المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة الغفران

غير معروف

صفحة ٣ من ١٩

33 ْوَيتَ فَانْزِل لا يُــرادُ أتىسَيري لِوى الرَملِ بَل لِلنـَّبْتِ إِلواءُ نوديتَ أَلـ ويكثر عنده لذلك الجناس والتورية والطباق والاستعارة، ولها صلة قوية بالتفنن اللغوي. ومن أبرع ما وجد عنده، استغلاله المعارف النحوية واللغوية للتعـبـيـر عن الآراء الفـلسـفـيـة . ولـلـمعـري معـرفـة نادرة بالعـروض ، وقد ألف كتـابـاً فـصَّل فـيه ضـروب الشـعـر وقـوافـيه، ومثـَّل لها بأشـعـارمن نـظـمـه. ويدل على اهتمامه بذلك نثره المعلومات العروضية في كل تآليفه. تأثر المعري بمختلف الفلسفات التي سادت في عصره، وأضاف إليها تجربته الشخصية وآراءه التي استقاها واختارها لنفسه. وأكثر آرائه الفلسفية حوتها اللزوميات. وكان يرى قدم المادة الكونية والزمان، وهذا أثر من أثار أرسطو: وَليسَ اعْتِقادي خُـلودَ النُـجـومِوَلا مَـذهَـبـي قِــدَمُ الـعـالـَـمِ

عدد الصفحات ٣٤

34 ابن القارح وقبل الدخول في رسالة الغفران يستحسن أن نورِدَ رسالة ابن القارح، فقد كانت سبباً في أنَّ المعري كتب رسالة الغفران، ورسالتـُه رد على الرسالة التي أرسلها ابن القارح وأيُّ رد. فمن ابن القارح هذا؟ َلـَة، ويُعْرف بابن القارح هوأبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلبي، الملقّب دَوْخـ 461 وكان ممّن خدَم أبا عليٍّ الفارسي في داره وهو صبيّ، ثمَّ لازمَه وقرأ على زعمِه جميع كتبه وسماعاته وكانت معيشته من التعليم بالشام ومصر. وكان مؤدِّباً للوزير أبي القاسم المغربي، وله فيه هَجْو كثير، وكان يذمّه ويَعُدُّ معايبه، وشعره يجري مجرى شعر المعلمين، قليل الحلاوة خالياً من الطلاوة. قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء: “ وكان آخرُ عهدي به بتكريت في سنة إحدى وستين وأربعمائة، فإنا كنا مقيمين بها، واجتاز بنا وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى المَوصل، وبلغتني وفاته من بَعد، وكان يذكرُ أن مولده بحلب سنة أنشـدنـيـه لنـفـسـه، فـمـنـه في الشـمـعـة: لقد أشْبهتني شمعة ٌفي صبابتيوفي طــولِ مــا ألقى ومــا أتوقـَّعُ نُحولٌ وحــرقٌ في فـناءٍ ووحـدةٌوتسهيدُ عــينٍ واصــفــرارٌ وأدمــعُ ومنه يهجو الوزير المغربي: ِّبتَ بالكاملِ سَـتـراً علىنَـقـصِـكَ كالباني عــلى الخُـصِّ ُقـ لـ فـــصرِتَ كالكُـنْفِ إِذا شُــيِّــدتْبُـيـِّــضَ أعـلاهُــــنَّ بـالجـِـصِّ ُوَيْسَ الشـُّــؤْم والحِرْصِ يـا عُـــــرَّة الـدنـيــا بــلا غُــرَّةٍويا طـ قـتـلتَ أهـليكَ وأنهـبـتَ بيـتَ الـلـه بالمَـوْصـل تسـتعـصي

عدد الصفحات ٣٥

35 رسـالـة ابـن الـقـارح بسم الله الرحمن الرحيم أستفتح باسمه الكريم، مستنزلاً منه البركة والخيرَ العميم، والحمد لله الجواد واهبِ النِّعم، كان قبل كل شيء وتفرَّد بالقِدم، جلَّ سبحانه عن أن يشبهه أحد من خلقه، أو يرقى إلى بعض صفاته من يرجون رحمته وينعمون برزقه، وهو ولي النعم والحسنات، تعالى سُبحانه عن النقص والسيئات، حرَّمَ الظلم على نفسِه فهو العدل المطلق، قولـُه الحقُّ، خلق الإنسان وأنطق، خلقَ الكون وابتداه، ويُبقيه ِّي وأسلـِّمُ على أشرف الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، ما أراد في علاه، فإن شاء محَقه وأفناه. وأصلـ وعلى آلِه الطيبين المُطهَّرين، صلاة ًيرضاها ربُّ العِـزة كما أمر في كتابه، وعلى صحابته وأصحابه. َّعـَه بالصحة والعمر الطويل، وأدام عليه الخير هذا كتابي أطال الله بقاءَ مولاي الشيخ الجليل، ومتـ والسعادة، فإن استزاد وهبه الزيادة، وأعطاه النقاء والصفاء، وجعلني له الفداء، وأدعو الله سبحانه أن يأخذ من عمري ليَـمُـدَّ له البقاء، ولا أقول هذا جرياً وراء ما ساربين الناس في اللفظ والكتابة وشاع، ُّق والخداع، وإلى ما يملأ البيوت والأسواق، من كلام التزلـُّف والنفاق، أو كما وحاشاه أن أعمد إلى التملـ يقول واحدهم إذا زار صديقه العليل: كيف أنت يا صاحب الذكر الجميل؟ جعلني الله فداك، وأيَّد من نصرََك وعادى من عاداك، وهو لا يريد إلا تحبّباً وتكراراً لما يُقال، وكلامُه تملـُّق في أحسن الأحوال، ويُضمِرُ أن كلامه فضل سيشكره صديقه إذا نهض من علته، وعاد إلى سابق عهده بقوته، فيكافئه على ما أظهر من جميل الأقوال. ويعلم الله تقدست أسماؤه، وتعددت في الكون آياته وآلاؤه، أني لو حننت إليه، أدام الله تأييده، حنين الأمِّ الوالِه إلى ولدها الغائب، أو إناث الطير إلى أفراخها فرّقتهم النوائب، أو الحمامة إلى إلـْفها وعشيرها، أو الغزالة إلى صغيرها، لكان ذلك مماّ تغيرّه الليالي والأيام، والشهور والأعوام، لكنه حنينُ الظمآن إلى الماء، والخائِف إلى الأمن والرجاء، والسقيم إلى البرَْءِ والشـِّـفاء، والغريق إلى النجاة وقد تعالت الأنواء، والقلِقِ إلى السكون والراحة، بل حنين نفـْسِ مولاي الجليل النفيسة إلى الحمد والمجد،

عدد الصفحات ٣٦

36 أدام الله عليه السعد، فإني رأيت توجُّهَها إليهما، حنينَ الأشياء إلى عناصرها، ونزوع َمُكـوِّنات الكون إ جواهرها. فإن جعل الله لي في العمر مُتـَّسَعا، ابتهلت إلى الله ابتهالَ مذنب تاب ودعا، أن يؤنسَني َقَ حبل مودته، فكنت كساري الليل ألقى عصا التـَّرحال، ربي الكريمُ برؤيتِه، وأن يُنعم عليَّ بأن أعْـلـ وحمِد المسرى، وقرَّت عينُه، ونـَعِم البال، وكان كمَن لم يمْسَسْه سوء، ولا يطلب عيوبه عدو لا يرجو له الفلاح، ولا أنهكه السعي في المساء والصباح، وأدعو العليَّ القدير أن يمُنَّ عليَّ بذلك النجاح، واللهَ سبحانه أدعو أن يشفي النفسَ ويُبرِئ الجراح، ويروي ظمأها بالماء القـُراح. وإني أسأل الله في البُعد والقُرب والفراق، أن يمتع مولاي الشيخ الجليل بالسعادة والفضل الجزيل، وأن يجعل المجدَ يسعى إليه سَعيَ مشتاقٍ إلى مشتاق، فمن مرَّ على بحرِه الزاخر، ونظرَ إلى نورِ بدره الباهر، جديرٌ بأن يتعثر القلم بين أنامله، ويخبو وهْجُ الكلمات في رسائله، إلا أن يعطيـَه مولاي َه إليه منسوباً، ومن مريديه محسوباً، َه مولاي بأن يجعلـ المفتاح، ليفتح باب النجاح والفلاح، فيشرِّفـ خادماً في قصور علمه، يفتح له مولاي ما استعصى فتحُه من الأبواب، ويشرفه بجعله أحدَ الخدام والحُجّاب، فيكون شرارة ًمن ناره، يهتدي سواءَ السبيل بأنوارِه، يكتنفه بحرُ مولاي من كل جانب، فلا َه فهم ُغـ يحتاجُ عوناً من خِلٍّ أوصاحب، ولكن هيهات! نأتِ الديار وبعُـدَت المسافات، وحاشاه أن يبلـ المتعلمين، فهو السخاء وهم من المُتساخين، لاسيما وألوانُ النفس تلزمُها لزومَ الألوان للأبدان، لا يقدِرُ ُبْ الشجاع، ولا على الشجاعة الأبيض على السواد، ولا على الأبيض يقدِرُ الأسود كالمِداد، ولا على الجـ َه الجبان المُرتاع، وكما قال أبو بكر محمد بن عبد الله العرزمي، ويعلم مولاي الشيخ الجليل أن أصلـ من حضرموت، ولكنه نشأ في الكوفة: يفِرّ جبانُ القـوم عن أُمِّ نـفـسـهِويحمي شجاعُ القومِ من لا يناسِبُهْ ويُـــرزقُ معروفَ الــجــوادِ عـدُوُّهويُحـرَمُ معـروفَ البخـيـلِ أقاربُـهْ ومن لا يكفُّ الجهل عمَّن يودُّهفسـوفَ يكفُّ الجهلَ عمَّن يواثبُـهْ وقد نلقى بللاً في الضباب، ولكن من أين له مطرُ السحاب؟ وهل من عاقل يشبـِّهُ الغرابَ بالعُقاب؟ ولقد طار ذكر مولاي في كل مكان، ويتردد اسمُه كما يتردَّد الأذان، فجرى بذكره القلمُ َه الرنـّان، كان كمن يُكابر الإنس والجان، ويتمسَّك بالإفك والبهتان، وكان واللسان، فمن أنكر صيتـ كمن جَعلت وقاحتُه وجهَه كالحجر، ومن يتطاولُ على نور القمر، وكأنه سكرانُ هذى وهذر، ووصف َّل قدرَه، وما أظن الشاعرَ كان يعني غيرَه: نفسَه بالغباء بين بدوٍ وحضرَ، فما استفاد إلا أنه قلـ

عدد الصفحات ٣٧

37 كـناطـِحٍ صَـخـرَةً يَـومـاً لِيَـفـلِـقَهـا فلم يَضِـرْها وَأَوهى قـَرنَـهُ الوَعِـلُ وردتُ حلبَ حماها الله وحرَسَها، ومَن عرَفها آنسها، وقد مُنيتُ في ظاهرها بالدواهي الشديدة والمصائب العنيدة، فلما دخلتُها لم يقرّ لي قرار، وأنكرْتُها لأني لم أجدْ فيها من كنتُ آلـَفُهم من صاحب وجار، فأنشدت باكياً أبياتاً لإياس بن القائف: يفِرّ جبانُ القـوم عن أُمِّ نـفـسـهِيُقِـيمُ الرِّجـالُ الأَغْـنِيــاءُ بأَرْضِـهـِـمْ فأَكْـرِمْ أَخاكَ الدَّهْـرَ ما عِـشْـتُما معاًكـفَى بالمَـمـاتِ فُـرْقـةً وتـنـائِـيـــاإذا جئْتُ أَرْضاً بَـعْـدَ طولِ اجْـتِـنابِهافقـدْتُ صَدِيقِي، والبِـلادُ كما هِـيا - البيت للأعشى، وروي البيت: ليُوهِنها 1

عدد الصفحات ٣٨

38 غرام أبي القطران كان الشاعرُ الفاتكُ اللص أبو القـَطِران المُرّارُ بن سعيد الفقعسي شجاعاً كريماً، وكان يهوى ابنة عمٍّ له في نجد اسمُها وحشية، ثم تزوَّجَها رجلٌ من أهل الشام، ورحل بها إلى بلده، فغـَمَّ أبا القطران بُعدُها، وأحزنه فراقُها، فقال من قصيدة له تبلغ اثني عشر بيتاً: َّة ُالنَجدِ لم يَكُـنلِعَـيـنَـيكَ مِـماَّ تـشـكـُوانِ طبـيـبُ إِذا تـرَكتُ وَحـشِيـ ِلـيـكَ حَبيـبُ وَلا خيـرَ في الدُّنيـا إِذ أنتَ لَم تـَزُرْحَبيبـاً وَلم يَـطـرَبْ إ وكانـتْ رِياحُ الـشـــامِ تُـكـْرَهُ مَـرَّةًفقد جَعلـتْ تِـلـكَ الرِّيـاحَ تـطـيـبُ فلم أنلْ إلا رائحَة الرياح، مِثلما كان حظـُّ أبي القطِران من وحشية. ولقيتُ أبا الفرج الزُهْرُجي ومعه خزانة ُكتبِه، فعرضَها علي فقلت: كتبك هذه يهودية، برئت منها الشريعةُ الحنيفية، فأظهرَ من قولي عظيمَ الإنكار واحتج، فقلت مهلاً يا أبا الفرج، لقد وقعتَ على الحكـَم المُجرِّب، لا يحكم على ما يجهل، ولا يُجيب قبل أن يُسأل، ومن قـَولِ الحق لا يخجل، فقرأ هو وولدُه وقال: مـِثلـُك من يحكمُ عن تجربة ودراية، ويُولي الكتابَ كل عناية، وكتبَ إلي رسالة يمدحُني فيها، وما ذلك إلا من طبعِ له كريم، وخُلـُق غير ذميم.

عدد الصفحات ٣٩

39 آراء المتنبي قال المتنبي وهكذا صغـَّرهم تصغير تحقيرٍ غيرِ تكبير، وتقليلٍ غيرِ تكثير، فباحَ بمكنون سرِّه، وما خفي من أمره، وهذا مقبولٌ في مجال الشعر، ومن حقِّ قائل أن يقول في النظم والنثر، ولكنه لم يضعْه في موضعه َه، أليس الصحيح، وهذا من الفعل القبيح، وما يستحق زمانٌ ساعده بلقاءِ سيف الدولة أن يذمَّ أهلـ القائل: ِلى إِقـطـاعِــهِ فـي ثِيابِــهِ عَلى طِـرفِهِ مِن دارِهِ بِحُـسامِـهِ أَسيرُ إ وقد كان أولى به أن يشملـَهم بشفاعة سيف الدولة، فهم عليه محسوبون، وإليه ينتسِبون، ولا يجوزُ أن يشكو عاقلاً ناطقاً إلى غيرِ عاقل ولا ناطق، إذ الزمان ليس إلا حركات الفلك، إلا أن يكون ممَّن يعتقد أن الأفلاك تعقِلُ وتعلـَم، وتدري بمواقع أفعالها وتُعْلِم، ولها قصد وإرادة، ويحملـُه هذا الاعتقاد على أن يَحرُقَ لها البخور في كل حين، ويقرِّبَ لها الهدايا والقرابين ، فيكونُ مناقضاً لقوله: فــتَـــبّــــاً لــِديــنِ عَـبـيـدِ النُـجومِ وَمَـــن يَـــدَّعـي أنَّـــهـــا تَــعْــقِـــلُ

عدد الصفحات ٤٠

40 منزلة أبي العلاء المعري ثم جرى ذِكرُ مولاي الشيخ الجليل، أدامَ الله تأييدَه، من غير سبب جرَّه ولامقتضى اقتضاه، فقيل: الشيخُ أعلمُ بالنحو من سيبويه، وباللغةِ والعَروضِ من الخليل يسمعون: بلغني أنه- أدام الله تأييده - يُصغّر الكبير ويُقلل الكثير، فيَصيرُ تصغيرُه تكبيراً وتقليلـُه ْرُ وتوضَّح النـَّوْر وأضاء الصبحُ لكل ذي عينين. تكثيراً، وكانوا بهذا عارفين وله مُدركين، فقد تفتَّح الزَهـ *** كان أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرةِ نصرِ الدولة، أطال الله بقاءه، كتب رسالة إليَّ أعطانيها، َها إلى جليل حضرته، وأكون موصِلـَها لا ورسالة ًإليه، أدامَ الله تأييدَه، استودَعَنيها، وسألني إيصالـ َها لا مُؤجلـَها، فسرَقَ عديلي الرَّحْلَ الذي فيه الرسالة، فكتبتُ هذه الرسالة أشكو مُرسلها، ومُعجِّلـ أمري، وأبث ُّما في صدري، وما لقيتُه في سفري، من أناس صغيري النفوس، يدَّعون العلم والأدب وعِلمُهم عِلمُ التيوس، والأدبُ أدبُ النفس لا أدبَ الدرس، وحظـُّهم صِفْـرٌ في الحالتين، ولهم تصنيفات لا يرضاها العقل ولا المنطق، كنتُ إذا رددتـُها عليهم، سعَـوا إلي بالشدائد، ونصبوا لي الفخاخَ والمكائد، أو يكونُ واحدُهم كما قال الله تعالى في سورة النساء يصف المنافق وَلا إِلى هَؤُلاءِ وهو مستنبط ” العين” - الخليل بن أحمد الفراهيدي1 علم العروض

عدد الصفحات ٤١

41 المتنبي في السجن حكى القطربلي يُصنـَّف في معناه مـثلـُه، يحكيان فيه أن المتـنبي أخْـرِج في بغـداد من الحبس إلى مجلس أبي الحسن الوزير رحمه الله، فقال له: أنت أحمدُ المتنبي؟ فقال: أنا أحمدُ النبي، وكشفَ عن بطنِه، فأراه بقعة بيضاء وقال: هذا طابَعُ نبوتي، فأمرَ به فصُفِـعَ خمسين مرة، وأعاده إلى محبسه. ويقول لسيف الدولة: َنغيصُ وَالمِنـَـنُ وَتغضَبونَ عَــلى مَــن نــالَ رِفــدَكُــمُحَـتّى يُعاقِـبَـهُ التـ وكذبَ والله، لقد كان يتحرشُ بالمكارم ويتحكـَّكُ بها، ولا يُرضيه إلا أن تكون له ومنه وبه، وهذا لا ينفي طلاوةَ شعره ورونقَ ديباجته. ولكنّي أغتاظ على الزنادقة والمُلحدين الذين يتلاعبون بالدين، ويُريدون إدخالَ الشكوك على المُسلمين، ويستعذبون الدسَّ والانتقاصَ من نبوة النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين، وتراهم يتظرَّفون، ويَبْدون من أتباعِ مذهب: َـن ٍّ وَظـــُــرفُ زِنديـقِ تيهُ مُغـ وقتلَ الخليفة العباسي الثالث المهدي بشارَ بنَ بُردٍ بتهمة الزندقة، وكان بشارٌ حين اشتُهـِر بالزندقة خافَ العقاب ، فدافع عن نفسِه بقوله يا ابنَ نِـهـيا رَأسٌ عَـليَّ ثَـقـيـلُوَاحْــتِــمالُ الــرَأسَــينِ عــبءٌ ثـقـيـلُ اِدعُ غــيـــري إِلى عِـبــــادَةِ ربَّــيـــنِ فـإِنيّ بِـواحِــدٍ مَـشـْـــغــــولُ - أحمد بن عبد الله بن الحسين القُطـُرُّبُلـِّي الكاتب من علماء الكتاب وأفاضلهم .1 - هو أبو بكر محمد بن أحمد الخزاعي النحوي الإخباري2 - ورد البيتان في الديوان بلفظ آخر ولهما ثالث3 يا ابنَ نِهيـا رَأسـي عَلـيَّ ثَـقيــلُ وَاحْتِمالُ الرَأسَينِ خطبٌ جَليلُ اِدع غـيــري إِلى عِبـــادَةِ الاِثْـنَيـ ــــنِ فــإِنــي بِـواحِـــــد مَـشْـغــولُ يا ابنَ نِهيا بَرِئتُ مِنـكَ إِلى اللـ ــهِ جِــهـارا وَذاكَ مِــنـاي قـلـيـلُ وابن نِهيا هو ح ا ماد عجرد الشاعر من رؤوس الزنادقة

عدد الصفحات ٤٢

42 صالح بن عبد القُدُّوس وجيءَ بصالحِ بن عبد القـُدُّوس، ووضعوا السيفَ على رقبته، فقال: علامَ تقتلونني؟ قالوا: على قولك: ُــهُ فـكـأنـّيأخــرسٌ أو ثـنى لِـســانيَ عَـقـلُ رُبَّ سِـــرٍّ كـتـمـتـ وَلـــَــوَ انيّ أظــهَــرتُ لِلنّاسِ دينيلَــم يَــكُــن لي في غــيرِ حَبسي أَكــلُ يا عدوَ الله وعدوَ نفسه: وَالسِتــرُ دونَ الـفـاحِـشـــاتِ وَمـــا يَـلـقــاكَ دونَ الخـيــرِ مِـن سِــترِ فقال: كنت زنديقاً وقد تبت عن الزندقة. يا ابنَ نِـهـيا رَأسي عَـليَّ ثَـقـيـلُوَاحْــتِــمالُ الــرَأسَــينِ خطبٌ جَليلُ ْنَيــنِ فـإِنيّ بِـواحِــدٍ مَـشـْـــغــــولُ اِدعُ غـيري إِلى عِـبادَةِ الاِثـ يا ابــنَ نِهيا بَـرِئتُ مِنكَ إِلى اللـّـهِ جِهـاراً وَذاكَ مِـنّي قـلـيـــــلُ وابن نِهيا هو حمّاد عجرد الشاعر من رؤوس الزنادقة قال: كيفَ وأنت القائل: والشَــيـخُ لا يَـترُك عـاداتـه حَتّى يُــواري في ثرى رَمسِهِ اِذا ارْعــوى عد اِلى جَهلِـهِ كـذي الضـــنا عـادَ اِلى نُكسِهِ وأخذ السيافُ غَـفـلَـته، فإذا رأسُه يتدحرجُ على بِساط الجلد. *** - البيت للشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سُلمى. 1 - ورد البيت2 وَالشَيخُ لا يَترُك أخلاقه حَتى يُواري في ثَرى رَ مسِهِ

عدد الصفحات ٤٣

43 وفي أيامِه خرَج في بلاد ما وراءَ النهر رجلٌ أعورُحِرفتُه صباغة الثياب، فصنعَ لنفسه قناعاً من ذهب، وخُوطب بربِّ العزة، وصنع لمن اتَّبعوه قمَراً فوق جبلٍ عال، فأرسل إليه المهديُّ جيشاً أحاط بقلعتِه، وأحرقَ كلَّ ما فيها، فجمع ذلك الدجالُ كلَّ من في البلد، وسقاهُم شراباً مسموماً، فماتوا جميعاً، ثم شرِبَ بعدهم، فلحِقَ بهم، وعجَّل بروحِه إلى النار. *** والصناديقي في اليمن، كانت له جيوشٌ، وخُوطِب بربِّ العزة وكوتِب بها، وكانت له دارٌ واسعة يجمعُ فيها نساء البلدة كلـَّهن، ويُدْخِل الرجالَ عليهن ليلاً، وقال من يُوثَق بخبره: دخلتُ هذه الدارَ لأنظر، فسمعتُ امرأة تقول: بُني؟! فقال: يا أمّاه، يجب أن نُمضِي أمرَ وليِّ الله فينا. وكان يقولُ لهم: إذا فعلتم هذا لم يتميَّز مالٌ من مال، ولا ولد من ولد، وكنتم كنفسٍ واحدة، فغزاه الحَسَني من صنعاء وهزمَه، فتحصَّن منه في حِصْن هناك، ولم يقدِر عليه، فأنفذ إليه طبيباً والوليـد بن يزيـد بن عبد الملك، تولى الخلافـة سـنة وشـهـرين وأيـامـاً، وهو القائل: إِذا مُـت ُّ يا أمَّ الحُــنَــيكِـلِ فانْـكِـحـي وَلا تــأمُــلي بـعــدَ الفِــراقِ تلاقِـيـا فـإِنَّ الـذي حُـدِّثْــتِــهِ مِـن لـِقـائِــنـا أحاديثُ طَسْمٍ تترُكُ العَقلَ واهِـيا ورمى المُصحفَ الشريفَ بالنشّاب فمزّقه وقال: إِذا مــا جِـئــتَ رَبَّـــكَ يــومَ حَــشْــــرٍ فـقُـل يا رَبِّ خــرِّقــنـي الـوَلـيـــدُ وأرسل إلى مكةَ بنّاءً مجوسياً ليبنيَ له على الكعبةِ سبيلاً يشربُ منه الناس، فكان الحُجّاج يقولون: لبَّيك اللهُمَّ لبيك، لبيك يا قاتلَ الوليد لبيك. *** وأحضر عُلبة ًمن ذهبٍ وفيها جوهرةٌ جليلة القدْرِ على هيئةِ رجل، فسجَدَ له وقبّـله وقال: اسْجُد له يا سَمين، قلتُ: ومن هذا؟ قال: هذا ماني لا يجوزُ السجودُ لغير الله، فقال: قُمْ وانصرف عنا وكان يشربُ على سطحٍ وبين يديه دَنٌّ كبيرٌ من زجاج، فقال لندمائه: أينَ القمرُ الليلة؟ فذكروا له الأبراجَ، وقال أحدهم: في الدنّ، فضحِكَ وقال: صدقت، لقد قلتَ ما في نفسي، والله لأشربنَّ سبعة - ماني: مؤسس مبدأ الثنوية أو إله الخير وإله الشر، وإله النور وإله الظلام، أصل الزندقة، وكان أتباعه يعدونه نبياً. 1 فلمن قال؟“ قلت ”2

عدد الصفحات ٤٤

44 أيامٍ متتالية. وكان بموضعٍ بالقرب من دمشق يقال له البَحر فقال تـلَـعَّبَ بِالـنـبـوّةِ هـاشِـمِـيٌّ بِلا وَحـيٍ أتاهُ وَلا كِتـابِ وأبو عيسى بن الرشيد القائل دَهــانيَِ شَهْرُ الصَّوْمِ لا كانَ منْ شَهْرِوَلا صُمْتُ شَهْراً بَعْدَهُ آخِــرَ الدَّهْرِ ولوْ كانَ يَـعـْـديِـنِي الإمــــامُ بِـقـدْرِهِعلى الشهْرِ لاسْتعْـدَيْتُ جَْدِي على الشهْرِ فناله بعقِبِ هذا صَرَعٌ، فكان يُصرَعُ في اليوم مراتٍ إلى أن مات، ولم يدرك شهرا غيرَه والحمد لله. - ورد البيت بتغيير في الشطر الأول ويليه بيتان:1 تـلـعَّـبَ بِالـخـلائِــقِ هـاشِــمِـيٌّ بِـلا وَحْـي ٍأتــاهُ وَلا كِتــابِ تُذكِّرُني الحِسابَ وَلستُ أدري أَحَـقّـاً ما تـقولُ مِنَ الحِسابِ فـقـلْ لِـلَّـهِ يَـمـنعُـني طـعــامي وقُـلْ لِـلَّـهِ يَـمنـعُني شـَـرابي - أبو عيسى بن هرون الرشيد كان أحسن الناس غناءً وأجملهم وجهاً، وكانت النساء في بغداد ينتظرن مروره ليمتعن أبصارهن بجماله.2

عدد الصفحات ٤٥

45 قتل الألوف في مكة والجِنّابيّ والغلمانِ والصِّبيان من ضاقَ الفضاءُ بكثرتهم، وأخذ الحَجَر الأسود، وظنَّ أنه مِغناطيسُ القلوب، واقتلـَعَ ميزابَ الكعبة، وقتلَ في البصرة أربعة وعشرين ألفاً في ثورةِ الزَّنْج، ابْـتُـليتُم بقُبْحِ مظهر، فاجْمَعوا إليه قُبـْحَ مَخبَر. اجعلوا كلَّ عامرٍ قفراً وكل بيتٍ قبراً. - هو أبو طاهر سليمان بن الحسن القُرمطي، قاد الجيوش وهزم الفاطميين والعباسيين وحاصر القاهرة، وقطع طريق الحج، وانتزع الحجر الأسود من 1 الكعبة، قتل سنة - تخليط من ابن القارح فقد كانت ثورة الزنج عام2

عدد الصفحات ٤٦

46 الحسين بن منصور الحلاّاج والحسينُ بن منصور الحلاج أصله من نيسابور وقيل من مَرْو، يدَّعي كل علم، وكان متهوِّراً جسوراً يرومُ تغييرَ الملوك والأمراء، ويدَّعي فيه أصحابُه الألوهية، ويقولُ بالحُلول، ويُظهـِرُ للملوك مذاهبَ الشيعة، ومذاهب الصوفية للعامة، وبين هذا وذاك يدَّعي أن الألوهية حلـّت فيه، وناظرَه علي بن عيسى الوزير فوجدَه صِفـْراً في العلوم كلها، فقالَ له: لو أنك تعلـَّمْت فرائضَك وأصولَ دينك، لكان أنفعَ لك من كلامٍ تقولـُه ورسائلَ تكتبها وتقول: تباركَ ذو النورِ الشَعْشعانيّ الذي يلمعُ بعد شعشعتِه، وأراكَ بحاجةٍ إلى الأدب. حدَّثني أبو علي الفارسي قال: رأيتُ الحلاجَ واقفاً على حلقة أبي بكر الشبلي يــا سِــرَّ سِــــرٍّ يَــــــدِقُّ حَــــتّــىيَــخــفى عـلـى وَهــمِ كُــلِّ حَــــيِّ وظـــــاهِـــــراً بــاطِـــــنـــــاً تـَجَـلىلــكُــلِّ شَـــــيءٍ بِكُــلِّ شَــــــيِّ ِنَّ اعْـتِــذاري إِلـيـكَ جَـهـلٌوَعُـــــظـــــمُ شَـــــكٍّ وَفَـــــرطُ عَـــــيِّ إ ِلـــيِّ ِذاً إ يــا جُــمــلــةَ الــكُــلِّ لــســتَ غــيريفــمــــا اعْـــتِــــذاري إ من الله بمنزلةِ شُعاعِ الشمس، منها بدأ وإليها يعود، ومنها يستمدُّ وهو يعتقد أن نوره. وأنشدني الظاهر لنفسه أرى جِيلَ التصَوُّفِ شرََّ جِيـــلٍفــقُـــلْ لهُـــمُ وأهْـوِنْ بـالـحُـلــولِ ّـهُ حـيـنَ عـشِــقـْــتُـمـوهُكُلوا أكْـلَ البَهائِمِ وَارْقُــصُــوا لي أقال الـلـ وكان الحلاج يوماً في مجلس، فحرَّك يدَه فانتثرَ على القوم مِسْكٌ، وحرَّكها مرة ثانية فانتثرتْ دراهم، فقال له بعضُ الحاضرين ممَّن يفهم: أريتـَني دراهمَ معروفة، أؤمِنُ بك وهؤلاء الناس معي - أبو بكر الشبلي فقيه مقدَّم مالكي المذهب، صار من كبار المتصوفين1 - العارف: درجة متقدمة من درجات الصوفية التي تؤدي إلى اتصال الكائن بالخالق2 شاعر مدح المهلّبي وزير معزّ الدولة ومدح عضد الدولة”الطاهر“ - هو سداد بن إبراهيم الجزري وورد لقبه في الوافي بالوفيات 3

عدد الصفحات ٤٧

47 إن أرَيتني درهماً واحداً عليهِ اسْمُك واسْمُ أبيك، فقال: كيف وهذا لم يُصنع؟ قال الرجل: مَن أحضَر ما ليس حاضِراً صنعَ ما ليس مصنوعاً. وكان في كتبِه: إني أغرقتُ قومَ نوح، وأهلكتُ قومَ عادٍ وثمود. فلما شاع أمرُه، ووصل إلى السلطان خبرُه،أمرَ بضربه ألفَ سوط، وقـَطـْعِ يديه، ثم أحرقه بالنار في آخر سنة تسعٍ وثلاثمائة، وقال لحامد بن العباس والشلمَغاني واحداً واحداً، ثم في الأوصياءِ والأئمة حتى حلَّ في الحسين بنِ علي العسكري وقد أغوى جماعة من الجَهـَلة، منهم ابنُ أبي عَونٍ صاحبُ كتاب التشبيه، وقد ضُرِبت عُـنقـُه مع الشلمغاني، وكانوا يُبيحونـَه نساءَهم وأموالـَهم يتحكـَّمُ بها، وكان يتعاطى الكيمياءَ وله كتب معروفة. - كان وزيراً في زمن المقتدر، وله حكايات وأخبار كثيرة في كتب التراجم1 - هومحمد بن علي أبو جعفر ابن أبي العزاقر الشلمغاني الزنديق. أحدث مذهب الرفض في بغداد، وقال بالتناسخ وحلول الألوهية فيه. أفتى العلماء2 بإباحة دمه فأحرق - هو أحد أئمة الشيعة الاثني عشر، توفي عام3

عدد الصفحات ٤٨

48 الراوندي الزنديق كان أحمدُ بنُ يَحيى الراوندي من أهل مَرْوٍ في خراسان حسنَ السيرة جميلَ المذهب، ثم ترك هذا كلـَّه لأسبابٍ عرَضت له، ولأن علمَه كان أكبرَ من عقلِه، وكان كما قال الشاعر: ومــن يطيق مُــزكّ عند صــبــوتِــه ومـــن يقـومُ لمسـتـورٍ إذا خلعــا ومما ألّفه من الكتب الرسل وإبطالِ الرسالة. كتاب من أمرِه ونهيه علمَ الله تعالى بالأشياء مُحدَث، وأنه كان غيرَ عالِمٍ حتى خلق خلقـَه وأحدث لنفسِه علماً المرجان - البيت لمحمد بن يسير الرياشي، وورد1 - أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط من أعيان المعتزلة في القرن الثالث، توفي بعد سنة2

عدد الصفحات ٤٩