113 فقال: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقلت: إلى الجنّة بك يا رسول الله! فقال: لا يفضُضِ الله فاك. أغرَّك أن عَـدَّك بعضُ الجُهَّال رابعَ الشُّعراء الأربعة؟ تصرُّفاً، ولقد بلغت بعددِ البيوت ما لم يبلـُغْه أحد من العرب قبلي، وأنت لاهٍ بتلك التي سميتها عفارة، تفتري على حرائر قومك. وإن صدقتَ فخِزياً لك ولأصحابك! ولقد أصابت زوجتك في تخليها عنك، عاشرتْ منك النّابح، عَـشِـيَ فطاف الحواضر والبوادي على الجيف المنتنة، وحرص على نبش القبور المنفردة. فيغضب أبو بصير فيقول: أتقول هذا وإنَّ بيتاً ممّا بنيت ليعدل مائةً من بنائك؟ وإن أطلت في مقالتك وأسهَبت، فإنَّ المُسهب كحاطب الليل. وإنّي لفي الصميم من ربيعـة َ، وإنّك لمن بني جَعْـدة، وهـل لجعـدة َإلاّ المعاني الشنيعـة؟ أتعـيِّـرني بمدح الملوك؟ ولو قدرتَ يا جاهـلُ على ذلك لهجـرت إليه أهـلـَـك وولدَك، ولكنّك خُـلِقـت جباناً أحمق، لا تجرؤ على الإسراء في الظّلماء، ولا قطعِ البلاد في الحر والرمضاء. وذكرت لي طلاقَ امرأتي الهزّانية، فما أدراك أنها لم تفارق وهي تكظم الغيظ والكمَد؟ والطّلاق ليس بمنكرٍ على أحد، لا للعامة ولا للملوك. فيقول الجعديُّ: اسكت أيها الضالُّ بنُ الضالّ، فأقسم إنّ دخولك الجنَّة َمن المنكرات، ولكنَّ الأقضية جرت كما شاء الله! وحقـُّك أن تكون في الدّرَك الأسفل من النّار، ولقد رُمِي فيها من هو خيرٌ منك، ولو جاز الغلطـُ على ربِّ العزّة، لقلت: إنَّه غلط بك! ألست القائل: فــدخــلـتُ إذ نــامَ الـــرّقــيــبُ، فـبِـــت ُّ دون ثـيـــابِـهــا حــتـى إذا مــا اسْـــتـرْسَــلتْلـلـنّــومِ، بَــعْــــدَ لِـعــابـِهــا ِـهــا ْتُــهـا نـصــفـيــن كـُـــلُّ مُــسَـــوَّدٍ يُـــرمـى بـ قــسَّـمـ َـريـــرَةٍولــمَـسْـتُ بـطـــنَ حِـقــابـهـا فــثـنــيْـتُ جِـيـــدَ غـ ِمَـــلابـِـهــا كــالــحُــقَّــةِ الــصّـــــفْـــــراءِ صاكَ عـبــيـــرُهــا بـ ِهــــا وإذا لـــهـــــا تــــامُــــورَةٌمَـــرفــوعَـــةٌ لــشــرابــ واستقللت ببني جعدة، وليومٌ من أيَّامِهم يرجِحُ بمساعي قومك. وزعمتني جباناً وكذبت! لأنا أشجع منك ومن أبيك، وأصبرُعلى السيرِ في الفيافي والظلمةُ مُحدقة، وأشدُّ إيغالاً تحت الشمس المحرقة. - ثمة من يجعل الأعشى رابع طبقة امرئ القيس وزهير والنابغة. 1
عدد الصفحات ١١٤114 ويثب نابغةُ بني جعدة َعلى أبي بصير فيضرِبه بكوز من ذهب. فيقول: أصلح الله وعلى يديه لا عَـربدَة َفي الجـنان، إنّـما يُعـرف ذلك في الـدار الفانيـة بين السَّـفـلة والرِّعاع، وإنك يا أبا ليلى لمُتسرع، وقد روي في الأخبار أن رجلاً صاح بالبصرة: يا آلَ قيسٍ! فجاء النابغة الجعديُّ بعصا له، فأخذته شرطة أبي موسى الأشعريّ الجاهليّة فليس منّا”. ولولا أنَّ في الكتاب الكريم: “ لا يُصَدَّعونَ عَـنْها ولا يُـنْزَفـون نَزْف في عقلك. فأمّا أبو بصيرٍ فما شرب إلاّ اللَّبن والعسل، وإنَّه لوقور في المجلس، وإنّما مثله معنا مثل أبي نواس في قوله: ُومــالا أذوقُ المُــدامَ إلاَّ شـَــمِـيـمــا أيُّهـا العـاذلانِ في الـراحِ لـ َـه مُسْتـقـيمـا نالـني بالـعِـتــابِ فـيـهـــا إمــامٌلا أرى لي خـلافـ إنّ حـظيَّ مـنهـا إذا هـي دارتأن أراهـا وأن أشـُمَّ الـنّـسـيـمــا فـاصْـرِفـاهـا إلى سِــوايَ فإنّـيلستُ إلا عـلى الحَـديثِ نديـمــا َعَـديُّ يُـحَـسِّـــنُ الـتَّحْـكـيـمـــا فـكأنيّ ومـا أحَــسِّــــنُ مِـنـهــــاقـ َه السّلاحَ إلى الحَربِ، فـــأوْصى المُطيقَ ألاّ يُقـيما لم يُطِقْ حملـ فيقول نابغة بني جعدة: قد كان النّاس في أيّام الدنيا الخادعة يظهر عنهم السَّفـَهُ بشُرب الّلبن، لاسيَّما إذا كانوا أرِقَّاءَ لئاماً، كما قال الراجز: َـرَنْ يا ابْــنَ هشامٍ أهلكَ النّاسَ اللَّبَْفـكلُّهـمْ يغـدو بسَـيـفٍ وقـ وقال آخر: ما دهْرُ ضبَّة فاعلمْ نَحْتُ أثْـلـَتِـناوإنّـما هـاجَ مـن جُهَّالها اللَّبَُ وقيل لبعضهم: متى يُخاف شرُّ بني فلانٍ؟ قال: إذا ألبنوا. فيريد، بلـَّغه اللهُ إرادته، أن يُصلِح بين النُّدماء، فيقول: يحب أن يُحْذرَ من مَلـَكٍ يعبرُ فيرى هذا المجلس، فيرفعُ حديثه إلى الجبار الأعظم، فلا يجرُّ ذلك إلاّ ما تكرهان، واستغنى ربُّنا أن تُرفعَ الأخبار إليه، ولكن جرى مجرى الحفـَظـَة في الدار العاجـِلة، أما علمتما أنّ آدم خرجَ من الجنَّة بذنبٍ حقير، فغيرآمنٍ مَن ولـَدَه آدم أن يجري - أبو موسى عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على زبيد 1 م665ه44وعدن. وولي الكوفة والبصرة لعمر وحفظ الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان من أجلاء الصحابة. توفي سنة سورة الواقعة.19 - الآية 2
عدد الصفحات ١١٥115 عليه مثل ذلك. فسألتك يا أبا بصير بالله هل يخطرُ لك تمنِّي المدام؟ فيقول: كلا والله! إنها عندي لمِثلُ الحامِض المُرّ لا يخطر ذكرها بالخـَلـَد. فالحمد لله الذي أغناني عنها بالـعسل، فما أشتهيها أبد الدهر. وينهض نابغة بني جعدة مغضباً، فيكرَهُ، جنَّبه الله المكاره، انصرافـَه على تلك الحال، فيقول: يا أبا ليلى، إنَّ الله، جَلـَّت قدرتُه، منَّ علينا بهؤلاء الحُور العِين اللواتي حوَّلهنَّ عن خِلـَق الإوز، فاختر لك واحدةً منهنَّ، فلتذهبْ معك إلى منزلك، تروي لك أنباءَ الزمان، وتُسمِعك ضروب الألحان. فيقول لبيد بن ربيعة: إن أخذ أبو ليلى قينة ً، وأخذ غيرُه مثلـَها، انتشر الخبر في الجنَّة، فلا يُؤمَن أن يُسمَّى فاعلو ذلك أزواجَ الإوزّ، فتُضرِب الجماعة عن اقتسام أولئك القيان.
عدد الصفحات ١١٦116 حسان بن ثابت ويمرُّ حسَّانُ بن ثابت قالوا: أين هذه المشروبة من خمرك التي ذكرتها في قولك: كــأنَّ ســبـيـئة ًمـن بـيـتِ رأسٍيــكــونُ مِـزاجَهـا عَـسَلٌ ومـاءُ على أنـيـابِـها أو طـعْـمَ غـضٍّمِــن التُـفـّاحِ هَـصَّـرَه اجْتنـاءُ عـلى فيهـا إذا ما الـلـيـلُ قـلـَّتْكــواكــبُــهُ، ومـــال بهـا الغِـطـاءُ ِّـبِ الـــــرَّاحِ الـفِـداءُ َيـ إذا ما الأشْـــــرِبــاتُ ذُكِـــــرنَ يومـاًفهُـنَّ لِطـ ويحك! أما استحييت أن تذكر مثل هذا في مدحتك رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: إنَّه كان أسمحَ ممَّا تظنُّون، ولم أقل إلا خيراً، لم أذكر أنِّي شربت خمراً، ولا فعلت ممّا نهى عنه أمراً، وإنّما وصفت ريقَ امرأةٍ، يجوز أن يكون حلالاً لي، ويمكن أن أقولـَه على الظـَّنِّ. وقد شفعَ صلى الله عليه وسلم في أبي بصيرٍ بعد ما تهكـَّم في مواطن كثيرة، وما سُمِع بأكرم منه صلى الله عليه وسلم: لقد أوْغلـْت في حديث الإفك فجلدني مع مِسْطحٍ، ثم وهب لي أختَ مارية فولدت لي عبد الرحمن، وهي خالة ولده إبراهيم. وهو، زيّن الله الآدابَ ببقائِه، يخطـُر في ضميره أشياء، يريد أن يذكرها لحسّانَ وغيره، ثم يخافُ ألا يستحسنوا ما طلب ، فيتركها إكراماً للجليس، مثل قول حسّان: “يكون مزاجها عسل وماء” يعرِض له أن يقول: كيف قلتَ يا أبا عبد الرحمن: أيكون مزاجـَها عسلٌ وماءُ، أم مزاجُها عسَلاً وماءُ، أم مزاجُها عسلٌ وماءُ على الابتداء والخبر؟ وقولِه: فــمَــن يهجو رســـولَ الــلــهِ منكمْويمـــــدحُـــــهُ ويــنـــــصُـــــرُه، ســـــواءُ م شاعر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأحد المخضرمين، لم يشهد مع النبي (صلى 673 هـ54 - حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، توفي 1 الله عليه وسلم) مشهداً لعلة أصابته. توفي في المدينة
عدد الصفحات ١١٧117 يذهب بعضهم إلى “أنَّ من” محذوفة من قولك: ويمدحُه وينصُرُه، على أن ما بعدها صلةٌ لها وقال قوم: حُذِفت على أنَّها نكرة، وجُعِل ما بعدها وصفاً لها، فأقيمت الصفة مقام مقام الموصوف. ويقول قائل من القوم: كيف جُبْـنُـك يا أبا عبد الرَّحمن؟ فيقول: ألي يقال هذا وقومي أشجعُ العرب؟ أراد ستَّةٌ منهم وأجاروا النبيَّ، صلى الله عليه وسلّم، على أن يحاربوا معه كلَّ عنودٍ مُكابر، فعادتهم ربيعـة ومضر وجميع العرب، وأضمروا لهم الحقد والبغضاء، وإن ظهر منّي تحرُّزٌ في بعض المواطن، فإنّما ذلك على طريقة الحزم، كما جاء في الكتاب الكريم: “ ومَن يُـوَلـِّهم يومَـئِـذٍ دُبُرَه إلاّ مُتـَحًـرِّفاً لقِتالٍ أو مُـتـَحَيِّـزاً إلى فِئةٍ، فـقـد باءَ بغـَضَبٍ مِن الله، ومَأواهُ جَهنَّمُ وبـِئـْسَ المصير - يشير إلى الذين بايعوا بيعة العقبة الأولى ستة من الأوس وستة من الخزرج 1 الأنفال16 - الآية 2
عدد الصفحات ١١٨118 عوران قيس ويفترق أهل ذلك المجلس، بعد أن أقاموا فيه كعمر الدُّنيا أضعافاً كثيرةً، فبينا هو يطوفُ في رياض الجنَّة، لقيه خمسة ُرجال على خمسٍ من النوق، فيقول: ما رأيتُ أحسنَ من عيونكم في أهلِ الجنان! فمن أنتم خلـَّد الله عليكم النّعيم؟ فيقولون: نحن عُورانُ قيسٍ: تميمُ بنُ مُقـْبـِلٍ العَجْلانيّ وعَمرُو بن أحمرَ الباهليُّ والشـَّمّاخُ مَعْـقِـلُ بنْ ضِرار، أحدُ بني ثعلبة َبنِ سعدِ بنِ ذُبيان، وراعي الإبل، عُـبيدُ بنُ الحُصَين النـُّمَيريّ، وحُـمَيدُ بنُ ثورِ الهِلالي فيقول للشـَّمّاخ بنِ ضرارٍ: لقد كان في نفسي أشياءُ من قصيدتك التي على الزاي، والأخرى التي على الجيم، فأنشدنيهما لا زلت مُخلـَّدا ً كريماً. فيقول: لقد شغلني عنهما النَّعيم الدائم فما أذكر منهما بيتاً واحداً. فيقول لفرط حبّه الأدب وإيثارِه الإشادة بالفضل: لقد غـَفـَلتَ أيُّها المؤمن وأضعْت! أما علمت أنَّ قصيدتيك أنفعُ لك من ابنتيك؟ ذُكِرت بهما في المواطن، وشُهـِرْت عند راكب السَّفـَر والقاطن، وإنَّ القصيدة من قصائد النابغة، لأنفعُ له من ابنته عَـقرب، ولعل تلك عابَته، وما زانـَته، وأصابَها ما كان يُصيب بعضَ النساء في الجاهلية، وبعد أن كانت حُرَّة صارت سبيـَّة. وإن شئت أن أنشدك قصيدتيك، فإن ذلك ليس بصعب عليّ. فيقول: أنشدني، زادك الله من نعيمه ، فينشده: عَفا مِن سُليمى بَطنُ قَـوٍّ فَعالِـزُفذاتُ الغَضا فالمُشرِفاتُ النـَّواشِـزُ فيجدُه بها غيرَ عليم، ويسأله عن أشياء منها، فيلقاه بها غير بصير، فيقول الشـَّمّاخ: شغلتني إن المُتَّـقـين في ظِلالٍ وعٌيونٍ، وفواكِهَ ممَّا “لذائذ الخُلود في النعيم عن تعَهُّد هذه المُنكـَرات: 2(”يَـشـتهونَ، كُلوا واشْربوا هَـنيئاً بما كُنتمْ تعْـمَـلونَ بها ناقةً، أوأعْطى مؤونة عيالي سنةً، كما قال الراجز: لو شــاكَ من رأسِــكَ عظمٌ يابِسُلآلَ مِـنــكَ جَــمَــــلٌ حُـمــــارسُ م ) شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم فكان يبكي أهل الجاهلية، 657 - 554 هـ37 ق. هـ70 - تميم بن أبيّ بن مقبل من بني العجلان من عامر 1 م، شــاعـر مخضرم. عُـبَيد بن حُصـين بن معاوية642 هـ22وعمرو بن أحمر سبقت ترجمته. الشماخ لقب معقل بن ضرار الذبياني الغطفاني المتوفى م من فحول الشعراء المحدثين، ولقب بالراعي لكثرة وصفه الإبل.708 هـ90النمـيري المتوفى م ، شاعر مخضرم، أسلم ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم.650 هـ30 حُميد بن ثور بن حزن الهلالي المتوفى سورة المرسلات.43-41 - الآيات 2
عدد الصفحات ١١٩119 سَـوّى عليكَ الكيلَ شـيخٌ بائسُمثلَ الحَصى يَعجبُ منهُ اللامِسُ وأنا الآن بفضل من الله أغرف بكؤوسِ الذهب من اللبن، فتارة ألبان الإبل، وتارة البقر، وإن شئت لبنَ الضأن فإنه كثير جمّ، وكذلك لبن المَعيز، وإن اشتهيت لبنَ الظباء، فربّ نهرٍ منه كأنه دجلة أو الفرات. ولقد أراني في دار الشّقـْوة أعصر بكلِّ ما أوتيت من عزم ضُروع شِياهي، فلا يمتلئ منهن القدح الكبير. فيقول، لا زال قوّالاً للخير: فأين عمرُو بنُ أحمر؟ فيقول عمرٌو: ها أنا ذا. فيقول: أنشدني قولك: بــانَ الـشَـبابُ وَأَخلـَفَ العَـمْرُوَتـغَـيَّـرَ الإِخـــــوانُ وَالــدَهْـــــرُ وقد اختلف الناس في تفسير العَـمْر، فقيل: إنّك أردت البقاء، وقالوا إن العَمْرَ والعُمْرَ سواء، وقيل: إنّك أردتَ الواحدَ من عُمُور الأسنان، وهو اللَّحم الذي بينها. فيقول عمرو متمثلاً: َـفاها فإِنـَّـهُكِلا جانِبَي هَـرشى لـهُـنَّ طريقُ خُذا وَجه َهَـرْشى أَو قـ يومَ ترَونَها تُـذْهَـلُ كلُّ مُـرْضِعةٍ عمَّا “ولم تترك فيَّ أهوال القيامة قوة ً للانشاد، أما سمعت الآية: أرْضعَـتْ، وتضَعُ كُلُّ ذاتِ حَـمْلٍ حَـمْـلـَها، وترَى النَّاسَ سُكارى وما هُمْ بسُكارى ولكنَّ عذابَ اللهِ وقد شهدتَ الموقف، فأعجبُ لك إذ بقيَ معك شيءٌ من روايتك! فيقول الشيخ: إنّي كنتُ 1(”شديدٌ أخلِص الدُّعاء في أعقاب الصلوات- قبل أن أنتقل من تلك الدار- أن يمتعني الله بأدبي في الدُّنيا والآخرة، فأجابني إلى ما سألت وهو الحميد المجيد: ولقد يعجبني قولك: ولـقـد غَـــــدَوتُ وَمــا يُـفَـزِّعُـنيخـَـوفٌ أُحـــــــــــاذِرُهُ وَلا ذُعْـــرُ َـضْـرُ رُؤْدُ الشَّـبابِ، كأنّـني غُـصْـنٌبحَـرامِ مَـكّة، ناعِــمٌ نـ َـدْرُ ُلِّ أمْــــرٍ واقــــعٍ قــ ْـلٍ عـن مَطـيَّـتـِـهولـكــ كشـرابِ قـَـي مَـدّ النَّهـارُ لـهُ، وطــالَ عليــــهِ الليلُ واستـَنعَـت به الخمْـرُ َـــةٌرَكـدَت وَأُسْـبِلَ دونـَها السَـتْـرُ َّـةٌ دهْـمــــاءُ داجِـنـ ومُـسِـفـ َّـذْرُ ِـــمْ وَعَـليهـِمـا الياقـوتُ وَالشـ َـنـِّـيـانِــهـ وَجَـــرادَتـــانِ تُـغـ سورة الحجّ2 - الآية 1 - الجرادتان: جاريتان قيل إنهما أول من غنى من العرب العاربة في عهد عاد، وكان لعبد الله بن جدعان جاريتان مغنيتان يقال لهما الجرادتان، وعبد 2 الله بن جدعان من أجواد الجاهلية، وفي داره عُقِد حلف الفضول، وروي الشطر الثاني: وتلألأ المرجان والشذر
عدد الصفحات ١٢٠120 َحَـدَّبُ الدُبـْـرُ وَمُـجَــلـجَـــلٌ دانٍ زَبَـرْجَـــدُهُحَـدِبٌ كـمـا يَـتـ ْــــرُ َهُــمــــاوَتـرٌ أَجَـشُّ غِــنــاؤُهُ زَمـ ونَّـان حَـنَّـانـانِ، بَـيـنـ ْـــرُ َـفـ َـرْثٌ وَلا نـ وَبَـعـيـرُهُـمْ ســاجٍ بِـجَـرَّتِـــهِلـم يُـــــؤْذِهِ غـ ْــرُ َّـــهُ بِــكـ فـإِذا تـجَـرَّرَ شَــقَّ بـازِلــُـــهُوَإِذا أَصـــاخَ فــإِنـ ّى الصِـبـا وَتــفــاوَتَ النـَّجْـرُ َريقَ الدَيْـدَبـونِ فقدوَلـ ُّوا طـ خَـلـ فما أردت بقولك: كشرابِ قـَيلٍ؟ الواحدُ من الأقـْيال؟ أم قـَيْلَ بنَ عِـتْرٍ من عاد؟ فيقول عمرو: الوجهان صحيحان. فيقول الشيخ، بلغه الله الأمانيَّ: ممّا يدل على أنَّ المراد قيلُ بنُ عِتر، قولك: وجرادتان تغنيّانهم، لأن الجرادتين، فيما قيل، مغنِّيتان غنتا لوفدِ عادٍ عند الجرهميِّ بمكة، فشُغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله، سـبحانه وتعالى، فيـما قصدوا لـهُ، فـهـلكت عادٌ وهـم لاهـون. ولقـد وجدت في بعض كتب الأغاني صوتاً يقال غنَّته الجرادتان، فدهشت لذلك، والصوت: ْـــــفـــَــرَ مــن أهْـــــلِــه المَصيفُفـبـطـنُ عَـــــردَة َ فـالغَـريـفُ أقـــ هــلْ تُـبَـلـِّـغَـنّي ديـــارَ قـوميمَــــهْــرِيَّـةٌ سـيْـرُهـا تـلـقـيـفُ يــــا أمَّ عُـثــمــــانَ نــوِّلـيـــنــيهــلْ ينفـعُ الـنّـائِـل الطّفِـيـفُ ومِن الذي نُقل إلى المغنين في عصر هارون وهذا شعر على غرار: “أقـفـرَ من أهـلِه مَلحوبُ وبعدَه أنَّ هذا الشعر غنَّته الجرادتان؟ إنّ ذلك لصعبُ التصديق، وما أجدره أن يكون مكذوباً. وقولك: ومُسِفـَّةٌ دهماءُ داجـِنةٌ، ما أردت به؟ وما أردت بقولك: وَمُـجَــلـجَـــلٌ دانٍ زَبَـرْجَـــدُهُ؟ فيقول ابن أحمر: أمّا ذكر الجرادتين فلا يدلُّ على أني قصدت قيلَ بن عِترٍ وإن كان في الوفد الذي غنَّته الجرادتان، لأن العربَ صارت تسمّي كلُّ قـَـيْـنةٍ مغنيةٍ جرادةً، حملاً على أنّ قينة في الدّهر الأول كانت تدعى الجرادة. قال الشاعر: َـرْبٌنـَعُـلُّ الــرّاحَ خـالـطـهـا المَـشـورُ تُـغـنِّـيـنـا الجـرادُ ونحـنُ شـ وأمّا المُسِفَّة الدَّهـماء، فإنّها القِدر. وأمّا المُجَلجَلُ الداني زبَـرْجَـدُه، فهو العود، وزبَـرْجَـدُه ما حسن منه، أما تسمع القائل يسمّي ما تلوّنَ من السحاب زِبْـرِجاً؟ ومن روى: مُجَلجـِل، فقد أراد السحاب. - مطلع قصيدة لعبيد بن الأبرص، والبيت كاملاً: 1 أقـفَـرَ مِـن أَهـلِـهِ مَـلحوبُ فالـقُـطـَبِـيّــاتُ فـالـذنـــوبُ
عدد الصفحات ١٢١121 فيعجب الشيخ من هذه المقالة، ويقول: كأنّك أيُّها الرجلُ وأنت عربيٌّ صميم يـُستـشهَـد بألفـاظِـك وشـعـرك، تـزعـم أن الزبَـرْجَـدَ من الزِّبْـرِج، فـهـذا يقـوّي ما ادعاه صاحب كتاب “العين” الخليل بن أحمد الفراهيدي من أنّ الدال زائدة في قولهم: صَـلـَخْـدَم، وأهل البصرة ينفـُرون من ذلك. فيُلهم الله القادرُ ابنَ أحمر علم التصريف، ليُريَ الشيخ بُرهان القدرة، فيقول ابن أحمر: وماذا الذي أنكرت أن يكون الزِّبْـرِج من لفظ الزبَـرْجَـد ؟ كأنّ فعلاً صُرِّف من الزّبرجد، فلم يُمكِن أن يُؤتى بحروفِه كلـِّها، إذا كانت الأفعال لا يكون فيها خمسة أحرفٍ من الأصول، فقيل: يُـزَبْـرِج، ثم بُـني من ذلك الفعلِ اسْم فقيل: زِبْرِج، ألا ترى أنَّهم إذا صغَّروا فَـرَزْدَقـاً قالوا: فُـرَيْـزِد، وإذا جَمعوه قالوا: قالوا: فَرازِد؟ وليس ذلك بدليل على أن القاف زائدة. فيقول، خلّد الله ألفاظـَه في ديوان الأدب: كأنّك زعَـمتَ أنّ فعلاً أخِذ من الزَّبرْجد، ثم بُنيَ منه الزِّبرِج، ومعنى كلامك هذا، أن تكون الأفعالُ قبل الأسماء. فيقول ابن أحمر: لا يُلزمني ذلك، لأني جعلتُ زبَـرْجَـداً أصلاً، فيجوز أن يُحدَث َمنه فروع ليس حكمُها كحكم الأصول. ألا ترى أنهم يقولون: إنّ الفعلَ مشتقٌّ من المصدر؟ فهذا أصل، ثم يقولون: الصِّفة ُالجارية ُعلى الفعل، يعنون: الضارب والكريم وما كان نحوَهـما، فليس قولـُهم هذه المقالة بدليلٍ على أنّ الصفة مُشتقة ٌمن الفعل، إذا كانت اسماً، وحقٌّ الأسماء أن تكون قبل الأفعال، وإنِّما يراد أنَّه يُنطـَق بالفعل منها كثيراً. ولمُدَّعٍ أن يقول: الفعل مشتقٌّ من المصدر فهو فرع منه، والصِّفة فرع آخر، فيجوز أن يتقدَّم أحدُ الفرعين على صاحبه. ثمَّ يذكرُ له أشياءَ من شعره، فيجده عاجزاً عن الجواب، إن نطق لم يأت بالصواب.
عدد الصفحات ١٢٢122 تميم بن أبَي فيقول: أيكم تميم بن أبَيّ َة حَـتّى تـَعْـرِفَ الدِّيـنـا َلـِّـفُـهَـا إِلاّ المَرَانـ َلاءً لا أكـ يا دارَ سلمى خـ ما أردت بالمَرانة؟ فقد قيل: إنّك أردت اسم امرأة، وقيل: هي اسم ناقةٍ، وقيل: العادة. فيقول تميم: والله ما دخلت من باب الفردوس ومعي كلمة من الشعر ولا الرَّجز، وذلك أنّي حوسبت حساباً ، فما أفلتُّ شديداً، وقيل لي: كنت فيمن قاتل عليَّ بن أبي طالب. وانبرى لي النـَّجاشي الحارثيّ من اللّهبِ حتى لفحتني ناره. وإن حفظـَك لغريبٌ منك، كأنّك لم تشهد أهوال الحساب، ومنادي الحَشـْر يقول: أين فلان بن فلان؟ والجبابرة من الملوك تجذبهم الزّبانية إلى الجحيم، والملكات ذوات التِّيجان يَصِرن من الوَقود، فتأخذُ في شعورهنَّ وأجسادهنَّ، فيَصِحْن: هل من فداء؟ هل من عُذرٍ يقام؟ والشباب من أولاد الأكاسرة يصرخون في سلاسل النار ويقولون: نحن أصحابُ الكنوز، نحن أربابُ الفانية، ولقد كانت لنا إلى الناس صنائع وأيادٍ فلا فادي ولا معين! أوَلـَم نُـعَـمِّركمْ ما يَـتـَـذكـَّرُ فيه مَن تـَـذكَّـَرَ وجاءكم النّـذيـرُ “فهتف داعٍ من قبل العرش: 3(”فـذُوقوا فما للظالمين من نصير واتـَّـقُـوا يوماً تُـرْجَعُون فيهِ إلى اللهِ ثمَّ تُـوَفَّى كُلُّ نفسٍ ما كـَـسَـبَتْ وهم “وقيل لكم في الكتاب: 4(”لا يُـظـْلـَمون الحق، لا ظلمَ اليوم إنَّ الله قد حكـَم بين العباد. - سبقت الإشارة إليه 1 م. شاعر هجاء مخضرم اشتهر في الجاهلية والإسلام669 هـ49 - النجاشي الحارثي: قيس بن عمرو بن مالك بن الحارث بن كعب بن كهلان، توفي 2 وأصله من نجران باليمن انتقل إلى الحجاز واستقر في الكوفة وهجا أهلها. وكانت أمه من الحبشة فنسب إليها سورة فاطر37 - الآية 3 سورة البقرة281 - الآية 4
عدد الصفحات ١٢٣123 قصة دخول ابن القارح الجنة فيقولُ، أنطقه الله بكل فضْلٍ، إن شاءَ ربُّه أن يقول: أنا أقصُّ عليك قصّتي: لمّا نهضتُ أنتفضُ من القبر، وحَضَرتُ حَرَصاتِ القيامة، والحَرَصات مثل العَرَصات، أبْدِلت الحاء بالعين، وهي الأراضي بين البيوت لا بناء فيها، ذكرتُ الآية الكريمة يومٍ كانَ مِقدارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ، فاصْبِـر صَبْـراً جميلاً والوَمَد: شدَّة الحرِّ وسكونُ الرّيح، كما قال أخوكم النّميري: ٌ لـيـلـُهُ وَمِـدُ َلاهُنَّ قـيظـ كَـأنَّ بَيــضَ نـَعــامٍ في مَلاحِـفِـهــا إِذا اجْتـ وأنا رجل مِهيافٌ أي سريعُ العطش، ففكـَّرتُ، فرأيت أمراً لا قُدرة لمثلي عليه. ولقِيَـني المَـلـَك المُوَكـَّلُ بي، وأظهرَ لي ما كتب من فعل الخير، فوجدت حسناتي قليلة كالنـُّفـَإِ في العام الأرْمَل، والنـُّـفـَأ ُالرياض، والأرمل قليلُ المطر. إلا أن التوبة َفي آخرِها كأنّها مصباحُ راهبٍ جليلٍ، رُفِعَ لسالكِ السبيل. فلمَّا أقمت في الموقف زُهاءَ شهرٍ أو شهرين، وخِفت في عَرقي من غرقي، زيَّـنتْ لي النفس الكاذبة أن أنظـُم أبياتاً في رِضوان، خازنِ الجنان، عملتها في وزن: قِـفا نبْكِ من ذِكرى حبيبٍ وعِرفانِ ووسمتُها برضوان. ثمّ زاحمتُ الناس، حتى وقفت منه بحيث يسمعُ ويرى، فما أعارني انتباهاً، ولا أظنـُّه اهتم بما أقول. فانقضت برهة، نحو عشرة أيام من أيّام الفانية، ثم عملت أبياتاً في وزن: ُووِعتُ ما بانــا وقطـَّعوا من حبال الوصل أقرانا بان الخليط ولو طـ ووسمتها برضوان، ثمّ دنوت منه، ففعلت كفعلي الأوَّل، فكأني أحرك الأطواد، وألتمس من سورة المعارج5و4 - الآيتان 1 - الراعي النميري: سبق شرحه، وورد الشطر الثاني: جلاه طلٌّ وقيظـٌ ليلـُه وَمِدُ 2 - على وزن مطلع معلقة امرئ القيس 3 قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ - مطلع قصيدة لجرير هجا فيها الأخطل، تبلغ ثمانية وستين بيتاً، ستة وخمسون منها في الغزل، وثلاثة عشر بيتاً في الفخر والهجاء، والغزل فيها من 4 أجمل ما قال الشعراء، مثل البيت الشهير: إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ قـتـَلـْنـَنا ثُــمَّ لـَم يُحـيِـيـنَ قـتلانا
عدد الصفحات ١٢٤124 الغِضْرِم قدحَ الزناد، والغِضْرِم: تراب يشبه الجصَّ، فلم أزل أتتبع الأوزانَ التي يُمكن أن يُوسَم بها رضوان حتى أفنيتها، وأنا لا أجدُ عنده غوثاً في كثير أو قليل، ولا ظننتُه فهم ما أقول، فلمّا أدركت أني ما نجحت، دعوتُ بأعلى صوتي: يا رضوان، يا أمينَ الجبَّارِ الأعظم على الفردوس، ألم تسمع ندائي بك واستغاثتي إليك؟ فقال: لقد سمعتُك تذكر رضوان، وما علمتُ ما مقصدُك، فما الذي تطلب أيها المسكين؟ فأقول: أنا رجل لا صبر لي على اللـّواب أي العطش وقد طالتْ مدَّة الحســاب، ومعي صكٌّ بالتوبـة، والتوبة تمحو الذنّـوب كلـَّهـا ، وقد مدَحتك بأشعارٍ كثيرة ووسمتُها باسْمك. فقال: وما الأشعار؟ فإني لم أسمع بهذه الكلمة من قبل. فقلت: الأشعارُ جمع شعرٍ، والشعرُ كلامٌ موزون تقبله الغريزة ، إن زادَ أو نقص أبانه الحسُّ، وكان أهلُ العاجلة يتقرَّبُون به إلى الملوك والسادات، فجئتُ بشيء منه إليك لعلـَّك تأذن لي بالدُّخول إلى الجنة في هذا الباب، فقد استطلت ما الناس فيه، وأنا رجلٌ ضعيف ، ولا ريب أنّي ممن يرجو المغفرة، وتصحُّ له بمشيئة الله تعالى. فقال: إنك لذو رأيٍ غير رشيد، أتأمَـلُ أن آذن لك بغير إذنٍ من ربِّ العزة؟ هيهات هيهات! “وأنَّى لهُـمُ التناوُشُ من مكانٍ بعيدٍ سورة سبأ52 - الآية 1
عدد الصفحات ١٢٥125 مدح زُفـَـر فتركته وانصرفت بأملي إلى خازنٍ آخر يقال له زُفـَـر، فعملتُ كلمة ًووسمتها باسمه في وزن قول لبيد: تمنّى ابنتايَ أن يعـيشَ أبوهُـمــا وهــلْ أنــا إلاّ مِــنْ ربيعة َأو مُــضرَْ وقرُبتُ منه فأنـشدتها، فكأني إنّما أخاطبُ صخرة ًصمّاء، لأستنزل منها الماء. ولم أترك وزناً مُقيّداً ولا مطلقاً يجوزُ أن يوسَم بزُفـَـر إلا وسَمْته به، فما أفاد ولا غيَّر. فقلت: رحمك الله! كنَّا في الدار الذاهبة نتقرّب إلى الرئيس والملك بالبيـتـيـن أو الثلاثة، فنجد عنده ما نحب، وقد نظمت فيك ما لو جُمع لكان ديواناً، وكأنّك ما سمعت لي زجْمَةً أي كلمة. فقال: لا أشعرُ بالذي حَمَمْت أي قصدت، وأحسَبُ هذا الذي تجيئني به قرآنَ إبليسَ المارد، ولا ينفـُقُ على الملائكة، إنّما هو للجان وعلـَّموه ولـَـدَ آدم، فما بُغيتك؟ فذكرتُ له ما أريد، فقال: والله ما أقدر على أن أنفع، ولا أملِكُ لك ولغيرِك أن أشفع، فمِن أيِّ الأمم أنت؟ فقلت: من أمة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: صدقت، ذلك نبيُّ العرب، ومن تلك الجهة أتيتني بالشـِّعر، لأنّ إبليسَ اللعين نفـثـَه في إقليم العرب فتعلـَّمه رجالـُهم ونساؤهم. وقد وجَب عليّ نُصحُك، فعليك بصاحبك لعلـَّه يتوصّلُ إلى ما ابتغيت.
عدد الصفحات ١٢٦126 حمزة بن عبد المطـَّـلب فيئِسْتُ ممّا عنده، فجعلت أتفرَّس في الناس، فإذا أنا برجل عليه نورٌ يتلألأ، وحواليه رجال تأتلق منهم أنوار. فقلت: مَن هذا الرجل؟ فقيل: هذا حمزة بن عبد المطـَّـلب صريعُ وحْشيٍّ، وهؤلاء الذين حوله مَن استُشهـِد من المسلمين في أحُدٍ. فقلت لنفسي الكذوب: الشِّعر عند هذا أنفقُ منه عند خازن الجنان، لأنَّه شاعر، وإخوتُه شعراء، وكذلك أبوه وجدُّه، ولعلَّه ليس بينه وبين مَـعَـدِّ بن عـدنان إلا من قد نـظم شــيئاً من موزون، فعملـت أبياتاً على منهج أبيات كعب بن مالكٍ حمزة، وأوّلها: صَفِـيَّـةُ قُــومــي ولا تـــَــعْــجَــزي وبَـــــ وجئتُ حتى اقتربت منه فناديت: يا سيّدَ الشهداء، يا عمَّ رسول الله صلَّى الله عليه سلّم، يا ابنَ عبد المطَّلب! فلمّا أقبل عليّ بوجهه أنشدتُه الأبيات. فقال: ويحك! أفي مثل هذا الموقف تجيئُني بالمديح؟ أما سمعت الآية: “لكلِّ امْرِىء ٍمنهم يومَـئِـذٍ شأنٌ يُغنيه” فقلت: بلى قد سمعتها، وسمعت ما بعدها: “ وُجوهٌ يومئذ مُسفِرةٌ، ضاحِكةٌ مُستـَـبشِرةٌ، ووجوهٌ يومئذٍ عليها غـَـبَـرةٌ، تُرهِقها قـَـتـَرةٌ، أولئك هم الكـَـفَـرة الفَـجَـرة أخي عليّ بن أبي طالبٍ، ليخاطبَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم في أمرك. فبعث معي رجلاً، فلمّا قصَّ قصتّي على أمير المؤمنين، قال: أين بَيِّـنتُك؟ يعني صحيفة َحسناتي. وكنت قد رأيت في المحشر شيخا ًلنا كان يدرِّس النحوَ في الدار العاجلة، يُعرَف بأبي عليّ الفارسيّ، وقد أحاط به قومٌ يُجادلونه، ويقولون: تأوَّلتَ علينا وظلمتنا. فلمّا رآني أشارَ إليّ بيده ، فجئتُه فإذا عنده طبقةٌ، منهم يزيد بن الحكم الكِلابي ُّـهُوشرَُّكَ عَنّي ما ارتـوى الماءُ مُرتـَوي َـفـافـاً كان خيـرُكَ كُلـ فـليتَ كـ م) صحابي من شعراء النبي صلى الله عليه وسلم وشهد أكثر الوقائع.596 -670 هـ50 ق.هـ27 - كعب بن مالك بن عمرو الأنصاري 1 سورة عبس42 -37 - الآيات 2 م شاعر عالي الطبقة، من أعيان العصر الأموي، كان أبي النفس شريفاً من حكماء الشعراء723 هـ105 - يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي المتوفى 3 ولم يرد نسبه على أنه
عدد الصفحات ١٢٧127 ولم أقل إلا الماءَ. وكذلك زعمت أنِّي فتحت الميم في قولي ُهُفـإنيّ خـليلاً صالِحاً بكَ مَـقْـتـَوي تـبَـدَّلْ خليلاً بي كـشَـكْلـِكَ شَـكلـ وإنّما قلت: مُقتوي بضمِّ الميم. يقول: تأوّلت عليّ أنّي قلت: وإذا هناك راجزٌ َـه يــا إبـــِــلي مــا ذامُـــــهُ فـتـأبِـيَهمـاءٌ رَواءٌ ونـَـصيٌِّ حَـولِـي فحرَّكت الياء في تأبيه، ووالله ما فعلت ولا غيري من العرب. وإذا جماعةٌ من هذا الجنس كلهم يلومونه على تأويله. فقلت: يا قومُ، إن هذه أمورٌهيِّنةٌ، فلا تُعَنـِّفـوا هذا الشــيخ، فـإنّه يـمُت ُّ بكـتـابـه في الـقرآن الـمعـروف المعروف بكتاب ما سَـفَـك لكم دماً،ولا أخذ لكم مالاً، فتفرَّقوا عنه. وشُغِلت بخطابهم والنـَّظر في جوابهم، فسقط مِنّي الكتابُ الذي فيه ذِكرُ التَّوبة، فرَجَعْت أطلبُه فما وجدْتُه، فأظهرْتُ الجَزع، فقال أميرُ المؤمنين: لا عليك، ألك شاهدٌ بالتَّوبة؟ فقلت: نعم، قاضي حلب. فقال: ما اسْمُ ذلك الرجل؟ فقلت: عبد المنعم بن عبد الكريم قاضي حلب، حرَسها الله، في أيَّام شِبل الدَّولة، فأقام هاتفاً يهتف في الموقف: يا عبدَ المنعم بنَ عبد الكريم قاضي حلب في زمان شبل الدَّولة، هل معك عِلمٌ من توبة عليّ بن منصور بن طالب الحلبيِّ الأديب؟ فلم يُجبه أحد، فأخذني الهلع والقِـلُّ، أي الرَّعْدة. ثم هتف الثانية، فلم يجبه مجيب، فلِيح بي عند ذلك أي صُرِعْت إلى الأرض، ثمّ نادى الثالثة، فأجابه قائل ٌيقول: نعم، قد شهدتُ توبة َعليِّ بن منصور، وحضرت ذلك عندي جماعة ٌمن العدول، وأنا يومئذٍ قاضي حلب وأعمالِها، والله المُستعان. فعندها نهضتُ وقد رُدَّت إلي روحي، فذكرتُ لأميرالمؤمنين، عليه السَّلام، ما ألتمِس، فأعرَض عنَّي وقال: إنَّك لترومُ منكراً مُمتنِعاً، ولك أسوةٌ بولـَد أبيك آدم. وهممت بالحوض، فكِدتُ لا أصل إليه، ثمّ شرِبتُ منه جُرعاتٍ لا ظمأ بعدها، وإذا الكفـَرَة يحمِلونَ أنفسَهم على أن يَرِدوه، فتدفعُهم الزَّبانية بعِصيٍّ تضطرم ناراً، فيرجعُ أحدُهم وقد احترق وجهُه أو يدُه، وهو يدعو بوَيلٍ وثـُبور. - هو عطاء بن أسيد السعدي، راجز من بني عوانة من زيد مناة بن تميم. 1
عدد الصفحات ١٢٨128 مع فاطمة الزهراء فطُفْتُ على آل بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام المُختارين، فقلت: إنّي كنتُ في الدار الذاهبة إذا كتبتُ كتاباً وفرَغْت منه، قلت في آخره: وصَّلى الله على سيّدنا محمّد خاتم النـَّبـِيِّـيـن، وعلى عِترتِه الأخيار الطَّيبين. وهذه حرمةٌ لي ووسيلةٌ، فقالوا:ما نصنع بك؟ فقلت: إنَّ مولاتنا فاطمة، عليها السلام، قد دخلت الجنَّة منذ دهرٍ، وإنَّها تخرج في كلِّ حينٍ مقداره أربعٌ وعشرون ساعةً من الدُّنيا الفانية فتُسلِّم على أبيها، وهو قائمٌ لشهادة القضاء، ثمّ تعودُ إلى مُستقرِّها من الجنان، فإذا هي خرجَت كالعادة، فاسألوا في أمري بأجمعِكم، فلعلها تسأل أباها فيَّ، فلمّا حان خروجُها ونادى المنادي: أن غُضُّوا أبصارَكم يا أهلَ الموقف حتى تعبُرَ فاطمة بنت محمد، صلّى الله عليه وسلم، اجتمع من آل أبي طالبٍ خَلْقٌ كثيرٌ، من ذكورٍ وإناثٍ، ممّن لم يشربْ خمراً، ولا عرَف قطُّ منكراً. فلقـُوها في بعض السّبيل، فلمّا رأتهم قالت: ما بالُ هذا الحشد؟ ألكم حالٌ تذكر؟ فقالوا: نحن بخيرٍ، إنّا نلتذُّ بتُحف أهل الجنّة، غيرَ أنَّا محبوسون للكلمة السابقة، ولا نريدُ أن نتسرَّع إنَّ الذين سَـبَـقـَتْ لهم منّا الحُسنى “إلى الجنّة من قبلِ الميقات، إذ كنّا آمنين ناعمين بدليل قوله: أولئِكَ عنها مُـبعَـدون. لا يَسمَعون حسيسَها وهم في ما اشْتهَت أنفُـسُهم خالِـدون. لا يَـحْزُنُهم 1(”الفَـزعُ الأكبرُ، وتـتـلـَـقَّـاهُمُ الملائكة هذا يومُكُمُ الذي كُـنتُم تُوعَدون وكان فيهم عليُّ بن الحسين وابناه محمّدٌ وزيدٌ، وغيرُهم من الأبرار الصالحين. ومع فاطمة، عليها السّلام، امرأةٌ أخرى تجري مَجراها في الشرف والجلالة، فقال: من هذه؟ فقيل: خديجة ُابنة ُخويلد بنِ أسَد بنِ عبد العُزَّى، ومعها شبابٌ على أفراسٍ من نورٍ. فقيل: عبد الله، والقاسم، والطـَّيـِّب، والطاهر، وإبراهيم: بنو محمدٍ، صلّى الله عليه وسلم. فقالت تلك الجماعة التي سألتُ: هذا وليٌّ من أوليائِنا، قد صحّت توبتُه، ولا ريبَ أنَّه من أهل الجنَّة، وقد توسَّل بنا إليك، سلامُ الله عليك، في أن يُراح من أهوالِ الموقف، ويصيرَ إلى الجنّة فيتعجلَّ الفوز. فقالت لأخيها إبراهيم، سلامُ الله عليه: دونَك الرجل. فقال لي: تعلـَّـق بركابي. وجعلت تلك الخيلُ تخترق المجال، وتنكشف لها الأمم والأجيال، فلما عَظـُم الزَّحام طارت في الهواء، وأنا متعلّق بالرِّكاب، فوقفتُ عند محمّدٍ، صلّى الله سورة الأنبياء103-101 - الآيات 1
عدد الصفحات ١٢٩