250 وإذا كان الحال كذلك فهو وحده المدبر لأمور الكون أجمع، ا تصرف في شؤونه، وإذا كان كذلك فهو المستحق للعبادة دون ما سواه؛ ومن تدبيره أمور الكون تحويل القبلة من بيت المقدس إلى اليبت الحرام، قال تعالى:( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [البقرة : ]. فالسر البلاغي في اقتران"المشرق والمغرب " في هذا السياق- والله أعلم -؛ إفحام خصموم المسلمين من اليهود وغيرهم. وبيان ذلك أنه "فى قوله تعالى: ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ) إخبار بما سيكون من هؤلاء السفهاء من سفاهة، قبل أن يقع منهم هذا السّفه عن تلك الواقعة، وفى هذا ما يكشف عن لؤم القوم وخبث طويتهم، وأنهم - بحكم ما هم عليه من خبث ولؤم - لن يتركوا هذا الحدث من غير أن يثيروا الغبار حوله، وأن يشعلوها فتنة عمياء، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا!"( ) ثم قال تعالى:(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ )؛ وهذا "ردّ مفحم على تلك السفاهة المضلة، فإذا كانت العبادة لله وحده، وإذا كانت وجوه العابدين إنما قبلته ا لله وحده، فإن أي متجه يتجه إليه المؤمن ... «... ﮚ ﮛ ﮜ ».. وقد وجّه الله المسلم وجهتهم الأولى، وهو الذي وجههم وجهتهم الثانية، وهم فى وجهتيهم على صراط مستقيم، إذ كانوا ملتزمين أمر الله، آخذين بهديه، عابدين له وحده ."( ) ( ) التفسير القرآني للقرآن ( /13.) ( ) السابق، نفسها.
عدد الصفحات ٢٥٧251 المطلب السابع اقتران نفي استواء الأعمى بالبصير أختم شواهد الاقتران التي شكلت بانتظامها طباقا بديعا؛ ما جاء في النظم القرآني من نفي استواء الأعمى بالبصير؛ من شواهد ذلك قوله تعالى:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ)[الأنعام:36]. وقولهسبحانه:(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ)[الرعد :1]. وقولهجلَّ شأنه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ)[فاطر:1] . وقد ورد هذا الاقتران في سياق الاحتجاج على منكري نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - قال تعالى: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ)[الأنعام:36]. وفي سياق الاحتجاج على منكري وحدانية ا - تعالى -؛ قال تعالى:(ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ)[الرعد :1]. والمع:"هل يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به "والأعمى"، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها "والبصير"، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه، فاقتدى بها واستضاء بضيائها."( ) وكان اقترانهما -أيضاً - في سياق الاحتِجاج عَلَى مُنكِرِي البعث؛ قال تعالى:(ﯡ ﯢ ( ) جامع البيان في تأويل القرآن ( /53 .)
عدد الصفحات ٢٥٨252 ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ) [غافر:31]. قال ابن عباس في شأن هذ الجملة"مَا يَسْتَوِي الأَْعْمَى وَالْبَصِيرُ " :"هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية ."( ) فالأعمى مستعار للضال، والبصير مستعار للمهتدي، وقد قُرن بينهما في الذكر مع نفي استوائهما . وفي اقترانهما بجملة الطباق "من التنفير عن الضلالِ والترغيب في الاهتداء ما لا يخَْفى ."( ) إذ أُظهر حسن الاهتداء باقترانه بضده من خلال الاستعارة. ولعل السر في ذلك لإلجاء المتلقي للإقرار بصحة نفي استوائهما، من خلال التضاد؛ لأن الضد يُظهر حسنه الضد. والمتبادر إلى الذهن أن الأفضل؛ هو صاحب الحال الأفضل، ألا وهو "البصير"؛ إذ لا يختلف الناس في أن البصر أشرف من العمى. فكأن المتلقي بهذا يقر بأن المهتدي خير من الضال . وكما يُلحظ فإن في نفي المساواة كناية عن تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلا لا يلتبس.(5) ومن اللطائف البلاغية في شاهد اقتران في جميع سياقاته الإتيان بكلمتي" ﭓ ﭔ " بلفظ الإفراد دون الجمع، ولعل ذلك؛ لأن التعريف فيه تعريف الجنس، فيعم جميع أفراده، فيكون طوبق في النظم القرآني بين الجنس والجنس، فيتحقق بهذا التفاوت بينهما. ولم يذكر الأفراد؛ لأن في العميان وفي أولى الأبصار قد يوجد فرد من أحد الجنسين يساوي فرداً من الجنس الآخر؛ كالبصير الغريب في موضع، والأعمى الذي هو تربية ذلك المكان، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد ولا يقدر البصير عليه، أو يكون لدى الأعمى من الذكاء ما يساوي به البليد البصير، فالتفاوت بينهما في الجنسين مقطوع به ف إن جنس البصير خير من جنس الأعمى.( ) ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 31.) ( ) تفسير أبي السعود(5/ 53.) (5 )ينظر: التحرير والتنوير ( /33.) ( )ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/ 3.)
عدد الصفحات ٢٥٩253 وم ن اللط ائف- أيض اً - تق ديم "الأعم ى"عل ى"البص ير"؛ "وَإِنمََّ ا قَ دَّمَ ذِكْ رَ الأَْعْمَ ى عَلَ ى ذِكْ رِ الْبَصِ يرِ مَ عَ أَنَّ الْبَصَ رَ أَشْ رَفُ مِ نَ الْعَمَ ى بِالنِّسْ بَةِ لِ ذَاتل وَاحِ دَةل، وَالْمُشَ بَّهَ بِالْبَصِ يرِ أَشْ رَفُ مِ نَ الْمُشَ بَّهِ بِ الأَْعْمَى إِذِ الْمُشَ بَّهُ بالبص ير الْمُؤْمِنُ ونَ، فَق دم ذَكَ رَ تَشْ بِيهَ الْكَ افِرِينَ مُرَاعَ اةً لِكَ وْنِ الأَْهَ مِّ فيِ الْمَقَامِ ب َيَانَ حَالِ الَّذِينَ يجَُادِلُونَ فيِ الآْيَاتِ إِذْ هُمُ الْمَقْصُودُ بِالْمَوْعِظَةِ ."( ) ( ) التحرير والتنوير ( /31.)
عدد الصفحات ٢٦٠254 المبحث الثالث الاقتران في المقابلة
عدد الصفحات ٢٦١255 الاقتران في المقابلة المقابلة في اللغة: الإقبال نقيض الإدبار. واستقبل الشيء وقابله : حاذاه بوجهه، ويقال : فلان قبالتي؛ أي مستقبلي.( ) وهي في البلاغة:"أن يُؤتى بمعنيين متوافقين أو معانل متوافقة، ثم بما يقابلها على الترتيب."( ) وفرَّق بعض البلاغيين بين الطباق والمقابلة، وفي ذلك قالوا (5): 1- الطباق لا يكون إلاَّ بين ضدين، أما المقابلة فتكون بالجمع بين ضدين فصاعداً. 2- الطباق لا يكون إلا بالأضداد (الليل والنهار، البياض والسواد )، أما المقابلة فتكون بالأضداد وغيرها. ومن وجوه الاتفاق بينهما : البلاغة؛ إذ إن بلاغة الطباق هي نفسها بلاغة المقابلة، مع الأخذ في الحسبان طبيعة كُلٍّ منهما. وقد اقترن في النظم القرآني جمل شكلت باقترانها؛ أسلوبا بديعيا يعرف بالمقابلة، وفي هذا المبحث وقفة مع ما تيسر حصره من شواهد هذا الاقتران . ( ) ينظر : لسان العرب . مادة (قبل). ( ) الإيضاح (56 . ) (5 )ينظر: التناسب البياني في القرآن (55. )
عدد الصفحات ٢٦٢256 المطلب الأول اقتران الغفران لمن يشاء - تعالى - بعذاب من يشاء كان من صور الاقتران في القرآن الكريم، التي أثمر عنها أسلوب المقابلة، اقتران الغفران لمن يشاء - تعالى - بعذاب من يشاء؛ بقوله:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ) [البقرة :1 ]، وذلك في خمسة مواضع من الذكر الحكيم؛ من شواهده قوله تعالى:(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ)[البقرة :1 ]. وقولهجل وعلا:(ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ)[آل عمران :1]. وقولهسبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ)[المائدة:1]. في مع"ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ "، جاء في تفسير الطبري: أي أنه - - يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها، ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رؤوس الأشهاد فلا يسترها عليه.( ) ومن السياقات التي ورد فيها هذا الاقتران؛ في سياق الحديث عن الكفار يوم أحد قال تعالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ) [آل عمران:1]. "قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره : ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السماوات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 35)
عدد الصفحات ٢٦٣257 يشاء، ويقضي فيهم ما أحب، فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمرَه ونهيه، ثم يغفر له، ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم."( ) هنا قوبل بين غفرانه - تعالى - لمن يشاء من عباده بقوله: " ﯝ ﯞ ﯟ "، وبين إنزال عذابه على من يشاء منهم " ﯠ ﯡ ﯢ"؛ ولعل السر في اقترانهما الدلالة على كمال قدرة الله - جل وعلا -؛ فهو - جلا وعلا - قادر على كل شيء، على المغفرة بفضله ورحمته، وع لى العذاب بحكمته وعدله؛ والدلالة - أيضاً - على نفاذ مشيئته - - على جميع عباده، وأنه يحكم ولا معقب لحكمه، وفي ذلك تنزيه له - - عن كل ما من شأنه أن يُنافي كماله. وقد قال ابن تيمية :"كمال القدرة يستلزم أن يكون فعالا لما يريد، وذلك يتضمن تنزيهه عن كل ما يُضاد كماله، فيتضمن تنزيهه عن الظلم المنافي لكمال غناه وكمال علمه؛ إذ الظلم إنما يصدر عن محتاج أو جاهل، وأما الغنى عن كل شيء العالم بكل شيء - سبحانه - فإنه يستحيل منه الظلم، كما يستحيل عليه العجز المنافي لكمال قدرته، والجهل المنافي لكمال علمه."( ) وفي سياق آخر قال جل ثناؤه:(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ) [المائدة:1] .والآية في سياق الحديث عن مزاعم اليهود والنصارى؛ بأنهم أبناء الله وأحباؤه . والمعنى: "ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل ...خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتُ جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها."(5) ولعل السر في اقتران "ي َغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَي ُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ " في هذا المقام؛ تأكيد بشرية ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (3/ 65.) ( ) التفسير الكبير، لابن تيمية(5/13)، وما بعدها. (5) جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 3 )وما بعدها.
عدد الصفحات ٢٦٤258 اليهود والنصارى؛ وإبطال زعمهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه، فما يجري على البشر عامة، يجري عليهم. ومن اللطائف البلاغية في شاهد الاقتران هذا - اقتران الغفران لمن يشاء - تعالى - بعذاب من يشاء -؛ تقديم المغفرة على العذاب؛" ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ "؛ وفي هذا دلالة على سعة رحمته - -، وأن رحمته سبقت غضبه؛ كما أخبر رَسُولُ اللهِ - -" :لَمَّا قضى اللَّهُ مِنَ الخَْلْقِ، كَتَبَ عنده فوق عَرْشِهِ إن رَحمَْتيِ سَب َقَتْ غَضَبِ ."( ) وفي ذلك استمالة لنفوس المتلقين، ليبادروا إلى استدراك ما فاتهم ، ويعاجلوا بالتوبة طمعا في المغفرة، وما يعقبها من جزاء . ومنها التعبير عن "المغفرة "، و"العذاب" بالجملة الفعلية؛ ولعل ذلك لبيان أن هذه المغفرة منه - تعالى- متجددة، فكلما أحدث العبد توبة، قابلها الله تعالى بمغفرة،، وكذا يُقال في العذاب؛ فكلما أصر العبد على ما يوجب العقوبة، كان العذاب - والله أعلم -. وأفاد التعبير باسم الموصول "من" العموم؛ أي جميع العباد، فعن السدي "قوله:"يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه."( ) وقد قال :(ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ)[النساء:1]. ( )أخرجه "البخاري "في صحيحه، كتاب :التوحيد، باب :قوله تعالى:(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ )[الصافات:3 ]، (3 3 / .)وبمثله في كتاب : بدء الخلق، باب: ماجاء في قوله تعالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ)[الروم:3]،(5 1 /1 5 .) ( )جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 3 .)
عدد الصفحات ٢٦٥259 المطلب الثاني اقتران إيلاج الليل في النهار بإيلاج النهار في الليل مما اقترن - أيضاً - واندرج تحت أسلوب "المقابلة"؛ "إيلاج الليل في النهار" ب "إيلاج النهار في الليل"؛ وكان ذل ك في أربع مواضع من القرآن الكريم؛ منها قوله تعالى:(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ) [الحج:1 ]. وقولهسبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)[لقمان:1 ]. وقولهجل وعلا:(ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ)[فاطر:5]. وقد ذكر أهل التفسلإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر معنيين : الأول: وهو قول الأكثر: أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر، إنما هو بإدخال جزء منه فيه، وبذلك يطول النهار في الصيف، لأنه أولج فيه شيء من الليل ويطول الليل في الشتاء؛ لأنه أولج فيه شيء من النهار، وهذا من أدلة قدرته الكاملة .( ) الثاني: أن إيلاج أحدهما في الآخر، هو تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك، بغياب الشمس. وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا كما يضيء البيت المغلق بالسراج، ويظلم بفقده . ذكر هذا الوجه الزمخشري، وكأنه يميل إليه، ( ) والأول أظهر، وأكثر المفسرين قال به، والعلم عند الله تعالى.(5) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( 1/133)، و: تفسير القرآن العظيم (1/3 6 ...)وغيرهما. ( ) ينظر: الكشاف ( /61.) (5 )ينظر: أضواء البيان (3/163.)
عدد الصفحات ٢٦٦260 وبالنظر إلى السياق الذي وردت فيه شواهد إيلاج الليل في إيلاج النهار وضده، يجد القارئ أن السر البلاغي في هذا النوع من الاقتران؛ الدلالة على كمال قدرة الله تعالى، وسلطانه العظيم، إذ لا أحد يقدر على ذلك الأمر في تعاقبه واختلافه إلا الله --، لو أن الخلق كلهم إنسهم وجنهم، والملائكة اجتمعوا ما استطاعوا أن يولجوا دقيقة واحدة من الليل في النهار، أو يولجوا النهار في الليل.( ) وإذا كان هو القادر قدرة تامة مطلقة؛ فهو أحق أن يعبد وحده دون سواه، وأن يخُشى من عقابه، ويُطمع في ثوابه. فمثلا في قوله - تعالى- في سورة الحج :(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ)[الحج:1 ] . هذه الآية أعقبت قولهتعالى:(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[الحج:16] والمراد بقوله :( ﮘ)؛ أي هذا النصر الذي ينصره الله - تعالى - على من بُغي عليه؛ لأنه القادر على ما يشاء، ومن أعظم مظاهر قُدرته - جل وعلا - أنه - سبحانه - "يولج الليل في النهار ويُولِجُ الن َّهَارَ فيِ اللَّيْلِ "، وبالقُدرة التي تفعل ذلك ينصر محمداً - - وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم .( ) والسر البلاغي في التدليل على كمال قدرته تعالى بهذا الاقتران "يولج الليل في النهار ويُولِجُ الن َّهَارَ فيِ اللَّيْلِ "، الذي هو من أعظم مظاهر القدرة الإلهية التي تصافح أعينهم صباحا ومساء؛ السر في ذلك بث للطمأنينة في نفوس المسلمين المظلومين، وترهيب لمن عاداهم وظلمهم، علهم عن بغيهم وغيهم يرتد عون، فالقادر على تصريف هذا الكون بهذه القدرة والحكمة - وهو أعظم حالا من الإنسان - قادر على نصر المظلوم على من ظلمه؛ وقدرة الله - تعالى - على الظالم ليست شيئا يُذكر أمام قدرته على تصريف هذه الظاهرة الكونية . وفي آية لقمان، قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)[لقمان:1]. ( ) ينظر: التحرير والتنوي ر (3/5 1)، و: تفسير القرآن الكريم (الحجرات حتى الحديد ) (53 .) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/133.)
عدد الصفحات ٢٦٧261 أتت استدلالا على ما تضمنته الآية قبلها- هي قوله سبحانه -:(ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ)[لقمان:1] من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة الله - تعالى -، فهو قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالا من الإنسان؛ وذلك بتغيير أحوال الأرض وأفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة، تغييرا يشبه تجدد الموت على الحياة كما في دخول الليل في النهار، وتجدد الحياة على الموت كما في دخول النهار على الليل .( ) فالسر البلاغي في اقتران " ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ " في هذا المقام؛ تأكيد قضية البعث بعد الموت. ومن اللطائف البلاغية في شاهد هذا الاقتران؛ تقديم إيلاج الليل في إيلاج النهار على إيلاج النهار في الليل؛ ولعل ذلك لأن إيلاج الليل أمره أعجب !؛ إذ كيف تغشى ظلمته تلك الأنوار النهارية؟ .( ) ومنها التعبير عن الإيلاج بالجملة الفعلية؛ وذلك للدلالة على تجدد هذا الفعل وحدوثه حالا بعد حال، لحكمة إلهية؛ فنجد الليل يطول تارة ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يكونان معتدلين . وتارة يكون الفصل شتاء، ثم ربيعًا، ثم صيفا، ثم خريفًا ..تقدير من عزيز حكيم.(5) ثم إنهذا الإيلاج لا يأتي دفعة واحدة، إنما يأتي تدريجياً شيئاً فشيئاً، فعندما يبدأ بالزيادة يجده المتأمل يأخذ قليلاً في اليومين أو الثلاثة دقيقة واحدة، ثم يبدأ يزداد حتى إذا تساوى الليل والنهار، يجده يأخذ ما يقرب من الدقيقتين في اليوم تدريجياا، ولو جاء دفعة واحدة، لكنا - مثلاً - في أطول يوم في السنة، وإذا بنا في اليوم الثاني إلى أقصر يوم في السنة، فيترتب على ذلك مفاسد عظيمة؛ لأن الناس سينقلبون من حر مزعج إلى برد مؤلم في خلال أربع وعشرين ساعة، وهذا مضر بالأبدان، والنبات، والجو . ولكنه - - يولجه على تنظيم موافق للحكمة تماماً، ولا أحد يستطيع أن يفعل هذا - أبداً - مهما بلغ من القوة، والقدرة .( ) ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( /1 .) ( ) ينظر: السابق ( /13.) (5 )ينظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 6.) ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم (الحجرات حتى ا لحديد) (53 )وما بعدها.
عدد الصفحات ٢٦٨262 المطلب الثالث اقتران إخراج الحي من الميت بإخراج الميت من الحي من مظاهر قدرة الله - تعالى - التي انتظمت في القرآن الكريم بأسلوب الاقتران؛ "إخراج الحي من الميت" جاءت مقترنة ب "إخراج الميت من الحي "؛ وذلك في المواضع التالية: قوله سبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ)[الأنعام:13]. وقولهجل وعلا:(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ)[يونس:5 ]. وقوله:(ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ)[الروم:1]. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"(ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) "، ولعل بالإمكان إيجاز ذلك على النحو التالي:( ) - أنه يخرج الشيء الحيَّ من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحيّ . - أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبلة من الحب، والحبّ من السنبلة... وقد رجح الطبري تأويل من قال:"يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة وذلك إخراجُ الحيّ من الميت ، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء وذلك إخراج الميت من الحيّ "( ) وعلل لذلك بقوله: "وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت. فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًا وبهائمَ وأنعامًا أحياءً . وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زَايله منه ميت. وذلك هو ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/56 _561.) ( )السابق(1/561.)
عدد الصفحات ٢٦٩263 نظير قوله: (ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ)[سورة البقرة : 1]."( ) أما سر اقتران"إخراج الحي من الميت" ب "إخراج الميت من الحي " في النظم القرآني؛ فلعله للدلالة على كمال قدرته، - -؛ فهو– بجلاله - لا يفعل بعض الأشياء؛ إنما هو - تعالى - بكمال قدرته لا يعُجزه شيء في الأرض ولا في السماء، هو - جل وعلا - يفعل الشيء وضده، وفي ذلك زيادة التعجيب منه .( ) وقد استدل - - على بطلان الشرك وإثبات وحدانيته - جل وعلا -؛ بذكر مظهر من مظاهر الألوهية، هو ما جاء في جملتي" ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ"؛ والسر البلاغي في ذلك لإثبات أن القادر على ذلك الأمر العجيب بتضاده هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه؛ فقال تعالى:(ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ)[يونس:5 ]. فأحتج عليهم بشيء يقرونه، وعليه فإن ما هم عليه من شرك باطل . كما استدل بإخراج الحي من الميت وعسكه على أمر ينكرونه وهو البعث بعد الموت، فقال تعالى:(ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [الروم:1]، والسر البغي في هذا الاقتران في هذا المقام لإثبات البعث، فمن له هذه القدرة قادر على بعث الخلق بعد الموت. ومن الأساليب البلاغية في شاهد الاقتران، التي آزرته في أ داء المعنى؛ التعبير بصيغة الفعل المضارع في "يخرج "؛ وذلك لإفادة التجدد والحدوث، فهذا الفعل يتجدد حدوثه في كل يوم وليلة، وفي كل مكان ..، فقدرته - جل وعلا - ليست خاصة بزمان معين، أو بمكان دون آخر . فمن له القدرة التامة؛ هو وحده المستحق للعبادة، ومن له هذه القدرة قادر على بعث الخلق بعد الموت للحساب والجزاء، فهو - تعالى - لا يعجزه شيء . ولعل التعبير بالفعل المضارع - أيضاً -؛ لاستحضار تلك الصورة العجيبة، وما يعقب ذلك الاستحضار من أثر على المتلقي؛ فهذا الإخراج - "إخراج الحي من الميت "، و"إخراج الميت من ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (1/561.) ( )ينظر: التحرير والتنوير (3/511.)
عدد الصفحات ٢٧٠264 الحي" - آية عظيمة على استحقاقه - جل وعلا - التعظيم والإفراد بالعبادة؛ إذ أودع هذا النظام العجيب في الموجودات، فجعل في الشيء الذي لا حياة له قوة وخصائص تجعله ينتج الأشياء الحية المتصرفة .( ) ( ) التحرير والتنوير ( /11.)
عدد الصفحات ٢٧١265 المطلب الرابع اقتران الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر أختم شواهد الاقتران التي شكلت باقترانها مقابلة بديعية؛ اقتران "الأمر بالمعروف" ب "النهي عن المنكر"؛ كقوله تعالى:(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [آل عمران :6 ]. وقولهجل وعلا:(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ) [آل عمران : ]. وقوله سبحانه: (ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)[التوبة:3 ] . ومعنى قولهتعالى:( ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ)؛ أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله - عليه الصلاة والسلام -، وبما جاء به من عند الله، وينهونهم عن الكفر بالله - - وبمحمد- -، وبما جاء به وتكذيبه وبما جاءهم به من عند اتعالى.( ) "ولا شك أن التوحيد رأس المعروف، والكفر رأس المنكر . ولكنَّ الظاهر العموم في كل معرو ف مأمور به في الشرع ، وفي كل منهي نهي عنه في الشرع ."( ) و"الْمَعْرُوف": اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، يندرج تحته عقيدة التوحيد الصافية من كل شائبة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في "وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ "أمرهم أنفسهم، أما "الْمُنْكَ رِ "؛ فهو :كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة .(5) ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /5 3.) ( )البحر المحيط(5/ .) (5) ينظر: تفسير الكريم الرحمن (5 5.)
عدد الصفحات ٢٧٢