17 الكاتب والكتاب كتاب المعـريّ فـريد بيـن كتبه وفي تراثـنـا العـربي كله، بل هـو فريد في الآداب العالمـيـة، قـبس منه كثيـرون أشـــهـرهــم دانـتي أليغـيـيــري الأشهر والأعظم في أعظم أعماله (الكوميديا الإلهية) بشقيه الفردوس والجحيم، ويعتبر البيانَ الأدبي الأعظم الذي أنتجه أوروبا أثناء العصور الوسطى، وقاعدة اللغة الإيطالية الحديثة. تعد رسالة الغفران من أعظم كتب التراث العربي النقدي، وهي من أهم وأجمل مؤلفات المعري، وقد كتبها رداً على رسالة ابن القارح، وهي ذات طابع روائي، وتنقسم إلى قسمين رئيسيين: في الأول جعل المعري ابن القارح بطلاً لرحلة خيالية أدبية عجيبة يحاور فيها الأدباء والشعراء واللغويين في العالم الآخر، ويتنقل ابن القارح في الجنة ويلتقي ويحاور عدداً من الشعراء في الجنة من مشاهير الأدب العربي، ويواصل مسامراته الأدبية مع من يلتقي بهم من شعراء وأدباء ثم يعود للجنة مجدداً ليلتقي عدداً من الشعراء يتحلقون حول مأدبة في الجنة وينعمون بخيرات الجنة من طيور وحور عين ونعيم مقيم. ثم يمر وهو في طريقه إلى النار بمدائن العفاريت فيحاور شعراء الجن ويلتقي حيوانات الجنة ويحوارها ويحاور الحطيئة. ثم يلتقي الشعراء من أهل النار، ولا يتوانى في مسامرتهم وسؤالهم عن شعرهم وروايته ونقده، ثم يعود من جديد للجنة ونعيمها. ومحاورات ابن القارح مع الشعراء والأدباء واللغويين التي تخيلها المعري في العالم الآخر مصدر مهم من مصادر دراسة النقد الأدبي القديم، حيث حوت تلك المسامرات والمحاورات مباحث نقدية مهمة وأساسية في النقد الأدبي، وقد انتبه كل من طه حسين و لويس عوض ونبها إلى أمر مهم في رسالة الغفران، ووصفاها بأنها من البدايات الخلاقة للأدب المقارن في العربية، وأسلوب فذ في المقاربة النقدية للتراث العربي. وفي رسالة الغفران نجد للمعري صورة أخرى غير ما ألفناه في كل ما كتب عنه وقيل فيه، إذ تظهره الرسالة ذا مخيلة خلاقة قادرة على تشييد بناء خيالي قصصي ممتع، وذا فكاهة ودعابة أكثر مما يمكن تصوره عند رهين المحبسين، ويمارس أبو العلاء التصوير الكاريكاتوري الساخر نفسه الذي مارسه في رسالة الملائكة، حتى إن بعض النقاد يرون أن المعري مارس مع ابن القارح سخرية راقية مخففة، لكثرة
عدد الصفحات ١٨18 ما أورد من دعاء له في كل صفحة تقريباً من الرسالة، من مثل ثم إنه، أدام الله تمكينه وهو، أكمل الله زينة المحافل بحضوره وكأني به، أدام الله الجمال ببقائه فيقول، أصلح الله به وعلى يديه فيكره، جنّبه الله المكاره فلو أنه أورد هذه الأدعية في بعض الأمكنة حيث تلزم، لعُدَّ هذا من حسن الأدب، لكن هذا التكرار والإصرار يجعل هذا الأسلوب مضحكاً. كما نلحظ سخرية المعري من الرواة الذين نسبوا شعراً لآدم عليه السلام وللجن، فخرج على أيديهم حكايات مما لا يصدقه العقل ولا يقره المنطق، ويرد ذلك إلى التأويل المفرط. ويعمد إلى ما توارثه الخلفُ عن السلف من حكايات، ويوضّح ما فيها من مبالغات تجعل تصديقـَها من المستحيلات، ويرى أن الخيال تولى تضخيم هذه الحكايات، فأحالها إلى خرافات وأساطير، وابتعد بها كثيراً عن أن تكون واقعية صحيحة، ولا ينسى في كل ذلك إظهار قدراته اللغوية الكبيرة، ومعرفته العميقة بكلام العرب وأساليبهم بكل ما فيها من الافتنان والتوسع. وفي القسم الثاني يرد على رسالة ابن القارح فقرة فقرة، والقسم الأول هو الأهمُّ أدبياً، أما الثاني فـتوضيح لقضايا أثارها ابن القارح في رسـالته، ويمكننا القـول إن هذا القـسـم وحده الرد على ابن القارح، أما القسم الأول فلعبة خيالية لعل رسالة ابن القارح أثارتها. الرسالة كثيرة الاستطراد, ولعل الجاحظ الذي وسَم أدبَه بالتنقل من موضوع إلى آخر, ثم العودة إلى ما بدأ, قد دمغ باستطرادته الأدبَ العربي، وأعدى صاحبنا المعري, وربما كان استطرادُ المعري لسبب آخر هو اللهو، والعبث بابن القارح، أو أنه لسعة اطلاعه فاض كما فاض الجاحظ. وكمثال على الاستطراد والاسترسال نقرأ الصفحات من أوصاف الخمر وأسمائها، وإذ يعود إلى قول ابن القارح إن ابنة أخته سرقت منه ثمانين دينارا ً، فإنه يسترسل في الحديث عن الدينار والدنانير من الصفحة ثمانون ُرِس لمولاي الشيخ الجليل إن شاء الله بذلك الثناء، شجرٌ في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تمتد غـ ما بين المشرق والمغرب بظلٍّ عظيم وارِف، ليست في الأعين كذاتِ أنْواط في الزمن السالف
عدد الصفحات ١٩19 ما دفعه إلى ابتكار رحلة ابن القارح الخيالية في الآخرة. ثم يذكر الأباريق فيستطرد ويسترسل في شرح كل ما توحي به الكلمة في صفحات عدة. إلى جانب ذلك أسرف المعري في الجري في مضمار الغريب، كأنه يكتب لخاصة الناس كما يقول الدكتور طه حسين, أو أنه لم يشأ أن يطلع عامة الناس على آرائه ومنازع فكـره, لكن هذا الغـريب النادر أظهـر لنـا أبا العـلاء واسع الاطلاع - إلى حد لم نألفه عند سواه - على الغريب والنادر في اللغة، فأحيا ألفاظاً كانت مواتاً, مستوفياً قواعد اللغة والشاذ فيها, متصرفاً بالاشـتـقاق والتوليد تصرف الخبير، حتى إن العلاّمة عبد الله العلايلي ( وهو العلم في اللغة العربية) يميزه بأنه صاحب فلسفة لغوية خاصة, مما أدى به إلى اعتبار الحروف كالأرقام ذات دلالات رمزية. وفي رسالة الغفران علم كثير بالشعر وروايته ونقده ومقابلاته، وبالتاريخ والأماكن والأفراد، وبالقرآن وتفسيره وروايته، والحديث ومختلف شؤونه, واللغة بكل ما يتصل بها, والتفات حصيف إلى الفرق والأديان، وما خفي من حياة الأفراد العظماء، فجاءالمعري ينبش ويكشف, أو يصحح أو يفضح. وهذا هو الجانب الذي جعلني أتردد كثيراً في خوض غمار تجربة نقل رسالة الغفران إلى لغة العصر الحديث، كما فعلت في بخلاء الجاحظ . فالجاحظ - وإن كان شيخ الأدباء - اهتم في كتابه بالقصص والروايات والسخرية والمفاكهات، أما المعري فإن اللغة حجر الأساس في رسالته، وتهيبت الإقدام على تبسيط الرسالة، ثم توكلت على الله وعزمت/ متذكراً قول أبي جعفر المنصور: َتـَردَّدا َســادَ الــرَّأي ِأنْ تـ إذا كنتَ ذا رأيْ فكُنْ ذا عَزيمَةٍفإنَّ فـ أما الكاتب فهوأبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان القضاعي التنوخي 449 - 363( أن اسم ابنه مُحَسَّـد، وليس للمعري ابن يدعى العلاء، فهو لم يتزوج، وقد أوصى بأن يُكتب على قبره هــذا جــنــاه أبي عليّومــا جنيت على أحد ولقب نـفسه برهين المحبسن. المحبس الأول فقدُ البصر، والثاني ملازمتُه داره واعتزاله الناس. ولد بمعرة النعمان المنسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري والي حمص وقنسرين أيام معاوية ويزيد ثم أيام عبدالملك، وترجع أسرةُ المعري بأصولها إلى قبيلة عربية مشهورة هي تنُوخ التي ينتهي نسبها إلى قضاعة ثم إلى يعرب بن قحطان. وبيت أبي العلاء في بني سليمان بن داود بن المطهر وفيهم العلم والرئاسة، يقول ابن العديم “وأكثر قضاة المعرة وفضلائها وعلمائها وشعرائها من بني سليمان”. وتولى أجداد أبي العلاء قضاء المعرة، وضم إليها جدُّه أبوالحسن سليمان قضاء حمص أيضاً، وعرف بالفضل
عدد الصفحات ٢٠20 وكرم النفس، ومات سنة ولي القضاء بعده أخوه عبدالله بن سليمان والد أبي العلاء، واختلف المؤرخون في سنة وفاته، وله من الولد، غير أبي العلاء، أبو المجد محمد بن عبدالله، وأبو الهيثم عبدالواحد بن عبدالله، وكانا شاعرين، وخلّفا طائفة من الأولاد تولوا القضاء. واستمر مجد الأسرة حتى أواخر القرن السادس الهجري. وأمّه من بيت معروف من بيوتات حلب الشهباء، وجده لأمه هو محمد بن سبيكة. وخالاه هما أبوالقاسم علي وأبو طاهر المشرف، وكانا من ذوي الشرف والمروءة والكرم، ومن أرباب الأسفار طلباً ُعـينونه ويصـلونه. وخالـُه أبو طاهـر هذا للمجد والجاه، وكانت صلته بهم طيبة، كما كانوا بررة به يـ هـو الذي أعانه على رحلة بغداد، ولذا كان يُكثر من ذكرهم، وله معهم مراسلات. وكان الـمعري شـديد التعلق بأمِّه، يـتحدث عـنها بعاطـفـة مشبوبة متقدة، وعندما رحل إلى بغـداد كان حنـيـنُـه إليها متصلاً، ولم يكن طيفـُها يفارقه، وتصحـبه الهواجس والظنون، ولم ينسها على مر الأعوام. أصيب في آخر العام الثالث من عمره بالجدري فعمي في الرابعة من عمره، ولم يبق من ذكريات ما رآه إلا اللون الأحمر. قال: “ لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، لأني ألـْبِستُ في الجُدَري ثوباً مصبوغاً بالعصفر، لا أعقِلُ غيرَ ذلك”. بدأ أبوالعلاء صغيراً في تلقي العلم على أبيه، وأول ما بدأ به علومُ اللسان والدين على دأب الناس في ذلك العصر، وتُلمَح الفائدة التي جناها من هذه الدروس، إذ بدأ يقرض الشعر وله إحدى عشـرة سـنة، ثم ارتحل إلى حلب ليسـمع الـلغـة والآداب من عـلمائها تلاميذ ابن خالويه. وكانت حلب في ذلك العصـر إحدى حواضرِ العالم الإســلامي الكبـرى، تضـم جمعـاً من العـلـمـاء ممّن اسـتـدعاهـم ســيـفُ الدولة إبّـان عـنـفـوان دولـتـه، ولم تـذهـبْ نـهـضـتُهـا بـمـوتـه، بل اســتـمـرت بـعـده. وفي حـلـب اشــتـهـر الـمعـري وروايـتـه للأدب والشعـر. ومن حلب توجه إلى أنطاكية، وكانت بها مكتبة عامرة تشتمل على نفائس الكتب، فحفظ منها ما شاء الله أن يحفظ، ثم سافر إلى طرابلس الشام، ومر في طريقه باللاذقية، ويقال إنه درس النصرانية واليهودية جميعاً. ولما وصل أبو العلاء إلى طرابلس وجد بها مكتبة كبيرة ـ وقفها أهل اليسار ـ درس منها ثم عاد إلى المعرة. تردَّد في طور لاحق في مكتبات بغداد ودور العلم بها، وكان استعداده للعلم عظيماً وذكاؤه ملتهباً. روى الثعالبي عن أبي الحسن المصيصي الشاعر قوله: “ لقيت بمعرة النعمان عجباً من العجب، َّطرَنج والنـَّرْد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، يكنّى أبا رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشـ العلاء، وسمعته يقول: ” أنا أحمَدُ الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر، فقد أحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء
عدد الصفحات ٢١21 فقال: لأنه جنبني رؤية الثقلاء. وقيل له يوماً وقد أنشد قوله َنا ليلٌ تهاوى كواكبـُهْ ْعِ فوقَ رؤوسِناوأسيافـ كأن مثارَ النقـ ماقال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط؟ فقال: إن عدم النظر يقوِّي ذكاء القلب، ويقطعُ عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء، فيتوفرحِسُّه وتذكو قريحته، ثم أنشدهم قوله: عَميتُ جَنيناً وَالذكاءُ مِنَ العَمىفجِئتُ عَجيبَ الظنِّ لِلعِلمِ مَعقِلا أشار ابن العديم إلى قوة حفظ أبي العلاء برواية حكاية عن ابن منقذ، ذكر فيها أنه يـقـرأ عليه الكراسـة والكراسـتـيـن مرة واحدة فـيـحـفـظـهـمـا، ولم يُـعـلـم له من شـيـوخ بعد سن العشرين، وذكر هو نفسه أنه لم يحتج إليهم بعدها. اختلف المؤرخون في السنة التي مات فيها أبوه، فيذكر ياقوت أنه توفي سنة الرواية يأخذ بعضهم، ويبني عليها رأيه في نبوغ أبي العلاء الباكر وعبقريته الفذة. ويقول ابن العديم: إنه توفي سنة أسانيد رواياته، وأغلبُ رواته من بني سليمان أو من تلاميذ المعري ومعاصريه، ويذكر طرق الرواية قراءة أو سماعاً أو مكاتبة، هذا فضلاً عن تخصصِه واقتصارِه على أخبار أبي العلاء بخلاف ياقوت في كتابه الجامع المانع. ومنها أن القصيدة التي رثى بها أباه شديدةُ الأسر مُحكمة ُالتركيب، فيها درجة ٌمن النضج الفني والفكري يصعب أن يتصفَ به ابن أربع عشرة سنة، وقد وصفت بأنها من عيون الشعر في الديباجة والأغراض والمعاني. وقد خلفت وفاة والده جراحاً غائرة وأسى عميقاً في نفسه لعظم عطاء الوالد البر الذي كان اعتماد أبي العلاء عليه كبيراً في كثير من شؤونه، فأحس بعده بأنه مَهيض الجناح ضائعٌ أو شبه ضائع، وهذا الحدث أمده بكثير من الآراء التي عظمت عنده من سوء رأيه في الحياة ويقينه بفسادها. كان أبوالعلاء فقيراً، ولم يكن يتكسب بشعره، وكان له ثروة ضئيلة لا تتجاوز ثلاثين ديناراً في السنة، جعل نصفها لخادمه. ويرى بعضُهم أن ما منعه من التكسُّب أمران: أولهما أن عزة النفس التي ورثها عن أسرته تمنعُه من إراقة ماء وجهه، وتصدُّه عن ذلِّ السؤال، وثانيهما فطرتُه السليمة ودراسته الفلسفية اللتان صانتاه من الابتذال وصوغ الأكاذيب في الأمراء. والكذب عنده بشع قبيح، ثم إن الـمـال الذي يأخذه عن طـريـق التـكـسـب مالٌ حرام اسـتُحـِل ظـلـماً، وأولى به شـيخ كبير وعجوزٌ فانية وأرملة ٌمهيضة ُالجناح وأطفالٌ زُغْب.
عدد الصفحات ٢٢22 كانت أمه تمانع في سفره أول الأمر، ولكنه أقنعها فأذنت له، وأعدَّ له خالـُه أبو طاهر سفينة انحدر بها إلى الفرات حتى بلغ القادسية، وهناك لقيه عمال السلطان، فاغتصبوا سفينته، واضطروه إلى أن يسلك طريقاً مخوفة إلى بغداد، ولا يذكر المؤرخون أسباباً لرحلته تلك سوى أنها للسياحة وطلب العلم والحرص على الشهرة بمدينة السلام، وربما أشاروا من طرف خفي إلى فقره وطلبه الغنى. ولكن القفطي والذهبي ينصّان على أن عاملَ حلب كان قد عارض أبا العلاء في وقفٍ له، فارتحل إلى بغداد شـاكياً مـتظلـِّـماً. وقد يكون الاضطراب السـياسي في الشـام آنذاك أحدَ الأسـباب التي أخرجته وبغَّـضـت إلـيه المعرة، فـتـركها ليـقـيـمَ ببغداد. وكانت أجزاء كبيـرة من الشـام قد خـضـعـت للعُـبـيـديـيـن وهم من الشـيعـة الباطـنـيـة، وكان الـمعـري مـبـغـضـاً لهم ، فـيـرجِّـح ُّم هؤلاء في المعرة في السنة التي خرج فيها. بعض الـدارسـيـن أنَّ خـروجـه قد يكون بسـبـب تحكـ أما المعري فينفي أن يكون خروجُه طلباً لدنيا أو التماساً لرزق، وكرر هذا في رسائله إلى أهل المعرة وإلى خاله، وذكر أن أهل بغداد بذلوا له الأموال ليبقى بينهم، ولكن وجدوه “غير جَذِلٍ بالصفات ولاهَشَّ إلى معروف الأقوام العشرين من العمر ما حدثت نفسي باجتداءِ العلم من عراقي ولا شامي. وانصرفتُ وماءُ وجهي في سِقاء غير سرَِب، لم أرق قطرة منه في طلب مال ولا أدب ” مع أنه كان أمراً مألوفاً في عصره أن يرحل الرجل ليستكثر من لقاء الشيوخ، وكانت بغداد مما يقصد إليها الشعراء واللغويون والفقهاء والمحدثون. وقد صرح أبو العلاء بسبب سفره في بعض رسائله أنه أتاها قاصداً دار الكتب بها، وكان يسمِّيها دار العلم. ويَذكر أنه لما دخل بغداد طلب أن تُعرض عليه الكتب التي في خزائنها. وأنه حضر إلى خزانة الكتب التي بيد عبدالسلام البصري، وعرض عليه أسماءها، فلم يستغرب شيئاً لم يره من قبل بدور العلم بطرابلس، إلا ديوانَ تيم اللات فاستعاره. كان خروج المعـري إلى بغداد في أواخر سنة إلى بغـداد نكرة مغموراً بل سـبـقـته شهـرتُه إلـيهـا، ولكن أهل العاصمة الكبرى لم يكونوا ليسـلموا بعـبقـرية الوافـد قـبل امتحانِه، وقد أعدوا له امتحاناً عـسـيـراً اجتازه بنجاح، ذكره ابنُ فضل الـلـه العمري في مسـالك الأبصار: “أحضروا دستور الخراج الذي في الديوان، وجعلوا يوردون عليه ما فيه مُياوَمة وهو يسمع إلى أن فرَغوا، فابتدأ أبو العلاء وسرَد عليهم كل ما أوردوه له”. وأقروا له بالحفظ والعلم والشعر معاً، إذ قرأوا عليه ديوان سقط الزند. حضر المعري كثيراً من مـجالس العـلـماء ببغداد واشـتـرك في دروسـهـم ومناظراتهـم، فكان يحـضرُ مجـمـعَ سابور بنِ أردشير، ومجـمع عبدالسـلام البصري يوم الجمعة ، ويحضرُ دروسَ الشـريف
عدد الصفحات ٢٣23 المرتضى، وكانت علاقـتُـه أول الأمر حسـنة متـيـنة بالشـريـفـيـن المـرتضى والرضي وأسـرتهـمـا، ور والدهـما الشريف الطاهر بقصيدة مرتجلة، وكانا يُجلانه ويرفعان منزلته، كما كان يحضرُ المجالس الشعرية بمسجد المنصور حيث يلقي الشعراء قصائدهم. وعلى الرغم من هذا الحضور وتلك المشاركات العلمية الاجتماعية الحافلة لم يَطِب له المقام ببغداد، وحدث له من الحوادثِ ما آلمه وزهَّده فيها. من تلك الحوادث ما يروى من أنه عثر يومَ إنشاده المرثية في الشريف الطاهر برجل لا يعرفه، فقال له الرجل: إلى أين يا كلب؟ فأجابه: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً. وأشدُّ من هذا وقعاً على نفسه موقفُ الشريف المرتضى منه لما جرى ذكر المتنبي في مجلسه، وكان المرتضى يكرهه، ويتعصَّب عليه، ويتتبَّع عيوبَه، بينما كان المعري من أشد الناس إعجاباً بالمتنبي، فقال المعري: “لو لم يكن له إلا قصيدته التي مطلعها: ْفـَرْتِ أنــت وهــنَّ منك أواهــلُ لــك يــا مــنــازِلُ في الــقــلــوبِ مــنــازلُأقـ لكفاه”، فغضب المرتضى، وأمر بإخراجه، فسُحب برجله ، ثم قال المرتضى لجُلسائِه: أتدرون لم اختار الأعمى هذه القصيدة دون غيرها ؟ قالوا: لا. قال: إنما عرض بقوله: ِّيَ كامِـلُ َـهـادَةُ لي بأَنـ َـتْـكَ مَـذمَّـتي مِـن ناقِـصٍفهيَ الشـ وإذا أتـ ولا ندري ممَّ نعجب: من ذكاء المعري الذي دافع عن المتنبي، وعرَّض بالغمز لمنتقديه دون أن يقول هذا صراحة، أم من الشريف الذي فهم التعريض ولم يفهمه جلساؤه. وعلى ذكر إعجاب أبي العلاء بالمتنبي، نذكر أن المعري كان يقول: ما عنى أبو الطيب غيري حين قال: أنــا الـــذي نــظــرَ الأعــمــى إلى أدبيوأسْــمــعــتْ كــلــماتي مــن بِــه صَــمُــمُ وحاول المعـري حضور مجـلس إمـام النحو بـبـغداد أبي الحسـن عـلي بن عـيسى الرَّبعي، ولمـا قصده واسـتأذنَ في الدخول عليه، قال أبو الحسـن: ليصعد الاصطبل، وتعـني الأعـمى بـلغـة الـشـام، فانصـرف المعري من فوره مغـضباً. ثم قـرر المعري مغادرة بغداد، وما كان هـيناً عـلى البغـداديـيـن مـفـارقـتـه، فكانوا لـرحـيـلـه كارهـيـن، ولـفـراقـه مـحزونـيـن، وودّعوه بـاكيـن. ويـذكر أبو العلاء ســبـبـيـن لرحـيـلـه هـمـا فـقـره ومرض أمه. ورجع إلى الـمعـرة ولـزم مـنـزلـه لا يـخـرج مـنـه. ويـقول في إحدى رســائـلـه: “يُـحسِـن الـلـه جزاءَ أهل بـغـداد، فـقـد وصـفـوني بـما لا أســـتـحـق، وشـهـدوا لي بـالـفضـل عـلى غـيـر عـلم، وعرضوا أموالهم عرض الجِد”.
عدد الصفحات ٢٤24 خرج أبوالعلاء من بغداد لست ليال بقين من رمضان عام بغداد إلى الموصل وميافارقين، ثم نزل بالحسنية ووصل بعدها إلى آمد، وقد مر في طريقه بطرف حلب ولم يدخلها تنفيذاً لقرار العزلة. توفـيـت أمه وهو في الطـريـق راجعاً من بغداد، فـرثاها بـقصـيـدتـيـن وكثـيـرٍ من النـثـر، وأضاف مـوتهـا إلى فـواجعـه ما ملأ نـفسـه ظلامـاً وحـباً في العـزلة التي اخـتارهـا، وظل يذكرأمَّـه طوال عـمره، ولا يرى عـزاء إلا في لــَحاقـه بهـا، حيث يـؤنسُـه أن يـدفـن إلى جـوارها .وبعد عـودتِـه مـن بغـداد قـرر أن يعـتزل الناس جميعاً ، وعبر عن ثلاثة سجون يعيشها بقول أَرانـــي فـي الـثـلاثـةِ مِـن سُـــجـونيفــلا تســأل عَـنِ الخـبَــرِ الـنَـبـيـثِ ُـزومِ بَــيــتيوكـَونِ النـفـسِ في الجَـسَـدِ الخَبيثِ لِـفـقـدِيَ نـاظِـري وَلـ وكان في طبعه ميل إلى العزلة كما وصف نفسه بأنه “وحشيُّ الغريزة إنسيُّ الولادة”. وتضافرت أسبابٌ حملته على اتخاذ قرار العزلة، فمنها الأحداث المؤلمة التي مرت به من فقد أبيه وأمه، وما يلقى من أذى أحياناً من بعض الناس. ويجعل بعضهم من أسباب عزلته ـ إضافة إلى ما سبق ـ سببين رئيسيين، أولهما: ذهاب بصرِه الذي جعله يجهلُ كثيراً من آدابِ الناس في عاداتهم، وكان شديدَ الحياء عزيز النفس، يكره أن يُخطئ في ما ألِفَ الناس، فيكونَ موضعَ السخرية والاستهزاء أو الرحمة أو الشفقة. وثانيهما إخفاقه في الإقامة في بغداد حيث يلقى العلماء والفلاسفة، ومن ثم اضطرارُه إلى ْوٌ من العلماء، فكأن معاشرته للبغداديين قد بغـَّضت إليه معاشرة الناس. لزوم المعرة، وهي خِلـ قرر أبو العلاء الانقطاع عن الدنيا ومفارقة لذائذها، فكان يصوم النهار ويسرد الصيام سرَْداً لا يفطر إلا العيدين، ويقومُ الليل، ولا يأكل اللحومَ والبَيضَ والألبان، ولم يتزوج، وكان يكتفي بما يخرج من الأرض من بقل وفاكهة: ْقـَنيلِتسـمَـعَ أنبـاءَ الأمـورِ الصَـحـائِـحِ غـدَوتَ مريضَ العَـقلِ وَالدينِ فالـ َريـضِ الذبائِـحِ فلا تأكـُلـنْ مـا أخـرَجَ المــاءُ ظالِـمـــاًوَلا تبْغِ قوتاً مِن غـ َوافِــلٌبمِا وَضَعَت، فالظُـلـمُ شـرُّ القبائِـحِ وَلا تـفـجَـعَـنَّ الـطـيـرَ وَهـيَ غـ َــرَت لـهُكـواسِـبَ مِـن أزهــارِ نَــبـتٍ فـوائِــحِ َـذي بَكـ وَدَعْ ضَـرَبَ النحـلِ الـ ويكتـفي من الثـيـابِ بالخـشــنِ مـنـهـا، ومن الفراش بالحصـيـر، وكان يكلـِّف نفســه أموراً شاقة زيادة ًفي مجاهدتها مثل الاغـتسالِ شتاءً بالماء البارد:
عدد الصفحات ٢٥25 مــضى كــانــونُ مــا استعملتُ فيهحــمــيــمَ المــــاءِ فـــاقْـــدُمْ يــا شُــبــاطُ وقد التزم بقرار عزلته فلم يخرج من داره تسعاً وأربعين سنة إلا مرة واحدة مكرهاً، بعد ما ألحَّ عليه أهلُ بلدته طالبين شفاعتـَه لدى الأمير أسد الدولة صالح بنِ مِرداس، وذلك أن امرأة دخلت جامعَ المعرة صارخة تستعدي المصلين على أصحابِ ماخـورٍ قصـدوها بـسـوء، فـنـفـر إليها الناس وهـدمـوا الماخور ونهـبـوا ما فـيه. وكان أسـدُ الدولة في نواحي صـيـدا، فـأسـرع إلى هناك، وعَـسْـكـر بظاهـر المعرة وحاصرهـا، وشرع في قـتالها، واعـتـقـل سـبعـيـن من أعـيانِهـا، فـلمـا ضاق الأمر بالمعـريـيـن لجؤوا إلى أبي العلاء، فـخرج من محبـِسه مكرهاً، وقابل صالحاً واستشفع لديه فقال له: قد وهبتها لك يا أبا العلاء. والتزم بقـرار عـزلته من جهـة ثـانـيـة مدة من الـزمان، أي إنه لم يـفـتـح دارَه لأحدٍ من الناس. قال ابن العـديم: “ أقـام مـدة طـويـلـة في مـنـزله مـخـتـفـيـاً لا يدخل عـليه أحد. ثـم إن الناسَ تـسـبـبـوا إلـيه، وألـحُّوا في طـلـب الشـفـاعـة لديه من أقاربه الأدنين”. ثم إنه استجابَ لتوسلات المتوسلين، ففتح داره لطلاب العلم من كل صقع وصوب، وصارت داره جامعة يَؤمُّها الزائرون من شتى البقاع، وأخذ الناس يفدون إليه، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار. قال ابن فضل العمري: “أخذ عنه خلق لا يعلمهم إلا الله، كلهم قضاة وخطباء وأهل تبحُّرٍ واستفادوا منه، ولم يذكرْه أحد منهم بطعن، ولم ينسُبْ حديثَه إلى ضعف أو وهن”. ومن أشهر تلاميذه أبو زكريا الخطيب التبريزي وعلي بن المحسن بن علي التنوخي القاضي. وله كتّاب كان يملي عليهم مصنفاته، منهم أبو محمد عبدالله بن محمد القاضي ابن أخـيه، وكان بَرّاً بعـمه، وأبو الحسـن عـلي بن محـمد أخو عـبدالـلـه، وأبو نصر زيـد بن عـبـدالـواحد، وجـعـفـر بن أحمد بن صالح الـتـنـوخي، وإبراهـيـم بن عـلي بن الخـطـيـب، وأبـو الحـسـن عـلي بن عـبـدالـلـه بن أبي هـاشـم المقرئ. وكان يذكرهم بالخير في شعره ونثره. عُـمِّر أبو العلاء طويلاً، وأصابته الشيخوخة بالوهن، ووصفها بقوله: « فما أصابت عـقـله وصفـاءه وقـريحـته وتوقدهـا وحافـظته وقـوتها، فما نـسـي شـيئـاً مـما حصَّل وفي اليوم العـاشـر من ربيع الأول سـنة الحسـن مختار بن بطلان، وكان ممن يتردد عـليه للـزيارة والسـماع أثناء مقامه بديار الشـام، ووصف له كأسـاً من شراب أتاه به ابن أخيه القاضي فامتنع عن شربه وأنشد:
عدد الصفحات ٢٦26 ِّـلُـني لـتســقـيـني فــذرْنيلــعَـــــلـــّــي أســتـــــريـــــحُ وتســتـريـحُ تُـعَـلـ كما وصـفـوا له لحمَ الدجـاج، وهم يعـلمـون أنه لا يأكل الـلحـومَ كـلها ولا الـبـيـض ولا العسـل، فلما وضعوه بين يديه لمَسه بيده فجزع وقال “استضعـفـوك فـوصـفـوك، هلاّ وصـفـوا شِــبـل الأسـد”. وتوفي بـعـد ثـلاثـة أيام ووقف على قبره أربعة وثمانون شاعرًا يرثونه. كان المعري على الرغم من عزلته ذا صلة حسنة بالناس. وكان مع فقره كريماً ذا مروءة، يعين طلاب الحاجات، وينفق على من يقصده من الطلاب، يهدي ويُهدى إليه، ويُكرِم زائريه. ومن مُروءته وكرمه أنه لم يقبل من تلميذه الخطيب التبريزي ذهباً ثمناً لإقامته عنده. لم يردَّه إليه في حينه حتى لا يُوقِعه في مشقة الحرج، ولكنه احتفظ له به حتى تجهَّز قافلاً فودعه ورد إليه ما دفع. وكان رقـيـق الـقـلب رحيـمـاً عـطـوفـاً عـلى الضـعـفاء، حـتى شـمـلـت رقة قـلبـه الحـيوان، فكان يرى ألا يُذبح ولا يُروَّع بولده وبيضه. وكان وفياً لأصدقائه وأهله. وتفيض رسائله إلى أهل بغداد والمعرة وإلى أخـواله بهذا الوفاء. ومن أهم خصـاله الحياء، وكثيراً ما كتب كتباً ورسائل لأناس يسـتـشـفع لهم فيها عند الأمراء، وهو كاره لذلك، ولكنه لفرط حيائه لا يستطيع لهم رداً. وقد دفعه عماه إلى تحدي الصعـاب والرغـبة في التـكـيـف واكـتسـاب العـلم والمعـرفة والتـفـوق فـيهـما على البصراء. ويتبدى تحـديـه هذا في لعـبِه النردَ والشـطـرنج، وعلى الرغم من تكيُّـفه مع هذه العاهـة، واكـتسـابه صفات تـعـويـضـيـة، فإنها أورثـتـه شـعـوراً عـمـيـقـاً بالألـم والحزن ملأ شــعـره بالزفـرات الحارة، مما يدل على مالها من أثر شديد على نفسه. اتهم المعري بالزندقة والإلحاد من بعض معاصريه، ولا شك أنه كان يناقش في مجالسه قضايا الفلسفة، ويشرحُ للطلاب أشعارَه، ويفسر لهم ما صعب منها. وربما قاده الشـرح إلى الحديث عن مختلف الآراء الفـلسـفـية التي لا يرتضـيهـا عامة الناس. يضاف إلى هذا تـبـتــُّـلـه وتركُه الزواج وامـتـنـاعـه عن الـلحـم وما أشـبه ذلك، وفيه ما فيه من مجانبة لسنن الدين ولحوق بفلسفات برهمية هندية. وقد استند متهموه إلى ما في رسالة الغفران من أخبار الزنادقة وأشعارهم. ولكنه وجد من يدافع عنه نافياً هذه التهمة. ومن هؤلاء القفطي وابن العديم، وسمى الأخير كتابه “ كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري” وقال في مقدمته متحدثاً عن حُسّاده وشانئيه: “رموه بالإلحاد والتعطيل، والعدول عن سواء السبيل، فمنهم من وضعَ على لسـانِه أقوالاً مـلحدة، ومنهـم من حـمـل كلامه على غـير المعـنى الذي قصـده، فجعـلوا محاسنه عـيـوباً وحـسـناته ذنوباً وعـقـله حُـمـقاً وزهده فُسـقـاً، ورشـقـوه بأليـم السـهام، وأخرجوه عن
عدد الصفحات ٢٧27 الديـن والإسلام”. ومن أحسـن الشـهـادات في حـقـه شـهـادة الإمام الذهـبي المـتـوفى ســنة 1346 العـرب. وله في التـوحـيـد وإثـبات النـبـوة وما يـحض على الـزهـد وإحياء طرق الفتوة والمروءة شعر كثير”. ألـَّـف أبو العلاء مصنفات جمة، ضاع أكثرها، ولم يصل إلينا منها إلا النزر اليسير. يقول القفطي والذهبي إن أكثر كتبه بادَ ولم يخرج من المعرة، وحرقها الصليبيون فيما حرقوا من المعرة، وأحصيا له من الكتب خمسة وخمسين كتاباً في أربعة آلاف كراسة، تشمل الشعر والنثر، ويذكر الرحالة الفارسي “ناصر خسرو”سنة بإحدى عشرة سنة. وعد ياقوت من مصنفاته اثنين وسبعين مـصـنَّـفـاً. بقي من نثره رسالة الغفران ورسالة الملائكة، وهي صغيرة، وأجزاء من الفصول والغايات، وطائفة من الرسائل كان يوجهها إلى أصدقائه. ويمتاز نثره بالغريب وكثرة الغموض واللجوء إلى السجع مثل أهل عصره. وقد طرق في نثره موضوعات مختلفة مثل المدح والعزاء والوصف. كتب المعري رسالة الغفران رداً على رسالة بعث بها إليه ابن القارح، وهو صديق له من حلب عنوانها “في تقبل الشـرع وذم من ترك الوقوف عنده” وفيها يمازح المعـري صديقـه، ويعبث به، ويشـير من طرف خـفي إلى أنه كان مـشـككاً غيـر قوي الإيمان. وفيها يطـوف ابن القـارح في الجنة، وتظهر فيها مقدرة المعري اللغوية كما تبدو فيها مقدرته على السخرية والنقد. الفصول والغايات: صورة أخرى للزوميات، فقد أورد فيه كثيراً من الآراء التي أوردها هناك، وألفه المعري تقرباً إلى الله وتمجيداً وتسبيحاً له قال: “علم ربُّنا ما علم.. أني ألـَّـفْت الكلِم، آمَلُ رضاه المسلم َه المؤلم” وكان الشائع المشهور أنه ألف هذه الفصول متأثرًا ببلاغة القرآن الذي هو المثل وأتقي سخطـ الأعلى للبلاغة والبيان، وما وجد أديب وشاعر إلا فتن بأسلوب القرآن. َّهم، يعترفون بشاعرية المعري، ويعرفون تقدمه، وينشد الناس أشعارَه ويتظرف كان القدماء، إلا أقلـ بها الظرفاء. أما المحدَثون فمنهم من جعل المعري فيلسوفا ً ، وعده آخرون شاعرا ً ، وجمع له فريق ثالث بين الحسنيين. فبينما يرى بعضهم فيه شاعـراً فيلســوفاً حقاً لم يعهد المسلمون في قديمهم وحديثهم فيلسوفاً مثله، يرى آخرون أنه بلا مذهب فلسفي، بل له اتجاهات تخل بالمنهج الفلسـفي إخلالاً واضحاً، فهو رجل وجدان، دقـيق الحس، عـميق الإدراك، صادق التعـبـيـر، جريء التعـرض للمعـاني والخواطر. بينما جعـله فـريـق ثالث مع سـقـراط والقديس أوغسـطين والغـزالي وتـوما
عدد الصفحات ٢٨28 الأكويني وشوبنهـاور في طبقة واحدة، فضلاً عمن عده مجدداً لأصول الفلسفة أو هو الفيلسوف الأكبر. ولكن أكثر النقاد يرونه شاعراً إنسانياً متأملاً في المحل الأرفع بين شعراء العربية، له مقام فريد لامِن حيث أسلوبُه وفنه فحسب، ولكن من حيث روحُه ونظرته إلى الحياة من حوله. كما أدلى المستشرقون بدلوِهم في هذا الشأن، فعدُّوه شاعراً عالمياً سبق زمانه بآرائه العقلية والأخلاقية والسياسية والدينية. بقي من شعر المعري ثلاثة دواوين: سقط الزند والدرعيات واللزوميات.. يضم سقط الزند أكثر شعر صباه وشيئًا من شعر الكهولة. وقد رتبه أبو العلاء ووضع له مقدمة. ويظهر في شعر صباه المبالغة والتكلف والمحاكاة. وكلما تقدم به العمر اكتسب شعره صفات تجعله متفرِّداً. فتبدو فيه ظاهرة استعمال الاصطلاحات والإشارات العلمية، كما في قصيدة توديع بغداد. أما الشعر الذي نظمه في كهولته ففيه نضْجٌ في الفكر وإتقان للمعاني وبعد عن الضرورات والمبالغات. ويلجأ فيه للقوافي الصعبة، ويطيل فيها مثل الطائية التي بعث بها إلى خازن دار العلم ببغداد. وفي هذا الديوان تأثر واضح بالمتنبي، وكان به مغرماً ولأشعاره دارساً، وبينهما صفات مشتركة، أهمها التفوق والنبوغ والشعور بالامتياز والطموح، والشعور بفساد الحياة والأحياء في عصريهما. ويأتي تباينهما من اختلاف طباع كليهما وظروفه. فبينما آثر المتنبي الحربَ والثورة وسيلة للإصلاح، آثر المعري النقدَ السلبي والاعتزال وتصوير القبائح والسخرية منها، وهذا الذي جعل له التفرد والأصالة. ويحوي ديوانه أغراضاً مختلفة كثيرة من أهمها: لم يمدح أبو العلاء أميراً طلباً لنواله، وقد سطـَّر في مقدمة الديوان: “ولم أطرق مسامع المدح: الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طلباً للثواب، وإنما كان بغرض الرياضة وامتحان القريحة” وسلوك الطريق التي سلكها الشعراء قبله، وإن كان له مدائح نظمها في أناس من أصحابه، أو أجاب بها نفراً من الشعراء أرسلوا إليه قصائد. ولهذا السبب جاء مدحه مختلفاً عن مدائح من سبقوه. فلم يكن محتاجاً لأن يتزلف المـمـدوح أو يسـبغ عـليه صفات مبالغاً فـيها. ومن هذا النوع النونية التي بعث بها إلى الشريف أبي إبراهيم العلوي، وكان قد بعث إليه بقصيدة: غــير مستحسن وصـــال الــغــوانيبـــعـــد ســبــعــين حـــجـــة وثمــــاني فرد عليه أبو العلاء بقصيدة معارضة من البحر نفسه (الخفيف) والروي نفسه: عـــلّـــلاني فـــــإنّ بِـــيـــضَ الأمــــانيفَــنِــيَــتْ والـــظّـــلامُ لــيــسَ بِــفــانِ
عدد الصفحات ٢٩29 لم تترك نفـسُـه الزاهـدة وحـياةُ الانعزال التي فرضها على نفسه للفخر إلا حظاً ضئيلاً الفخر: شعره، فلم تظهر فيه الأنا المتضخمة، ولم يُبتـَل بالحساد لأنه ترك للناس حُطامَ الدنيا، ووجدنا له قليلاً من الفخر في صباه يعـبِّـر عن عـنـفـوان هـذه المـرحلة من العـمـر وجـموحها. ومن أشـهـر ما قاله في الفخر قصيدته: ألا في سبيل المجد مــا أنــا فاعلعــفــاف وإقـــــدام وحـــزم ونــائــل وفي هذه القصيدة كما في قصائد أخرى أبيات أقرب إلى شعر المتنبي: وإني وإن كــنــتُ الأخـــيرَ زمــانُــهلآتٍ بمــا لم تستطعْه الأوائِــــلُ وهذه القصيـدة عـلامة من عـلامات تأثير المتنبي الكبير في شـعـر المـعـري، حتى يكاد القـارئ يـظـن أنها ضـلـَّت طريـقهـا مـن ديـوان أبي الطـيـب إلى سـقـط الـزند. ثم ترك أبو العلاء المعري الفخر كله في آخر عمره. يحاول المعري وصف الأشياء المحسوسة، ويزين لفظه حتى يعوض ما يحـس بـه مـن الوصف: نـقـص تجـاه وصـف المـبـصـريـن، ولعـلـه كان يعـمـد إلى الـوصـف الحسي ليثبت أنه لا يقل قدرة عن المبصرين في الوصف: رُبّ ليلٍ كأنّه الصّبحُ في الحُسْـنِ وإن كــانَ أسْـودَ الطّيلـَـسـانِ ليلـتي هـذه عَــروسٌ مــن الزَّنْـــــجِ عـليـهـا قـلائِـدٌ مِن جُـمــانِ هَـرَبَ النَـوْمُ عـن جُفـونيَ فيهـاهَـــــرَبَ الأمْـــنِ عن فــؤادِ الجَبانِ ُــريّـــافـهُـمـــا لـلــوَداعِ مُـعْـتــَـنِـقــــانِ وكأنّ الـهِــلالَ يَـهْــوى الـثـ وسُهَـيْـلٌ كوَجْـنـةِ الحِـبّ في اللّـوْنِ وقـلبِ المُحِبّ في الخفَـقــانِ في ديوان المعري مقطوعات غزلية رقيقة. ولم ينقل المؤرخون عنه أنه أحب فتاة بعينها في الغزل: صباه، ويراه بعضهم ضريراً زاهداً محزوناً لا سبيل للحب إلى قلبه، ويرتفع شعره القليل في الغزل عن أن يكون محاولة لإكمال الديوان بالموضوعات التي استنـَّها الأوائل، ففي بعضه لوعة حقيقية، وغناء والهٍ مَشوق: يا ساهِـرَ البَـرْقِ أيقِـظْ راقِـدَ السَّمُـرِلعَلّ بالجـِزْعِ أعـواناً على السّهَرِ ّاً من بَني مَطَرِ ُلـِّهـِـمِفاسْقِ المَواطِرَ حَي ْتَ عـن الأحـيـاء كـ وإنْ بـخِـلـ
عدد الصفحات ٣٠30 َهـاًحَمْلَ الحُليِّ لمَـنْ أعْـيا عن النّظـَرِ ويا أسـيرةَ حِـجْـلـَـيْـهـا أرى سَـفـ ْفٌ منكِ يصْحَبُنيسرُىً أمامي وتأوِيباً على أثـري ما سرِْتُ إلا وطي رثى أبو العلاء أباه وأمه وطائفة من الناس، وفي ديوانه سبع مراث، وفي أغلبها حزن وتفجُّع الرثاء: لأنها أحزان شخصية وليست تعزية. وأجودُ ما قاله في الرثاء قـصيدتُه الدالية التي أبَّنَ بها أبا حمزة الفـقيه الحنـفي، يقول عنها طه حسـيـن مبالغاً: “نعتقد أن العربَ لم ينظموا في جاهـليـتهـم وإسلامِهـم ولا في بداوتِهـم وحضارتِهم قصـيدة تبلغ مبلغ هذه القصيدة في حُسن الرثاء” ، ونقول إن طه حسين بالغ في مدح القصيدة، لأن في الشعر العربي قصائد رثاء كثيرة تضاهيها ، إن لم تكن تتفوق عليها كرثاء أبي تمام لمحمد بن حَميد الطوسي ، ورثاء أبي ذؤيب الهذلي لأبنائه، ورثاء المتنبي لجدته ولأخت سيف الدولة، ورثاء ابن الرومي لابنه محمد، ولا ننسى طبعاً مراثي الخنساء الكثيرة في أخويها، ولا سيما في رثاء صخر، ولعل ميزة قصيدة المعري أنه بث فيها كثيراً من أفكاره الفلسفية، ومنها: َــرَنـُّـــمُ شــــادِ َـــــوْحُ بـــاكٍ ولا تـ غـيْـرُ مُـجْـدٍ في مِـلّـتي واعْـتِـقـادينـ َـشـيـرِ في كـلِّ نادِ وشـــبـِيـهٌ صَـوْتُ الـنـَّعِـيِّ إذا قِيــــسَ بِصَوْتِ الب صَاحِ هَـذِي قُـبُورُنا تـمْلأ الرُّحْــــــبَ فـأيـنَ القُـبـورُ مـنْ عَـهـدِ عادِ ْء مـا أظـُنُّ أدِيــمَ الـــــأرْضِ إلاّ مـنْ هَــذِهِ الأجْـســـــادِ ِّفِ الـوَطـ خفـ سرِْ إنِ اسْطَعْـتَ في الهَـواءِ رُوَيـداًلا اخْـتِـيـالاً عـلى رُفـاتِ العِـبــادِ إنّ حُـزْناً في ساعةِ المَـوْتِ أضْعـافُ سُــرُورٍ في سـاعَـةِ الـمـيــلادِ ُّهـا الحَـيـــاةُ فـمــا أعْـــــجَـبُ إلاّ مِـنْ راغـبٍ في ازْديــادِ تـعَـبُ كُلــ لم ينظم المعري في هذا الغرض من أغراض الشعر بمعناه التقليدي المعروف، بمعنى أن الهجاء: يتجه الشاعر إلى شخص، فيثلبه ويذمه. فليس للمعري عدو ليفعل به هذا. ولكنه تتبع عيوب البشر عامة ونقائصهم، فأظهرها في لهجة قاسية متجنباً الفحش والإقذاع، وليس غرضه الإساءة والتشهير، بل الرحمة والإصلاح. ولا نجد هذا الموضوع في سقط الزند بل في اللزوميات، ويعده النقاد ضرباً من ضروب السخرية، وإن كان القدماء عدوه هجاء. وقد انتقد المعري ظواهر متعددة في مجتمعه، منها الادّعاء باسم الدين والرياء، وخص بنقده الواعظ المنافق: رُوَيـــــدَكَ قـد غُــرِرْتَ وأنـتَ حُـرٌّبِصاحِبِ حـيلـةٍ يَـعِـظُ النِـســاءَ
عدد الصفحات ٣١31 يُحَـرِّمُ فـيـكُـمُ الصَهـبـاءَ صُبحاًويـشـرَبُـهـا عـلى عَـمْـدٍ مَـســاءَ يقـولُ لكُـمْ غـدَوتُ بِلا كِـســـاءٍوَفي لـذّاتِــهــا رَهَـنَ الـكِـســــاءَ قصائد وصف بها الدرع، طبعت ملحقة بسـقط الـزند. والغـريب أن المعري يصف الدرعيات: فـيها شـيئـاً من عدة الحرب وهي الدروع، مع أنه لم يخض غـمار معـركة ولا اسـتعـد لهـا. وقد افـتـن في وصـفـهـا، فـمرة يصـفـهـا عـلى لسـان رجل أسَنَّ فـترك لبـسـهـا، أو على لســان رجل رهـنهـا، وجعل وصفـهـا مرة محاورة بـيـن درع وسـيـف، ووصفـهـا على لسـان رجل يـبـيـع درعـاً أو رجل خانـه آخـر في درع، أو عـلى لسـان امـرأة تـوصي ابـنـهـا بـلـبـس الدرع والانـشـغـال بـهـا عن الزواج. والدرعـيات مـوضـوع جـديد في الشـعـر العـربي يدل على براعة وأصالة. ويجعلها النقاد مقابلة للطرديات (شعر الصيد) عند الشعراء الآخرين، كما يراها آخرون محاولة من المعري لتحقيق قوله: وإني وإن كــنــتُ الأخـــيرَ زمــانُــهُلآتٍ بمــا لم تــسْــتــطِــعْــهُ الأوائِــــلُ سميت كذلك لأنه التزم فيها حرفًا قبل حرف الرَّوِيِّ. وإذا تأملناها وجدنا فيها مشابهة اللزوميات: من سجونه التي اختارها. فإن القافية والتزام رويها سجن لـلـشـاعـر، فجعل المعري لنـفسه سـجناً آخر هو الحرف الذي الـتـزمـه قبل الروي. لم يـكن الـمـعـري أول من ابتـكر هـذا، وألزم نـفـسـه ُثـَيِّـر عزّة تائية التزم فيها اللام قبل التاء ومطلعها: بهذا الـقـيـد الشـعـري ، فلكـ خليليَّ هَــذا رُبـــعُ عَـــــزَّةَ فاعْقِلاقلوصَيكُما ثمَّ ابْكِيا حَيثُ حَلَّتِ ولكن الجديد في صنع المعري أنه نظم ديواناً كاملاً على هذا النمط حاوياً جميع حروف المعجم، فجاء عملاً يحمل بصماته مقترنًا باسمه، وظل ديوانه هذا نسيج وحده، ولم يستطع شاعر أن يحذو ْت في هذا التأليف ثلاث َّفـ حذوه إلا في المقطوعات المحدودة. وقد قدم له المعري قائلاً: “وقد تكلـ كُلـَف: الأولى أن ينتظمَ حروفَ المعجم عن آخرها، والثانية أن يجيءَ رويُّه بالحركات الثلاث وبالسكون، َزم مع كل روي فيه شيءٌ لا يلزم”. وفوق هذا لم يضعه قصداً للبراعة اللفظية والمقدرة والثالثة أنه لـ اللغوية فحسب، وإنما قصد به إلى معان فلسفية، كذلك جاء من أحد عشر ألف بيت في مـائـة وثـلاثـة عـشـر فصلاً. وقد جاء الديوان مثـقـلاً بالغـريب واستعمال المـصـطـلحـات، وجاءت الـقـيـود المـتـراكـمـة هـذه على حسـاب الـوحدة المعـنـويـة في المقطوعات أحياناً، إذ يركز فيها على وحدة القوافي. ويرى بعض النقاد أن المقطوعة أو القصيدة في اللزوميات تطول وتقصرُ تِبْعاً لصعوبة القافية وسهولتها، فقد تساعده القافية السهلة فيمتد نفسه الشعري، فيكثر من الأبيات وإن اسـتوفى المعنى
عدد الصفحات ٣٢32 َّسـَع، لأن المراد، وقد ينقطع نفسـه عند البـيـتـيـن والأبـيات القـلـيـلـة، وإن كان في الـمعـنى مُـتـ الـقـافـيـة تضـطـره إلى ذلك. ومن أمثلة إثقال الأبيات بالعلوم والمصطلحات قوله: ما لي غـدَوتُ كـقافِ رُؤْبة َ قـُـيِّـدتْفي الدَهـرِ لَم يُقـْدَرْ لها إِجراؤُها ْتُ عِـلـَّـة َقـالَ وَهيَ قـديــمـــة ٌ أَعـيا الأَطِـبَّـة َكُـلـَّهُـم إِبـراؤُهـا أُعْـلِـلـ يعد عصر المعري عصراً ذهبياً في نضج العلوم وانتشارها على اختلاف مشاربها، فالعلوم الشرعية وعلوم القرآن من تفسير وقراءات وإعجاز، وعلوم الأدب والنقد ثم الفلسفات المنقولة كانت قد استوت على سوقها، وكان للمعري مشاركات جادة فيها، وهو مع هذا يتواضع ويضع من شخصه وعلمه: ُسْـتمـاحُ وَلا عِـلـمٌ فـيُـقـْتـبَـسُ َـسَّـرَ ليفـي ماذا تُـريدونَ لا مالٌ تـي َـسُ ّاً ضَـرعُها يَـب أتـسـألونَ جَهــولاً أن يُـفـيـدَكُــمُوَتحلـُبونَ سَـفِـي كان علمه باللغة والنحو والأدب الغاية القصوى حتى قيل إن المعري بالمشرق وابن سيده بالمغرب ليس لهما في زمانهما ثالث في اللغة. وذكر التبريزي أنه لا يعرف كلمة نطقت بها العرب ولم يعرفها أبو العلاء. وكان المعري حريصاً على إظهار علمه باللغة، يرصِّع شعره ونثره بالغريب النادر، ويدل على باهر علمه باللغة تحويلـُه لقافيتي بيتي النمر بن تولب وقد عرض لهما في رسالة الغفران: ألـمّ بـصُحْـبـتي وهُـمُ هُـجــوعٌخـيـالٌ طـــارقٌ مــن أمِّ حـصـنِ لها ما تـشـتهي: عـسلاً مُصفّىإذا شـــاءت، وحُـــــوَّارى بـسـمنِ ويستطرد إلى حكاية وقعت بين خلف الأحمر وأصحابه، فإنه سألهم لو أنه وضع أم حفص موضع أم حصن ماكنتم تقولون في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال خلف: وحُوَّارى بلمْص، والحوارى: الخبز الأبيض، واللمص الفالوذج، فذكر خلفٌ تغييراً واحداً وعجز أصحابه عنه. فيأتي أبو العلاء ويظهر مقدرته اللغوية، ويفرِّع على هذه الحكاية مغيرِّاً حرف الروي على كل حُروف المعجم، ويشرح الألفاظ الغريبة التي جاء بها، وكان مع الشرح يشير إلى الخلافات اللغوية، ويورد الشواهد، ويفرِّق بين الاستعمال الحقيقي والمجازي. ومن وسائله في الإفصاح عن التمكن اللغوي إتيانـُه باللفظ ثم يفسره أو ينفي عن سامعه ما قد يتبادرُ إلى ذهنه من معناه مثبتاً معنى آخر:
عدد الصفحات ٣٣