266 و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" له منزلة عظيمة الشأن في الإسلام؛ ولعل مما يدل على ذلك أنه قُدم بالذكر في النظم القرآني على الإيمان بالله، وكان علامة فارقة ميزت أُمّة محمد - - وجُعلت به خير أمم الأرض، كما في قوله:(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ) [آل عمران :6]. كما قُدم– أيضاً - على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، في قوله :(ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) [التوبة:3 ]؛ "لأَنَّ تقديمه "هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَقَامِ الت َّ عَاوُنِ وَالت َّنَاصُرِ ."( ) وجعله الله - - من صفات الممكنين في الأرض، قالتعالى:(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) [الحج: ]. ولعل اقترانهما- الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر -؛ للتنبيه على عظم منزلة هذه الشعيرة الدينية وأهميتها في صلاح حال الأمة ؛ وللدلالة على شدة تلازمهما؛ فكل معروف يُقام، يقابله منكر يهوي.. . فاقترانهما المتقابل دلّ على وظيفتين متكاملتين؛ وظيفة استكمال بناء الحياة الراشدة بالعمل على إحياء ما أميت من المصالح، وإيجاد جميع الوسائل العمرانية المحققة لهذا الغرض وهذه الوظيفة هي "الأمر بالمعروف". والوظيفة الثانية هي وظيفة تطهير العمران من أنواع المفاسد التي تنخره، وذلك بالعمل على إزالتها . وهذه الوظيفة هي "النهي عن المنكر". والوظيفتان تتكاملان في أداء واجب مشترك هو مقاومة أنواع الخلل الاجتماعي المفضية إلى اختلال العمران واضمحلاله.( ) وقد اقتران ذكرهما في مقام الحث على الخير قال تعالى:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [آل عمران:6 ]. والمع"لتكن أمة أي جماعة دعاة إلى الإسلام، وإلى كل فعل حسن يستحسن في الشرع ( ) تفسير المنار (1/11.) ( ) ينظر: مجلة حراء، بين عمارة المساجد وعمارة الأرض .
عدد الصفحات ٢٧٣267 والعقل. وقيل الدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان : أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف. والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر؛ فذكر الحسن أولا وهو الخير، ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في البيان ."( ) ومجيء "ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ " في هذا المقام - إضافة لما سبق -؛ من الإطناب بذكر الخاص بعد العام؛ وهو "الخير" ؛ والسر البلاغي لذلك للتنبيه على أهمية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بها صلاح الأمة. واقترن ذكر "ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ " في قوله تعالى:(ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) التوبة:3 ]. والسر البلاغي في هذا؛ لأن"هَاتَانِ الصِّفَتَانِ مِنْ أَخَصِّ صِ فَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتيِ يمَْتَازُونَ بهَِا عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَعَلَى غَيرِْهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، همَُا سِيَاجُ حِفظِ الفَضَائِلِ، وَمَنْعُ فُشُوِّ الرَّذَائِل ...وَقَدْ فَضَّلَ اللهُ ت َعَالىَ بهِِمَا أُمَّةُ محَُمَّدل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ الأُْمَمِ فيِ ق َوْلِهِ :(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)[آل عمران :6]".( ) ويلحظ التعبير في الشواهد المذكورة عن "الأمر" و"النهي" بالجملة الفعلية؛ وفي ذلك دلالة على تجدد هذان الفعلان في كل حين وفي كل مكان؛ فمع تجدد المنكر تكون وظيفة الإن كار، ومع التقصير في أداء المعروف تكون وظيفة الأمر. ( ) تفسير الفخر الرازي ( /1 .) ( ) تفسير المنار(6/ 13.)
عدد الصفحات ٢٧٤268 الفصل الخامس الاقتران في القصص القرآني 1- الاقتران في القصص القرآني على مستوى السور 2- الاقتران في القصص القرآني على مستوى السورة الواحدة
عدد الصفحات ٢٧٥269 الاقتران في القصص القرآني مفهوم القصة القرآنية : القِصة في اللغة: الخبر، وهو القَصَص، والقِصص: جمع القِصة. والقصُّ :فعل القاص إذا قصَّ القصص والقصة . يقال: في رأسه قِصَة: أي جملة من الكلام. ونحوه؛ قو له تعالى:(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) [يوسف:5]. يقال:قصصت الشيء؛ إذا تتبعت أثره شيئا بعد شيء، قال تعالى:(ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ) [القصص: ].( ) وعند البيان:"القصة القرآنية هي الجزء القرآني الذي يقص آثار الغابرين وبعض الأحداث الماضية"( )، لأخذ العبرة . أنواع القصة القرآنية : تعددت الآراء وتنوعت مشارب أهل العلم في أنواع القصة القرآنية ، ويمكن الاكتفاء بثلاثة أنواع؛ هي : - القصة التاريخية: وتشمل ما جاء في القرآن الكريم من القصص للسابقين سواء كانوا من الأنبياء ، أو من غيرهم ممن قصَ الله علينا أحوالهم. - القصة الغيبية: وتشمل ما قص القرآن الكريم من عالم الغيب وأحداثه . 5- القصة التمثيلية : وهي القصة التي بُدئت بما ينبئ أنها "مثل" مضروب لمشابهة حال المخاطبين لأحداثها ، أو كانت غير منسوبه إلى أشخاص معينين ودلَت أحداثها على إمكان وقوعها من بعد .(5) ( )ينظر: لسان العرب (مادة/ قصص). ( ) قصة موسى عليه السلام في البيان القرآني (3.) (5) ينظر: خصائص القصة الإسلامية (11 )وما بعدها.
عدد الصفحات ٢٧٦270 الخصائص الفنية للقصة في القرآن: تميزت القصة القرآنية بعدة خصائص؛ ومن أبرزها : - تنوع طريقة العرض، أو التنويع في الاستهلال بالقصة، ووضع المدخل إليها . فالقصة في القرآن لا تلتزم منهجاً واحداً في شأنها كله ، فأحياناً يذكر ملحضاً للقصة يسبقها ، ثم يعرض تفصيلات هذه القصة من أولها إلى آخرها ، كما هو في قصة أهل الكه ف. وأحيانا تذكر عاقبة القصة ومغزاها والغرض منها ، ثم تبدأ بعد ذلك من أولها وتسير بتفصيل خطواتها، كما هو في قصة يوسف - - .وأحيانا تذكر القصة مباشرة بلا مقدمة و تلخيص، ويكون في مفاجآتها الخاصة ما يغني، كقصة مريم عند مولد عيسى - - .. وهكذا.( ) - تنوع طريقة المفاجأة؛ فقصص القرآن لا تسير على نظام واحد في تقديم الحدث القرآني المفاجئ ، ولكن تُراعى عدة أمور.( ) 5- التصوير في القصة؛ فلكل قصة في القرآن ما يناسبها من ألوان التصوير ، حتى لتستحيل القصة حادثاً يقع ومشهدا يجري ، لا قصة تُروى ، ولا حاد ثاً قد مضى؛ (5) ومن هذه الألوان: أ - قوة العرض والإحياء؛ كقصة أصحاب الجنة ، وقصة نوح وابنه في الطوفان، حتى ليظن القارئ أن المشهد حاضرع يحس، ويُرى .( ) ب- تصوير العواطف والانفعالات، وهي محرك الأحداث ومحور الموا قف، وقد حرص القرآن على تجسيدها حتى تكون ملموسة؛ فعاطفة الأبوة كائن في قصة يوسف - -، ونوح - - .والعواطف ترتقي وتعتلي في قصة مر - عليها السلام - بحيث يبرز الغرض الديني وفق بروز وتصوير هذه العواطف والانفعالات.(3) ( ) ينظر: التصوير الفني (16 )وما بعدها، و: قصة موسى عليه السلام في البيان القرآني ( 3 )وما بعدها. ( ) ينظر: قصة موسى عليه السلام في البيان القرآني ( ). (5) ينظر: التصوير الفني (16.) ( )ينظر: السابق، نفسها، وما بعدها. (3 )ينظر: التصوير الفني ( 13 )وما بعدها، و:قصة موسى في البيان القرآني (1 - 1.)
عدد الصفحات ٢٧٧271 ج- تصوير الشخصيات؛ إذ للأشخاص وظيفة مهمة في تحريك الأحداث ، لذا تُقدَم بصورة واضحة تبرز خصائصهم التي تتطلبها وظائفهم في القصة، وتصوير الأشخاص سمة بارزة في القصص، وهي بذاتها غرض للقصص( )، ويرسم القصص القرآني بضع نماذج إنسانية من هذه الشخصيات تتجاوز حدود الشخصية المعينة إلى الشخصية النموذجية. غايات القصة القر آنية وأغراضها : لعل من أبرز هذه الأغراض؛ ما يلي : - إثبات الوحي والرسالة النبوية لمحمد - -،فقد جاء القرآن وقصَّ جملة من أخبار السابقين والأمم الغابرة ، وقد كان - - أمياً لا يقرأ التاريخ، وقد قصَ ما جاء عند أولئك بقرآن يوحى إليه ما كان حديثا يفتر ى،. - بيان أن دين الله - - واحد، وأنه أنزله على رسوله وأنبيائه لا تعارض فيه ولا تناقض من عهد نوح - - إلى عهد محمد - -،ولم تحرج القصص القرآنية عن ذاك الأساس؛ فالكل يدعو إلى الإيمان بالله وحده . 5- للقصص القرآني أهميته في توجيه الدعوة الإسلامية ، فقد تكشف القصص عن نهاية الطريق الذي يسلكه أهل الدعوة الإسلامية؛ فالدعوة الإسلامية تستلهم القصص القرآني وتستوحيه في خطواتها ، ومراحلها ، وما ينتظرها من عواقب . - بيان أن وسائل الأنبياء في الدعوة موحدة ، وأن استقبال قومهم لهم متشابه. 3- تبين القصص القرآنية نصر الله لأوليائه وأنبيائه ، وإهلاكه للمكذبين ، وفي ذلك تثبيت لقلب الرسول - - وتأثيرها في نفسه، ونفوس من يدعوهم إلى يوم القيامة، قال : (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ)[هود:6]. 1- القصص القرآني يساق للعبرة والموعظة ، لا لمجرد المتعة والتسلية ، كما قال : (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ)[يوسف: ]. ( ) ينظر: التصوير الفني (11 )وما بعدها، و:قصة موسى في البيان القرآني ( 1 - 1 .)
عدد الصفحات ٢٧٨272 3- والقصص القرآني يصور طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر في نفوس الناس ، والصراع القائم بينها ، وملامح كل فريق ، وصفات أتباعه . 1- كما أن قصص القرآن تربي النفس ، والروح ، والعقل، والجسم، والتربية بالقد وة والتربية بالموعظة. إلى جانب أغراض دقيقة خاصة وفرعية تتناثر حول القصص ، كل قصة بمفردها.( ) ( ) ينظر: في أغراضها :التصوير الفني (5)،و:القصص القر آني، العماد زهير (5)، و:من روائع القرآن (3 )وما بعدها، و: قصة موسى في البيان القرآني (6 )وما بعدها.
عدد الصفحات ٢٧٩273 المبحث الأول الاقتران في القصص القرآني على مستوى السور
عدد الصفحات ٢٨٠274 الاقتران في القصص القرآني على مستوى السور اقتران قصة زكريا بمريم - عليهما السلام - ترد القصة في السورة لأداء غرض يقتضيه السياق الذي وردت فيه . وقل أن ترد القص ة بكل تفاصيلها في سورة واحدة، إنما يرد في كل سورة من التفاصيل ما يناسب موضوع السورة وأغراضها .( ) فالقصة في القرآن تأخذ عند عرضها منهجين؛ إما إشارة مجملة دون ذكر تفاصيل، وإما مفصلَّة؛ وهذا التفصيل يتنوع بحسب ما يقتضيه السياق؛ فما يُذكر في سورة من البيان والتفصيل، قد لا يذكر في أخرى . وقد تذكر القصة، ويذكر معها قصص أُخر، وقد تنفرد السورة بقصة ما..وهكذا. ومن القصص التي غلب اقترانها بأخرى ما يجده القارئ في قصة زكريا - -؛ إذ ظهر اقترانها بقصة مريم - عليها السلام - في النظم القرآني . وكان ذلك في ثلاثة مواضع؛ حيث ذُكرت قصة مريم و ميلاد المسيح عيسى ابن مريم - عليهما السلام - فى سورة آل عمران، تالية لقصة زكريا و ميلاد يحيى - عليهما السلام -، كما جاءت على هذا الترتيب في سورة مريم، وكذا في سورة الأنبياء . ففي سورة آل عمران قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ )[آل عمران :51-51].ثم شُرع بذكر قصة مر -عليها السلام- بعد الاانتهاء من عرض قصة زكريا --؛ فقالسبحانه:(ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ )[آل عمران : -3]. ( ) ينظر: التناسب البياني (13.)
عدد الصفحات ٢٨١275 وفي سورة مريم؛ قال تعالى:(ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ) [مر: -1] ثم أُردفت قصته بقصة مر- عليهما السلام -؛ قال تعالى:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ) [مر:1- 6] وفي سورة الأنبياء ذكرت قصتيهما - عليهما السلام - مجملة؛ قال تعالى:(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ )[الأنبياء:11-16] بعدها قالسبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ)[الأنبياء:1 ] وقصةزكريا -- كما وردت في سورة آل عمران - باختصار -؛ أنه عندما رأى "ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رَزَقها، وفضله الذي آتاها من غير تسبُّب أحد من الآدميين في ذلك لها ... طمع بالولد، مع كبر سنه، من المرأة العاقر . فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، كما رزق مريم على تخلِّيها من الناس ما رَزَقها من ثمرة الصيف في الشتاء وثمرة الشتاء في الصيف، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العاداتُ في ا لأرض، بل المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غيرُ الأمر الجاريةُ به العادات في الناس. فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله ذرّيةً طيبة."( )فاستجاب الله- - له. ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (1/531.)
عدد الصفحات ٢٨٢276 وقصة مر- عليها السلام -، تتلخص في أن الملائكة بشرتها "بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم.. فتضمنت البشارة نوعه، وتضمنت اسمه ونسبه . وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه ..ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه :«وَجِيهاً فيِ الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »..، كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فيِ الْمَهْدِ »..، ولمحة من مستقبله:«وَكَهْلاً».. وسمته والموكب الذي ينتسب إليه : «وَمِنَ الصَّالحِِينَ ».."( )، ذُكر موقفها - عليها السلام - من هذه البشارة . و السر البلاغي في اقتران القصتين؛ الترقي من الصعب إلى الأصعب، فالصعب ولادة يحيى، والأصعب منه ولاد ة عيسى - عليهما السلام - وبيان ذلك: أن"خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج الع ادات من تخليق الولد لا من الأب ألبتة، وأحسن الطرق في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقيا إلى الأصعب فالأصعب ."( ) والمراد بالصعوبة هنا؛ الصعوبة بالمفهوم البشري، التي تعجز قدرات العقل البشري عن إدراك تصوّر لكيفية تحققها. و الترقي - أيضاً - من العجيب إلى الأعجب؛ فهو - سبحانه - " لما ذكر قصة زكريا ، وطلبه الولد، وإجابة الله إياه، فولد له من شيخ فان، وعجوز له عاقر، وكان ذلك مما يتعجب منه، أردفه بما هو أعظم في الغرابة والعجب وهو وجود ولد من غير ذكر ."(5)وفي ذلك دلالة جليّة على عظم قدرة الله وحكمته .( ) ولعل مما يقوي التعليل السابق ما تضمنته القصتان من أمارات التعجب؛ فزكريا - - عندما بُشر بالغلام؛ تعجب من ذلك؛ قال- تعالى - حكاية عن قوله: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ )[آل عمران :6 .]وقال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [مر:1.] ومر - عليها السلام - تعجبت من ذلك؛ قال تعالى: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ )[آل عمران :3] .وقالتعالى: ( ) في ظلال القرآن ( /511.) ( )تفسير الفخر الرازي ( /3 1 )وما بعدها. (5) البحر المحيط (3/ 3.) ( ) ينظر: السابق، نفسها.
عدد الصفحات ٢٨٣277 (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)[مر:6.] ف"أنى" استفهام المراد منه التعجب، فبشار ة زكريا بيحى - عليهما السلام - بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج أمر عجيب ( )، أو "استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى."( ) وفي شأن مريم - عليها السلام - "قال المفسرون: إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة."(5) ومن أمارات التعجب التي وردت في قصة مر - عليها السلام -؛ موقف قومها منها عندما أتت تحمل ابنها - عليهما السلام -؛ قال تعالى: (ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ) [مر:3.] و"الفرىّ : البديع"( )، ف "يحتمل أن يكون المراد شيئا عجيبا خارجا عن العادة."(3) ومما يؤيد ذلك في سورة الأنبياء ؛ أن الله تَعَالَى قال في شأنها:( ﭑ ﭒ ﭓ)؛ "أَيْ وَاذْكُرْ مَرْيمََ الَّتيِ أَحْصَنَتْ ف َرْجَهَا . وَإِنمََّا ذَكَرَهَا وَلَيْسَتْ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ ؛ لِيَتِمَّ ذِكْرُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ."(6)ولم يُذكر هنا اسم مريم، لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها - - وقد جاءت هي تبعا له في السياق. إنما ذُ كر صفتها المتعلقة بولدها.(3) "وعبر عنها بالموصول دلالة على أنها قد اشتهرت بمضمون الصلة -كما هو شأن طريق الموصوليه غالبا -، و-أيضاً - لما في الصلة من معنى تسفيه اليهود الذين تقولوا عنها إفكا وزورا، وليبنى على تلك الصلة ما تفرع عليها من قوله تعالى:(ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ) الذي هو في حكم الصلة أيضا، فكأنه قيل: والتي نفخنا فيها من روحنا، لأن كلا الأمرين موجب ثناء . وقد أراد الله إكرامها بأن تكون مظهر عظيم قدرته في مخالفة السنة البشرية لحصول حمل أ نثى دون ( ) نظم الدرر ( /13.) ( ) أضواء البيان(5/511.) (5) تفسير الفخر الرازي ( 1/ 1.) ( )الكشاف(5/ .) (3) تفسير الفخر الرازي ( /3 1.) (1) الجامع لأحكام القرآن ( /551.) (3) في ظلال القرآن ( /513.)
عدد الصفحات ٢٨٤278 قربان ذكر، ليرى الناس مثالا من التكوين الأول ." ( ) وعليه يكون السر البلاغي في ذكرها وابنها - عليهما السلام - في هذا المقام تاليا ذكر قصة زكريا وابنه - عليهما السلام -؛ الترقي - أيضاً - من العجيب إلى الأعجب، بدلالة التنصيص على هذه الصفات "التي أحصنت فرجها "، و"فنفخا فيها من روحنا "؛ لما في ذلك من دلالة على كمال قدرة الله - جل وعلا -، والله - تعالى - أعلم بمراده . وقد يكون من الأسرار البلاغية لاقتران قصتيهما - عليهما السلام -؛ ما بينهما من صلة زمنية؛ فكلاهما في زمن واحد . وما بينهما من صلة اجتماعية؛ إذ إن زكريا هو المتكفل بمريم - عليهما السلام - القائم على شؤونها. منها - أيضاً - كون مريم - عليها السلام - هي السبب في طمع زكريا -- بالولد– مع تقدمه في السن وعقم إمرأته -؛ بيان ذلك أنه رأى كمال قدرة الله - جل وعلا- فيها؛ فقد كان يجد الرزق في غير أوانه، وإذا سألها، قالت: هو من عند الله. فجعله ذاك يتطلع إلى الولد من الله الذي هو على كل شيء قدير - والله أعلم بمراده -. ( ) التحرير والتنوير (3/ 53 )وما بعدها.
عدد الصفحات ٢٨٥279 المبحث الثاني الاقتران في القصص القرآني على مستوى السورة الواحدة
عدد الصفحات ٢٨٦280 الاقتران في القصص القرآني على مستوى السورة الواحدة اقتران القصص بالفاصلة نفسها الفاصلة: الخرزة التي تفصل بين الخرزتين في النظام . وعقد مُفصَّل؛ أي جعل بين كل لؤلؤتين خرزة . وفي القرآن الكريم؛ قوله تعالى:(ﭾ ﭿ )[الأعراف:55]؛ أي بين كل آيتين فَصْل تمضي هذه وتأتي هذه، وبين كل آيتين مهلة، وقيل مفصلات مبينات، والله أعلم . وسمُِّي المفصّل مُفَصَّلاً؛ لقصر أعداد سورة من الآي. و الفَصْل من الجسد موضع المَفْصِل، وبين كل فصلين وَصْل. والفصل: الحاجز بين الشيئين. وفَصَلْتُ الشيء، فانفصل؛ أي قطعته فانقطع . والمَفْصِل: كل ملتقى عظمين من الجسد.( ) وفي الاصطلاح: "كلمة آخر الآية".( ) أو: الفاصلة الكلام المنفصل عما بعده، وقد يكون رأس آية وقد لا يكون، تقع ا لفاصلة عند نهاية المقطع الخطابي، سميت بذلك لأن الكلام ينفصل عنده.(5) وللفاصلة في النظم القرآني قيمة بالغة الأهمية؛ فمن ذلك أنها تقع لتحسين الكلام بها، وهي طريقة باين القرآن بها سائر الكلام .( ) ليس ذلك فحسب، بل إن المتأمل في النظم القرآني يجد الفاصلة قد اختيرت بعناية، حتى إن ما قبلها يمُهِّد لها تمهيداً، يجعل منها ممكنّة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في سياقها، متعلقاً معناها بمعنى الكلام كله تعلقاً تاماً، ولو طُرِحت لاختل المعنى، واضطرب الفهم .(3) لذا كان للكلمة، أو الجملة، التي تختم بها الآية قيمة خاص ة؛ لأنه عنصر يؤدي وظيفة مزدوجة في نظم الآية؛ فهو من ناحية يتصل بالمعنى ويتممه . ومن ناحية أخرى يتصل بنظام ( ) ينظر: لسان العرب (مادة/فصل). ( ) الإتقان في علوم القرآن ( /61. ) (5) ينظر: مباحث القرآن (51.) ( ) ينظر: الإتقان في علوم القرآن ( /61)، و:التناسب البياني في القرآن (53 .) (3) ينظر: البرهان في علوم القرآن ( /31)، و:التناسب البياني في القرآن (53 .)
عدد الصفحات ٢٨٧281 الفواصل وينسقها.( ) وفي هذا المبحث ستكون وقفة مع سور غلب اقتران القصص الذي وردت فيها بالفاصلة نفسها عند ختام كل قصة؛ وبيان القيمة البلاغية لذلك . ( ) ينظر: :التناسب البياني في القرآن (53 .)
عدد الصفحات ٢٨٨