225 مذهب التناسخ ويُؤدِّي هذا الاعتقاد إلى الإيمان بالتناسخ، وهو مذهب عتيق يقول به أهلُ الهند، وقد كثر في جماعة من الشّيعة، نسأل الله التوفيق والكفاية. وينشد لرجل من النصُّيرية َـينـَـة َ فـــارَهْ َـنـا سُكـ اعْـجَـبــي أمَّـنــا لـصَـرْفِ الـلّـيــاليجـعَـلتْ أخْـتـ فـازْجُــري هـذهِ السّـنـانـيرَ عـنـهـاواتْــرُكـيـهـا ومـــا تضُــمُّ الـغِـرارَهْ وقال آخر منهم: تــبــاركَ الــلــه كــاشِـــــفُ المِــحَـــــنِفـقـد أرانـا عَـجائِـبَ الـزّمَـنِ َــنِ حـمـارُ شــيبــانَ شيـــخِ بـلـدتِـنـاصُـيِّـــرَهُ جــارُنـــا أبــو السـكـ َّــتِــهمِشـْيَـتـَه فـي الـحِــزام والـرّسَـــنِ ْــيِــه بحُــلـ بُــــدِّلَ مِـن مَـشـ ويصوّر لهم الرأي الفاسد أباطيلَ ومُشبَّهات، فيسلكون في الفجور والترهات. وحُكى لي عن بعض ملوك الهند، وكان شابّاً حسن الصورة، أنّه أصيب بالجدري، فنظر إلى وجهه في المرآة وقد تغير، فأحرق نفسه وقال: أريد أن ينقلني الله إلى صورة أحسن من هذه. وحدثني قومٌ من الفقهاء، أنّهم كانوا في بلاد محمود، وكان معه جماعة من الهند قد وثق بصفائهم، يفيض عليهم الأعطية لوفائهم، ويكونون أقرب الجند إليه إذا حلّ وإذا ارتحل، وأن رجلاً منهم سافر في جيشٍ جهزه محمود، فجاء خبره أنّه قد هلك بموت أو قتل، فجمعت امرأته لها حطباً كثيراً، وأوقدت ناراً عظيمة واقتحمتها والنّاس ينظرون، وكان ذلك الخبر باطلاً، فلمّا قدم الزّوج أوقد له ناراً عالية اللهب ليحرق نفسه حتى يلحق بصاحبته، فاجتمع خلق كثير للنّظر إليه، وأنّ أصحابه من الهند كانوا يجيئون إليه فيوصونه بأشياء إلى أمواتهم: هذا إلى أبيه وهذا إلى أخيه. وجاءه النصيريون طائفة من الشيعة ينتسبون إلى محمد بن نصير البكري النميري الذي كان من معاصري الإمام الحادي عشر عند الشيعة الحسن العسكري. 1 تعتقد النصيرية بأن محمد بن نصير الباب الشرعي للإمام الحسن العسكري ولكن الشيعة يرفضون هذا
عدد الصفحات ٢٢٦226 إنسان منهم بوردة وقال: أعط هذه فلاناً يعني ميِّتاً له، وقذف نفسه في تلك النّار. وحدّث من شاهد إحراقهم نفوسهم أنّهم إذا لذعتهم النّار أرادوا الخروج، فيدفعهم من حضر إليها بالعصيّ والخشب. فلا إله إلاّ الله وفي الناس من يتظاهر بالمذهب ولا يعتقده، يتوصَّل به إلى الدنيا الفانية، وهي أغدر من الحمقاء الزّانية. وكان لهم في الغرب رجل يعرف بابن هانئ المعزّ أبي تميم معدٍّ، غُـلـُّوا عظيماً، حتى قال يخاطب صاحب المظلَّة: َـشـَـدَّ مازاحَـمْتَ تحتَ رِكابِـه جـِبْـريـلا أمُديرَها من حيثُ دارَ لـ وقال فيه وقد نزل بموضع يقال له رقَّادة ّــادة َالمَـســيـحُحَـــــلَّ بـهـــا آدمٌ ونـــوحُ حَـــــلَّ بـــــرَقـــ حَــــلّ بــهــا الــلــه ذو المــعـــــاليوكـــــلُّ شيءٍ سِـــــــواه ريـــــحُ فأنشده قصيدة أوَّلها: وحضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ابن أبي عامر صاحب الأندلس ما شِئتَ لا ما شــاءَتِ الأقــــدارُ فاحْـكُـمْ فأنـتَ الــواحِــدُ القهّــارُ ويقول فيها أشياء، فأنكر عليه ابن أبي عامر، وأمر بجلده ونفيه. وأعلى مراتب الحلاجّ أن يكون مشعوذاً، لا ثاقب الفهم ولا جهبذاً،على أنَّ طائفة من الصوفيَّة تعظمِّه، وهي تدرك حقيقة أمره وتفهمه. وأمّا ابن أبي عَون فإنهّ أخذ في لونٍ بعدَ لون، غُرَّ البائسُ بأبي جعفر، وما أدرك أنه حصد الهشيم الأوفر، وقد تجد الرّجل حاذقاً في الصناعة، بليغاً في النّظر والحجة، فإذا رجع إلى الدّيانة ألفيته كأنّه بهيمة أسلمت القياد، وإنمّا تتبع ما تعتاد. والتألـُّه موجودٌ في غريزة الإنسان، لكنه يقمعه بالعلم والإيمان، ويلقن الطّفل الناشئ ما سمعه سورة مريم89 الآية 1 م) أشعر المغاربة على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند أهل973 - 938 هـ362 - 326 محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي 2 المشرق، وكانا متعاصرين. ولد بإشبيلية وحظي عند صاحبها ، وفي شعره نزعة إسماعيلية بارزة. ثم اتصل بالمعز العبيدي (معدّ) ابن إسماعيل، وأقام عنده في المنصورية بقرب القيروان، ولما رحل المعز إلى مصر عاد ابن هانئ إلى إشبيلية فقتل غيلة. كم جنوبي غرب القيروان.10 رَقّادة تقع وسط البلاد التونسية وعلى مسافة 3 م) أصله من قبيلة معافر القحطانية، دخل كاتباً في خدمة الحكم الثاني، ونال رضى100هـ392 المنصور محمد بن أبي عامر( توفي 4 فلما مات الخليفة كان ابنه هشام في العاشرة من عمره، فحكم المنصور باسمه، واستبد بالأمور ستّاً وعشرين سنة حتى مقتله في إحدى المعارك. والبيت موجود في شعر ابن هانئ الأندلسي من قصيدة طويلة مدح بها المُعزّ الفاطمي.
عدد الصفحات ٢٢٧227 من الأكابر، فيلبث معه في الدّهر الغابر. والذين يسكنون في الصوامع، والمتعبدون في الجوامع، يأخذون ما هم عليه، كنقل الخبر عن المُخبِّر، لا يميَّزون الصدّق من الكذب لدى المفسِّر، فلو أنّ بعضهم ألفى أسرة من المجوس، لخرج للمجوس خديناً المجتهد ابتعد عن الإجادة، فما يظفر بغيرالبلادة. وإذا المعقول جُعِل رائداً، أفاد به من لم يكن معانداً، ولكن أين من يصبر على أحكام العقل، ويصقل فهمَه أفضل صقل؟ هيهات! عدم ذلك في مَن تطلعُ عليه الشمس، ومن ضمَّه في المقابر رمس، إلىّ أن يشذّ رجلٌ في البشر، يختص من فضلٍ منتشر. ربمّا لقينا مَن نظر في كتب الحكماء، وتبع بعض آثار القدماء، فألفيناه يستحسن قبيح الأمور، ويبتكر بلبّ مغمور، إنْ قدر على فظيعٍ ركِبه، وإن عرف واجباً تـنكـَّبه، كأنّ العالم سعوا له لينقاد، فهو يعتقد شرّ اعتقاد، وإنْ أودِع َوديعة كان خائناً، وإن سئل قال رأياً شائناً، وإن وصَف لعليلٍ دواءً فما يحفل أقتله بما قال، أم ضاعف عليه الأثقال، بل غرضه أن يكتسب، ويدعي أنه إلى الحكمة ينتسب. وربّ من يتهم بالجهالة أهلَ مِـلـَّة، وعِـلـَّـتُه الباطنة أدهى عِـلـَّة، وإن البشر لكما جاء في الكتاب العزيز والإمامية تقَّربوا بوجوهٍ بالترابِ تُعَـفـَّـر، فعدّه بعض المتدينة ذنباً ليس يُـغْـفـر، ويحضرالمجالسَ أناس طاغون، كأنهم للرّشد باغون، وأولئك، علم الله، أصحاب المَكـْر والبـِدع ، ومن لك بمن يرتدع! كم مُتظاهـِرٍ باعتزال، وهو مع المخالف في نزال، وما ينفـكُّ يرتكب من الآثام عظائم الأمور، ويقع بها في جوف التـَّنُور. ينهمك على العهر والفسوق، ويظعن بأحمال من الأوزار والموبقات ويسوق. يطيل السعيَ في النهّار واللّيل، ويُضمِرُ أنّ شيخ المعتزلة غيرُ طاهرِالرُّدن ولا الذّيل، فقد جعل الجَدلَ مصيدة، ينظم به الوالغ في غيِّهِ قصيدة. وحُـدِّثتُ عن إمام لهم يُوَقـَّرُ ويُـتـَّبَع، وكأنه من الجهل ما شبع، أنّه كان إذا جلس في مجلس سنة في إيران على تعاليم زرادشت، يعتقد معتنقوها بوجود إله واحد 3000 المجوسية أو الزرادشتية نسبة لمؤسسها 1 أزلي هو خالق الكون ويمثل الخير ولا يأتي منه الشر أبداً، وأن زرادشت نبي الله الذي بشّر بالقوة الشافية للعمل الصالح والقوة الخيرة. النار والشمس رمزا المجوسية، ولذلك فإن النار مقدسة لأنها تمثل نور أو حكمة أهورأمزدا، ويحرص الزرادشتيون على ألا تنطفئ في معابدهم، وهو ما جعل أصحاب الكثير من الديانات الأخرى يفسرونه على أن الزرادشتيين يعبدون النار. ديانة الصابئة هي أحد الأديان الإبراهيمية أول الأديان الموحدة، وأتباعها يتبعون أنبياء الله آدم، شيث، إدريس، نوح، يحيى، زكريا، وقد كانوا منتشرين في 2 بلاد الرافدين وفلسطين، ولا يزال بعضهم في العراق، وقد عاملهم المسلمون الفاتحون معاملة أهل الذمة الروم32 المؤمنون والآية53 الآية 3
عدد الصفحات ٢٢٨228 الشراب، ودارت عليهم الخمرة في ليل كجنح الغراب، وجاءه القدح شربه لم يترك بقية، وأشهدَ من حضَره على التوبة النقية. والأشعري إذا كـُشِف ظهرت العيوب بجلاء ، تلعنه الأرض الرّاكدة والسماء، إنّما مَثلـُه مثلُ راعٍ أغنامه كثيرة، ويخبط في الدهماء بلا بصيرة، لا يحفِـل علامَ هجم بها، يريدها أن ترعى من البقعة الأعشاب، ولا يضمن أن تُلِمَّ بها الذئاب،ولا تحميها من الموت الكلاب! فمن له أيسر عقل من الأفهام، كأنمّا وضع في دجى الظلام، إلا من عصمه الله باتباع السّلف، وتحمل ما يشرع من الكلف: ُدْنِ، لا تدري متى حتفُها البُدْنُ ُـفْـرانَ لـلـهِ ربـِّـنـا،لكالب وإنّـا، ولا كـ ، وهو من باهلة، كان من علية أصحاب جعفر والشيعة يزعمون أنَّ عبد الله بن ميمون القدّاح بن محمدٍ عليه السلام يروون عنه ويقولون: حدّثنا عبد الله بن ميمون القدّاح كأحسن ما كان، أي قبل أن يرتدّ، ويروون له: َـــر هاتِ اسْقِـني الخـمرة َيا سـَـنْـبَـرُفـلـيس عِـنـدي أنَّـنـي أنْـشـ َــرُ؟ َـــةٍيَـغُـرُّهـا مِـن ديـنِـهـا جَـعْـفـ أما تـرى الـشِّـيـعَـةَ في فِـتْـنـ ُـمَّ بـدا لـي خـَـبَـــرٌ يُـسْــتـَــرُ ُنـتُ مَـغْـروراً بـهِ بُـرْهَــةًثـ قـد كـ وممّا ينسب إليه: َخْـلـُـبُ مَـشَـيْـتُ إلى جَـعْـفـَـرٍ حِـقْـبَــةًفألْـفـَـيْــتُـــه خـادعــاً يـ يَـجُــرُّ الـعــلاءَ إلى نَـفْـسـِــــهوكُلٌّ إلى حَــبْــلــِــهِ يَــجْـــذُبُ فـلَو كانَ أمْـرُكُــمُ صـادِقـــــاًلما ظَـلَّ مَـقُـتـولُكُمْ يُـسْــحَـبُ ُـم يَخْـطـُـبُ ُمْ عَـتـيقٌ ولاسَـمـا عُـمَـرٌ فـوقـكـ َضَّ مِـنْـكـ ولا غـ م، وسمي قداحاً لأنه كان كحّالاً يقدح العين إذا نزل فيها الماء. وقيل إن المهدي قُتِل في السجن، فدخل أبو 889هـ276 عبد الله بن ميمون القداح توفي 1 عبد الله إلى السجن فوجد المهدي مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فأخرجه وقال: هذا هو المهدي، وكان هذا بداية الدولة العبيدية ثم الخلافة الفاطمية التي قضى عليها صلاح الدين الأيوبي. - 80 جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، أحد الأئمة على مذهب الإمامية 2 م)، كان من سادات أهل البيت ولقب بالصادق لصدقه في مقالته ، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه جابر بن768 -703هـ148 حيان قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة
عدد الصفحات ٢٢٩229 الحلولية والتناسخ والحُلوليّهّ قريبة من مذهب التناسخ، وحُـدِّثت عن رجلٍ من رؤساء المنجمين من أهل حرّان أقام في بلدنا زماناً، فخرج مرّة مع قومٍ يتنزهون، فمروا بثورٍ ، فقال لأصحابه: لا أشك في أنّ هذا الثور رجل كان يعرف بخلفٍ بحَرّان، وجعل يصيح به: يا خلف، فـيتـَّـفِـق أن يخور ذلك الثـور، فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى صحَّة ما خبرتكم به؟ وحكي لي عن رجلٍ آخر ممّن يقول بالتنّاسخ أنّه قال: رأيت في النّوم أبي وهو يقول لي: يا بنيّ، إنّ روحي قد نقلت إلى جملٍ أعور في قافلة فلانٍ، وإنيّ قد اشتهيت بِطيخة. قال: فأخذت بِطيخة، وسألت عن تلك القافلة، فوجدت فيها جملاً أعور، فدنوت منه بالبِطيخة، فأخذها أخذ من يشتهيها. أفلا يرى مولاي الشّيخ إلى ما رُمي به هؤلاء البشر من سوء التفكير، وتحيزهم إلى ما لا يقبله عقل طفل صغير؟ وأمّا ابن الرّاوندي فلم يكن إلى المصلحة بمهديّ، وأمّا تاجه فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذابٍ وغْلاً أي ملجأ، قال ذو الرّمة: ُلــُّهـا هِـيَــمُ َجَها مَخافـة َالـرّمْي حتى كـ َجْنـ حتّى إذا لم يجـِدْ وَغْـلاً ونـ ويجـوز أن يكون تاجه من العـقارب، فـما كان المحسـن ولا المُقارب، فـكيـف له إذا تُوِّج بالسـيـوف، وقـُرعـت لمصرعـه الطـبـول والدفـوف؟ وهـل تاجُه إلا كما قـالـت الكاهـنـة: أ ُفّ ؟ قـيل: وما جَورَبٌ وخُفّ؟ قالت واديان بجهنم. ما تاجه كتيجان الملوك، وتُـفّ، وجَوربٌ وخُف وما هو إلا دَعِيٌّ صعلوك، ولا اتـُّخِذ من الذّهب، وسوف يكون على رأسه من اللهَب، ولا نظم من الدُرّ، بل وقعَ من عَـناءٍ بقـُرّ، يقال: صابت بـقـُرٍ، إذا وقعت في موضِعِها، وأكثر ما يُستعمل ذلك في الشرّ. قال الشاعر تُـرجّـيهــا وَقـد صابَـت بِـقُرٍّكما تـرجو أَصاغِـرَها عَـتـيـبُ أُفٍّ لـهُ، وتُفٍّ لهُ. الأفُّ: وَسَخُ الأُذْنِ، والتــُّفُّ: وَسَخُ الأظـْـفارِ. والأصل أن الخف ما يُنتـَعَل، والجورب ما يرتديه المرء في قدميه. 1 البيت لعدي بن زيد 2
عدد الصفحات ٢٣٠230 ما هو كتاج كِسرى، وما قاده إلا إلى سوء المسرى، ولا تاج الملك أنوشَروان، فأثـقـله وجرَّ الهوان، ذلك تاجُ فرسٍ أسرع،فقاد صاحبه إلى المصرع. ليس هو كتاجِ المنذر، ولكن لطمة من الهلاك تحذِّر، ولا هو كخرزات النعّمان، بل شَيْنٌ يُدَّخر في الأزمان وأمّا كتابه الذي سمّاه “الدامغ” فما أحسبه دمَغ إلاّ من ألـَّـفه، فأذلـَّـه وما شرَّفه. وفي العرب رجلٌ يُعرف بدميغ الشيطان، وهذا الرّجل كالضعيف من الخيطان. وإنمّا المُنكـَر، أنَّه في الآونة يُذكـر. دلّ مِمَّن وضعه على ضعفِ دماغ، فهل يسمع لصوتٍ ماغٍ؟ من قولهم: مَـغـَـت الهـِرّة إذا صاحت. رماني بــأمْـرٍ كـنـتُ مِنــه ووالـــدي بــرِياً ومـن جَــوْل الطَّـوِيِّ رمـا لقد طاش منه صوابه، وطال في الآخرة عذابه. لقد شان راوند إذ انتسب إليها، وما عاد بغير العار عليها، إنمّا هتك عن نفسه الأسرار، وأبان لكل ذي نظر أنه ليس من الأبرار. لقد أجمع من كفر ومن اهتدى، ومن ضلَّ عن الصراط ومن اقتدى، على أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كتابٌ بهَرَ بالمعجزة، آياته محكمة معززة. ما كـُتِب على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال. ما هو من القصيد الموزون، وليس محمد شاعراً ولا يجوز أن يكون. ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهان ذوي الأرب. وجاء كالشمس الساطعة، نوراً للقلوب الخاشعة، لو فهمه الجبل الراسخ لتصدع، أو سمعته الوعول لم تفزع: “ لوْ أنْزَلـْنا هَذا القُرْآنَ عـلى جَبَـلٍ لـَرَأيْـتـَـهُ خاشِعاُ مُتصَدِّعاً مِن خَـشْـيَــةِ الـلـهِ وتِـلـكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لـلنّـاسِ لـعَـلـَّـهُـمْ يَـتَـفـَـكـَّـرُون الآية منه أو بعضَ الآية، تقارنها بأفصح كلم يقدرعليه المخلوقون، فتكون فيه كالشَّهابِ المُتلألئِ في جُنح غسق، والزّهرة البادية في واحات ذات نسق النعمان والمنذر بن ماء السماء من ملوك الحيرة 1 البيت لعمرو بن أحمر الباهلي وسبقت ترجمته 2 سورة الحشر2 الآية 3 سورة المؤمنون14 الآية 4
عدد الصفحات ٢٣١231 ابن الرّاومي وأمّا ابن الرّومي فهو أحد من يقال: إنّ أدبه كان أكثر من عقله، وكان يتعاطى علم الفلسفة، والبغداديّون يدّعون انّه متشّيع، ويستشهدون على ذلك بقصيدته الجيميَّة، وما أراه إلاّعلى مذهب غيره من الشعراء. ومن كان متطـيِّراً يتشـاءم، لم ير إلاّ الشر حتى في النسـائم، وإنمّا هو شرُّ فيه يتعثر، وللأنفس أجلٌ مقدَّر، وكلّ ذلك خوفاً من الموت الذي هو حق على الإنسان والحيوان، محتـومٌ لقاؤه في كلّ أوان. وفي النّاس من يظنّ أنّ الشيء إذا قيل جاز أن يقع، ولذلك قالت العامّة: الخوف أوّلُ الكون. ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، تمَثـَّل بهذا البيت ولم يُتمِّمْه: ُنْ، فـلقـلـَّمايُـقـال لــشيءٍ كان إلاّ تـحَقّـقـا تفاءلْ بما تهوى يكـ ومهما ذهب إليه اللّبيب، فالخير في هذه الدّنيا قليل جدّاً، والشرّ يزيد عليه بأجزاءٍ ليست معدودة، وما أشبه ذوي التقى بالعُصاة، كُلّهم إلى التـَّـلف يُساقـون، يلقون أقدارهم ولا يعاقون، ولعلّ الله، جلّت قدرته، يميزهم في ما إليه ينقلبون، ويسعفهم بما يطلبون. وقال علقمة: ومــن تــعــرَّضَ للغِربانِ يزجرُهاعـلى سـلامَـتِه لا بـدَّ مَـشـْـؤومُ وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبار كثيرة تدل على كراهة الاسم الذي ليس بحَسنٍ، مثل مُرّة وشِهاب والحُباب لأنّه يتأوَّلـُه في معنى الحّية. ونحو من حكاية ابن الرّومي التي حكاها النّاجم ما حُكي عن امرأة من العرب أنّها قالت للأخرى: سمّاني أبي غاضِية، وإنمّا تلك نارُ الغضى، فالحمدُ لربيّ على ما قضى، وتزوجت من بني جَمرة َرجلاً أحْرَق، وما أمْرَق. أي لم يكثر مَرَقُه وكان اسمه تـَورَباً، والتـَوربُ هو التراب، فشمتت بي الأتراب، وكان أبوه يدعى جندلة وهو الحجر والحجارة جندل، فما شممت رائحة البخور ولا المندل، وكان اسم أمّه سَوّارة، فلم تزل تواثبني في العداوة، ولا أجد للعيش معها نداوة.
عدد الصفحات ٢٣٢232 فقالت الأخرى: أما أنا فسّماني أبي صافية، فصفوتُ من كُلِّ قذى، وجُنِّبتُ مواقع الأذى، وزوجّني في بني سعدِ بن بَـكـْر فبَـكـَّر عليّ السعد، وأنجز لي الوعد. واسم زوجي مُحاسِن، جُزِيَ الصّالحات، فقد حاسَن وما لاسَن، واسم أبيه وقّاف، رعاه الله، فـقـد وقـف عليَّ خيرَه، وأكثر لديّ مَيْرَه، وهو الطعام، واسم أمّه راضِية، رضيت عني وعن أخلاقي، ولم تحرض ابنها على طلاقي. والمتطير من الناس إن رأى طيراً يطير، خاف واستطير، وإن رأى حمامة من الحمام، لم يذكر سوى الحِمام وهو الموت الذي سيلقاه الأنام، كما قال الطائي أبو تمـّام: هُنّ الحَمامُ، فإن كسرَْت، عِـيافة مِـن حائِـهــِنّ، فـإنّـهــنَّ حِــمــامُ ولهذه الطوّية جعل ابن الرّومي جعفراً من الجوع والفرار ولو هدي صرفه إلى النهر الجرار، لأن الجعفر النّهر الكثير الماء، ولكنّ إخوان هذه الخليقة، لا يحملون الأشياء الواردة على الحقيقة. وأراد بعضهم السَّفر في أوَّل السنَّة فقال: إن سافرتُ في المُحَرَّم، كنتُ جديراً أن أحْرَم، وإن رحلت في صفر، كنت الغني الذي افتقر، فأخّر سفره إلى شهر ربيعٍ، فلمّا سافر مرض ولم يُوَفـَّق في سفره، فقال: ظننته من ربيع الرِّياض، فإذا هو من ربيع الأمراض.
عدد الصفحات ٢٣٣233 أبو تمام والدين وأما أبو تمّام، فما أمسك من الدّين بزمام، والحكاية عن ابْن رجاءٍ مشهورة، والأبصار بها مبهورة. فإن قـُـذِف في النّار حبيب، فما يغني المَدح ولا النسيب. ولو أنَّ القصائد لها صوت، وتشكو بعد فوات الفوت، لأقامت عليه الممدودتان اللتّان في أوّلِ ديوانِه، مأتماً يعجب الناس لأحزانه. فناحتا عليه كابنتي لبيد، وقد جرَّعَهُما الثـُكل مرارة الحنظل أو تزيد، وقالتا ما أوصاهما بقوله: وقـولا: هـو الـمـرءُ الـذي لا حريـمَـهأضـاع َ ولا خان الصـديـقَ ولا غـَـدَرْ إلى الحَـوْلِ ثـُمّ اسْـم السَّـلام عَـلـيكـماومن يَبْك حَولاً كاملاً فـقـدِ اعْـتَـذرْ وكأنّي بهما لو قضي ذلك، لاجتمعت إليهما الممدودات، كما تجتمع نساء معدودات. فيجئـن من كلّ مُـسْتـقـَـرّ، ويتواعـدنَ المأتم بعـويل غـيـر محـتـقـَـر. ولو فعـلن ذلك لبارتهن البائيات بمأتم أعظم رنيناً، وأشد في الظلام حنيناً، كما قال َّوحِ الحُلـوقُ َـتْ مِن النـ ْــرٍفـقـد صَحِلـ َجـ ِّـيـاحَ بـكلِّ فـ يُـجـاوِبْــن الـنـ وإذا كان مأتم الممدودات في مائة ممّن يُعِدُّهُـنَّ ويطابق، وجب أن يكون مأتم البائيّات في آلافٍ من السوابق، لأنَّ الباء في الرَويِّ طريق معهود، والمد في القصائد سبيل مشهود. وتجيء الثـائيتان وكلتاهما كابْنة الظلام، وتبادرك في حالك القتام. ولو صوَّرتا من الآدميات، لزادتا على قينتي ، وإنّ الثاء لقليلة كرَوِيٍّ في شعر العرب، إلاّ أنَّهما تستعينان قصيدة ابْنِ خـَطـَلٍ في المرئيّات كُثـَـيِّـرٍ المفضل بن معشر بن أسحم النُكري: شاعر جاهلي من أصحاب المنصفات قال ابن سلاّم في سبب تلقيبه بالمفضل: فضّلته قصيدته التي يقال لها المنصفة 1 وأولها ألـَمْ تـَـرَ أنَّ جـيرتـَـنا اسْـتـقـَلـّوا فـنِـيَّـتُـنـــا ونـيَّــتُـهُــــمْ فَـريــقُ وليس له غيرها في كتب التراث. عبد الله بن خـَطـَل، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، لأنه كان مسلماً، ثم ارتد، وكانت له قينتان هما 2 « م) شاعر متيم مشهور، من أهل المدينة، اشتهر بحبه لعزة فعرف بها723 - 660 هـ105 - 40 كثير بن عبد الرحمن من خزاعة 3
عدد الصفحات ٢٣٤234 حــبــالُ سَــلامَــة َأضْــحــتْ رِثــاثــافـسَـقـْياً لها جُـــــدُداً أو رِماثا وبأراجيز رؤبة بن العجاج وما كان نحوها من القوافي المُتكلـَّـفة، والأشعار المُتعسَّـفة. فأمّا الدّاليات والرّائيّات وما بني على الحروف اللينة كالميم والعين واللام، وما جرى مَجراهُـنُّ، فلو اجتمع كلُّ حيّزٍ منهن وهو فِراد، لضاق عنهن الإيراد. وزِدْن على ما ذُكِر أنّه اجتمع في جنازة أحمد بن حنبل يجتمع في الجاهلية ولا الإسلام جمعٌ أكثرُ ممّا اجتمع في موت أحمد، قُــدِّرَالرّجال بألف ألفٍ، والنسّاء بستـِّمائة ألفٍ، والله العالم بيقين الأشياء. وإن كان حبيبٌ ضيَّع الصلوات، فإنّه ضالٌّ بالفلوات، ما كادَ فيها عدواً، ولا بلغ مرادَه رَواحاً أوغُدواً. ينكص عن عدوه بالقهر، كل من ضيَّع صلاة الظهر. وكم مِن قصرٍ، يُشيَّد في الجنة بصلاة العصر، ومسكٍ في الجنة فوّاح، لمصلـِّي المغرب قبل الرواح، وحُورٍ أنْشِئنَ ببديع الإنشاء، لمن حافظ على صلاة العشاء، وقد جاء في الحديث النهَّي أن تسمى العتمة. وقد جاء في الحديث اسم بنت الشيطان وإنَّي لأضن بتلك الأوصال، أن يكون صاحبُها قد جالَ في سقر وَصال، لأنه كان صاحب طريقةٍ مبتدعة، ومعان كاللّؤلؤ مُخترَعة، يستخرجها من غامض البحار، ويفض عنها المحار. وإن ابتدره خازن النارمالك، فقد نبذ في المَهالِك، فليته كالجَعْديّ، أو سلك به مسلك عديّ، أوكان مذهبه مذهب حاتم، فقد كان ذا خلق متألـِّهاً، وبالكريم من الأخلاق مُتولـِّهاً، وقال َّـفُ ُّني ماوِيَّ بَـيـتٌ مُـسَـقـ َواءُ لـَمَـيِّـتٌوَيَـضُمـ وإنيّ وإِن طالَ الثـ أو ليته لحق بزيد بنِ مهلهلٍ، قد وفد على النبيّ صلى الله عليه وسلم، و طرح عنه ثوب الغبيّ. م) كان إمام المحدثين، قال عنه الإمام الشافعي عندما ارتحل إلى مصر،: خرجت من بغداد وما خلفت بها 855 -780هـ241-164 الإمام أحمد بن حنبل 1 أتقى ولا أفقه من ابن حنبل ورد الشطر الأول: وإني لمـُجْزىً بما أنا عاملٌ 2
عدد الصفحات ٢٣٥235 الإفشين والمازيار وأمّا المازيار، فغـَويٌّ بالسَّفهِ سيّار، وحسبه ما يتجرّعُ من الحميم، ويحتمل من المقال الذميم، وقد خلد له في الكتب ما يوجب لعنه إلى يوم الدّين، فكان في جهنم من الخالدين، ورحم الله ابن أبي دؤاد، فلقد شفى الأنفس من شر العباد، وكشف حال الأفشين، فعلم أنّه آلِف شيْنٍ، مخالفُ رشادٍ وزَيْن.
عدد الصفحات ٢٣٦236 بابك وبابك فتح باب الطـّغيان، فتبعه شرار الرّعيان، وأظن محاربته، عليه اللعنة، أفضل جهادٍ عُـرِف، وذنبَه أكبرَ ذنبٍ اقْـتُـرِف. ولعلـّه يودُّ في الآخرة أنّه جُرِح عن كلّ من قُتِل في أوانه مائة جرح، ومـُلِئَ كلُّ جرحٍ منها بالملح، ثم خلص من العذاب الذي لا يطاق، واستنقذ عنقـَه من النطاق. وكلّ ساعٍ للدنيا الفانية لا بدّ له من الندَم، حين يفارقها وحين تُحـشـَر الأمم، فذمّنا لها يُحسَب من الضّلال، كما تمنّى القناعة أخو الفقر والإقلال. نذمّها على غير جناية، ولم تخصَّ أحداً بالعناية، بل أبناؤها في المِحن سواء، لا تُسعِفْهم الأهواء، فرب حاملٍ حزمة من الحطب، يشكو من الضيق والعطب، يعجز ثمنها عن شراء القوت، ويكابد شظفَ عيشٍ ممْقوت، تنغرس الأشواك في قدمه، فتختضب الحزمة بدمه، وهو أقل هموماً من الجالس على السرير، ينعم برشأ غرير، يُجمع له الذهب من غير الحلال، بظلم الأمم بطرق من الضلال، وإذا ملأ بطنه من طعام فاخر، وسبح في بحرٍ من الترف زاخر، فنعمه تلك ولذاتُه، تأتيه منها أذاتُه، يأخذه القدر على غُفولٍ، وغاية كل سَفر إلى قُفول. وما يدري العاقل، إذا افتكر، أيُّ الشخصين أفضل: أربيب غنى عليه إكليل، أم مُملقٌ ظله في الهلاك ظليل؟ كلاهما بلغ آراباً، وأحدهما يأكل تراباً، والآخر يُسقى شهي الراح، وتحفل حياته بالأفراح. وما علِمنا النّسك يأتي بالوقاية، ولا في الأسباب الرّافعة الحماية، والناس في دنياهم عاملون، أخطأهم ما هم آملون، ما آمن أن تأتي الآخرة بالأرزاق، فتخضر الشجرة بالأوراق ، على أن السّرَّ غائب، وكلنا في التماس النجاة خائب، والجاهل وفوق الجاهل، من ادّعى المعرفة بالمناهل، واللّعنة على الكاذبين.
عدد الصفحات ٢٣٧237 الكيسانية أمّا الذين يدّعون في عليّ، عليه السلام، ما يدعون، فتلك ضلالة قديمة قدم الإنسان، وبحار من الغواية ليس لها شطآن، وقد نُفيَ عبد الله بن سبأ محمد بن الحنفية عجيب، لا يصدق بمثله نجيب، في طريق مكّة في اللَّيلة التي مات فيها، فقال: قاتل الله الحُمَـيِّـريَّ، لو رأى هذه النّار لظن أنها نار محمد بن الحنفية وتجبى إليه الأموال الجمّة، ويحمل إلى السّلطان منها قسماً وافراً، ليكون بما طلب ظافراً، وهو إذا كشف ساقط لا يستنير ، يبذّه إلى الفضل مؤجِّر الحمير. وحُـدِّثت أنّ امرأة بالكوفة يدعى لها مثل ذلك. - عبد الله بن سبأ: رأس الطائفة السبئية، وهو الذي قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنت الإله! فنفاه عليٌّ إلى المدائن، فلما قتل علي كرم الله 1 1 وجهه زعم عبد الله بن سبأ أنه لم يمت لأن فيه جزءاً إلهياً. وقيل إنه كان يهودياً وأسلم. وهو أول من أظهر القول بالرفض وبإمامة علي، ومنه تشعبت فرق الضلال. واجتمعت عليه جماعة، هم أول فرقةٍ قالت بالتوقف وبالرجعة بعد الغيبة. هـ)، كان كثير العلم والورع، وكان شديد القوة، وله في ذلك أخبار 81-16 أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، المعروف بابن الحنفية 2 عجيبة وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، وكيسان لقب المختار المذكور، وقيل: كيسان مولى علي رضي الله عنه. والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، وإنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلاً. م)، كان شاعراً محسناً كثير القول، له مدائح جمة في أهل البيت 789-723هـ173-105 إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة المعروف بالسيد الحميري 3 عليهم السلام،قال له بشار بن برد: لولا أن الله تعالى شغلك بمديح أهل البيت لافتقرنا. وكان يرى رأي الكيسانية ، وكان كثير الشاعر يرى هذا الرأي، ويقال: إن السيد اجتمع بجعفرالصادق فعرَّفه خطأه وأنه على ضلالة فرجع وأناب.
عدد الصفحات ٢٣٨238 ابن الراوندي وقد سمعت من يخبر أنّ لابن الرّاوندي أتباعاً يذكرون أنّ اللاهّوت سكنـَه، وأنّه من العلم مكـَّنـَه، ويخترعون له فضائل يشهد الخالق والمخلوق ، أنّ كذبها غير مسبوق، وهو في هذا أحد الكفرة، لا يُحسَبُ من الكرامِ البَرَرة، فلو مات الفطِنُ كمَداً لما عتب عليه أحَد، فأين مهربُ العاقلِ من شقاءٍ أكبر من أحُد؟! أكلـَّما خدع مُخادع، أرسِلت من الكفْرِ مصادع؟ والمصادع: السهام، وما جهرت بسفيهٍ دعواه، إلا وافق جهولاً عواه، أي عطفه.
عدد الصفحات ٢٣٩239 مدعي النبوة وقد ظهر في الضيعةِ المعروفة بالنـَّيْـرب المقاربة لسَرْمين رجل يعرف بأبي جوف، لا يستترمن الجهل بحوف، والحوف إزار صغيرمن جلد مشقق الأطراف تأتزِرُ به الجارية وهي صغيرة، وكان يدَّعي النـُّبُـوَّة، وكان له قطن في بيت فقال: إنّ قطني لا يحترق وأمر ابنه أن يُدني سِراجاً إليه، ففعل وشبت في القطن النار، وصرخت النّساء، واجتمعت الجيرة، وإنما الغرضُ إطفاء. وحدَّثني مَن حضره، أنّه كان يكثر الضّحِك بغير مُوجِب، ولا عند حَدثٍ أو حديث يُعجِب، فقيل له: ممّ تضحك؟ فقال كلاماً معناه: إنّ الإنسانَ ليفرحُ بهيّنٍ قليل، فكيف من وصل إلى العطاء الجليل؟ وكان بَـيِّـنَ الجنون، ليس الخبل فيه بالمكنون، فاتــَّـبَـعَه الأغبياء، وكذّب ما يقوله الأنبياء، حتى قتله والي حلب، حرسها الله، وذلك بعد مقتل البطريق المعروف بالدَّوقس في بلد أفامية، وكان الذي حثّ على قتلِه جيش بن محمد بن حمصامة لأنّ خبرَه وصل إليه، فأرسل إلى سلطان حلب، حرسها الله، يقول: اقتله وإلاّ أنفذت إليه من يقـتـُله، وكان السّلطان يتهاون به لأنّه حقير، ورُبَّ شاةٍ نتج منها الوقير، أي قطيع الغنم. وبعض الشّيعة يحدّث أنّ سلمان الفارسيّ ومعه نفر جاؤوا يطلبون عليّ بن أبي طالبٍ، سلام الله عليه، فلم يجدوه في منزله، فبينما هم كذلك لمع البارق وتبعه الرعد، وإذاعليٌ قد نزل على سطح البيت، في يده سيف مخضوب بالدّم، فقال: وقع خلاف بين فئتين من الملائكة، فصعدت إلى السماء لأصلح بينهما! والذين يقولون هذه المقالة يعتقدون أن الحسن والحسين ليسا من ولده، فحاق بهم العذاب الأليم. أفلا يَرى إلى هذه الأمّة كيف افْـتنَّت في الضّلالة، كافتنانِ الرّبيع في إخراج المرعى، والظباء في رزقها تسعى؟ وللكذِبِ سوقٌ ليست للصِدْق، تجعل الأسد والثعلب صِنوَيْن لا فرق.
عدد الصفحات ٢٤٠240 ------------------------------------------------------- تقريباً،380- محمد وسعيد ابنا هاشم بن وعلة الخالدي الموصلي، وكانا شاعرين اشتركا في كثير من الشعر ونسب إليهما معاً وكلاهما من خواص سيف الدولة بن حمدان، والخالدية قرية من عمل الموصل، توفي محمد سنة1 وكانا مع ذلِكَ إذا استحسنا شيئاً غصباه صاحبَه حياً كانَ أو ميتاً، لا عجزاً منهما عن قول الشعر، ولكن كذا كانَ طبعهما، ولهما تصانيف، منها حماسة شعر المحدثين، كتاب أخبار الموصل، كتاب أخبار أبي تمّام ومحاسن شعره، اختيار شعر ابن الرومي، اختيار شعر البحتري، اختيار شعر مسلم بن الوليد وأخباره، الأشباه والنظائر وهو جيّد، والهدايا والتحف، الديارات. خوف الشيخوخة وأمّا الذي ذكره من بلوغ السِّنِّ، فإن الله سبحانه، خلق مقراً ومشهداً، ورغبة في العاجلة وزُهـداً، وإذا اللّبيبُ أنعمَ النّظر، لم ير الحياة تجذبه إلاّ إلى الضَّرر، فالمقيم كأخي ارْتحال، لا تثبت الأمور به على حال: إمْساء وصبح يتبسّم ، لا يلبث معهما العمر يتقدم، كأنّهما ذئبان ضاريان، والعمر قطعان يتبع بعضها بعضاً، وهما على الأغنام السّارحة يغيران، فيفنيان القِطعان، ويُعملان فيها الأنياب نهشاً وعضاً. وإن كان، مكـَّن اللهُ وطأةَ الأدبِ ببقائِه، قد افتقد الشبيبة فإنما أنفقها في طلب آدابٍ وعلومٍ، وهو في هذا محمودٌ غيرُ مَـلوم، ولو كان لها على الحَيِّ ثبات، تشبثت بنفسه النفّيسة حتى الممات، ولكنها بعضُ الأعراض، لا تشعر بالحياة ولا الانقراض. وإذا كنّا على ذمِّ هذه المنزلة مجمعين، ولفراقها مزمعين، فلم نأسف على نأي هذه الدنيا الخوّانة؟ إن الأَشاءَةَ لـَمِن العَـوَانـَة، والأشاءَةُ النخّلةُ الصغيرة، والعَـوَانة النخّلة الطـّويلة، ومتى أخلص الإنسان وهو قرينُ الغـَفْـلةِ التوبة، وإن أذنب نـَوبَة بعد نوبة، فإنها تغسل ذنوبه غــَسْـلَ النّساء صوفَ الأغنام، في نهر يجري مدى الأيام ، غيَّر لونـَه الوسخُ الكثير ، فوجب غسْـلـُه للتطهير ، وكان قد أخذ عن بـِيضِ أغنامٍ ، تفوق ما يرتع حولها من الأنعام ، فعاد وكأنه كافور الطـِّيب، أو ما ضحك من كافورٍ رطيب، والكافور: زهر النخلة، وقيل هو وِعاءُ الطَّلعة. فأمّا الغانيات بعد السَّبعين، فالأشيبُ لديهن يُعانُ ولا يُعين، وقد حُكِي أنّ أبا عمرو بن العلاء كان يخضب لِحيَـتـَه، فاشتكى وجعاً في بعض الأيام، فعاده بعض أصحابه، قال: تقومُ إن شاءَ اللهُ تعالى من عِـلـَّتِـك. فقال: ما آمُلُ بعد سِتٍ وثمانين. وعاد إليه وقد تماثل للشفاء، فقال أبو عمرو: لا تحدِّثْ بما قُـلتُ لك. وهذا من ظريف مارُوي، رَغِـبَ في تمويهٍ بالخِضاب، وكتمَ سِـنـَّهُ عنْ كلِّ الأصحاب. وقد تحدّث بعضُ طلاّب الأدب انّه، أدامَ الـلـهُ تزيينَ المحافلِ بحضورِه، ذكر التزويج يريد من تخدمُه، فسرني ذلك، لأنّه دلَّ على نيَّـتِه الإقامة َبالوطن، وفي قُربِه الفرحةُ لذوي الفِطن. إذ كان كالشّجَرة الوارفِ ظلالـُها كالطيف، والبارد هواؤها في حرِّ الصيف، والطّيِّب ثمرها لمن طـَعِمها،
عدد الصفحات ٢٤١