186 كما شُبهت هيئة ما ينفقه الكفار في الحياة الدنيا بهيئة الحرث الذي أصابته الريح الباردة، فأهلكته؛ قال تعالى:(ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ) [آل عمران :3]. 1- شبهت هيئة من ترك الهدى وآثر الضلال، بهيئة الكلب اللاهث على كل حال، قال تعالى: (ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ) [الأعراف:31]. 3- شبهت هيئة اليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، بهيئة الحمار الذي يحمل أسفارا على ظهره، قال تعالى:(ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ)[الجمعة:3]. فالسر البلاغي في اقتران كلم "مثلهم"و"كمثل" في الشواهد السابقة؛ جعل الأحوال المعقولة محسوسة؛ وبذلك يتحقق الغرض من التشبيه؛ وهو إيصال المعنى إلى ذهن السامع بصورة كاملة الوضوح، ثم ما يعقب ذلك من تنفير من حال المشبه أو ترغيب فيه ونحو ذلك .. وكل ذلك يتضح بحسب السياق . و يلحظ القارئ - أيضاً - أنه قد اقترن ه ذا الأسلوب عند تشبيه هيئتين فيهما غرابة ببعضهما، ولعل ذلك للفت الانتباه لما تحمله تلك التشبيهات المركبة من معانل ، وتقريرها في الأذهان بصورة فريدة؛ فكلها معان عظيمة؛ تمس العقيدة : النفاق العقدي، والكفر بالله، واتخاذ الولي من دون الله - تعالى - ، وترك العمل بم ا أنزل الله، ترك الهدى والانغماس في الضلال . الإنفاق في سبيل الله، و إبطال النفقة بالمن والأذى، و ما ينفقه الكفار في الدنيا... فمثلا في قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ) [البقرة :3]. جاء في تفسير الطبري: "عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَ ثلا فقال:( ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ)؛ أي يُبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في
عدد الصفحات ١٩٣187 ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق ."(1) ففي هذه الآية جمُعت تفاصيل صفات المنافقين في صورة واحد ة - بعد أن ذكرت متعددة فيما سبق من آيات -؛ بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، إلحاقا لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة؛ لأن النفس إلى المحسوس أميل.( ) قال ابن عاشور:"المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع تعقبه بالضلالة ودوامه بحال من استوقد نارا ."(5) ولبيان التشبيه يُقال: شبهت حال المنافقين من إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ لغاية في أنفسهم، بحال الذي استوقد نارا يستضئ بها، فلما أضاءت، زال نورها، وبقي حائرا في الظلمات، بجامع الهيئة الحاصلة من وجود الطمع مع الأسباب القريبة له، ثم تعقب الحرمان لزو ال تلك الأسباب. فالكاف بمعنى "مثل" لدلالتها على تماثل الطرفين في الهيئة المذكورة .( ) فالذي نقل للمتلقي تلك الصورتين العجيبتين وكأنهما حاضرتان أمام المتلقي اقتران كلمتي "مثلهم"و"كمثل"؛ وذلك هو السر في اقترانهما - والله أعلم -؛ فبهما نُقلت الهيئة المعقولة إلى محسوسة، وبهما كَمُل تحقق الغرض من التشبيه؛ وهو بيان ضلال المنافقين وخسرانهم، مع ما فيه من التنفير منهم ومن حالهم؛ التي هي إظهار الإسلام وإبطان الكفر؛ لأغراض دنيوية . وهكذا الشأن في بقية شواهد هذا الاقتران. ( ) جامع البيان في تأويل القرآن ( /5 .) ( ) التحرير والتنوير ( /56 .) (5) ينظر: السابق ( /563.) ( ) ينظر:أدوات التشبيه (6.)
عدد الصفحات ١٩٤188 المبحث الثاني الاستعارة
عدد الصفحات ١٩٥189 الاستعـارة هي القسم الثاني من أقسام المجاز اللغوي، وهي من محاسن الكلام، إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها، ولفضلها ومزاياها عُدت أفضل أنواع المجاز.( ) تعريفها في اللغة : يقال: استعار: طلب العارية . واستعار الشيء، واستعار منه : طلب منه أن يعيره إياه . والعارية ما تداولوه بينهم .( ) وفي الاصطلاح البلاغي: استعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.(5) وقيل في تعريفها - أيضاً -:" الاستعارة تشبيه بليغ حُذف أحد طرفيه".( ) ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها؛ أنها تُعطي الكثير من المعاني باليسير من الألفاظ، حتى إن المتلقي يخُرج من الصدفة الواحد عدّةً من الدرر، ويجنى من الغصن الواحد أنواعا من الثمر. وبها يُرى الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية بادية جليَّة.(3) وفي هذا المبحث ستكون وقفة مع ما تيسر من شواهد الاقتران في الاستعارة ومحاولة تلمس أسرار بلاغتها . ( ) ينظر: العمدة ( /11)، و: الطراز ( /1.) ( ) ينظر: لسان العرب (مادة: عور). (5) ينظر: الإيضاح (3 .) ( )البلاغة في ثوبها الجديد( / ). (3 )ينظر: أسرار البلاغة (5.)
عدد الصفحات ١٩٦190 المطلب الأول اقتران استعارة الظلمات باستعارة النور شاع في القرآن الكريم عند استعارة كلمة "الظلمات" للكفر أو الضلال؛ أن يقرن معها بالذكر كلمة "النور" مستعارة للإيمان أو الهداية، وقد كان ذلك في سبعة مواضع، من شواهده قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [البقرة :33]. وقولهجل وعلا :(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[المائدة:1] . وقوله:(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ)[إبراهيم : ] . مع"الظلمات" في اللغة: الظلمة: ذهاب النور، وهي خلافُ الضِّياء والنور، والجمع: ظلمات.( ) و"النور": الضياء، وهو ضد الظلمة . وقيل: النور: الضَّوْءُ، أَياا كان، وقيل : هو شعاعه وسطوعه، والجمع أَنْوارع .( ) قال الطبري عند تأويله لقوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ) [البقرة :33]. قوله: "( ﭕ ﭖ ﭗ) يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . وإنما عنى ب "الظلمات" في هذا الموضع، الكفر."(5) ( ) ينظر: مقاييس اللغة (مادة:ظلم)، و:لسان العرب، المادة نفسها . ( ) ينظر: مقاييس اللغة (مادة: نور)، و:لسان العرب، المادة نفسها . (5) جامع البيان في تأويل القرآن (3/ .)
عدد الصفحات ١٩٧191 وقالفي تأويل قوله عز ذكره: (ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ )، من قوله تعالى:(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[المائدة:1] .. "يخرج من اتبع رضوانه "من الظلمات إلى النور"، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه."( ) وفي معنى قوله تعالى:(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ)[إبراهيم : ]. قال: أنزلنا إليك، يا محمد ، القرآن (ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) أي: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفرِ ، إلى نور الإيمان وضيائه ، وتُبصِّر به أهلَ الجهل والعمَى سُبُل الرَّشاد والهُدَى.( ) وقد ذكر البغوي في تفسيره عند تأويله لقوله تعالى:"((ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ))؛ أي من الكفر إلى الإيمان ."(5) ثم قال : "قال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور، فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، "وجعل الظلمات والنور"فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه ."( ) فكما يُلحظ هنا أن "الظلمات" لم تستعمل بمعناها الحقيقي؛ الذي هو خلاف الضياء؛ إنما استعيرت الكلمة للكفر؛ إذ شُبه الكفر بالظلمات، ثم حذف المشبه، واستعير له اللفظ الدال على المشبه به؛ وهو "الظلمات"، والجامع بينهما التخبط والضياع في كلٍّ منهما؛ ف "الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه."(3) ( )جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 3.) ( ) ينظر: السابق (1/361.) (5 )تفسير البغوي( /5 3) ( ) السابق، نفسها. (3) جامع البيان في تأويل القرآن (3/ .)
عدد الصفحات ١٩٨192 وكذا في كلمة "النور"؛ فهي - أيضاً - لم تستعمل في معناها الحقيقي؛ الذي هو خلاف الظلمة، إنما استعيرت للإيمان؛ بجامع الاهتداء والوضوح في كلٍّ منهما. وفي النظم القرآني إذا ذكرت "الظلمات" وقد استعيرت للكفر، قرن معها ما يقابلها وهو استعارة "النور" للإيمان، فما السر البلاغي في ذلك؟ في جميع شواهد هذه الصورة البيانية، التي جاءت بهذه الصيغة "من الظلمات إلى النور"، كان - - يبين حقيقة لا تغيب عن عاقل؛ وهي أنه هو المتفضل على عباده بجملة من النعم؛ أجلها نعمة الإيمان والبراءة من الكفر. وقد ورد الشاهد في عدة سياقات؛ في سياق بيان فضل الله - - وقدرته؛ فهو يخرج عباده من الظلمات إلى النور كما قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)[البقرة :33]،وقال تعالى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ)[الحديد:1] . وفي سياق الحديث عن إرسال الرسل وبيان الحكمة من الإرسال؛ قا ل تعالى:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ)[إبراهيم :3]،وقال سبحانه: (ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ)[الطلاق: ]. وفي سياق الحديث عن القرآن الكريم؛ قال تعالى:(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ)[اائدة:1] .وقالتعالى: (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) [إبراهيم : ]. وهو ينسب الفعل"يخرج " لذاته العظيمة تارة، وحينا لرسله؛ كما قال في شأن نبينا محمد - -:(ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ
عدد الصفحات ١٩٩193 ﭱ ﭲ ﭳ )[إبراهيم : ]؛ وقال في حق موسى- -:(ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ)[سورة إبراهيم :3]. وفي كلٍّ المراد: بيان أن المقصود من البعثة في حق جميع الأنبياء - عليهم السلام -، ومن إنزال الكتب والآيات واحد؛ هو إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى نور الهداية ،( ) وكل ذلك بأمره - جل وعلا - وبمشيئته. والسر البلاغي في اقتران استعارة الظلمات باستعارة النور في قوله تعالى:(ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ) أن "الإِْخْرَاجُ : فَصْلُ شَيْءل محَْوِيٍّ عَنْ حَاوِيهِ . ي ُقَالُ : أَخْرَجَهُ مِنَ الدَّارِ، وَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ ."( ) فالضالون في الضلال منغمسون، يحيط بهم من كل جهة، يحجب عنهم الحق؛ وإخراجهم من هذا الضلال فيه مشقة لا تخفى، وهو لا يكون إلا بقدرة إلهية عظيمة، فإذا أُخرِجوا من الضلال، سيُنقلون إلى مكان آخر هو الهدى أو الإيمان، لذا قُرن بينهما بالذكر؛ والتعبير عن ذلك المعنى بهذا الأسلوب لبيان كمال قدرته - جل وعلا - وكمال فضله، ولبيان أنه لا هاد إلا الله تعالى. والسر– أيضاً في اقترانهما-؛ ليقف المتلقي أمام البون الشاسع بين الصورتين؛ صورة الكفر وكأنه الظلمات بوحشتها وتخبط السالك فيه وضياعه، وصورة الإيمان وكأنه النور بوضوحه واستبانة الطريق معه . وما يحصل من ذلك من نفور من الكفر، و رغبة في الإيمان. فلتنفير من الكفر وتبشيع صورته، والترغيب في الإيمان وتزيين صورته قرن بينهما في الذكر على هذه الصورة والله - تعالى - أعلم. ومن اللطائف البلاغية في قوله : ( ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) العدول عن إفراد كلمة "الظلمات"، و الإتيان بها جمعاً؛ وفي المقابل أفردت كلمة "النور"، و للمفسرين توجيهات منها : أن جمع "الظلمات"؛ للإشارة إلى ظلمة الجهل، وظلمة الحيرة، وظلمة الكفر، وظلمة العناد، وظلمة التقليد.(5) ( ) ينظر: تفسير الرازي (1/1 )وما بعدها. ( ) التحرير والتنوير ( /11.) (5) ينظر: تفسير النسفي ( / )، و: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( /63.)
عدد الصفحات ٢٠٠194 أولتعدد طرق الضلال وأشكال الكفر؛ جمعت"الظلمات"، وفي المقابل أفرد "النور"؛ لأن طريق الحق واحدة؛ قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)[البقرة :33]. :"ولهذا وحد - تعالى - لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة ، وكلها باطلة ؛ كما قال:(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ)[الأنعام:35].... إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفر قه وتشعبه."( ) كما أشار إلى ذلك الرازي، ومما ذكره في هذا : عبر عن الجهل والكفر بالظلمات - وهي صيغة جمع-، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور - وهو لفظ مفرد -؛ وفي ذلك دلالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وأن طريق الإيمان ليس إلا واحد.( ) ويحتمل أن "الظلمات" جمعت؛ للإشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا بصيرة، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولا بأسماعهم، ولا بنطقهم، ولا أبصارهم، ولا عقولهم .. كان كل ذلك منهم عدماً كالظلمات.(5) ولجمع"الظلمات"، وعدم استعمال مفرده ا "الظلمة، وإفراد "النور"- مع ما سبق من تعليلات معنوية - ملمح لفظي؛ فجمعها جارل على الفصيح ، و اتباعا للاستعمال؛ لأن لفظ "الظلمات" بالجمع أخف، ولفظ "النور" بالإفراد أخف ، و لم يرد لفظ (الظلمات) في القرآن إلا جمعا ولم يرد لفظ (النور) إلا مفردا .( ) ( ) تفسير القرآن العظيم ( /113.) ( ) ينظر: تفسير الرازي (1/33.) (5) ينظر: نظم الدرر (3/ 61.) ( ) ينظر: التحرير والتنوير (1/ 1.)
عدد الصفحات ٢٠١195 المطلب الثاني اقتران استعارة المرض بالقلوب في النظم القرآني ظهر تلازم بين استعارة المرض والقلوب؛ فكلمة "المرض" استعيرت من معناها الحقيقي إلى معنى آخر؛ وقرنت تلك الاستعارة بالقلوب وكان ذلك في أحد عشر موضعاً؛ من شواهده قوله تعالى:(ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ) [البقرة :6]. وقولهسبحانه:(ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ)[المائدة:3 ]. وقولهجل وعلا :(ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [الأنفال:1]. "القلب" في اللغة: مُضْغةع من الفُؤَاد مُعَلَّقةع بالنِّياطِ . قال ابن سيده : القلب: الفُؤَاد، مُذَكَّر،والجمع: أقلب وقلوب.( ) و معنى "المرض" في اللغة: قال ابن فارس: "الميم والراء والضاد أصلع صحيح يدلُّ على ما يخرج به الإنسان عن حدِّ الصّحَّة في أيِّ شيءل كان ."( ) وفي لسان العرب :" المرض: السُّقْمُ نَقِيضُ الصِّحَّةِ، يكون للإِنسان والبعير، وهو اسم للجنس."(5) جاء في تفسير الطبري في تأويله لقولهتعالى:(ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ) [البقرة :6]. ( ) ينظر: لسان العرب (مادة: قلب). ( ) مقاييس اللغة (مادة: مرض). (5) لسان العرب (مادة: مرض).
عدد الصفحات ٢٠٢196 "عن ابن عباس:"في قلوبهم مرضع "، أي شكٌّ ."( ) وقال الطبري:(ﮃ ﮄ ﮅ) المرض: "هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله، وتحي ُّرُهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمان، ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك، ولكنهم، كما وصفهم الله - عز وجل -، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"( ). وقال القرطبي : "والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم . وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا. والمعنى: قلوبهم مرضى لخل وها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد."(5) واللافت للانتباه في أقوال المفسرين أنهم حينا يذكرون أن "في قلوبهم مرض" بمعنى الشك، والنفاق. وحينا هو الشك أو النفاق . لكن الناظر في الآيات التي وردت فيها جملة "في قلوبهم مرض"؛ يجدها انتظمت في سياق عُطفت فيه على كلمة "المنافقون"؛ وذلك في ثلاثة مواضع؛ كما في قوله تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [الأنفال:1]. وقولهسبحانه:(ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ) [الأحزاب : ] . وقولهجل وعلا:(ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ) [الأحزاب :16]. والعطف في اللغة يقتضي التغاير؛ فالذين في قلوبهم مرض هم غير المنافقين. قال القرطبي في قوله تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ) [الأنفال:1].. "قيل: المنافقون: الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: الشاكون، ( ) جامع البيان في تأويل القرآن ( /16.) ( ) السابق( /31.) (5) الجامع لأحكام القرآن ( /13).
عدد الصفحات ٢٠٣197 وهم دون المنافقين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم بعض ضعف نية."( ) "قال مالك - رحمه الله -: النفاق في عهد رسول الله - - هو الزندقة فينا اليوم ."( ) وهذا هو نفاق الاعتقاد: أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام، وكانت هذه التسمية - تسمية النفاق- على عهد النبي - -، أما بعد عصره - عليه الصلاة والسلام - فيطلق عليها الزندقة التي هي : إبطان الكفر وإظهار الإسلام. وقال الرازي في تأويله للآية نفسها : "أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا . ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب رسول الله - - قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا . قال محمد بن إسحاق: ثم قتل هؤلاء جميعاً مع المشركين يوم بدر ."(5) وقال الألوسي : " المراد بهم المنافقون سواء جعل العطف تفسيرا ، أو فسر مرض ال قلوب بالأحن، والعداوات، والشك مما هو غير النفاق. والمعنى: إذ يقول الجامعون بين النفاق ومرض القلوب. وقيل: يجوز أن يكون الموصول صفة المنافقين، وتوسطت الواو؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ لأن هذه صفة للمنافقين ولا تنفك عنهم . أو تكون الواو داخلة بين المفسر والمفسر؛ نحو أعجبني زيد وكرمه . وزعم بعضهم : أن ذلك وهم."( ) وبالجملة فإن الذي يظهر من كلام المفسرين أن "الذين في قلوبهم مرض" و"المنافقين" إذا اجتمعتا في سياق واحد افترقتا، بمعنى أن المقصود منهما يختلف، لكن إذ ذُكرت جملة "في قلوبهم مرض" بمفردها يكون المعني بها الم نافقين على الإطلاق الذين ذكر وصفهم في سورة البقرة؛ وهم الذين يقولون كما حكي عنهم :(ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ) [البقرة :1]،أو الشاكين. ( ) الجامع لأحكام القرآن (1/ 3.) ( ) السابق ( /11.) (5) تفسير الفخر الرازي (3/ 1 .) ( ) روح المعا (6/ 1 .)
عدد الصفحات ٢٠٤198 ذاك التوجيه لعله يبدو متناسبا مع السور التي نزلت بالمدينة النبوية؛ لوجود المنافقين فيها، وجميع شواهد استعارة المرض واقترانها بالقلوب "مدنية" عدا سورة واحدة؛ هي سورة المدثر؛ وذلك في قوله تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ) [المدَّثر:5 ]. قال الزمخشري : "فإن قلت: كيف ذكر "الذين في قلوبهم مرض" وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟ قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة (ﮭ) بمكة (ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ) وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب، وذلك لا يخالف كون ال سورة مكية . ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب ، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب."( ) وتبع الزمخشري في توجيهه عدد من المفسرين منهم الرازي وابن عاشور .. . وعليه فلا يمكن الجزم بالمراد بالمرض في جملة "في قلوبهم مرض"، لكن كما ذُكر فيما سبق أنه إذا اجتمعت في سياق واحد مع "المنافقين" افترقتا؛ بمعنى أن المقصود من كل واحدة منهما يختلف عن الأخرى، فيكون معنى "المنافقون" الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، و"الذين في قلوبهم مرض"؛ هم من في قلوبهم شك. لكن إذ ذُكرت جملة "في قلوبهم مرض" بمفردها قد يكون المعني بها المنافقين على الإطلاق، أو الشاكين. أما شاهد الاستعارة هنا ففي كلمة "مرض"؛ إذ استعيرت للشك في الدين-أو العقيدة-؛ أو للنفاق بجامع فساد ما يُصاحبه في كل منهما - أو الضعف -؛ فالشك يفسد - أو يُضعف - الدين، والمرض يفسد - أو يضعف - البدن. ولعل السر في اقتران استعارة المرض بكونه في القلوب؛ لملاءمته حالهم؛ أي "عدم إظهار كفرهم بخلاف الكافر المجاهر ."( ) فتخصيص المرض بالقلب ملائم لحال المنافقين؛ فنفاقهم خفي باطن؛ كمرض القلب . ( ) الكشاف (1 / 31 .) ( ) روح المعا (3/ 3 .)
عدد الصفحات ٢٠٥199 ولأن الاعتقاد محله القلب؛ وإذا صلح المحل صلُح الحال؛ كما قال الن- -" : ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب."( ) فبصلاح "القلب" تصلح الجوارح والجسد كله، أما إذا مرض القلب؛ فإن مرضه يُضعف الجسد، فلا يكون قادرا على مواجهة ما قد يعرض له من ابتلاءات..ونحوها. بل قد يتأثر بأدنى شيء. وبصلاح المعتقد تصلح الأعمال، ويكتب لها القبول عند الله - تعالى - وإذا فسد الاعتقاد بطل العمل، ولم يكن صاحبه قادرا على مواجهة الفتن والشبهات، فيتأثر بأي شبهة قد تعرض له. وللدلالة على تمكن النفاق - أو الشك - في قلوبهم وتأصله فيها؛ عُبرَّ بالظرفية "في قلوبهم"؛ وأكد ذلك المعنى - أيضاً - بالتعبير بالجملة الاسمية؛ ف "في قلوبهم مرض" "جملة اسمية تدل على مكث وتمكنُّ هذا المرض في قلوبهم" ( )، وفي ذلك مزيد ذم لهم، وتنفير منهم ومن حالهم . والتنكير في "(مرض) للتعظيم."(5) أو"للإشارة إلى تنويع أو تكثير ."( ) وإذا كان كذلك فهو أكثر تمكنا في القلب. ( ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب : الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (5 /3 )، وأخرجه مسلم صحيحه في كتاب : المساقاة والمزارعة، باب : أخذ الحلال وترك الشبهات (11 / 311. ) ( ) تفسير القرآن الكريم سورة الفاتحة والبقرة ( / ). (5) التحرير و التنوير ( /31.) ( ) السابق ( /1 .)
عدد الصفحات ٢٠٦200 المبحث الثالث الكناية
عدد الصفحات ٢٠٧201 الــكـــنــــايــــــــة الكناية: مصدر بمعنى الستر والخفاء؛ يقال: كنَّ الشيء في صدره يكنُّه: إذا ستره ( ). عرفها عبدالقاهر الجرجاني بقوله : "أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه ورِدْفُه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلاً عليه"( ). وأتى بعده الخطيب القزويني وعرفها بقوله : "لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ"(5). وعدت الكناية أبلغ من التصريح؛ لأنها تزيد في إثبات المعنى، فتجعله أبلغ وآكد وأشد( ). والكناية في البلاغة القرآنية تؤدي المعاني وتُصوّرها خير أداء وتصوير، فهي حيناً راسمة مصوّرة موحية، وحيناً تتجنب ما ينبو على الآذان سماعه فهي الأدب والتهذيب، وحيناً موجزة تنقل المعنى وافياً في لفظ قليل. وفي المواضع التي وردت فيها الكناية القرآنية، لا تستطيع الحقيقة أن تؤدي المعنى كما أدته الكناية (3). وفي هذا المبحث ثمة وقفة مع شاهد للاقتران برز من خلاله أسلوب الكناية. ( ) ينظر : لسان العرب . مادة (كنن). ( ) دلائل الإعجاز : (11.) (5) الإيضاح: (11.) ( ) ينظر: دلائل الإعجاز : (3 .) (3) ينظر: من بلاغة القرآن (1.)
عدد الصفحات ٢٠٨