المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بلاغة الاقتران في القرآن الكريم

مريم بنت سليمان بن عبيد الله العبيد

صفحة ١٦ من ٢٦

234 المطلب الأول اقتران علم الغيب بالشهادة من صور اقتران الكلمات في القرآن الكريم ، الذي شكل باقترانه طباقا بديعًا؛ اقترانع جاء صفة لله - تعالى -؛ وهو كونه - تعالى - عالم الغيب والشهادة؛ وجاء ذلك في عشرة مواضع منها قو له تعالى:(ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [الأنعام:35]. وقولهجل شأنه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ) [التوبة:1 ]. وقولهسبحانه:(ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ)[التوبة:63] . فالاقتران في قوله تعالى: (ﭪ ﭫ ﭬ). والغيب: كلُّ ما غاب، ممّا لا يعلمه إلا الله.( ) ما غاب عن حواس الناس وبصائرهم فلا يحسونه ولا يبصرونه .( ) والشهادة:" الشين والهاء والدال أصلع يدلُّ على حضور وعلم وإعلام "(5) .والحضور؛ أي ما حضر وعاينه الخلق وشهدوه.( ) والمعنى: عالم ما تعاينون - أيها الناس -، وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه، الذي يعلم السرَّ والعلانية، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم حتى بواطنها.(3) ( ) ينظر: مقاييس اللغة ( مادة: غيب). ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (3/ 51)، و: المحرر الوجيز (1/1 .) (5) مقاييس اللغة(مادة: شهد). ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (3/ 51)، و: المحرر الوجيز (1/1 .) (3) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /1 )، و( / ).

عدد الصفحات ٢٤١

235 و"عالم" إثبات صفة العلم لله -  -، واقتران الضدين"الغيب"و"الشهادة"؛ لعله للدلالة على كمال علم الله - تعالى -. وفي ذلك مزيد تحذير وترهيب؛ لمن عصى، ولمن كفر . مع ما فيه من ردع وزجر . ومن اللطائف البلاغية في شاهد الاقتران التي تآزت معه في أداء المعنى : التعبير عن علمه - جل وعلا - بصيغة الاسم "عالم"؛ للدلالة على ثبوت صفة العلم لله - تعالى - ودوامها. وفي هذا تحذير وترهيب للخلق، فهذا هو الإله المستحق للعبادة وحده، وهذه صفته . "والتعريف في ( الغيب والشهادة ) للاستغراق أي عالم كل غيب وكل شهادة ." ( ) وعلى هذا يكون في الجملة إيجاز قصر؛ لأنها استوعبت جميع الموجودات ما غاب عنا وما حضر...بعبارة موجزة؛ إذ إن ما في الك ون لا يخرج عن الاتصاف بهذين الوصفين؛ فكأنه قيل : العالم بأحوال جميع الموجودات؛ من الكائنات المشاهدات لنا، والغائبات عنا، لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء من جليل وحقير، وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات .( ) ومنها - أيضا - تقديم "الغيب" بالذكر على "الشهادة"؛ ولعل ذلك لتقدمه في الوجود .(5) أو لعل ذلك لأن العلم به من الأمور العجيبة، عظيمة الشأن. وفي هذا تعظيم لله - تعالى -، وإثبات لاستحقاقه العبادة وحده . ( ) التحرير والتنوير (3/561.) ( ) ينظر: تفسير القرآن العظيم (1/31.) (5) ينظر: تفسير أبي السعود (1/ 55.)

عدد الصفحات ٢٤٢

236 المطلب الثاني اقتران البر بالبحر اقترن - أيضاً - بالذكر في النظم القرآني كلمت ا "البر"و"البحر" في سبعة مواضع؛ من ذلك قوله تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ) [الأنعام:31] . وقولهسبحانه: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) [الأنعام:15] . وقوله: (ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ)[الأنعام:13]. فا-  - يعلم ما"البر والبحر"، وهو الذي ينجي الخلق من ظلمات "البر والبحر"؛ وهو الذي جعل النجوم ليهتدي بها العباد في ظلمات "البر والبحر "، وهو - تعالى- الذي يسيرهم في "البر والبحر "، والذي يحملهم في "البر" على الدواب من الأنعام والخيل والبغال..وغيرها، وفي "البحر" - أيضاً - على السفن كبيرها وصغيرها . فمن السياقات التي قُرن فيها بين كلمتي "البر"و"البحر"؛ سياق بيان اختصاصه - تعالى - بعلم الغيب، وسعة علمه، ثم سعة قدرته ؛( ) قال تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ)[الأنعام:31]. واقتران في قوله تعالى: « ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ»؛ عطفت"هَذِهِ الجُْمْلة عَلَى جمُْلَةِ "وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ " لإِِفَادَةِ ت َعْمِيمِ عِلْمِهِ ت َعَالىَ بِالأَْشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ الْمُت َفَاوِتَةِ فيِ الظُّهُورِ ب َعْدَ إِفَادَةِ عِلْمِهِ بمَِا لاَ يَظْهَرُ لِلنَّ اسِ ."( ) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (3/ 36.) ( ) السابق(3/ 3 .)

عدد الصفحات ٢٤٣

237 والغرض من اقتران "البر" و"البحر" في هذا المقام؛ لإثبات كمال إحاطة علمه - -؛ لأن قوله تعالى:( ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ) فيه إيجاز؛ وفي هذا قال ابن عاشور:"ذكر الْب َرَّ وَالْبَحْرَ؛ لِقَصْدِ الإِْحَاطَةِ بجَِمِيعِ مَا حَوَتْهُ هَذِهِ الْكُرَةُ، لأَِنَّ الْب َرَّ هُوَ سَطْحُ الأَْرْضِ الَّذِي يمَْشِي فِيهِ الحَْي َوَانُ غَي ْرَ سَابِحل، وَالْبَحْرَ هُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي ي َغْمُرُ جُزْءًا مِنَ الأَْرْضِ سَوَاءع كَانَ الْمَاءُ مِلْحًا أَ مْ عَذْبًا. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الن َّهْرَ بحَْرًا كَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ . وَالْمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ ف َيَشْمَلُ الذَّوَاتِ وَالْمَعَانيَِ كُلَّهَا."( ) أما السر البلاغي في تخصيص البر والبحر، ف "لأنهما مما يقعان تحت حواسنا، وقوعا دائما متصلا.. ومع هذا فإنهما مما هو غيب عنا، إذ إن كل ما نعلم من أمرهما هو قليل قليل إلى ما لا نعلم.. ثم إن هذا العلم الذي نعلمه هو جهل بالنسبة لعلم الله، الذي يعلم حقائق الأشياء، وما أودع فيها من أسرار، أما علمنا فهو واقف عند ظواهرها، لا ينفذ إلى الصميم من أعماقها."( ) واقترن ذِكرُ "البر والبحر " في سياق إثبات وحدانية الله - - وبيان انحطاط ما اتخذه المشركون من شركاء عن رتبة الإلهية (5)؛ إذ استدل- - بذكر بعض مظاهر قدرته في هذين الموضعين "البر والبحر"، قال تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ )[الأنعام:15]؛ وقال:(ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ) [الأنعام:13] .وقالتعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [النمل:15]. وكذا في سياق الامتنان؛ بذكر بعض نعم الله عليهم حال الكرب، والتذكير بخالقهم كيف تفرج عنهم رحمة بهم ..( )؛ (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ( )التحرير والتنوير (3/ 3 .) ( ) التفسالقرآني للقرآن ( /6 .) (5 )ينظر: تفسير أبي السعود (5/ 3.) ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( /53.)

عدد الصفحات ٢٤٤

238 ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ) [يونس: ]. والسر البلاغي لاقترانهما فيما سبق؛ الدلالة غلى كمال قدرته - -، وإذ ثبت هذا، ثبتت أحقيته - جل وعلا - بالألوهية وحده دون سواه . و في سياق الامتنان على بني آدم بتشريفه إياهم ، وتكريمه ( )، قال تعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ) [الإسراء :36]. "وَالتَّكْرِيمُ: جَعْلُهُ كَرِيمًا، أَيْ نَفِيسًا غَي ْرَ مَبْذُولل وَلاَ ذَلِيلل فيِ صُورَتِهِ وَلاَ فيِ حَرَكَةِ مَشْيِهِ وَفيِ بَشَرَتِهِ ."( ) "ومع هذا التكريم فى الخلق، فقد سخر الله للناس ما فى البرّ والبحر، وأفاض عليهم من الخيرات والنعم، وأقامهم على هذه الأرض، وجعله م خلفاءه عليها."(5) فالسياق بيان لما امتن به- تعالى - على بني آدم من نعم، وفيه كان لا بد من ذكر شيء من المنن الإلهية بشيء من التفصيل، فكان اقتران "البر والبحر " مناسبا لهذا المقام؛ فقال سبحانه:(ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ )؛ "وَالحَْمْلُ : الْوَضْعُ عَلَى الْمَرْكَبِ مِنَ الرَّ وَاحِلِ . فَالرَّاكِبُ محَْمُولع عَلَى الْمَرْكُوبِ . وَأَصْلُهُ فيِ رُكُوبِ الْب َرِّ، وَذَلِكَ بِأَنْ سَخَّرَ لهَُمُ الرَّوَاحِلَ وَأَلهَْمَهُمُ اسْتِعْمَالهََا ...، وَمَعْنىَ حمَْلِ اللَّهِ النَّاسَ فيِ الْبَحْرِ : إِلهَْامُهُ إِيَّاهُمُ اسْتِعْمَالَ السُّفُ نِ وَالْقُلُوعِ وَالْمَجَاذِيفِ، فَجُعِلَ ت َيْسِيرُ ذَلِكَ كَالحَْمْلِ ."( ) والسر البلاغي في الاقتران أن "هذا كلّه من شأنه أن يدعو الإنسان إلى الولاء لله، وإفراده سبحانه بالحمد والثناء!"(3) ومن لطائف هذا الشاهد البلاغية: تعريف "البر" و"البحر"؛ الذي أفاد الاستغراق؛ فأوجز بكلمتين متضادتين جميع ما في الأرض من موجودات، وهذا من إيجاز القصر . ( ) ينظر: تفسير القرآن العظيم (3/13.) ( ) التحرير والتنوير (3/ 13.) (5) التفسير القرآني للقرآن (1/3 .) ( ) التحرير والتنوير (3/ 13.) (3) التفسير القرآني ل لقرآن (1/3 .)

عدد الصفحات ٢٤٥

239 المطلب الثالث بما بين الأيدي وما خلفها - تعالى -اقتران علمه مما اقترن بأسلوب الطباق؛ ما جاء إخبارا عن علم الله - تعالى - بما بين الأيدي وما خلفها؛ من شواهد هذا قوله تعالى:(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ) [البقرة :33] . وقولهجل وعلا: (ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ)[طه:6 ]. وقولهسبحانه:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ)[الأنبياء:1]. وب" يعلم مَا ب َينَْ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ " طباق خفي؛ وتنوعت أقوال المفسرين في المقصود بهما، ولكن قبل إيرادها ثمة وقفة مع معنى قوله :(يعلم)؛ "العلم" عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه : شك؛ والإدرا ك على وجه جازم غير مطابق :جهل مركب . والله -- يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد؛ لذا قال سبحانه:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ).( ) أما أقوال المفسرين في معنى قوله: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)؛ فمنها: الأول: "قال ابن عباس : يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم."( ) الثاني: قال مجاهد، وعطاء، والسدي (ﭴ ﭵ ﭶ ) ما كان قبلهم من أمور الدنيا، (ﭷ ﭸ) ما يكون بعدهم من أمر الآخرة . الثالث: قال الضحاك والكلبي (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ )؛ يعني الآخرة؛ لأنهم ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم، البقرة (5/ 35.) ( ) تفسير الفخر الرازي ( /16.)

عدد الصفحات ٢٤٦

240 يقدمون عليها(ﭷ ﭸ) الدنيا؛ لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم .( ) "قال ابن عطية: وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ."( ) الرابع: مابين الأيدي الأعمال الظاهرة، وما خلفهم السرائر قال به ابن عاشور؛ وعلل لذلك بقوله :"عبر عن الأعمال الظاهرة بما بين أيديهم لأن شأن ما بين الأيدي أ ن يكون واضحا وعبر عن السرائر بما خلفهم لأن شأن ما يجعل خلف المرء أن يكون محجوبا ."(5) أما السياقات التي ورد فيها هذا الاقتران؛ ففي سياق الثناء على الذات الإلهية جاء قوله تعالى:( ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ). جملة الاقتران:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ) و فيها طباق خفي؛ والسر البلاغي في ذلك؛ الدلالة على إحاطة علمه - تعالى - بجميع الكائنات: ماضيها وحاضرها ومستقبلها لا تخفى عليه خافية، كقوله إخبارًا عن الملائكة:(ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ )[مر:1 ].(4) وفي هذا كمال ثناء عليه --، ف "رب السماوات والأرض أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء :(ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ) [سبأ:5]،تعالى سبحانه علوا كبيرا لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه :(ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ) [طه:6]".(3) وفي سياق الحديث عن يوم القيامة وما فيه من شفاعة قال جل وعلا: (ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ)[طه:6 ]. والسر- والله أعلم - في الاقتران هنا ل " ب َيَانَ مَا يُوجِبُ رِضَى اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ ( ) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (5/ 31)، و: تفسير الفخر الرازي (3/ .) ( )الجامع لأحكام القرآن (5/ 31.) (5 )التحرير والتنوير (1/5 .) ( )تفسير القرآن العظيم ( /131.) (3) أضواء البيان( /3 .)

عدد الصفحات ٢٤٧

241 بِالشَّفَاعَةِ فِيهِ. ف َب ُينَِّ ب َيَانًا إِجمَْالِياا بِأَنَّ الإِْذْنَ بِذَ لِكَ يجَْرِي عَلَى مَا ي َقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسَائِرِ الْعَبِيدِ وَبِأَعْمَالهِِمُ الظَّاهِرَةِ، ف َعَب َّرَ عَنِ الأَْعْمَالِ الظَّاهِرَةِ بمَِا ب َينَْ أَيْدِيهِم؛ لأَِنَّ شَأْنَ مَا ب َينَْ ا لأَْيْدِي أَنْ يَكُونَ وَاضِحًا، وَعَب َّرَ عَنِ السَّرَائِرِ بمَِا خَلْفَهُمْ لأَِنَّ شَأْنَ مَا يجُْعَلُ خَلْفَ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ محَْجُوبًا..، ف َهُوَ كِنَايَةع عَنِ الظَّاهِرَاتِ وَالخَْفِيَّاتِ، أَيْ ف َيَأْذَنُ لِمَنْ أَرَادَ تَشْرِيفَهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُقَرَّبِ ينَ بِأَنْ يُشَفَّعَ فيِ طَوَائِفَ ."( ) وجا ء الاقتران - أيضاً - في سياق الرد على مزاعم الكافرين بربهم، الذين قالوا : اتخذ الرحمن ولدا من ملائكته، قال سبحانه:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ)[الأنبياء:1]. والمع"يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه ما هو وما هم فيه قائلون وعاملون، وما خلفهم: يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه، قالوا ذلك كله محصى لهم وعليهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء ."( ) فإذا عُلِم كونه -- عالماً بجميع المعلومات، عُلم كونه عالما بظواهر العباد وبواطنهم، فكان ذلك داعياً إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية. وفيه أن الجميع العباد وما أشركوا بالله - جل وعلا - يتقلب تحت قدرته - تعالى - وفي ملكوته، وهو محيط بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة .(5) ومن اللطائف البلاغية في جملة الاقتران التعبير ب"ما"؛ وهي من صيغ العموم؛ فشملت كل شيء سواء كان د قيقاً أم جليلاً؛ وسواء كان من أفعال الله أم من أفعال العباد( )، وفي هذا إيجاز قصر. ( ) التحرير والتنوير (1/5 .) ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (1/ 1.) (5 )ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /16.) ( ) ينظر: تفسير القرآن الكريم سورة البقرة (5/ 35.)

عدد الصفحات ٢٤٨

242 المطلب الرابع اقتران الضر بالنفع من بديع أسلوب الاقتران ما انتظم في القرآن الكريم من عطف "النفع" على "الضر"؛ من شواهد ذلك قوله تعالى:(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ)[المائدة:31]. وقولهسبحانه:(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ)[يونس:1] . وقولهجل وعلا: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)[طه:11]. "الضر" في اللغة: "خلاف الن َّفْع"( )، وهو سوء الحال، إما في النفس لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه، وقوله :(ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ) [الأنبياء:1 ]،فهو محتمل لثلاثتها.( ) و"النفع": "خلاف الضَّرّ "(5) وفي المفردات :"النفع ما يستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصل به إلى الخير فهو خير، فالنفع خير وضده الضر."( ) وشاهد الاقتران في قوله:(ﮩ ﮪ ﮫ )؛ فقد قُرن بين الضر والنفع؛ وهما من الألفاظ المتضادة، فكان في اقترانهما طباق. ومن سياقات اقترانهما: سياق الاحتجاج على المشركين والنصارى القائلين بألوهية غير الله - تعالى -. ففي سياق ( ) مقاييس اللغة (مادة/ ضرّ ). ( ) ينظر: المفردات (مادة/ضرّ ). (5) مقاييس اللغة(مادة/نفع). ( ) المفردات (مادة/نفع).

عدد الصفحات ٢٤٩

243 الاحتجاج على النصارى القائل ين بألوهية المسيح؛( ) قال تعالى:(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ)[المائدة:31]. فهنا"يخبرهم - تعالى ذكره- أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنع، لا يملك لهم ضراا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم...: فكيف يكون رباا وإلهًا من كانت هذه صفته؟ بل الربُّ المعبودُ : الذي بيده كل شيء، والقادر على كل شيء . فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون ."( ) وفي سياق الاحتجاج على متخذي العجل قال جل وعلا: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ)[طه:11]. والسر البلاغي في اقترانهما هنا؛ لبيان كمال عجز ما جُعل آلهة من دون ا - تعالى-، وأن هذا العجز قدح في الألوهية، وعليه فإن القادر على النفع والضر، هو المستحق للعبادة وحده . وورد هذا الاقتران في سياق الإنكار على الم شركين المتخذي الأصنام آلهة ؛ قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ) [الفرقان :5]. والسر البلاغي في اقتران"الضر والنفع" في هذا المقام؛ "لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتبِ عجزِهم وضعفِهم، فإنَّ بعضَ المخلوقين العاجزينَ عن الخلقِ رُبمَّ ا يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان، وهؤلاءِ لا يقدرون على التصرف في ضُرَ ما؛ ليدفعُوه عن أنفسِهم، ولا في نفعل ما حتىَّ يجلبوه إليهم، فكيف يملكون شَيئاً منهما لغيرِهم ."(5) وقد آزر الاقتران في أداء المعنى تقد"الضر؛ إذ " قدم ذِكر الضُّرِّ لأَِنَّ دَف ْعَهُ أَهَمُّ مِنْ جَلْبِ الن َّفْعِ وَإِذَا كَانُوا بحَِيْثُ لاَ ي َقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ وَالن َّفْعِ، فِيمَا ي َت َعَلَّقُ بِأَن ْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يمَْ لِكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ ي َعْبُدُهُمْ ."( ) ( ) جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 11.) ( ) السابق، نفسها، وما بعدها. (5) تفسير أبي السعود(1/ 6 .) ( ) فتح القدير( /3 .)

عدد الصفحات ٢٥٠

244 وقُرن بينهما- أيضاً - في سياق الرد على مستعجلي وعيد الله، أو القيامة؛( ) قال تعالى: (ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ)[يونس:1] . والمع: قل لهم: لا أقدرُ على ضرٍّ لنفسي، ولا نفع لها في دنيا ولا دين إلا ما شاء الله، أن أملكه، فأجلبه إليها بإذنه. فإذْ كنت لا أقدر على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول إلى علم الغيب ومعرفة قيام الساعة أعجز وأعجز، إلا بمشيئته وإذنه لي في ذلك .( ) والسر البلاغي في اقتران نفي قدرته - عليه الصلاة والسلام - على "الضر والنفع "؛ لبيان بشريته - عليه الصلاة والسلام -، وكمال العجز البشري، وإذا ثبت هذا، فليس لهم أن يطا لبوه بما لا يقدر عليه إلا الله - -. "وَقَدَّمَ الضُّرَّ، لأَِنَّ السِّيَاقَ : لإِِظْهَارِ الْعَجْزِ عَنْ حُضُورِ الْوَعْدِ الَّذِي اسْت َعْجَلُوهُ وَاسْتَب ْعَدُوهُ ."(5) وهذا مما آزر الاقتران في أداء المع. وإجمالا فإن السر في هذا الاقتران - والله أعلم - أن الإنسان في حياته الدنيوية يتقلب بين ضر ونفع، وإذا ثبت هذا الحصر، فقد بينّ الله -  - أن المضار قليلها وكثيرها لا تندفع إ بالله، والنفع لا يتأتى قليله وكثيره إلا بالله ( )؛ لأنه - تعالى - هو وحده الذي يملك القدرة على النفع وعلى إنزال الضرّ على من يشاء م ن خلقه؛ وإذا كان هو وحده النافع، الضار، فهو وحده الذي يستحق أن يفرد بالعبودية دون ما سواه . ومن اللطائف البلاغية في شاهد اقتران الطباق؛ تقديم الضر على النفع في النظم القرآني، ونكتته البلاغية - في أغلب شواهده - لأن الاحتراز عنه أهم من تحري النفع؛ ولأن أدنى د رجات التأثير دفع الشر ثم جلب النفع.(3) قُدِّم- أيضاً - ذِكرُ "الضر"؛ لأن دفعه - مع كونه أهم في نفسه - هو أول مراتب النفع؛ فكأن فيه ترقي من الأدنى للأعلى .(1) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (3/ 66.) ( ) ينظر: السابق، نفسها. (5) فتح القدير( /3 .) ( ) ينظر: تفسير الفخر الرازي ( /1 .) (3 )ينظر: تفسير أبي السعود (5/11.) (1 )ينظر: السابق (1/ 6 .)

عدد الصفحات ٢٥١

245 ومن اللطائف- أيضاً - التعريض بآلهة المشركين؛ إذ هي أصنام ذليلة مهينة لا تقدر على اجتلاب نفع لنفسها ولا لغيرها، ولا دفع ضر عنها ولا عن غيرها ..، فكيف يُعبد من كان حاله هكذا..؟. بل كيف لا تخُلص العبادة، وتُقر لمن كان بيده الضر والنفع، والثواب والعقاب، وله القدرة الكاملة، والعزة الظاهرة ..؟!

عدد الصفحات ٢٥٢

246 المطلب الخامس اقتران السر بالعلانية ومن الاقتران المتطابق؛ اقتران السر بالعلانية؛ واقترنا في أربعة مواضع في القرآن الكريم . وكان اقترانهما في سياق الحديث عن الإنفاق؛ فحينا عن جزاء الذين ينفقون مما رزقهم الله - تعالى- "سرا وعلانية ". وحينا في سياق الحث على الإنفاق "سرا وعلانية "؛ من شواهد ذلك قوله :(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ)[البقرة :3 ]. وقولهتعالى:(ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ)[الرعد : ]. وقولهسبحانه:(ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ)[إبراهيم :5 ]. "السر" في اللغة: إخفاءُ الشيء.؛ يقال أسررت الشيءَ إسراراً، خلاف أعلنته.( ) ويستعمل في الأعيان والمعاني، والسر: الحديث المكتم في النفس.كما قال تعالى:(ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ )[طه:3] .وقالتعالى:(ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ)[التوبة:31].(2) و"العلانية":إظهار الشَّيء والإشارة إليه وظهور ه.(5) والعلانية: ضد السر. وأكثر ما يقال ذلك في المعاني دون الأعيان، يقال: علن كذا، وأعلنته أنا، قال تعالى:(ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ)[نوح :1]؛أي: سرا وعلانية .( ) ( ) مقاييس اللغة (مادة/سرّ ). ( ) ينظر: المفردات (مادة/سرر). (5 )ينظر: مقاييس اللغة (مادة/علن). ( ) ينظر: المفردات (مادة/علن).

عدد الصفحات ٢٥٣

247 وفي معنى الإنفاق "سرا وعلانية " جاء في تفسير الطبري : أي وأدَّوا من أموالهم زكاتها المفروضة وأنفقوا منها في السبل التي أمرهم الله بالنفقة فيها كالنفقة على من تجب عليه نفقته، "سرا ا" في خفاء "وعلانية" في الظاهر .( ) وقال في موضع آخر : "وإنما معنى ذلك أنهم يؤدون الزكاة المفروضة، ويتطوعون أيضًا بالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب عليهم فيه."( ) ولعل السر في اقترانهما مع تضادهما؛ الحث على الإنفاق كيفما يتهيأ وعلى أي حال؛ فإن تهيأ "سراً " فذاك ونعم، وإلا فعلانية. ولا يمنع المنفق "إعلان" نفقته ظنه أن يكون عمله رياءً ، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الريا ء(5). ولعله - أيضاً - للمبادرة بالنفقة؛ فلا ينتظر بنفقة "العلانية" وقت "السر"، ولا بنفقة "السر" وقت "العلانية"، فإن نفقته على أي حال وجدت سبب لنيله الثواب من الله - تعالى-. فربما توخى المنفق أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في الحال الآخر، فتعطل نفع كثير وثواب جزيل، فبين الله - تعالى - للناس أن الإنفاق بِرٌّ لا يكدره ما يحف به من الأحوال "وإنما الأعمال بالنيات ".( ) أيضا لكيلا ي ظنوا أن "إعلان" النفقة يجر إلى الرياء كما كان حال الجاهلية أو أن الإنفاق "سرا " يفضي إلى إخفاء الغني نعمة الله - تعالى - فيجر إلى كفران النعمة .(3) ونُصَّ في أحد الشواهد على ذكر"الليل والنهار" وكان ذكرهما مما آزر الاقتران في أداء المعنى السابق؛ قال تعالى: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [البقرة :3 ]. قال ابن القيم: "ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية . فذكر عموم الأوقات، وعموم الأحوال، فأتى بالفاء في الخبر؛ ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار، وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية . فإنه سبب الجزاء على كل حال، فليبادر إليه العبد ولا ينتظر ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (1/ .) ( )السابق(6/ 15.) (5) ينظر: تفسير الفخر الرازي (1/ .) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (5/ 55.) (3) ينظر: السابق، نفسها.

عدد الصفحات ٢٥٤

248 به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، و ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب لأجره وثوابه ."( ) "ولعل تقديمَ الليل على النهارِ والسرّ على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار."( ) ( ) تفسير ابن القيم ( /16.) ( ) تفسير أبي السعود( /13.)

عدد الصفحات ٢٥٥

249 المطلب السادس اقتران المشرق بالمغرب من اقتران الطباق - أيضاً -؛ اقتران كلمتي "المشرق " و"المغرب "؛ وقد اقترن لفظا "المشرق والمغرب " - بالإفراد - في خمسة مواضع في الذكر ا لحكيم؛ فلله المشرق والمغرب، وهو ربهما - سبحانه -، من شواهده قوله :(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)[البقرة :3] . وقولهتعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [البقرة : ]. وقولهسبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) [البقرة :33]. ومع" لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ " أي: لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال:"لفلان هذه الدار"، أي : أنها له ملكا. فذلك قوله:( ﮔ ﮕ ﮖ)، يعني أنهما له، ملكا وخلقا .( ) ولعل ال سر في اقترانهما لتعميم جهات الأرض؛ لأنها تنقسم بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدئ من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي في حيث تغرب وهو تقسيم كان مشهورا عند المتقدمين؛ لأن المبني على المشاهدة مناسب لجميع الناس .( ) وبالاقتران أحيط بما في الأرض أجمع؛ فإذا كان الله له ملك جهة المشرق والمغرب؛ ففي هذا دلالة على أن ما بينهما - أيضاً - ملك له، وفي هذا إيجاز، فكل ما بين المشرق والمغرب من حجر، وشجر، وبشر، ومخلوقات لا يحصيها إلا الله- تعالى- هو ملك له- سبحانه-. ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /3 1.) ( )ينظر: التحرير والتنوير ( / ).

عدد الصفحات ٢٥٦