) ينظر: هذا البحث (13- 13.) ( ) ينظر: السابق (1.) (5) ينظر: السابق (31.) ( ) ينظر: السابق (31- 1 .)

عدد الصفحات ٣٢٠