المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بلاغة الاقتران في القرآن الكريم

مريم بنت سليمان بن عبيد الله العبيد

صفحة ١٩ من ٢٦

282 أ- اقتران القصص في سورة الشعراء سورة الشعراء ؛ سورة مكية .( ) موضوعها الرئيس؛ هو موضوع السور المكية جميعاً؛ العقيدة؛ بعناصرها الأساسية ( ): توحيد الله : قال تعالى:(ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ) [الشعراء :5]، والخوف من الآخرة :(ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) [الشعراء :13-11]،والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله -  -:(ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ )[الشعراء :1 - 1 ]،ثم التخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين؛ وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين قال تعالى:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ )[الشعراء :1]،(ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ )[الشعراء :3] وتسلية الرسول -- وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن : (ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ )[الشعراء :5]،وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين؛ وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين؛ كما ثبت من قبلهم من المؤمنين. والقصص فيها يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها . والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب. والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة، تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة، تلتقي ع ند هدف واحد..، ومن ثم تعرض من كل قصة المشهد أو المشاهِد التي تؤدي هذه الأغراض . ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب، والعذاب الذي يتبع التكذيب. ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله -  - واستهزاءهم ( ) ينظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 53) ( ) ينظر: في ظلال القرآن (3/ 315.)

عدد الصفحات ٢٨٩

283 بالنذر، وإعراضهم عن آي ات الله، واستعجالهم بالعذاب الذي يوعدهم به؛ مع التقول على الوحي والقرآن؛ والادعاء بأنه سحر، أو شعر تتنزل به الشياطين ! وكانت أغلب القصص في هذه السورة تختم بتعقيب واحد؛ هو قوله تعالى:(ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ )[الشعراء :1-1] .تكرر هذا التعقيب بصيغة واحدة ثماني مرات؛ أُتي به بعد ذكر تكذيب قريش بالرسول - عليه الصلاة والسلام -؛ قال تعالى: (ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ)[الشعراء :1-1]. وأُتي به- أيضاً - في ختام القصص التي تلت ذلك؛ هي: قصة موسى -  -؛ قال تعالى:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ) [الشعراء :13- 11]. وفي قصة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -؛ قال تعالى:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ) [الشعراء :65- 6 ]. ونوح -  -؛ قالتعالى:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ) [الشعراء : - ]. وهود -- قالتعالى:(ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ )[الشعراء:51- 6]. وصا -- قال تعالى:(ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ)[الشعراء :31- 31] ولوط -- قالتعالى:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ) [الشعراء :3 - 33]. وشعيب-  -؛ قالتعالى:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ) [الشعراء :16- 1 ]. ومما استوقفه هذا الاقتران- و هو ختم كل قصة بالآية نفسها - الزمخشري؛ قال :" فإن قلت: كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما

عدد الصفحات ٢٩٠

284 افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به؛ ولأنّ في التكرير تقريراً للمعاني في الأنفس، وتثبيتاً لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان؛ ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان و قر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير ، وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذناً، أو يفتق ذهناً، أو يصقل عقلاً طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ."( ) وذكر ابن عاشور أنها نزلت إثر طلب المشركين أن يأتيهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - بمعجزات خارقة؛ فافتتحت بتسلية النبي -  -، وتثبيت له وربط على قلبه بأن ما يلاقيه من قومه هو سنة الرسل من قبله مع أقوامهم؛ مثل موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب – عليهم السلام -؛ فكل قصة من قصص أولئك الأنبياء التي ذكرت في الس ورة بمثابة الاستدلال على ذلك؛ ولذا ختم كل استدلال جيء به على المشركين المكذبين بتذييل واحد هو قوله:(ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ )؛ والسر البلاغي في ذلك؛ التسجيل عليهم بأن آيات الوحدانية، وصدق الرسل عديدة، وهي كافية لمن يتطلب الحق، ولكن أكثر المشركين لا ي ؤمنون، وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب، وأنه رحيم برسله فناصرهم على أعدائهم .( ) والفاصلة التي ختم بها تعقيب هذه القصص وصفين لله تعالى " ﮌ ﮍ "، والسر البلاغي في ذلك أن وصف الله بالعزة، أي تمام القدرة ، ليعلموا أنه لو شاء لعجل للمشركين العقاب، وبوصف الرحمة إيماء إلى أن في إمهالهم رحمة بهم ؛ لعلهم يؤمنون، ورحيم بمحمد - عليه الصلاة والسلام -؛ قال تعالى: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [الكهف:31]. وفي وصف الرحمة - أيضاً - إيماء إلى أنه يرحم رسله بتأييده ونصره .(5) وهذا الاقتران مناسب لمضمون كل قصة، وللسورة عامة . فهما صفتان عظيمتان "العزة " و"الرحمة "، وهما متقابلتان؛ إذ الأولى من صفات الجلال والثانية من صفات الجمال، والجلال ( ) الكشاف (5 /55 .) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (1/1 .) (5) ينظر: السابق (1/ 6 .)

عدد الصفحات ٢٩١

285 صفة تظهر لأعداء ا-  -، والجمال تظهر لأوليائه . وعلى هذين المعنيين بنيت سورة الشعراء، من مطلعها الذي جمع بين التخفيف على النبي - عليه الصلاة والسلام -، والتشديد على كفار قريش . ولعله مما يؤيد ما سبق أن الوصفين وردا في خاتمة السورة عند خطاب النبي - عليه الصلاة والسلام -؛ قال تعالى:(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ )[الشعراء :1- 3]؛ففيه تنبيه إلى أن التوكل على من هو بهذين الوصفين قادر على أن يكفيه شر هؤلاء وغيرهم، فهو يقهر أعداءه بعزته، وينصره عليهم برحمته .( ) ( ) ينظر: التناسب البياني في القرآن ( ).

عدد الصفحات ٢٩٢

286 اقتران القصص في سورة الصافات -ب سورة الصافات مكية ( )، قصيرة الفواصل، وغرضها كسائر السور المكية بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله، ويمكن إجمال ما تناولت ه السورة من أغراض؛ بما يلي : _إثبات وحدانية ا -  -، وسوق دلائل كثيرة على ذلك دلت على انفراده بصنع المخلوقات العظيمة التي لا قبل لغيره بصنعها؛ وهي العوالم السماوية بأجزائها؛ قال تعالى:(ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ )[الصافات: -3]،وتنص على أن الشرك هو السبب في عذاب المعذبين في ثنايا مشهد من مشاهد القيامة؛قال تعالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) [الصافات:55-51]. - إثبات أن البعث يعقبه الحشر والجزاء؛ قال تعالى:(ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯗ ﯘ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ )[الصافات:3- 1].ثم تعرض بهذه المناسبة مشهداً مطولاً فريداً من مشاهد القيامة؛ فيه وصف حال المشركين يوم الجزاء ووقوع بعضهم في بعض، ووصف حسن أحوال المؤمنين ونعيمهم، ومذاكرتهم فيما كان يجري بينهم وبين بعض المشركين من أصحابهم في الجاهلية ومحاولتهم صرفهم عن الإسلا م. - عرض قضية الوحي والرسالة الذي ورد من قولهم ما حكاه -- عنهم:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ )[الصافات:51]،والرد عليهم؛ قال تعالى:(ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ) [الصافات:53]. وبمناسبة ضلالهم وتكذيبهم تعرض سلسلة من قصص الرسل : نوح وإبراهيم وبنيه، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس– عليهم السلام -. تتكشف من خلال تلك القصص رحمة الله - تعالى - ونصره لرسله، وأخذه للمكذبين بالعذاب والتنكيل؛ قال تعالى:(ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ( ) ينظر: تفسير القرآن العظيم (3/3.)

عدد الصفحات ٢٩٣

287 ﯨﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ) [الصافات:3 -3 ]. وتبرز في هذا القصص قصة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خاصة مع ابنه إسماعيل؛ قصة الذبح والفداء، وتبرز فيها الطاعة والاستسلام لله -- في أروع صورها وأعمقها وأرفعها؛ وتبلغ الذروة التي لا يبلغها إلا الإيمان الخالص الذي يرفع النفوس إلى ذلك الأفق السامق الوضيء . - في نهاية السورة حديث عن معتقداتهم الباطلة في الله -- ونسبتهم إليه الشركاء؛ وقولهم: الملائكة بنات الله - سبحانه تعالى عما يصفون -؛ قال تعالى:(ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭰ ﭱ ﭲ ﭳ )[الصافات:1- 31]،ثم قولهم في النبي -  - والقرآن وكيف كانوا يودون أن يكون لهم كت اب. - وتختم بوعد الله - تعالى - رسوله -- بالنصر كدأب المرسلين، ودأب المؤمنين السابقين، وأن عذاب الله - - نازل بالمشركين وتخلص العاقبة الحسنى للمؤمن .( ) أما القصص التي ذُكرت في السورة، واقترنت خاتمة كل قصة من تلك بالتعقيب نفسه، وبالفاصلة نفسها؛ فهي: قصة نوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وإلياس - عليهم الصلاة والسلام -؛ ففي نهاية قصة نوح قال تعالى:(ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ) [الصافات:31- 1 ]. وكذا ختمت قصة إبراهيم قال تعالى: (ﭲ ﭳ ﭴ ﭶ ﭷ ﭸ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ )[الصافات:61- ]. ( ) ينظر: التحرير والتنوير (5/1 )وما بعدها، و: في ظلال القرآن (3/ 11 .)

عدد الصفحات ٢٩٤

288 وفي قصة موسى وهارون قالتعالى:(ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ)[الصافات6- ]. وفي قصة إلياس قالتعالى: (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ )[الصافات:56- 5 ]. ويجد القارئ أن النعم التي خصَّ بها أولئك الأنبياء "من الفرج بعد الشدة، والظفر بالبغية بعد اليأس"( )؛ إنما كانت لأجل أنهم - عليهم السلام - كانو ا محسنين، ثم عُ لل كونهم محسنين؛ بأنهم كانوا من عباد لله المؤمنين، والمقصود منه؛ بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته.( ) فالسر البلاغي في اقتران خاتمة قصة كل نبي ذكرت بأنه :( ﭪ ﭫ ﭬ )؛ "التنبيه على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل ."(5) وكانت تلك القصص "شواهد لتسلية الرسول محمد -  -، وقوارع من الموعظة لكفار قريش ."( ) ولأن خاتمة القصة هي موضع العناية؛ وهي المقصد من سرد هذه القصص؛ فقد تضمنت بيانا لسنة إلهية مطردة في نصرة أنبيائه، وتدمير أعدائهم؛ فكان مج يء هذا التعقيب وما تضمنه من تأكيد لهذه السنة الإلهية مناسباً للسياق.(3) ( ) البحر المحيط(1/ 1.) ( )ينظر:تفسير الفخر الرازي (1/5 6.) (5 )تفسير الفخر الرازي (1/53 .) ( ) التحرير والتنوير (5/ 13.) (3) ينظر: التناسب البياني ( ).

عدد الصفحات ٢٩٥

289 جـ- اقتران القصص في سورة القمر سورة القمر مكية . وقد كان رسول الله -- يقرأ بق اف، وبها، في الأضحى والفِطْر، كما كان يقرأ بهما في المحافل الكبار؛ لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد وب دء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة .( ) أما الأغراض التي عرضتها هذه السورة؛ فهي : تسجيل مكابرة المشركين في الآيات المبينة وأمر النبي -- بالإعراض عن مكابرتهم . وإنذارهم باقتراب القيامة، وبما يلقونه حين البعث من الشدائد . و تذكيرهم بما لقيته الأمم أمثالهم من عذاب الدنيا؛ لتكذيبهم رسل الله --، وأنهم سيلقون مثل ما لقي أولئك إذ ليسوا خيرا من كفار الأمم الماضية . وإنذارهم بقتال يهزمون فيه، ثم لهم عذاب الآخرة وهو أشد . وإعلامهم بإحاطة الله -- علمًا بأفعالهم، وأنه-- مجازيهم شر ا زاء، ومجازل المتقين خير الجزاء . وإثبات البعث ووصف بعض أحواله . وفي خلال ذلك تكرير التنويه بهدي القرآن وحكمته .( ) وقد عُرض فيها بأسلوب القص مشاهد سريعة لمصارع قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون وملئه . وفي كل قصة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه؛ بقوله تعالى:(ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ )[القمر:1]،ثم يرسله بعد الضغط والهز، بقوله تعالى:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [القمر:3]. فبعد عرض تكذيب نوح -- مع قومه عُقِّب على القصة بقولهتعالى: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ)[القمر:3]. وكذا عن عرض تكذيب عاد، قال تعالى: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ) [القمر: ]. وثمود، قالتعالى:(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ)[القمر:5 ]. ( )ينظر: تفسير القرآن العظيم (3/ 36.) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (3/ 11.)

عدد الصفحات ٢٩٦

290 وقوم لوط، قالتعالى: (ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ)[القمر:6]. ومعنى قولهتعالى:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ )؛ أي: تسهيله، وبيانه وتفصيله للذكر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ .( )"وإذا كان القرآ ن كلاما فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يراد من الكلام، وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به بدون كلفة على السامع ولا إغلاق كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني ؛ فأما من جانب الألفاظ ف ذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها، بحيث يخف حفظها على الألسنة. وأما من جانب المعاني، فبوضوح انتزاعها من التراكيب ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له . وبتولد معان من معان أخر كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها."( ) وقوله:(ﮢ ﮣ ﮤ )؛ أي: فهل من ذي تذكر يتذكر ما قد فعلنا بهذه الأمة التي كفرت بربها، وعصت رسولها وكذبتهم فيما أتوهم به عن ربهم من النصيحة، فيعتبر بهم، ويحذر أن يحَل به من عذاب الله بكفره بربه، وتكذيبه رسوله محمدا --، مثل الذي حلّ بهم، فينيب إ التوبة، ويراجع الطاعة .(5) ولعل السر البلاغي في اقتران كل قصة بالفاصلة نفسها؛ لكي يجدّد المتلقي عند استماع كل نبأ من أنباء الأوّلين ادكاراً واتعاظاً، وأن يستأنف تنبهاً واستيقاظاً، إذا سمع الحث على ذلك؛ لئلا يغلبه السهو ولا تستولي عليه الغفلة . وهكذا تكرير الأن باء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب . مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان .( ) قال البيضاوي: "(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ف َهَلْ مِنْ مُدَّكِرل ) كرر ذلك في كل قصة ؛ إشعاراً بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب ، واستماع كل قص ة مستدع للادكار والاتعاظ، ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /31 .) ( ) التحرير والتنوير (3/ 11.) (5 )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /315.) ( )ينظر: الكشاف ( / 51.)

عدد الصفحات ٢٩٧

291 واستئنافاً للتنبيه واتعاظ لئلا يغلبهم السهو والغفلة."( ) وفي هذا تخويف لمن كذب بالنبي محمد -  -، وتسلية له- عليه الصلاة والسلام - ولمن تبعه. كما أن في اقتران كل قصة بالفاصلة نفسها تأكيدا لصدق النبي محمد--؛ إذ أنكر كفار قومه - عليه الصلاة والسلام - كون القرآن الكريم من الله - تعالى -، واتهموه -- بافترائه؛ فكان أن أُكّد لهم في ختام كل قصة ذُكرت أنه لم يكن لمحمد -  - من سبيل إلى الاطلاع على ما وقع لتلك الأقوام إلا بالقرآن الذي يسره الله - تعالى - له وجمعه الله - سبحانه - في قلبه تحقيقًا لوعده إياه.( ) و يلحظ تأكيد الخبر باللام وحرف التحقيق "قد"؛ مراعاة لحال المشركين الشاكين في أنه من عند الله.(5) ( )تفسير البيضاوي(3/ 13.) ( )ينظر: ظاهرة التكرار في القرآن الكريم (11.) (5) ينظر: التحرير والتنوير (3/ 11.)

عدد الصفحات ٢٩٨

292 الفصل السادس سمات الاقتران في القرآن الكريم 1- وسائل الاقتران 2- أغراض الاقتران 3- الاطراد في الاقتران 4- السمات اللفظية والمعنويةللاقتران

عدد الصفحات ٢٩٩

293 المبحث الأول وسائل الاقتران

عدد الصفحات ٣٠٠

294 وســائـــــــــــــــــــل الاقتـــــــــــــــــــــــــران فيما مضى حُصرتْ أبرز شواهد الاقتران، وصُنفتْ في فصو ل ومباحث بحسب الأساليب التي تُ بها الاقتران، ووُقف مع ما تيسر من أسرار بلاغية لذلك الاقتران. وفي هذا الفصل - بعون الله- ستكون الدراسة مجُمِلة لما سبق؛ من خلال أربعة مباحث؛ سيُحصر فيها ما تيسَّر من وسائل الاقتران في القرآن الكريم، وأغراضه، وما ا طرد منه، وسماته اللفظية والمعنوية . فاتحة هذه المباحث "وسائل الاقتران". المراد بالوسيلة : "هي ما يتقرب به إلى الغير ."( ) وهي هنا الطرق أو الأساليب التي من خلالها تُ الاقتران. ويمكن حصر أبرزها فيما يلي : 1) الوصف: في اللغة: الوصف وصفك الشيء بحِلْيته ون َعْته. وصَف الشيءَ وصْفاً وصِفةً حَلاَّه، والهاء عوض من الواو وقيل الوصْف المصدر والصِّفةُ الحِلْية. ( ) وقد تعددت صور الاقتران بهذا الطريق؛ ويمكن إجمالها على النحو الآتي : 1- الوصف بصيغة المبالغة أو الصفة المشبهة: كان من وسائل الاقتران أن ترد الكلمة بصيغة المبا لغة وتقترن بمثيلتها؛ كما في "صبار شكور"؛ فصبار صفة جاءت بصيغة المبالغة، وكذا شكور (5)، و"رؤوف رحيم "، و"سميع ( ) التعريفات (5 1.) ( )ينظر: لسان العرب (مادة/ وصف). والفرق بين الوصف والصفة : أن الوصف مصدر والصفة فعلة. وفعلة نقصت فقيل صفة، وأصلها وصفة؛ فهي أخص من الوصف؛ لأن الوصف اسم جنس يقع على كثيره وقليله، والصفة ضرب من الوصف؛ مثل الجلسة والمشية وهي هيئة الجالس والماشي؛ ولذا أُجريت الصفات على المعاني، فقيل : العفاف والحياء من صفات المؤمن، ولا يقال : أوصافه بهذا المعنى؛ والسبب في ذلك لأن الوصف لا يكو ن إلا قولا . والصفة أُجريت مجرى الهيئة، وإن لم تكن بها فقيل للمعاني نحو : العلم والقدرة صفات؛ لأن الموصوف بها يعقل عليها كما ترى صاحب الهيئة على هيئته . وتقول: هو على صفة كذا، وهذه صفتك كما تقول هذه حليتك ولا تقول هذا وصفك إلا أن يعني به وصفه للشيء. ينظر: الفروق اللغوية. (5 )ينظر: هذا البحث (6/ 5)

عدد الصفحات ٣٠١

295 بص"، أو تقترن الكلمة بصفة مشبهة؛ كما في "شقاق بعيد".( ) 2- الوصف بالصفة: وقد جاء هذا الاقتران على أكثر من صورة؛ هي : أ- أن تقترن النكرة بالصفة المفردة : كما في"عدو مبين"( )، و"ضلال مبين"(5)، و"صراط مستقيم"( )، و"رزق كريم ".(3) ب- أن تقترن النكرة بالوصف با لجملة الفعلية : ظهر ذلك عند اقتران الجمع "جنات" بالصفة "تجري من تحتها الأنهار ".(1) ج- أن يقترن العلم بالصفة: كما في اقتران "عيسى" ب " ابن مريم".(3) د- أن تقترن الكلمة المعرفة بال بالصفة : كما في اقتران "الفوز العظيم".(1) 2 )العطف: الذي لحُظ أن العطف بالواو كان من أبرز وسائل الاقتران؛ إذ به تُ الربط بين الكلمتين المقترنتين، أو بين الجملتين. ولعل ذلك يرجع إلى دلالة هذا الحرف في العطف؛ إذ الواو لمطلق الجمع، ومعناها إشراك الثاني فيما دخل فيه الأول، وهي لا تقتضي الترتيب، وليس فيها دليل على أيهما كان أولاً ؛ فقد يعطف بها متقدم، وقد يعطف بها مساول، وقد يعطف بها متأخر.(1) مظاهر الاقتران بالعطف يمكن إجمالها فيما يلي: 1- العطف على النكرة : وذلك بأن تعطف الكلمة النكرة على أخرى مثلها؛ كما في "هدى ( ) ينظر: هذا البحث (3/51) ( )ينظر: السابق (1،3) (5 )ينظر: السابق (1-3 ) ( )ينظر: السابق (35-31) (3 )ينظر: السابق (33-31) (1 )ينظر: السابق ( -5) (3 )ينظر: السابق ( 33-16) (1 )ينظر: السابق (1 -15) (1) ينظر: الأصول في النحو ( /33)

عدد الصفحات ٣٠٢

296 ورحمة "( )، و"مغفرة وأجرًا"( )، و"خوفًا وطمعًا".(5) 2- عطف العلم على العلم : وشاهد هذا ما جرى في "موسى وهارون "( )؛ و "إبراهيم وإسماعيل".(3) 3- العطف على صلة الموصول: شاهده اقتران"الذين آمنوا"ب "وعملوا الصالحات".(1) 4- عطف المتضايف: كما في "فضل الله ورحمته ".(3) 5- عطف الجمع على المفرد : ظهر ذلك عند اقتران "السمع والأبصار".(1) 6- عطف المفرد على الجمع : كان ذلك عند اقتران "السماوات والأرض".(1) 7- عطف الجمع على الجمع:شاهد هذه الصورة اقتران "جنات وعيون".(6) 8- عطف الجملة الاسمية على الاسمية : ظهر ذلك في اقتر ان "لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ".( ) 9- عطف الجملة الفعلية على الفعلية: وذلك باقتران "سمعنا وأطعنا".( ) 11- عطف الجملة الاسمية على الفعلية : كما في اقتران "لا يخُفف عنهم العذاب ولاهم يُنظرون".(5) 11- عطف المجرورات : كما في اقتران "يؤمنون بالله واليوم الآخر"( ). ( ) ينظر: هذا البحث (16-15) ( )ينظر: السابق (1 -11) (5 )ينظر: السابق (13-11) ( )ينظر: السابق (36-3 ) (3 )ينظر: السابق ( 35-33 ) (1 )ينظر: السابق ( 15-13 ) (3 )ينظر: السابق (6 - 63) (1 )ينظر: السابق (63- 6 ) (1 )ينظر: السابق ( -1) ( 6 )ينظر: السابق (3- 6) ( )ينظر: السابق (1) ( )ينظر: السابق (56- 55) ( 5) ينظر: السابق (51- 51) ( ) ينظر: السابق ( 33- 31)

عدد الصفحات ٣٠٣

297 12- عطف اتضادات: "عالم الغيب والشهادة"، "الْب َرِّ وَالْبَحْرِ "، "الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ " ... وغيرها.( ) 13- عطف المتقابلات: "ي َغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَي ُعَذِّبُ مَن يَشَاء "،َ يُولِجُ اللَّيْلَ فيِ الن َّهَارِ وَيُولِجُ الن َّهَارَ "، و"يخُْرِجُ الحَْيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمخُْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الحَْيِّ "، و"يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَي َن ْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ".( ) 3 )الإضافة: أن تضاف الكلمة إلى أخرى؛ إما بإضافة النكرة إلى العلم؛ كما جاء في اقتران "ملة إبراهيم ". أو بإضافتها إلى المعرف بال؛ كما في "أساطير الأولين". 4 )التنويع بين الأساليب الخبرية و الإنشائية: كان من وسائل الاقتران بين الجمل، التنويع بينها؛ و ذلك من خلال ثلاث صور؛ هي: أ- عطف الجمل الخبرية على بعضها، كما في العطف بين "لا خوف عليهم ولاهم يحزنزن "، و"سمعنا وأطعنا" (5) ب- إرداف الأسلوب الإنشائي بآخر من جنسه أو من نوعه؛ فمن الأول إرداف الاستفهام بالاستفهام؛ كما في "وما أدراك ما "، ومنه – أيضاً - إرداف الأمر بالأمر كما في "فاعفوا واصفحوا". ومن الثاني الجمع بين الأمر والاستفهام؛ كما في "انظر كيف "، ومنه الجمع بين النداء والأمر؛ كما في "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله"، والجمع بين النداء والنهي؛ كما في "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا.."، والجمع بين النداء والتمني؛ كما في "يا ليت".( ) ج- إرداف الأسلوب الإنشائي بالخبري؛ كما في اقتران الاستفهام بالنفي ومثاله "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون "، واقتران الأمر بالنفي "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".(3) ( )ينظر: هذا البحث (5 - 36) ( )ينظر: السابق (31- 13) (5) ينظر: السابق (1- 55.) ( ) ينظر: السابق ( 3- 1 ) (3 )ينظر: السابق (1 )، و: (13،11)

عدد الصفحات ٣٠٤