المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة الغفران

غير معروف

صفحة ٩ من ١٩

129 عليه وسلم، فقال: من هذا الغريب؟ فقالت له: هذا رجلٌ سأل فيه فلانٌ وفلانٌ - وسمَّت جماعةً من الأئمة الطاهرين- فقال: حتَّى يُنظر في عمله. فسأل عن عملي فوجَد في الدّيوان الأعظم وقد خُتِم بالتوبة، فـشـَـفَع لي، فأذِنوا لي بالدُّخول. ولمَّا انصرفت الزَّهراء، عليها السلام، تعلَّقت بركابِ إبراهيم، صلّى الله عليه. فلمّا خلصت من ذلك الزِّحام، قيل لي: هذا الصِّراط فاعْـبُر عليه. فوجدتُه خالياً لا أحدَ عنده، فأردت العُبور، فوجدتُني لا أستمسك. فقالت الزَّهراء، سلام الله عليها، لجاريةٍ من جواريها: فلانة أجيزيه. فجعلت تُمارسني وأنا أترنـَّح يميناً وشمالاً، فقلت: يا هذه، إن أردْتِ سلامتي فاسْتعمِلي معي قولَ القائل في الدار العاجلة: ســــتِّ إن أعـــيـــاك أمـــــــــــري فـــــاحْـــــمِـــــلـــــيـــــنــي زقْـــــفـــــونـــَــةْ فقالت: وما زقفونة؟ قلت: أن يضعَ الإنسانُ يديه على كتفي الآخر، ويمسكه الحاملُ بيديه، ويحملـُه وبطنُه إلى ظهرِه، أما سمعتِ قول الجَحْجَلول من أهلِ كـَفْـرِطابٍ: ُحَت حالتي إلى الخـلفِ حــتــى صرِتُ أمــشي إلى الـــورى زقـْفـونـةْ صلـ فقالت: ما سمعتُ بزَقـْفـونـة، ولا الجَحْجَلول، ولا كـَفـْرِطابٍ إلاّ الساعة. فتحملـُـني وتعبر كالبرق الخاطف. فلمّا عبرت، قالتِ الزَّهراء، عليها السلام: قد وهبنا لك هذه الجارية، فخُذْها كي تخدمك في الجنان. فلمّا وصلت إلى باب الجنّة، قال لي رضوان: هل معك من جوازٍ؟ فقلت: لا. فقال لا سبيل لك إلى الدخول إلاّ به فاحترت بالأمر، وعلى باب الجنَة من داخلٍ شجرة صفصافٍ، فقلت: أعطني ورقةً من هذه الصَّفصافة حتى أرجع إلى الموقف فآخذ عليها جوازاً، فقال: لا أخرج شيئاً من الجنَّة إلاّ بإذنٍ من العليِّ الأعلى، تقدَّس وتبارك. فلمّا ذُهلت بالنازلة، قلت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! لو أن للأميرِ أبي المُرَجّى خازناً مثلَك، لما وصلت أنا ولا غيري إلى درهم من خزانته. والتفت إبراهيم، سلام الله عليه، فرآني وقد تخلفت عنه، فرجع إليَّ فجذبني جذبة قذفني بها إلى الجنة. وكان مُقامي في الموقف مدَّة سـتَّةِ أشـهرٍ من شُهـور العاجلة، فـلذلك بقي عليَّ حفظي ما قـلَّلَتْه الأهوال، ولا أنهكه تدقيق الحساب.

عدد الصفحات ١٣٠

130 في الجنة مجدداً فأيكم راعي الإبل؟ فيقولون: هذا. فيسلّم عليه الشيخ ويقول: أرجو أن لا أجدَك مثلَ أصحابك وقد نسيت كلَّ شيء. فيقول: أرجو ذلك، فاسألـْني ولا تُطل. فيقول: أحق ٌّما روى عنك سيبويه في قصيدتِك التي تمدح بها عبد الملك بن مروان من أنَّك تنصِبُ الجماعة في قولك: َة َأن تـَـمـيلَ مَـميلا َــزِمَ الرِحالـ أَيــامَ قومي وَالجَـمـاعَــة َكالـــذي لـ فيقول: حق ٌّ ذلك.

عدد الصفحات ١٣١

131 حميد بن ثور وينصرف عنه راشداً إلى حُـمَـيد بنِ ثور فيقول: إيه يا حميد! لقد أحسنت في قولك: َسْلـَـما َصِحَّ وتـ أرى بَـصرَي قـد رابَـني بَعـدَ حِـدَّةٍوَحَـسْـبُك داءً أن تـ َـلـَـبـا أَن يُـدرِكا ما تـيَـمّـَمــا وَلن يَـلبَـث َالعَـصرانِ يَـومٌ وَلـيـلـةٌإِذا طـ فكيف بصرُك اليوم؟ فيقول: إنَّي لأكون في مغاربِ الجنَّة، فألمحُ الصَّديقَ من أصدقائي وهو بمشارقِها، وبيني وبينه مسيرةُ ألوفِ أعْوامٍ للشمس التي عَـرفـنا سُرعة َمَسيرِها في العاجلة! فتعالى الله القادر على كلّ بديع. فيقول: لقد أحسنت في الدالية التي تقول فيها: َل عامٌ يُـنعِـشُ النّاسَ واحِدُ تتابَـعَ أعـــــوامٌ عـليها هَـزَلْـنهاوأقـب فيقول حميدٌ: لقد ذُهِـلتُ عن كلّ ميمٍ وسين، وشُغلت بملاعبة الحورالعين عن النساء، وعن طرَدِ البيض من الظباء، بما وهب ربَّي الكريم، ولا خوفَ عليَّ ولا حزن، ولقد كان الرجل مِنّا يُعمِل فكرَه السَّنة َأو الأشهُرَ في الرَّجل قد آتاه الله الشَّرف والمال، فربّما رجَع بالخيبة، وإن نال فنوال زهيدٌ، ولكنَّ النّظـْمَ فضيلة العرب. ويعرِض لهم لبيدُ بن ربيعة فيدعوهم إلى منزله بالقيسيَّة، ويُقسم عليهم أن يذهبوا معه، ويتمشون قليلاً، فإذا هم بأبياتٍ ثلاثةٍ ليس في الجنَّة نظيرُها بهاءً وحُسناً، فيقول لبيدٌ: أتعرف أيُّها الأديبُ الحلبيٌّ هذه الأبيات؟ فيقول: لا والذي حجَّت القبائلُ كعبتـَه! فيقول: أمَّا الأول فقولي: َـيرُ نَـفَـلْوبــإِذنِ الـلـّهِ رَيْـثي وَعَـجَــــلْ إِنَّ تـقوى رَبِّـنا خـ وأمّا الثاني فهو قولي: ّـه َ، فلا نِـدَّ لـَـهُبيدَيهِ الخـيْـرُ ما شــاءَ فـعـَـلْ أحْـمَــدُ الـلـ

عدد الصفحات ١٣٢

132 وأمّا الثالث فقولي مَــن هَـــداهُ سُــبُــلَ الــخــيرِ اهْتدىنــاعــمَ الــبــال، ومَـــن شـــاءَ أضَــلّ صيَّرها ربِّي اللّطيف الخبيرُ أبياتاً في الجنـّة، أسكُنها إلى الأبد، وأنعَـُم نعيم من خلـَـد. فيعجب هو وأولئك القوم ويقولون: إنَّ الله قديرٌ على ما أراد. ويبدو له، أيَّد اللهُ مجدَه بالتأييد، أن يصنع مأدبة ًفي الجنان، يجمع فيها من أمكن من الشعراء المخضرمين وشعراء الإسلام، والذين أصَّلوا كلامَ العرب، وجعلوه محفوظاً في الكتب، وغيرَهم ممّن يأنسُ بالأدب وإن كان قليلاً. فيخطر له أن تكونَ كمآدب الدار العاجلة، إذ كان البارىء، جلـَّت عظمته، لا يُعْجزُه أن يأتيَهم بجميع الأغراض، من غير كُلفةٍ ولا إبطاءٍ، فتنشأ رَحَاً هنا ورحَاً على الكوثر، تُجَعْجِع لطحْنِ بُـرٍّ من بُـرّ الجنّة، وتذكـَّرَ بُرَّ الهذليِّ الذي قال فيه لا دَرَّ دَرِّيَ إِن أَطعَـمْـتُ نازِلـَكُـمْقِرْفَ الحَـتِيِّ وَعِـندي البُـرُّ مَكـْنـوزُ لكن بُـرَّ الجنة يفضُلُ ذاك البُـرَّ بمقدارِ ما تفضل به السموات الأرض، فيقترح، أمضى القادرُ له اقتراحَه، أن تحضُرَ بين يديه جوارٍ من الحُورِ العين، يطحَنَّ بأرْحاء اليَـدِ ممّا كانت النساء يطحنَّ بها في الحياة الفانية: فرحىً من دُرٍّ، ورحىً من عَـسْجدٍ، وأرحاءٌ لم يَـرَ أهلُ العاجلة شيئاً من شكلِ جواهرِهنّ. فإذا نظر إليهنّ، حمد الله سبحانه على ما مَنح، وذكـَر قول الرّاجزيصفُ رحى اليد: َــيــنِ تـــــتـَــــعـــاورانِ أعْــــــدَدتُ لــلــضَّــيــفِ ولــلــجــيرانِجَــريَّـتـ َــرْأمــانِ وهُـــــما ظِـــــئْـــــرانِ لا تـــ ويبتسمُ إليهـِنَّ ويقول: اطـْحَـنَّ شـَـزْراً وبَـتّاً. فيقـلـن: ما شَـزْرٌ وما بَـتٌّ؟ فيقول: الشَّزْرُ على أيمانِكـُنَّ، والبَتُّ على شمائِـلـكـُنَّ، أما سمعْـتُـنَّ قول القائل: َنـْفـحـِيـنـا َلـ َــرَّ شــــيءٍونُـمسـي بالعَـشـيِّ طـ َـداةِ أتـ ونُـصْـبِــح بالـغـ ونَـطـْحَـنُ بـالـرَّحى شَــزْراً وبَـتّــاًولـوْ نُـعْـطى المَغازِلَ ما عَـيِـيـنا ويقال: إن هذا الشَّعرَ لرجل أسِرَ فكتب إلى قومه بذلك يستعجلهم فـَكاكـَه. - مالك بن عويمر بن عثمان الهُـذلي ويلقب المتنخـِّل. 1

عدد الصفحات ١٣٣

133 ويخطر في بالـه، عمَّره الله بالسُّرور، ذكرُ أرحاءٍ تدور فيها البهائم، فيمثل بين يديه ما شاء الله من البيوت، فيها أحجارٌ من جواهرِ الجنّة، تُدير بعضها جِمالٌ ترعى ما خلق الله لها من نبات المرعى في الفردوس، ونوق وصنوفٌ من البغال والبقر والحمير، فإذا اجتمع من الطـَّحْنِ ما يظنُّ أنَّه كافٍ للمأدبة، تفرَّق خدَمُه من الوِلدان المخَـلـَّدين فجاؤوا بالجِداء وضُروب الطير التي جرت العادة بأكلها، والسَّمين من دَجاج الرَّحْمَة وفراريج الخلد، وسيقت البقر والغنم والإبل لتذبح وتُنحر، وذلك كلُّه، بحمد الله، لا ألمَ فيه، وإنَّما هو جِـدٌّ مثلُ اللَّعب، فلا إله إلاّ الله الذي ابتدع خلقـَه من غير رويّةٍ، وصوَّره بلا مثال. فإذا وُضِعت اللحوم فوق الموائد، قال، زاد الله أمرَه من النَّفاذ: أحضِروا من في الجنَّة من الطـُّهاة السّاكنين بحلب على مرِّ الأزمان، فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ، فيأمُرُهم باتِّخاذ الأطعمة، وتلك لذِّةٌ يهبها الله، عزَّ سلطانُه، بدليل قوله: “ يُطافُ عَـليْهِم بِصِحافٍ مِن ذَهبٍ وَأكْوابٍ وفِيها مَا تَـشْـتـهِـيهِ الأَنـفـُسُ وَتـَلـَذ ُّالأعْيُـنُ وأنـتُـمْ فـيها خالِـدون َ،وتِـلـكَ الجَـنـَّـةُ التي أُورِثْـتُـمُوها بمَا كُـنْـتُـمْ تَعْـمَلـونَ، لكُمْ فيها فـاكِـهَـةٌ كَـثِـيـرَةٌ مِـنْها تَـأْكـُـلون َ فإذا أتت الأطعمة، افترق غِلمانُه الذين كأنَّهم اللـُّؤلؤ المكنونُ لإحضار المَدعوِّين، فلا يتركون في الجنَّة شاعراً إسلامياً، ولا مُخضرماً، ولا عالِـماً بشيءٍ من أصناف العلوم، ولا مُتأدِّباً إلاّ أحضّروه، فيجتمع بَـجْـدٌ عظيمٌ، والبَجْدُ: الخـَـلـْـق الكثير، قال الشاعر تـَــــلــــوذُ الــبُـجُـــودُ بــأذْرَائِـــنــــــا مِن الضُّـرِّ في أزَمَــاتِ السِّـنِـيـنـا فتوضع الموائد من الذهب، والصِحاف من الفضة، ويجلس عليها الآكلون، وتنقل إليهم الصُّحون، فإذا قضوا الأرَبَ من الطعام، جاءت السُّقاة بأصناف الأشربة، والمغنيات بالأصوات المطربة. سورة الزخرف73 -71 - الآيات 1 - كعب بن مالك الأنصاري 2

عدد الصفحات ١٣٤

134 مجلس الغناء ويقول، لا فتىء ناطقاً بالصواب: عليَّ بمن في الجنة من المغنِّين والمغنِّيات ممّن كان في الدارالعاجلة، فقُضيت له التّوبة، فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ من رجالٍ ونساءٍ: فيهم الغَريض، ومَعْـبدٌ وابنُ مِسْجَحٍ، وابن سُرَيجٍ، إلى أن يحضر إبراهيم المَوصِليُّ وابنه إسحاق. فيقول قائلٌ من الجماعة، وقد رأى أسراب قيانٍ قد حضرن مثل بَصْبَص ودنانير وعِـنان فإذا سمع ذلك لا برِحَ سمعُه مطروقاً بما يُبهجه، قال: لابدَّ من حضورهما. فيركبُ بعض الخدم ناقة من نوق الجنَّة، ويذهب إليهما على بعد مكانهما، فتقبلان على نجيبين أسرع َمن البرقِ اللامع. فإذا صارتا في المجلس، حيَاهما وبشَّ بهما وقال: كيف خلـُصْتما إلى دارِ الرحمة بعدما خبَطـْتُما في الضلال؟ فتقولان: قُدِّرت لنا التَّوبة، ومُتنا على دين الأنبياء المرسلين. فيقـول: أحسـن الـلـهُ إليكما، أسـمعانا شيئاً من التي تروى لعُـبيد مرة ولأوس أخرى سمعتا قطـُّ بعُبَيدٍ ولا أوْسٍ، فتُـلهَمان أن تغنِّـيا بالمطلوب، فتلحِّنان: َّـكتَ في فـَســادٍ بـعـد إِصلاحِ َـنـ ودِّعْ لـمِـيـسَ وَداع َالصَّــارِم الّلاحيقـد فـ إِذ تسـتـَبـيـكَ بمَـصْقـولٍ عَـوارِضُــهُحَـمْـشِ الـلِثـاتِ عِـذابٍ غـيـرِ مِـمْلاحِ ِصْـلاحي ِفــســـادي وإ َلـْحـاني وقـدْ عَـلِـمـتْأَنيِّ لِـنـفْـسِــيَ إ قـاتـلهـا الـلـهُ تـ َتهـا بعـد الكرَى اغْـتـَبَـقـتْمِـنْ ماءِ أَدْكـَـنَ في الحـانـوت نـضَّاحِ كأنَّ ريـقـ أوْ مِـن مُـشَـعْـشَـةٍ وَرْهَاءَ نَـشْـوَتُـهــاأَوْ مـن أنـابــيــبِ رُمَّــانٍ وتُــفـَّـــــاحِ ُّرسِ وضَّـاحِ ْـرٍ بِـمَـحْـنِـيَـــةٍأو في مَـليعٍ كظَهْـرِ التــ ولا مَـحــالـَـة مِـنْ قـب - أشهر المغنين والمغنيات من الجاهلية إلى العصر العباسي 1 م) ، من كبار شعراء تميم في الجاهلية. عُمّر طويلاً ولم يدرك620 - 530 ق. هـ2 - 95 - عبيد بن الأبرص، وأوس: أوس بن حَجَر بن مالك التميمي 2 الإسلام. في شعره حكمة ورقة، وكان غزلاً مغرماً بالنساء. ولم يقل أحد غير المعري إن الأشعار قد تكون لعبيد، بل تجمع المصادر على أنها لأوس

عدد الصفحات ١٣٥

135 فتُطرِبان من سمع، وتستفِزَّان الأفئدةَ بالسُّرور، ويكثر حمدُ الله سبحانه، كما أنعم على المؤمنين والتّائبين، وخلـَّصهم من دار الشّقوة إلى محلِّ النَّعيم. ويعرض له، أدامَ اللهُ الجمالَ ببقائِه، الشَّوقُ إلى نظرِ سَحابٍ كالسحاب الذي وصفه قائل هذه القصيدة في قوله: إنيّ أرِقْـتُ وَلـم تـأرَقْ مَـعي صــاحِلِـمُـسْـتَكِـفٍّ بُـعَـيـدَ النومِ لَـوّاحِ قد نمِتَ عَنّي وَباتَ البرَْقُ يُسْهِرُنيكمـا اسْــتـضـاءَ يَـهـودِيٌّ بِـمـِصـبــاحِ ُـــهُفي عــارضٍ كمُـضيءِ الصُّبْـحِ لمَّـاحِ َـرقٍ أبيـتُ الـلـيـلَ أرقُـب يا مَـنْ لـب دانٍ مُسِـف ٌّ فـُوَيـقَ الأرضِ هَـيـدَبُـهُيكـادُ يـدفــعُـــــهُ مَـنْ قـــــامَ بالـرَّاحِ َـقَ يـنْـفي الخيـلَ رمَّـــاحِ َــهُ لـمَّـــا عـلا شــَــطـِـبـاًأقْـرابُ أبْـلـ كأنَّ رَيِّــقــ كَأَنَّـمــا بَـيـنَ أَعْــلاهُ وَأَسْــفـَـلِــــهِرَيْطٌ مُـنَـشَّـرَةٌ أَو ضَـوءُ مِـصـبــاحِ ُسْـتـكِـنُّ كـمَـن يَـمـشي بِـقِـرواحِ فـمَن بِنـَجْـوَتِـهِ كـمَـنْ بِـمَـحْـفِــلِـهِوَالمـ فَأصبَـحَ الرَوضُ وَالقـيعـانُ مُمْرِعَةًمِن بَـذيـنِ مُرتـَـفِــقٍ مِـنهـا وَمُـنـطـاحِ فينشىء الله، تعالت آلاؤه، سَحابةً كأحسنِ ما يكون من السُّحب، من نظر إليها شهد أنَّه لم ير قطـُّ شيئاً أحسنَ منها، محلاّةً بالبرقِ في وسطها وأطرافها، تمطر بماء ورد الجنَّة من طلٍّ وطشٍّ ، وتنثر حصى الكافور كأنَّه صغارُ البَرَد، فعزَّ إلهنا القدير الذي لا يعجزه تصوير الأمانيّ وتكوين الهواجس من الظُنون. فيُحَيِّيه، ويقول لبعض القيان : ويلتفت فإذا هو بجِران العَوْدِ النـُّمَيريّ، فتصيب تلك القينة وتجيد. فإذا عجبت الجماعة من إحسانِها وإصابتها قالت: أتدرون من أنا؟ فيقولون: لا والله المحمود! فتقول: أنا أمُّ عمروٍ التي يقول فيها القائل: تصُـدُّ الــكــأسَ عـنَّا أمُّ عَـمْـروٍوكــان الكأسُ مَجراها اليـمـيـنـا م، شاعر وصاف. وجران العَود معناه (مقدم عنق البعير المسن). ولـُقـِّب بذلك لقوله:687 هـ68 - جران العود عامر بن الحارث النميري المتوفى 1 خُـذا حَـذراً يا جـارَتيَّ فـإنَّـنـي رأَيتُ جِرانَ العَوْدِ قد كادَ يَصْلحُ أَراد بِجران العَوْد سوطاً قدَّه من جِران عَوْدٍ نَحَره وهو أَصلب ما يكون. -------------------------------------------------------------- - الجرادتان: جاريتان قيل إنهما أول من غنى من العرب العاربة في عهد عاد، وكان لعبد الله بن جدعان جاريتان مغنيتان يقال لهما الجرادتان، وعبد الله بن جدعان من 1 أجواد الجاهلية، وفي داره عُقِد حلف الفضول، وروي الشطر الثاني: وتلألأ المرجان والشذر

عدد الصفحات ١٣٦

136 ومــا شــرُّ الـثـلاثـةِ أمَّ عَـمْـروٍبصاحِبك الــذي لا تُـصبـحـيـنـا أسمعينا قول هذا المحسن: ْنَ جران العَودِ حتى وضَعْـنـَهبعَـلـياءَ في أرجائِها الجِـنُّ تعْـزِفُ حمَلـ وأحْـرَزْنَ مـنَّـا كلَّ حُـجْـزَة مِـئْــزَرٍلـهُـنَّ وطاحَ النَّـوفـَـليٌّ المُزَخْـرَفُ َّعْ لـيـلـة َ الـنـأي ِهَــذهفـإِنـَّكَ مَـرْجـومٌ غـداً أَو مُـسَـيَّـفُ َـمَـتــ ْنَ تـ وقُـلـ فيزدادون بها عجباً، ولها إكراماً، ويقولون: لمن هذا الشعر؟ ألِعَمرو بن عديِّ اللَّخْمي؟ أم لعمرو بنِ كُلثوم التغْـلبيِّ؟ فتقول: أنا شهدت نَدْمانَي جذيمة: مالكاً وعقيلاً، وصَبَحتُهما الخمرَ المُـشـعْـشَعة، لمّا وجدا عمرَو بن عديٍّ، فكنت أصرِف الكأس عنه، فقال هذين البيتين، فلعلَّ عمرو بن كلثومٍ حسَّن بهما كلامَه واستزادهما في أبياته.

عدد الصفحات ١٣٧

137 رقص الجواري ويذكر، أذكره الله بالصّالحات، الأبيات التي تُنسب إلى الخليل بن أحمد، والخليل يومئذٍ في الجماعة، وأنها تصلح لأن يُرقـَـص عليها، فينشىء الله، القادر بلطف حكمته، شجرةً من الجَوز فتونِع لوقتِها، ثمّ تنفض عدداً لا يحصيه إلاّ الله سبحانه، وتنشقُّ كلُّ واحدةٍ من ثمارها عن أربع جوارٍ يرُقـْنَ الناظرين، ممَّن قَرُب والنّائين، يرقصن على الأبيات المنسوبة إلى الخليل، وأوّلها: َـــــصَـــــدَّعْفـــــطِـــــرْ بِـــــدائِـــــكَ أو قـَــعْ َـلـيــطَ تـــ إِنَّ الخـ لـــــولا جَـــــــوارٍ حِـســــــانٌمـــــثـــْـــــلُ الـــجـــــــآذِرِ أرْبَـــــــــــعْ أمُّ الـــــرَّبـــــابِ وأسْــــــمــاءُ والـــــبَـــــغُـــــومُ وبَـــــــــــوزَعْ ْــعَــنْإذا بــــــَــــــــدا لــــــــكَ، أو دَعْ ُــلــتُ لـلـظّاعِـنِ اظـــ لــقـــ فتهتزّ أرجاء الجنَّة، ويقول، لا زال مُنطـَـقاً بالسَّداد: لمن هذه الأبيات يا أبا عبد الرحمن؟ فيقول الخليل: لا أعلم. فيقول: إنّا كنّا في الدار العاجلة نروي هذه الأبيات لك. فيقول الخليل: لا أذكُر شيئاً من ذلك، ويجوز أن يكون ما قيل حقـّاً. فيقول: أفنسيت يا أبا عبدِ الرحمن وأنتَ أذكرُ العربِ في عصرك؟ فيقول الخليل: إنّ عُبورَ السِّراط ينفُض العقل ممّا اسْتُودِع. ويخطرُ له ذِكرُ الفـُقَّاع الذي كان يُعمَل في الدار الخادعة، فيُجري الله بقدرتِه أنهاراً من فُقـّاعٍ، الجرعة منها لو قورنت بلذَّات الفانية، منذ خلق السمواتِ والأرضَ إلى يومٍ تطوي الآخرةُ الأمم ، لكانت أفضلَ وأشفَّ. فيقول في نفسه: قد علمتُ أنَّ الله قديرٌ، والذي أريد، نحو ما كنت أراه في الدار الذاهبة. فلا تكمل هذه المقالة، حتى يجمع الله كلَّ فُـقَّاعيٍّ في الجنَّة من أهل العراق والشام وغيرِهما من البلاد، بين أيديهم الوِلدان المخلَّدون يحملون السَّلال إلى أهل ذلك المجلس. فيقول، حفظ الله على أهل الأدب نفسَه وعقله، لمن حضره من أهل العلم: ما تُسمَّى هذه السِّلالُ بالعربيَّة؟ فيسكتون، ويقول بعضهم: هذه تُسمَّى البَواسِنَ، واحدتُها باسِنةٌ، فيقول قائلٌ من الحاضرين: من ذكر هذا من أهل اللغة؟ فيقول، لا انْفكـَّت الفوائدُ واصلة ًمنه إلى الجلساء: قد ذكرها ابن دَرَسْتـَـوَيْه، وهو يومئذٍ في الحضرة. فيقول له الخليل:

عدد الصفحات ١٣٨

138 من أين جئتَ بهذا ؟ فيقول ابنُ درستويه أحَقٌّ هذا يا نضِر، فأنت عندنا الثِّـقة؟ فيقول النضر: قد التبس الأمر عليَّ، ولم يحكِ الرجل إن شاء الله، إلا حقاً. م ). وكان جيد التصنيف، مليح التأليف. وكان شديد الانتصار 956 -871هـ374 -258 - ابن درستويه: عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي 1 للبصريين في النحو واللغة، ترك كثيراً من المؤلفات - النضر بن شُمَيل بن خرَشَة التميمي المازني النحوي البصري، كان عالماً بفنون من العلم، صدوقاً ثقةً، صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب 2 ورواية الحديث، وقال العباس: كان إماماً ثقة في العربية والحديث

عدد الصفحات ١٣٩

139 طاووس الجنة ويعبر بين تلك الجماعات طاووسٌ من طواويس الجنَّة يروق حسنه من يراه ، فيشتهيه أبو عبيدة مطبوخاً بعد نقعِه بالخل، فيتكون ذلك في صفحةٍ من الذَّهب. فإذا قُضي منه الوطـَرُ انضمَّت عظامُه بعضُها إلى بعضٍ، ثمَّ تصيرُ طاووساً كما بدأ. فتقول الجماعة: سبحان من يحيى العظام وهي رميم. هذا كما جاء في الكتاب: “وإِذ قالَ إِبْرَاهِـيـمُ رَبِّ أرِنِي كـيْـفَ وَلكِـن ليَـطـْمَـئِـنَّ قـلبِي قالَ فخُـذ أرْبَـعَـةً مِـن  قالَ أوَلـَمْ تُـؤْمِـن قالَ بَلى تُحْـيِـي المَوْتى كُلِّ جَـبَـلٍ مـنْهُـنَّ جُزْءًا ثمَّ ادْعُـهُـنَّ يَـأْتِـيـنَـكَ سَــعْـياً الطَّـيْـرِ فصُرْهُـنَّ إِلـيْـكَ ثُمَّ اجْـعَلْ عَلى وَاعْلـَمْ أنَّ الـلَّـه َعَـزيزٌ حَكِيمٌ ويقول هو، آنسَ اللهُ بحياته، لمَن حضَر: ما موضعُ يطمئنّ؟ فيقولون: نصبٌ بلامِ كي. فيقول: هل يجوزُ غيرُ ذلك؟ فيقولون لا يحضُرُنا شيءٌ. فيقول: يجوز أن يكون في موضع جزمٍ بلام الأمر، ويكون مخرج الدُّعاء، كما يقال: يا ربِّ اغْـفِـر لي، ولتغفر لي. وأمّا قوله في الحكاية عن عازار أنَّ اللهَ على كلُّ شـيء قديرٌ عـلى أنـَّه أمـرٌ مـن الـلـهِ جـلَّ سـلطانُـه. وأجاز أبو عليٍّ الفارسـيُّ أن يكـون أعـلم مخاطبةً من عازر لنفسه، لأن مثل هذا معروفٌ. يقول القائل، وهو يعني نفسه: ويحك ما فعلت وما صنعت! ومنه قول الحادرة الذُّبيانيّ بكَـرتْ سُـمـيَّـةُ غُـدوةً فـتـمَـتَّــعِ وغـدت غُــدُوَّ مُـفـارِقٍ لم يَــرْبَعِ وتمرُّ إوزَّةٌ مثل البختية، فيتمنـّاها بعض القوم شِواءً، فتتمثـَّـل على خوانٍ من الزُمردُّ، فإذا قُضيت منها الحاجة، عادت إلى هيئة ذوات الجناح، ويختارُها بعض الحاضرين كباباً، وبعضُهم معمولةً بسُمّاقٍ، وبعضهم معمولةً بلبنٍ وخلّ، وغير ذلك، وهي تكون على ما يريدون. فإذا تكرَّرت بينهم قال أبو عثمان المازنيُّ لعبد الملك بن قريب الأصمعيّ: يا أبا سعيدٍ، ما وزن إوزَّة؟ فيقول الأصمعيُّ: سورة البقرة260 - الآية 1 سورة البقرة259 - الآية 2 م شاعر مخضرم مقل، يلقب بالحادرة أي الضخم626 هـ5 - قطبة بن أوس بن محصن بن جرول المتوفى 3

عدد الصفحات ١٤٠

140 ألي تُعرِّض بهذا يا فُصْعُل، والفصعل صغير العقرب، وطالما جئتَ مجلسي بالبصرة وأنت لا يُرفـَع بك رأسٌ؟! وزن إوزَّةٍ في الموجود إفـَعْـلـةٌ، ووزنُها في الأصل إفْعَلةٌ. فيقول المازنيَّ: ما الدَّليل على أنّ الهمزة فيها زائدةٌ، وأنّها ليست بأصليَّةٍ ووزنها ليس فِـعَـلَّةً؟ فيقول الأصمعيُّ: أمَّا زيادة الهمزة في أوَّلها، فيدلُّ عليه قولهم وَزُّ. فيقول أبو عثمان: ليس ذلك بدليلٍ على أنّ الهمزة زائدةٌ، لأنَّهم قد قالوا ناسٌ، واصله أناٌس، ومِيهَةٌ لجُدَريِّ الغنم، وإنَّما هو أُمِيهَةٌ، فيقول الأصمعيُّ: أليس أصحابك من أهل القياس يزعمون أنَّها إفْعَلةٌ، وإذا بَنَوا من أوَى اسماً على وزن إوَزَّةٍ قالوا: إيَّاةٌ؟ ولو أنَّها فِعَلَّةٌ قالوا: إوَيَّةٌ، ولو جاؤوا بها على إفَعْـلةٍ، بسكون العين، قالوا: إيَـيَّةٌ، والياء التي بعد الهمزة، وهي همزة أوَى، جُعِلت ياءً لاجتماع الهمزتين، ولأنَّ قبلها مكسور وهي مفتوحةٌ. وإذا خففَّت همزة مِئْـزَرٍ، جعلتها ياءً خالصةً. فيقول المازنيُّ: تأوُّل من أصحابنا وادِّعاءٌ، لأنِّ إوزة لم يثبت أنَّ الهمزة فيها زائدةٌ. فيقول الأصمعيُّ: رَيَّـشَـتْ جُـرْهُمُ نبْــــلاً فـرَمى جُرْهُـماً مــنـهُـــنَّ فُـوقٌ وغِـرارُ تبعتـَهُم مستفيداً، ثمّ طعنتَ فيما قالوه مُعِـيداً، وما أنت إلاّ كما قال الأوَل وينهضُ كالمُغضب، ويفترق أهل ذلك المجلس وهم ناعمون. م أول من مُلـِّك على العرب بأرض الحيرة، ويلي هذا البيتَ بيتٌ آخر شهير أيضاً: 157 ق. هـ480 - مالك بن فهم بن غنم بن مالك بن الأزد المتوفى 1 وَكـم عَـلـَّـمْـتُـه نـظـْمَ القـوافي فـلـمّـا قـالَ قـافِـيَـةً هَـجـاني أعَـلـِّمُـهُ الـرِّمـايــة َكلَّ يـومٍ فـلـمَّا اشـْتـَدَّ ساعِـدُه رماني

عدد الصفحات ١٤١

141 مع الحـُور العِين ويخلو، لا أخلاه الله من الإحسان، بحوريَّـتين له من الحور العين، فإذا بهره ما يراه من الجمال قال: أعزز عليَّ بهلاك الكِندي كـَدَأبِـكَ مِن أمِّ الحُـوَيـرِثِ قـبْـلـَهـاوَجـارَتِـهـــا أمِّ الـرَبـابِ بِـمَـأسَــلِ ُلِ ْفـ َرَنـ إذا قـامَـتا تضَوَّع َالمِـسْـكُ مِنهُـمـانسيمَ الصَّبا جاءتْ برَيّا القـ وقوله أيضاً: َـبالـَـةِعلى جُؤذُرَيـنِ أَو كبَعضِ دُمى هَـكِـرْ َيـنِ مِن نِـعـاجِ تـ كعاطِـفَـتـ َضَوَّع َالمِـسْكُ مِنهُـمانَسيـمَ الصَّبا جاءَت بِريحٍ مِنَ القُـطُـرْ إِذا قامَتا تـ وأين صاحبتاه منكما لا كرامة َلهما ولا نُعْـمَة ُعينٍ؟ لجَـلسةٌ معكما بمقدار دقيقةٍ من دقائق ساعات الدُّنيا، خيرٌ من مُلكِ بني آكل المرار وبني نصْر بالحيرة وآل جَـفـْنـَة مُلوك الشَّام. ويقبل على كل ِّواحدةٍ منهما يترشَّف رُضابَها ويقول: إنَّ امرأ القيس لمسكينٌ مسكينٌ! تحترق عظامه في السَّعير وأنا أتمثَّل بقوله: َـمـامِوريــحَ الخُـزامى ونَـشـْـرَ القُـطُرْ كــأنّ المُـــــدامَ وصَـــــوْب الغـ يُـعَــلُّ بِــهِ بَـرْدُ أنْـيــابـِـهــــــاإذا غـرَّد الطَّــائِـرُ المُـسْــتَحِـــرْ وقوله: أيَّـام فُـوهــا كُلَّمــا نَــبَّـهـْــتُـهــاكالمـِسْــكِ باتَ وظـلَّ في الفـَـدَّامِ أنُـفٌ كلـَـونِ دمِ الغـزالِ مُـعَـتَّـقٌمِن خمرِ عانَـة َأَو كُـرومِ شَــبـامِ م ) أشهر شعراء العرب ، يماني الأصل، مولده بنجد، كان أبوه ملك أسد 544 - 496 ق. هـ80 - 130 - امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي 1 وغطفان، وأمُّه أختُ المُهلهِل الشاعر. أمضى شبابه في اللهو والغزل، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت ، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فقال: اليوم خمر وغداً أمر. فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعراً كثيراً. ثم قصد قيصر الروم فوعده وماطله ثم ولاه إمارة فلسطين، فرحل إليها، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح، فأقام فيها إلى أن مات.

عدد الصفحات ١٤٢

142 فتستغرب إحداهما ضحكاً. فيقول: ممَّ تضحكين؟ فتقول: فرحاً بتفضُّلِ الله الذي وهب نعيماً، وكان بالمغفرة كريماً، أتدري من أنا يا عليَّ بن منصور؟ فيقول: أنت من حورالجنان اللَّواتي خلقكـُنَّ الله جزاءً للمتَّقين، وقال فيكن على أنّي كنت في الدار العاجلة أعْرَفُ بحَمْدونة، وأسكنُ في باب العراق بحلب، وأبي صاحبُ رحىً يَطحَن فيها لعامة الناس، وتزوَّجني رجلٌ يبيع السَّـقـَط الذي يرميه الجزّارون، فطلَّقني لرائحةٍ كرهها من فمي، وكنت من أقبح نساء حلب، فلمَّا عرفتُ ذلك زهِدت في الدنيا الغرَّارة، وانقطعت إلى العبادة، وأكلتُ من مِغْـزلي ، فصيَّرني ذلك إلى ما ترى، وتقول الأخرى: أتدري من أنا يا عليَّ بنَ منصور؟ أنا توفيق السَّوداء التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصورٍ محمَّد بن عليٍّ الخازن، وكنت أخرِجُ الكتب إلى النـُّساخ. فيقول: لا إله إلا الله، لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور. فتقول: أتعجب من هذا، والشاعر يقول عن أحد المخلوقين: َةٍ في السُّودِ طـُرّاً إذاً لابْيَضَّـتِ السُّـودُ َرْدَلـ ْـقـالَ خـ لوْ أَنَّ مِنْ نُورِهِ مِـثـ ويمرُّ مَـلـَكٌ من الملائكة، فيقول: يا عبدَ الـلـه، أخبرني عن الحُور العِين، أليس في الكتاب . فيقول الملك: الكريم: “ إنَّا أنْشأناهُنَّ إنـشاءً، فجعلناهُـنَّ أبكاراً، عُـرُباً أتراباً، لأصحابِ اليمين هنَّ على ضربين: ضربٌ خلقه الله في الجنَّة لم يعرف غيرها، وضربٌ نقله الله من الدار العاجلة لمَّا عمل الأعمال الصالحة. فيقول، وقدعجِبَ ممَّا سمعَ أي عجَب: فأين اللـّواتي لم يكُنَّ في الدار الفانية؟ وكيف يتميَّزْنَ من غيرِهـنَّ؟ فيقول المَلـَك: اتبع أثري لترى العجيب من قـدرة الله. فيتبعُه، فيجيءُ به إلى حدائقَ لا يعرف كُنْهَـها إلاّ الله، فيقول الملك: خُذْ ثمرةً من هذا الثمر فاكسِرها، فإنَّ هذا الشجر يُعرفُ بشجر الحُور. فيأخذ سفرجلةً، أو رمَّانةً، أو تفَّاحةً، أو ما شاء الله من الثمار، فيكسِرُها، فتخرج منها جاريةٌ حوراء عيناء تُذهِل بحُسنِها حوريّات الجنان، فتقول: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا فلان بن فلانٍ. فتقول: إنَّي أمَنَّى بلقائك قبل أن يخلـُقَ الله الدُّنيا بأربعة آلاف سنة. فعند ذلك يسجدُ إعظاماً لله القدير ويقول: هذا كما جاءَ في الحديث: أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولم يخطر في قلب بشر. ويخطر في نفسه، وهو ساجدٌ، أنَّ تلك الجارية، على حُسنها، ضاويةٌ نحيلة، فيرفعُ رأسه من السُّجود وقد صارَ من ورائها رِدفٌ يُضاهي كثبان عالجٍ والدَّهناء، ورمال يَبرين وبني سورة الرحمن59 - الآية 1 م ،شاعر متقدم في القصيد والرجز، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وكان زيه وكلامه785 هـ169 - الحسين بن مطير الأسدي المتوفى 2 كزي أهل البادية وكلامهم. وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن، فمدحه، وهذا البيت من مدائحه سورة الواقعة38-35 - الآيات 3

عدد الصفحات ١٤٣

143 سعدٍ، فيُذهل إلى حدِّ الخوف من قدرة اللّطيف الخبير ويقول: يا رازق الشمس المشرقة السنا، ومُبلِغ السائلين المنى، والذي فعل ما أعجز وهال، ودعا إلى الحلم الجُهَّال، أسألك أن تقصُرَ عَجِيزة هذه الحوريَّة على ميلٍ في ميل، فقد جاز بها قدرُك حدَّ التأميل. فيقال له: أنت مُخيَّرٌ في تكوين هذه الجارية كما تشاء. فـيَـقْتـصِرُ من ذلك على الإرادة.

عدد الصفحات ١٤٤

144 أهـل النـار ويبدو له أن يطَّـلِع إلى أهل النّار فينظرَ إلى ما هم فيه، ليعظـُم شكرُه على النِّعم، بدليل قوله تعالى: “قال قائِلٌ منهم: إنّي كانَ لي قرينٌ، يقولُ أئِـنَّـك لـَمِن المُصَدِّقين، أئِذا مِتنا وكُنـّا تُراباً وعظاماً أئِـنّا لـَمَـدينون. قال هلْ أنتم مُطـَّـلِعـون. فاطـَّـلعَ فرآهُ في سَواءِ الجحيم، قال: تالـلـّهِ إن كِـدْتَ لَـتُـرْدينِ، ولولا نِعمةُ ربِّي لكُـنْتُ مِن المُحْضَرين فيركب بعضَ دوابِّ الجنَّة ويسير، فإذا هو بمدائنَ ليست كمدائن الجنَّة، ولا عليها النـُّورالشّعشعانيُّ، وهي ذاتُ أنفاق ودهاليز وأودية ضيقة. فيقول لبعض الملائكة: ما هذه يا عبد الله؟ فيقول: هذه جنِّة العفاريت الذين آمنوا بمحمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، وذُكِروا في سورة الأحقاف، وفي سورة الجنَّ، وهم عددٌ كثيرٌ. فيقول: لأعْـدِلنَّ إلى هؤلاء، فلن أخْلـُوَ لديهم من أعجوبةٍ. فيُعرِّج عليهم، فإذا هو بشيخٍ جالسٍ على باب مغارةٍ، فيسلـِّمُ عليه، فيحسنُ الرَّدَّ ويقول: ما جاء بك يا إنسيُّ؟ إنَّك بخيرٍ لجدير، مالـَكَ من القوم نظير! فيقول: سمعت أنَّكم جِنٌّ مؤمنون، فجئت ألتمِسُ عندكم أخبارَ الجِنَّان، وما لعلـَّه لديكم من أشعار المِردة. فيقول ذلك الشيخ: لقد أصبت العالِمَ بحقيقة الأمر، ومن هـو منه كالقَمَر من الهالة ، فسَلْ عمّا بدا لك. فيقول: ما اسمك أيّها الشيخ؟ فيقول: أنا الخَيثَعُور أحدُ بني الشـَّيصَبان، ولسنا من ولد إبليس ولكنَّا من الجِنّ الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم، صلّى الله عليه. فيقول: أخبرْني عن أشعار الجنِّ، فقد جمع منها المعروف بالمرزبانيّ قطعةً صالحة. فيقول ذلك الشيخ: إنّما ذلك هذيانٌ لا يُعتمَدُ عليه، وهل يعرف البشرُ من النَّظيم إلاّ كما تعرِفُ البقر من علم الهيئة ومساحة الأرض؟ وإنَّما لهم خمسةَ عشر جنساً من الموزون قلَّ ما يعدوها القائلون، وإنَّ لنا لآلافِ أوزانٍ ما سمع بها إنس، وإنَّما كانت يلهو بهم أطفالٌ منَّا شرِسون، فيَـنفُـثون إليهم مِقدارَ السِّواك من شجر الأراك. ولقد نظمت الرّجز والقصيد قبل أن يخلق الله آدمَ بثلاثمائة من السنين. وقد بلغني أنّكُم معشرَ الإنس تلهجون بقصيدةِ امريء القيس التي مطلعها: قِـفا نـَبْـكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ سورة الصافات57 -51 - الآيات 1

عدد الصفحات ١٤٥