154 الكافرين بجلاء . ( ) و"خص [عليه الصلاة والسلام ]بالخطاب تعظيما لشأنه."( ) وإذا كان لمكذبي قومه - عليه الصلاة والسلام - فلعله لتخويفهم وردعهم عن غيهم؛ لأن الأمر بالنظر في عاقبة المكذبين، أو المجرمين قبلهم مقصو د منه قياس أمثالهم في التكذيب عليهم في ترقب أن يحل بهم من المصائب مثل ما حل بأولئك . ( ) ينظر: التحرير والتنوير ( / ). ( ) السابق،نفسها.
عدد الصفحات ١٦١155 المطلب الرابع اقتران النداء بالأمر من الأساليب الإنشائية المقترنة؛ إسلوب "النداء" وإسلوب "الأمر"؛ فقد درج في النظم القرآني النداء بياء النداء ثم يُردف ذاك النداء بأمر.( ) وإذا نُظر إلى ما اقترن فيه النداء بالأمر؛ سيجد الناظر أن الغالب اقتران نداء المؤمنين بالأمر؛ بقوله"ﮥ ﮦ ﮧ "، كما سيجد الناظر، ثبات أسلوب النداء؛ إذ جاء بهذه الصيغة " ﮥ ﮦ ﮧ "، وكذا في إسلوب الأمر؛ فقد جاء بصيغة فعل الأمر، إلا في موضع واحد جاء بصيغة الفعل المضارع المقرون بلام الأمر ( ). وقد تعدد المأمور به كل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام، لكن ثمة فعل أمر غلب اقترانه مع نداء الذين آمنوا على تلك المأمورات، وهو ما سيكون مجال البحث في هذا المطلب، ألا وهو الأمر بتقوى الله؛ إذ ورد في سبعة مواضع من القرآن الكريم . من شو اهده؛ قوله تعالى:(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ)[البقرة :31]. وقولهسبحانه: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [آل عمران :6 ]. وقولهجل وعلا :(ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ)[المائدة:53]. وشاهد الاقتران قوله:" ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ". ولعل السر البلاغي في اقترانهما؛ الدلالة على عظم شأن التقوى، وعظم حاجة المؤمن إليها في كل تفاصيل حياته؛ وبيان ذلك : أن النداء ب "يا "هو دعوة للإقبال على المتكلم؛ وهو حرف وضع في أصله لنداء البعيد، ( ) أو نهي، وحينًا بتمنل كما سيأتي ... ( ) كان هذا في قوله تعالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [النور:13.]
عدد الصفحات ١٦٢156 يهتف به الشخص بمن يناديه.؛ وفيه دلالة على أن ما يلي هذا النداء هو معنى عظيم حري بأن يتيقظ السامع له ، ويميل بقلبه وبصيرته إليه. و"أي" اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، ففيه من الإبهام ما يشد انتباه المتلقي أكثر، ويدعوه لبذل مزيد من التيقظ، لذا لا بد أن يعقبه اسم جنس - أو ما يجري مجراه - يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو "أيّ ". و"أي" لا يستقل بنفسه؛ فلذا لم ينفك من الصفة. ( ) وصفة "أي "هنا هي" الذين آمنوا"؛ وهي الموضحة له، التي أزالت الإبهام الذي فيه . وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه الواقعة بين الصفة وموصوفها لفائدتين : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه، ووقوعها عوضاً مما يستحقه "أيّ " من الإضافة. ( ) وبعد ذلك التأكيد وجذب الانتباه يأتي الأمر بتقوى الله – تعالى -: "ات َّقُواْ اللّهَ "؛ والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يخُاف منه، والتقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك ا لمحظور.(5) فلبيان عظم شأن التقوى، وعظم الحاجة إليها كان هذا الاقتران بهذا الأسلوب؛ فإذا كان الإيمان تصديق القلب وعمل بالجوارح، وبه يتحقق المرغوب ويصرف المرهوب؛ كما قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ) [الأنعام:1 ]؛ فإنه بالتقوى يحُافظ المؤمن على سلامة إيما نه، وإذا اقترن الإيمان والتقوى في شخص حظي بوعد الله - تعالى -، وكان من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة؛ كما قال سبحانه:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [يونس:1 -15]. وفي اقترانهما– أيضاً - ترغيب بالمأمور به وهو "التقوى"، واستثارة همم "الذين آمنوا"؛ ليبادروا بتمثله؛ إذ مُهّد له بندائهم بوصف هو من أشرف الأوصاف؛ وهو الإيمان؛ ففيه مدح لهم، وتلطف في الخطاب للنكتة السابقة والله تعالى أعلم. ( ) ينظر: الكشاف ( /6)، وما بعدها. ( ) ينظر: السابق ( / ). (5) ينظر: المفردات (مادة/وقي).
عدد الصفحات ١٦٣157 المطلب الخامس اقتران النداء بالنهي كما اقترن النداء بالأمر، اقترن بالنهي؛ وصفته أن يُوجّه النداء للمؤمنين، ثم يردف بجملة مُصدَّرة بالنهي ب "لا"؛ وتعدد المنهي عنه بحسب ما يقتضيه المقام، إلا أن المنهي الذي غلب اقترانه مع نداء المؤمنين ؛ هو اتخاذ الولي من دون المؤمنين، وكان ذلك في ستة مواضع؛ من شواهده قوله تعالى:(ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ)[النساء: ] . وقولهعز وجل:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ)[المائدة:3 ]. وقولهسبحانه:(ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ)[المائدة:33]. في شواهد هذا الاقتران يجد القارئ أن ا -- ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين، واليهود والنصارى - الذين هم أعداء الإسلام وأهله - أولياء من دون المؤمنين، أي مصاحبتهم ومصادقتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، ( ). "وأصل الموالاة: الحب؛ وأصل المعاداة: البغض؛ وينشأ عنهما من أعمال القلوب، والجوارح، ما يدخل في حقيقة الموالاة، والمعاداة؛ كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال."( ). وشاهد الاقتران قوله: (ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ )، وقد تعددت صيغ المنهي عن اتخاذه - أي المعمول - وكل ذلك بحسب المقام؛ فمرة هم " الْكَافِرِينَ "، وأخرى "الْي َهُ ودَ وَالنَّصَارَى"، وثالثة:(ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ )، ( ) ينظر: تفسير القرآن العظيم ( / ). ( ) الدرر السنية ( /5 3.)
عدد الصفحات ١٦٤158 ورابعة : (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ )[التوبة:5]،وخامسة :(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) [الممتحنة: ]. والسر البلاغي في اقتران النداء"يا أيها الذين آمنوا" ب "النهي" أن النداء ب "يا" الدلالة - والله تعالى أعلم - على أن ما يلي هذا النداء هو أمر عظيم في غاية الأهمية، حري بأن يتيقظ السامع له، ويميل بقلبه وبصيرته إليه، ففي جملة النداء"يا أيها الذين آمنوا" جذب انتباه وتأكيد، وبعد ذلك يأتي النهي عن اتخاذ الولي من دون المؤمنين بقوله: " لاَ ت َتَّخِذُواْ "، فإذا ذُكر الفعل المنهي عنه مقرونا بهذا النداء كان آكد في النفس، وأشد وقعا، واستشعر المتلقي عظم المنهي عنه؛ وهو اتخاذ الولي من دون المؤمنين، لعظم ما فيه من مفاسد دينيه ودنيوية، فانتهى عنه. وفي اقترانهما – أيضاً - تنفير من المنهي عنه وهو "موالاة الكفار واليهود والنصارى "، واستثارة همم المؤمنين للمبادرة بالانتهاء عمَّا نهُوا عنه؛ لما في ندائهم بوصفهم بالإيمان من تلطف معهم، وتذكير لهم بإيمانهم؛ لأن الولاء والبراء شرط في الإيمان؛ كما قال تعالى:(ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ )[المائدة:16].كما أنه- أعني الولاء البراء - من أوثق عرى الإيمان؛ كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام -:" أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله ، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله ".( ) و لما في ندائهم ب"الذين آمنوا" من تذكير لهم بما بايعوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - فعن جرير بن عبد الله - - قال أتيت الن- - وهو يبايع الناس فقلت يا نبي الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم بالشرط مني، قال : "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتناصح المؤمن، وتفارق الم شرك ."( ) فهذا أدعى للامتثال. ( ) أورده الألباني في صحيح الجامع ( / 13 )حديث رقم (351.) ( ) السنن الكبرى (1/ 5.)
عدد الصفحات ١٦٥159 المطلب السادس اقتران النداء بالتمني كان من صور اقتران الأساليب الإنشائية؛ اقتران أسلوب النداء بأسلوب التمني؛ وذلك باقتران حرف النداء "يا" ب "ليت" في أكثر من موضع من النظم القرآني؛ تُ حصر تسعة منها أُتي بالجملة المقترنة عند الحديث عمَّا يُقال عند رؤية مشاهد يوم القيامة؛ من ذلك قوله تعالى: (ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ) [الأنعام:3]. وقولهعزوجل:(ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) [الفرقان :3]. وقولهسبحانه وتعالى:(ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ) [الأحزاب :11] . و"يا" - كما سبق بيانه - في الأصل حرف نداء، لكنها تخرج عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر يُفهم من سياق الكلام. والمنادى في شواهد "يا ليت" محذوف يُقدر حسب السياق كأن يكون التقدير: يا أيها العقلاء ليت قومي يعلمون، كما في قوله تعالى:(ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ )[يس:1]( ). وقد ينزل معها غير العا قل منزلة العاقل؛ فمن حكيت مقالته ينادي ندمه؛كمن نادى حسرته في قوله تعالى:(ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ) [الأنعام:5 ]،( ) كما في قوله عزوجل:(ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) [الفرقان :3]. وفي مع"ليت" جاء في المفردات : هي طمع وتمن. قال تعالى:(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ )[النبأ:6]، وقال:(ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)[الفرقان .3].(5) ( ) ينظر: حاشية القونوي(1/ 3.) ( ) ينظر: آلحم (الشورى _الزُّخرُف _الدخان) (536.) (5) ينظر: المفردات (مادة/ليت).
عدد الصفحات ١٦٦160 والتمني طلب الحصول على شيء مستحيل أو ما في حكمه. و"ليت" هي اللفظ الموضوع له( ). ومما يمُيز "ليت" أنها لم تخرج عن المعنى الذي وضعت له، كغيرها من الكلمات ( ). لكن ما السر في اقتران النداء بالتمني هنا؟ من خلال النظر في شواهد الاقتران، يجد القارئ أن ما وقع عليه التمني كله من الأمور المستحيلة؛ وبيان ذلك: في قوله تعالى:(ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ ) [الأنعام:3]. بعد معاينة المشركين بربهم العذاب قالوا:(ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ) أي: يا ليتنا نردّ إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله، ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله، متَّبعي أمره ونهيه.(5) وعودتهم إلى الدنيا من الأمور المستحيلة، وتصحيح مسارهم لو رُدوا إلى الدنيا أيضا من الأمور المستحيلة؛ بدليل قوله تعالى بعده: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ )[الأنعام:1]. وكذا في قوله تعالى:(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ)[الزُّخرُف:51]. هذا حكاية عن قول الذي تغافل عن الهدى؛ فا - تعالى - يقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم . فإذا وافى الله - - يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وك ل به، ويقول :(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ )؛ أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا.( ) وتحقق تلك الأمنية من الأمور المستحيلة. وكذا في بقية الشواهد، قوله تعالى: (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ )[الفرقان :3]،وقوله:(ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ( ) ينظر: الإيضاح (5/3 )ومابعدها. ( ) ينظر: آلحم (الشورى _الزُّخرُف _الدخان) (511)وما بعدها. (5 )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /5 1.) ( )ينظر: تفسير القرآن العظيم (3/ 1.)
عدد الصفحات ١٦٧161 ﭿ ﮀ )[الأحزاب :11]،وقوله:(ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ) [ااقة:3]،وقوله:(ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ )[الحاقة:3]،وقوله:(ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ)[النبأ:6]. ولعل السر البلاغي في اقتران النداء"يا" مع حذف المنادى بجملة تمتنل؛ بيان شدة التحسر والتندم الذي يجيش في صدر من حكيت للقارئ مقالته من هول ما عاينه من العذاب . فكأنه ينادي من يشاركه ألمه وحسرته، وحَذفُ المنادى مما اقتضاه المقام؛ إذ المقام مقام كرب وشدة، لا يتسع لذكر المنادى فحُذف؛ لضيق المقام. وليت مع ما تلاها تبين أي أمر عظيم يتحسر عليه المتكلم. وفي هذا تخويف للكفرة والمكذبين لئلا يتمادوا في غيهم، وفيه – أيضاً - تحذير لعصاة المسلمين من الوقوع فيما يوجب لهم الحسرة والندامة يوم القيامة والله تعالى أعلم . وقد تكون حرف تنبيه للفت الانتباه إلى ذاك التمني الذي صار حسرة وتندمًا( ). وربما هي للتلهف والتحسر والتندم( )، واستقت هذا المعنى من الكلام الذي أتى بعدها - فلا شاهد لها هنا -؛ ويكون السر البلاغي في اقترانها مع جملة التمني؛ لبيان شدة التحسر والتندم الذي يجيش في صدر من حُكيت مقالته، والذي أثاره المشاهد التي وقف عليها، فلم يكن أمامه إلا أن يصيح بأعلى صوته ب "يا"؛ ولعل الألف تتيح له إطلاق الصوت وإطالته؛ ليستلَّ بهذا الإطلاق والإطالة تلك الحسرة التي تملكته، والتندم الذي استقر في أعماقه، بالقول عن طريق التمني ب "ليت"، وبالقول والفعل عن طريق "يا". ( ) ينظر: آلحم (الشورى - الزُّ خرُف - الدخان) (536.) ( )ينظر: التحرير والتنوير (3 / 5).
عدد الصفحات ١٦٨162 المبحث الثالث اقتران أساليب الإنشاء بالخبر
عدد الصفحات ١٦٩163 اقتران أساليب الإنشاء بالخبر المطلب الأول اقتران الاستفهام بالنفي من صور اقترن الأساليب الإنشائية بالخبرية؛ اقتران الاستفهام بالنفي في النظم القرآني؛ من شواهد ذلك، قوله تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ) [البقرة :1 ]. وقولهجل وعلا:(ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ)[يس:6] . وقولهسبحانه:(ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ)[المنافقون:1]. فالاستفهام هنا جاء بالهمزة وأم المعادلة " ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ "،" ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ". والاستفهام هنا خرج عن معناه الحقيقي إلى معنى آخر فُهم من السياق؛ هو - كما ذكر العلماء - التسوية؛ أي قيامك بهذا الفعل أو عدم قيامك به النتيجة في كُلٍّ متساوية، أو متعادلة؛ والنتيجة هي ما أعقب الاستفهام؛ كما في قوله تعالى:(ﮬ ﮭ )،(ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ)، وهي نفي وقو ع الأثر المرجو من الفعل الواقع بعد الاستفهام . وقد يكون تصدر "سواء" للكلام، هو ما قوَّى هذا التوجيه؛ إذ معنى " ﭠ":معتدل، مأخوذ من التَّساوي، كما يقال:"مُتَساول هذان الأمران عندي"، و"هما عِندي سَواءع "، أي: هما متعادلان عندي.( ) قال ابن عاشور: "اعلم أن تركيب : سواء عليه أكذا أم كذا .. ونحوه، مما جرى مجرى المثل، فيلزم هذه الكلمات مع ما يناسبها من ضمائر المخبر عنه . ومدلوله استواء الأمرين لدى المجرور بحرف (على)، ولذلك يعقب بجملة تبين جهة الاستواء كجملة (لن يغفر الله لهم)، وجملة (لا ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /31.)
عدد الصفحات ١٧٠164 يؤمنون) في سورة البقرة، وقوله : (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ) [يس:6 ]".( ) والمعنى في قوله: (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ )[يس:6]؛أي: متساول يا محمد على هؤلاء الذين حق عليهم القول، أيّ الأمرين كان منك إليهم ؛ الإنذار، أو ترك الإنذار، فإنهم لا يؤمنون؛ لأن الله قد حكم عليهم بذلك.( ) وفي قوله: (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ)[المنافقون:1]؛ أي: سواء يا محمد على هؤلاء المنافقين (ﭢ ﭣ) ذنوبهم (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ)، لن يصفح الله لهم عنهم، بل سيعاقبهم عليها، إن الله لا يوفِّق للإيمان القوم الكاذبين عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعته.(5) أما السر البلاغي في اقتران الاستفهام هنا بالنفي؛ فقديكون لزيادة التيئيس والقنوط؛ تيئيس النبي - عليه الصلاة والسلام - من هداية أولئك الذين يحزن لكفرهم، ومن مغفرة أولئك المنافقين الذين علم الله - تعالى - ما في نفوسهم، فحكم عليهم بالضلالة لفسقهم. وفي ذلك - أيضاً - تسلية له - عليه الصلاة والسلام - لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات . ولعل ما يقوي ذلك التعليل أن هذا التركيب جِيء به عند الحديث عن مخالفي الرسول - عليه الصلاة والسلام -؛ من الكافرين أو المنافقين الذين يبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام. يُضاف إلى ذلك الترقي من النفي الضمني الذي تضمنه الاستفهام كما في قوله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ )[البقرة :1] إلى النفي الصريح " ﮬ ﮭ "، وفي هذا - والله تعالى أعلم - زيادة في تأكيد المعنى المقصود وتقويته؛ وهو عدم إيمانهم . ( ) التحرير والتنوير (1/ . ) ( )ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 11.) (5 )ينظر: السابق (5/ 66.)
عدد الصفحات ١٧١165 المطلب الثاني اقتران أداة الاستفهام بالشرط من صور الاقتران المطردة في القرآن الكريم؛ اقترانع تميَّز به النظم القرآني؛ هو اقتران الاستفهام بهمزة الاستفهام بالشرط عند الحديث عن موقف المشركين من البعث؛ ظهر ذلك في اثنتي عشر موضعاً من شواهده؛ قوله تعالى:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [الرعد :3]. وقولهجل وعلا:(ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ)[اسراء :1] . وقوله:(ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ) [الإسراء :11]. قال ابن عاشور في قولهتعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ) [المؤمنون:1 ]. "قرأ الجمهور (أإذا متنا) بهمزتين على أنه استفهام عن الشرط . وقرأه ابن عامر بهمزة واحدة على صورة الخبر والاستفهام مقدر في جملة (إنا لمبعوثون). وقرأ الجمهور (أإنا لمبعوثون) بهمزتين على تأكيد همزة الاستفهام الأولى بإدخال مثلها على جواب الشرط . وقرأه نافع وأبو جعفر بدون همزة استفهام، ووجود همزة الاستفهام داخلة على الشرط كاف في إفادة الاستفهام عن جوابه."( ) وعند بيان قوله تعالى :(ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ) [الإسراء :1]. قال ابن عاشور:"وأصل تركيب الجملة : "أإنا لمبعوثون إذا كنا عظاما ورفاتا "، وليس المقصود من الظرف التقييد؛ لأن الكون عظاما ورفاتا ثابت لكل من يموت، فيبعث ."( ) ( ) التحرير والتنوير (1/ 63.) ( )السابق(3/ 5.)
عدد الصفحات ١٧٢166 "والاستفهام إنكاري "( )؛ فهم ينكرون البعث بعد الموت، مع ما فيه من تعجب واستبعاد؛ أي استبعاد البعث بعد الموت ، وتعجبا من أن يكون.( ) "وتقديم الظرف من قوله (ﭷ ﭸ ﭹ )؛ للاهتمام به؛ لأن مضمونه هو دليل الاستحالة في ظنهم، فالإنكار متسلط على جملة (إنا لمبعوثون)."(5) واقتران الاستفهام بجملة الشرط التي يذكر فيها الموت والكون ترابا وع ظاما .. ونحو ذلك؛ لعله لتأكيد الإنكار؛ فهم ينكرون هذه الحقيقة ويستبعدونها، وحتى يؤكدوا ذلك الإنكار ويُقوُّا ذلك الاستبعاد قرنوا ذلك بما هو دليل - في ظنهم - إذ كيف يبعثون بعد ذلك الفناء التام . "وقد تكرر الاستفهام لفظا مرتين :(ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ )،( ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ) [الإسراء :1]، ولكن المراد واحد لأن تكرار الهمزة (أإنا) بعد قولهم:(أئذ)؛ لتأكيد الأول."( ) ( ) التحرير والتنوير (1/ 6.) ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (3/31 .) (5 )التحرير والتنوير (3 / 5 .) ( )التفسير البلاغي للاستفهام( /61.)
عدد الصفحات ١٧٣167 المطلب الثالث اقتران الأمر بالنفي أختم صور اقتران الإنشاء بالخبر؛ ما اطرد في النظم القرآني من اقتران الأمر بعبادة الله تعالى، بنفي ألوهية غيره؛ وذلك في تسعة مواضع من شواهد ذلك قوله تعالى:(ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ) [الأعراف:31]. وقولهسبحانه: (ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ) [الأعراف:13]. وقولهجل وعلا: (ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ)[الأعراف:35]. فشاهد الاقتران هنا في قوله تعالى:( ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ )، قالها نوح -- لقومه، وكذا هود، وصالح، وشعيب - عليهم السلام - كلهم قالوها لأقوامهم. ومعنى قوله تعالى:( ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ )،: أي اعبدوا الله وحده بلا شريك له في العبادة، فما لكم إله يجوزُ لكم أن تعبدوه غيره.( ) فهنا اقترن الأمر بعبادة الله " ﯝ ﯞ "؛ بنفي ألوهية غيره "مَا لَكُم مِّنْ إِلَهل غَي ْرُهُ ". والسر البلاغي في اقترانهما - والله أعلم -؛ تأكيد عبادة الله وحده؛ وبيان ذلك أن الإنسان بفطرته بحاجة إلى إله يعبده ويدعوه في السراء والضراء؛ إذ العبادة هي الغاية من الخ لق؛ قال تعالى:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ)[الذاريات :31] . وا-- هو وحده المستحق أن تُصرف له جميع صور العبادة من صلاة، ودعاء، وخوف، ورجاء، وذبح، ونذر ...وغيرها. والتعبد لله - تعالى - يعني التذلل له -- حباا وتعظيما؛ بفعل ( ) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن ( /3 3.)
عدد الصفحات ١٧٤168 أوامره واجتناب نواهيه .( ) لذا كان الأمر بعب ادة الله - تعالى- على لسان أنبيائه "عْبُدُواْ اللَّهَ " وجيء بلفظ الجلالة "الله" الجامع لصفات الجلال والإكرام؛ لإثبات -والله أعلم - استحقاقه للعبادة دون من سواه، وقُرن مع ذاك الأمر نفي ألوهية غيره "مَا لَكُم مِّنْ إِلَهل غَي ْرُهُ "؛ لتأكيد المعنى السابق؛ الذي هو الحث على عبادة الله - تعالى- وإفراده - - بالعبادة؛ لأنه لا إله غيره، فنفي ألوهيه غيره دليل قاطع على بطلان عبادة ما سواه، وإذا تقرر هذا، تعينَّ أن يخُص بالعبادة، وأن يُفرد بها. والمقام في شواهد هذا الاقتران مقام دعوة؛ فالأنبياء يدعون أقوامهم لعبادة الله وحده، وهم بحاجة لما يرغب في دعوتهم ويؤكدها . أما السر في تكرار هذا القول من أكثر من رسول؛ ف "لأن الرسل مرسلون من الله، والحكمة من الإرسال واحدة - فلا جرم - أن تتشابه دعواتهم."( ) وفي الحديث":"نحن مَعاشِر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد "(5)؛ فإن أو د العلات هم الأخوة من أب واحد وأمهات شَتىَّ، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات"( )، وقد قال تعالى:(ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ) [الشورى :5]. ( ) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين ( /3.) ( ) التحرير والتنوير (1/ 6 )وما بعدها. (5) الحديث في صحيح البخاري "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا : كيف يا رسول الله؟ قال : الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى. ودينهم واحد."، كتاب : أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى:(ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ)، حديث رقم : 513،ص115. ( ) تفسير القرآن العظيم (5/515.)
عدد الصفحات ١٧٥169 المبحث الرابع اقتران الجمل المقيدة
عدد الصفحات ١٧٦