المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة الغفران

غير معروف

صفحة ١٣ من ١٩

193 فالحمد لله الذي أعاد البارق إلى غمام آخر الشتاء، وجعله بريقاً لحُليِّ السماء، وإنَّ حلبَ المنصورة لتحتاج إلى من يعرف قليلاً من علم، في أيَّام المحاربة والسِّلم، فما باله شيّد الله به الآداب، بأن يزيده في المدة، وأن يجعلها منفعة ممتدة. وإني لأعجب من تمالؤ جماعة، على أمرٍ ليس بالحسن ولا الطاعة، ولا ثبت له يقينٌ، فيُخرِجُ جوهرَه الفعلُ المكين. قد كدت ألحقُ برهْطِ العَدم، من غير الأسف ولا النـَّدَم، ولكنَّما أخشى قدومي على جبَّار السموات، ولم أصلح نخلي بإبرة أو غيرها من الأدوات. قيل لبعض الحكماء: إنَّ فلاناً قتل نفسه قبل أن يُـجَنّ، ولم يطق في الدّار الخالية أن يَـذِلَّ ويُمتهن، وكره أن يمارِسَ الذنوب والشـُّرور، وأحبَّ الانتقال إلى منازل السُّرور، فقال الحكيم قولاً معناه: أخطأ ذلك الشابُّ وهو من العمر في مُقـْتـَبَل، ولهُ ولأمِّه الغباء والهبل، هلاّ صبر على صُروف الزَّمان، وهل يعلمُ ما يخبئُ القدرُ إنسان؟ فإنَّه لا ُيشعر علامَ أقدَم، وكلُّ بيتٍ يُبنى ويُهدَم! ولولا حكمة الله جلَّت قدرته، وأنـَّه حجز الرَّجلَ عن الموت المُحتـَّم، بالخوف من الضُّرِّ والألم ، لرغِبَ كلُّ من احتدم به الغضب، وكلَّ عن ضريبة الحياة واجتنب، أن يُسقى من الموتِ كأساً، والله العالم بما يأسى.

عدد الصفحات ١٩٤

194 أبو القطران الفقعسي وأمَّا أبو القطِران الفقعسيّ، بالنساء والتشبيب، وما أشكُّ أنّ الشّيخ، أقرّ الله عينَ الأدب بالزَّيادة في عمره، أشدّ شوقاً إلى أحمد بن يحيى مع صممِه وخوف الوعيد، وهو ذلك المتهيّم إلى وحشيّة ابنة عمه، حتى صارت كل همِّه، يتذكر ثغراً كالياقوت، وخدّا ًيظن مَن لثمه لن يموت، وإنَّما ودُّ الغانيات خلابٌ وخداعٌ، وللغمِّ في هواه ابتداعٌ. ولو هلكت تلك المرأة قبل المرّار ، لعاش العمر في ضيق ومَرار، لاسيما بعد التقدم في السِنّ، وما يعتري الجسمَ من الوهن. ولعلّ ابا القطران لو مُتـِّع بهذه المذكورة سنين بلا عدد، على غير خوف من رقابة من أحد ، لجاز أن يسأم الوصال، إذا علم أنَّ حبَّهما في اتِّصال. ولو نزل بها شيءٌ تتغيَّر به عن عهدها، لتمنَّى أنها ما فارقت مهدها، لأنَّ ابنَ آدمَ مَلول، تسري به إلى المنيَّة ناقة ذلول. ولو أصابها العَوَر، بعد أن سكن عينيها الحَوَر، لظنَّ أن ذلك نبأ لا يُغـفـَـرُ ولا يُكـْـفـَر، فكيف يعتب على الناسين، وينتقم من القوم السّاهين؟ والله سبحانه، قد رفع ذلك عن الساهي لأنه لا يعلم، والمتألم يشغله عن كل شيء ألم. ومن أين له، ما وهبه الله للشيخ من وفاءٍ لو علم به السّموءل ابن ظالم أبو القطران الأعْـبُدَ في الإبل والإماء، ونظر إلى عقِب رِجلِه تغطيه الدماء، ممَّا يطأ على هَراسٍ، ومن له في المرعى بالفـَراس؟ والهَراس جمع هَـراسة، وهي شجرة ذات شوك، والفَراس التَّـمْـر الأسود، المُرّار بن سعيد بن خالد بن نضلة الفقعسي الأسدي. شاعر من سكان البادية في العصر الأموي ، كان قصيراً مفرط القصر ، ولكنه كان شجاعاً كريماً، 1 وكان من الشعراء اللصوص وقد سجن مرتين ، وكان كثير الشعر،ولكن أكثره فُقِد م)، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة ، وكان ثقة حجة صالحاً مشهوراً بالحفظ 904-815هـ291-200 أحمد بن يحيى بن زيد النحوي المعروف بثعلب 2 وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، ثقل سمعه في آخر أيامه م، كان صاحب كتبٍ مصحَّحة، قد لقي بها العلماء، وضبطها؛ ولم يكن له حفظ. لقي 847هـ232 علي بن المُغيرة، أبو الحسن الأثرم، صاحب اللغة المتوفى 3 أبا عُبيدة والأصمعي، وأخذ عنهما. وله من الكتب: كتاب النوادر، كتاب غريب الحديث م شاعر جاهلي حكيم ، وكان له حصن سماه الأبلق. أشهر شعره لاميته وهي من أجود 560 ق. هـ64 السموءل بن غريض بن عادياء الأزدي المتوفى 4 .الشعر، هو الذي أجار امرؤ القيس م أشهر فتاك العرب في الجاهلية، نشأ يتيماً وآلت إليه سيادة غطفان ، ووفد على النعمان ملك الحيرة 598 ق. هـ25 الحارث بن ظالم المري المتوفى 5 فالتقى بقاتل أبيه جعفر بن خالد ، فقتله في مبيته. ولم تحمه عشيرته. ثم قتل ابن النعمان. فطلبه النعمان، فلجأ إلى بني شيبان ثم طيء ثم بني دارم فحموه، فغزتهم بنو عامرفهزمتهم، وطاف الحارث في البلاد حتى أتى الشام، فقتل في حوران.

عدد الصفحات ١٩٥

195 ومن أبيات المعاني إذا أكلوا الفـَراسَ رأيــتَ شـاماًعـلى الأنـبـاثِ مـنهـم والغُـيـــوبِ فـما تـنـفـكُّ تـسْـمعُ قاصِـفـاتٍكصوتِ الرّعْدِ في العامِ الخصيبِ ولعلّه لو صادف غانيةً تفوق وحشيّة جمالا، لسلاها وبهمها ما بالى، وإنَّما ديدن ذلك الرّجلِ ونظرائِه صفة الناقة الشاردة، وليست له شجرة في الأرض آبدة. إذا جنى الكمأة طار من الفرح، وخال أنَّه قد نجح! ولو حضر المآدب التي حضرها الشّيخ لعاد كما قال القائل: فلو كنتَ عُذريَّ العلاقةِ لم تبِتْبَطيناً، وأنساكَ الهوى كثرة َالأكلِ وهو، قدَّر الله له ما أحبَّ، قد جالس ملوك مصر التي قال فيها فرعون وَهذهِ الأنهَارُ تجْري مِنْ تَحْتِي أفلا تُبْصِرُون انكباباً شديداً، وبالعراق مملكة فارس، وهم أهل الشَّرف والأخلاق، يوفي صرفهم في الأطعمة على كلِّ إنفاق، ولا ريب أنَّه قد جالس بقاياهم، واختبر في المعاشرة سجاياهم، وعاطوه الأكؤس من ذوات التّصاوير، كما يفعل منهم كل كبير، كما قال الحكمي تدورُ علينا الكأسُ في عَـسجَـديَّـةٍحَـبَـتهـا بأنواعِ التـصاويـرِ فارسُ قـرارتُها كسرى، وفي جـنـبـاتِهـامَهـاً تـَـدَّريهـا بالـقِـسِـيِّ الـفـوارسُ وأبو القطران كان يستقي قليلَ الماء بحبل الألياف، ويجعلها في القدح أو العلبة ويخاف، وإذا طعِمَ فمن طعامٍ كالصخور الصَلدة، وإن أخصب تباهى بأكل الزبدة. وما أشكُّ أنَّه، أمتع الله الآدابَ ببقائه، لو رُزق مُحاورة أبي الأسود شغف قيس بليلاه، وفرحة طير بأنثاه. ولو أدرك محاضرة أبي الخطَّاب لكان سيَلان عينيه أشدَّ شغفاً من الحادرة بسُميَّة، ومن غيلان وعينانِ قــالَ اللهُ: كونا، فكانتافعُـولان بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ سورة الزخرف51 الآية 1 نذكـِّر بأن اسم أبي نواس الحسن بن هانئ الحكميّ 2 أبو الأسود الدؤلي 3 م شاعر مخضرم مقل، يلقب بالحادرة أي الضخم ، أكثر من الغزل بمرأة تدعى سمية626 هـ5 الحادِرَة :قطبة بن أوس بن محصن الغطفاني المتوفى 4 م)، قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس735 - 696 هـ117 - 77 هو ذو الرُمَّة غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي من مضر وختم بذي الرمة. كان شديد القصر دميماً، يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، عشق (ميّة) المنقرية واشتهر بها.

عدد الصفحات ١٩٦

196 وهو بتباعد شفتي أبي الحسن سعيد بن مسعدة بلمى بثينة بلا استكبار، وفي الحديث عن عائشة، رضي الله عنها: كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يقبِّلني شقَّ التينة. وروى بعضهم: شقَّ التمرة. وذلك أن يأخذ الشّفة العليا بيده، والسُّفلى بيده الأخرى، ويقبِّل ما بين الشفتين. هو الأخفش الأوسط، وسبقت ترجمته 1 جميل بثينة 2

عدد الصفحات ١٩٧

197 رَمْس الهالك بيتُ الحق وأما مَن فقدَه من الأصدقاء لمّا دخل حلب، حرسها الله، فتلك عادة الزَّمن، ليس على الإنسان بمؤتمن، يستبدل بالأبيات المسكونة قبوراً، ولا يرحم عاثراً مقهوراً. وإنَّ رمْسَ الهالك لبيتُ الحقّ، وإن طـُرِق بالصعب الأشقّ. على أنّه يغني من يثوي بَعدَ العَدم، ويكفيه المؤونة مع القِدم. وإنَّ الجسدَ لمن شرٍّ موبوءٍ، وقاك الله شرَّه المخبوء. قال الضّبيّ ولقـد عـلمتُ بأنَّ قـصري حُـفـرةٌما بعـدَهـا خوفٌ عـليَّ ولا عَـدَمْ فأزور بـيـتَ الحـقِّ زورة َماكِـثٍفعلامَ أحْفِـلُ ما تـقـوَّضَ وانْهَـدمْ؟ وما زالت العربُ تسمّي القبر بيتاً، وإن كان المنتقل إليه ميْـتاً، قال الرّاجز َـيـْـتُــهُ الـيــومَ يُـبـنى لـدُويــــدٍ بَـيـتُــــهُلـو كانَ لـلـدّهْـرِ بَـلىً أبْـلـ ْتُــهُيا رُبَّ بَـيـتٍ حـسَــــنٍ بَـنـيـتُـــهُ َـفَـيـ أو كانَ قِــرْني واحِـداً كـ يا رُبَّ نـَهْـبٍ صالِـحٍ حَـوَيـتُـــهُيا رُبَّ عَـبْـلٍ حَـسَـنٍ لـَـوَيْـتُـــــهُ ومِعْـصَمٍ مُـخَـضَّـبٍ ثـَـنَـيْـتُـهُ فأمّا الفصل الذي ذكر فيه الخليل، فقد سقط منه اسم الذي غالى في المدائح المُدبَّجات، وقرنني بالنجوم الزاهرات، وأيّاً كان، غفر الله جرائمَه، وحفظ له في الأبد كرائمَه، فقد أخطأ على نفسه فيما زعم وعليَّ، ونسب مالا أستوجب إليَّ. وكم أعتذرُ وأتنصَّل، من ذنبٍ ليس يتحصَّل! وإنَّي لأكره بشهادة الله تلك الدَّعوى الباطلة، كراهة المسيح من جعله ربَّ العِزّة، فما ترك للفتن من مهزَّة، بدليل قوله تعالى: “وإذ قالَ اللهُ يا عيسى بنَ مَريمَ أأنتَ قُـلتَ للنّاسِ اتَّخِذوني وأمِّي إلهَينِ مِن دُونِ الله، قال سُبحانـَكَ ما يكونُ لي أن أقولَ ما ليسَ لي بحَقٍّ، إن كنْتُ قُـلـْتُهُ فقد عَـلِمْـتـَهُ، تعْـلمُ ما في نـَـفْـسي ولا أعْـلمُ ما في نـَـفْـسِـكَ، إنِّك أنتَ عَـلاّم الغُـيُـوبِ هوالأبرش الضبي عامر بن حوط بن أبي هند بن مازن من بني عامر بن بن ضبة، شاعر فارس. 1 دويد بن زيد بن نهد بن أسلم القضاعي. شاعر جاهلي، معمّر، روي في القاموس المحيط أنه أدرك الإسلام 2 سورة الأنعام116 الآية 3

عدد الصفحات ١٩٨

198 وأمّا أبو الفرج الزّهـرجيُّ فمعرفته بالشّيخ تبين أنّه للأدب حليفٌ، وللطَّبعِ الخيِّرِ أليفٌ. وودِدتُ أنَّ الرِّسالة وصلت إليَّ، ولكن ما كان عديلك منصفاً، إذ سرق الحِملَ وما وفى، هلاّ اقتنع بثوبٍ أو نفقة، وترك الصُّحفَ المُـنمَّقة! فأفقده الله ما بين يديه، ولا اهتدى في اللَّيلة بفرقديه. لو أنّه أحدُ لصوص العرب الذَّين رُويت لهم الأمثال السّائرة، وتحدَّثت بهم الركبان السائرة، لما اغْـتـفـَرْتُ ما صنع بما نَظـَم، لأنّه أفـرط وأعْـظم، أي أتى عظيمة، واقتلع من القلائد نظيمة. وقد وُفِّقَ أبو الفرج وابنه، وصار كالبدر شأنُه، لمَّا درَس عليه الكتب، وحفظ عنه كيف تُـرَتـَّب. وإن كان الشّيخ مارسَ من التَّعب أمَّ الرُّبَيق، وهي الشدائد، فقد جدّد عهدَه الأوَّل بنهرِقُـوَيْق، وإنَّه من خيرالأنهر، لا يُغرِق السّابحَ ولا يقهر، وبناته المخطوبات صغارٌ، يؤخذن منه في الغفلة ولا يغار. سترن الأنفس فما تبرَّجْن، ولكن بالرُّغم خرجن. ما يشعرقويقٌ المسكين، أعَرَبٌ أولاء أمْ رُومٌ، ولا يحفِـلُ بما تروم. ولقد ذكره البحتريُّ، ونعته الصَّـنَوبريُّ، وإخالُ أنَّ الشّيخ أفسدته عليه دجلةُ وبناتها، وهنَّ الأنهرُ الصغيرة التي ترفدها، وأعانها على ذلك فـُراتها. وأمَّا حلب، فإنّها الأمُّ البرَّة، تُعقد بها المسرَّة، وما أحسبها، إن شاء الله، تُظهـِرُ ذميمَ العقوق، أو تُغْـفِـلُ ما استوجب من الحقوق. ووحشيّة، يُحتمل أن يكون، آنس الله الآداب ببقائه، جعلها نائبة عمن فقده من الإخوان، الذين قـلَّ نظيرُهم في الأوان. وكذلك تجري أمثال العرب: يكنـُّون فيها بالاسم عن جميع الأسماء، مثال ذلك أن يقول القائل: َـل يـدٌ فـتكتْ بعَـمْـروٍفـإنّـك لن تـَـذِلَّ ولـنْ تُـضـامـا فلا تُـشْـلـ يجوز أن يرى الرجلُ رجلاً قد فتك بمن اسْمُه حسَّان أو عطاردٌ أو غير ذلك، فيتمَّثل بهذا البيت، فيكون عمرٌو فيه واقعاً على جميعِ من يتمثـَّـلُ له به. وكذلك قول الرّاجز: أوردها سعدٌ وسعدٌ صار ذلك مثلاً لكلِّ من عمل عملاً لم يُتقِنْه، فيجوز أن يُقال لمن اسمُه خالدٌ أو بكرٌ أو مشتمل ما شاء الله من الأسماء. ويضعون في هذا الباب المؤنَّث موضع المذكَّر، والمذكّر موضع المؤنَّث، فيقولون للرّجل: أطرِّي فإنَك ناعلةٌ، والصيَّفُ ضيعَّت اللَّبن، مُحسنة ٌفهـِيلي. وإذا أرادوا أن يُخبروا بأنَّ المرأة كانت تفعل الخيرَ ثمّ هَـلـَكتْ فانقطعَ ما كانت تفعله، جاز أن يقولوا: ذهب الخير مع عمرِو بن حممة. وجائزٌ أن يقولوا لمن يُحذّرونه من قرب النّساء: لا تبت من بكريٍّ قريباً، والبكريُّ أخوك فلا تأمنه. ومثل هذا كثير تتمة البيت مثل مشهور جداً: ما هكذا تورد يا سعد الإبل 1 أمثال عربية مشهورة يطول شرحها 2

عدد الصفحات ١٩٩

199 الثكلى تعين الثكلى وأمَّا شكواه إليّ، فإننّي وإيّاه كما قيل في المثل: الثـكلى تعين الثكلى، وعلى ذلك حمَل الأصمعيُّ قولَ أبي دؤاد ويُـصـيـخُ أحـيــانــاً كمـا اسـْــ ـتمَـعَ الـمُــضَــلُّ دُعـاءَ نـاشِــــدِ كلانا بحمد الله مُضَلُّ سواءً بسواء ، فعلى من نمُـنُّ في العطاء؟ أمّا المَطِيّة فتشكو العناء، وأمّا المِزودُ فوصفـُه الخـَواء، والرّكبُ يفتقرُ إلى العقل والفطنة، وكلـُّهم يرجو العطاء دونما مِنـَّة يشكو إليَّ جمَلي طــولَ الــسرُّىصـــبرٌ جــمــيــلٌ، فــكِــلانــا مُبتلى إن اشتكت شجرة السَّمُرَة فأساً إلى نبات السَّيّالة، فإنَّها تشكو الوهن إلى مُتعَب، وصِدْقُ المرء خيرٌ من أن يكذب. ولا أرتاب أنَّه يحفظ قول الفزازيِّ منذ خمسين حجَّة أو أكثر ْـلِ أعُـيَـينَْ هلاّ إذ بُـلِـيـتَ بحُـبِّـهـاكنتَ اسْـتعَـنْـتَ بفارغِ العَـقـ أقْـبلتَ تبغي الغـوث َمن رجُـــــلٍ والمُـسـتـغـاثُ إلـيهِ في شُــغْـلِ ولم يزل أهل الأدب يشكون الغير في كلَّ جيل، ويخصُّون من العجائب بسجلٍ سجيلٍ. وهو يعرف الحكاية أنّ مسلمة بن عبد الملك بن مروان أوصى لأهل الأدب بجزءٍ من ماله وقال: إنَّهم أهل صناعةٍ جفاها الناس. وأحسب أنَّهم والقِلـَّة َ خُلِقا توأمين، وإنما ينجح بعضُهم حقبة أو حقبتين، ثمّ لا يلبث أن تزِلَّ به القدم، ويصير كمن أصابه السقم. وقد سمع في مصر بقصَّة أبى الفضل وسعيد، وما كان أحدهما من الآخر ببعيد. م) شاعر جاهلي، وهو أحد نعات الخيل المجيدين، وإنما أحسن 545 - 480 ق. هـ79 - 146 أبو دؤاد الإيادي جارية بن الحجّاج بن حذاق الإياديّ 1 نعت الخيل لأنه كان على خيل النعمان بن منذر البيت من أبيات للشاعر الملبِّد بن حرملة الشيباني، ولم أجد له غيرها 2 م شاعرٌ غزِلٌ ظريف من الولاة. كان هو وأبوه من أشراف الكوفة 718 هـ100 مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري المتوفى 3 وتزوج الحجاج أختة (هند بنت أسماء) وتقلد خوارزم وأصبهان للحجاج. ووقع منه ما أوجب حبسه مدة طويلة. شعره كثير من الغريب أن يرِدَ البيت هكذا، لأن قوله 4 أن يقول

عدد الصفحات ٢٠٠

200 وإذا كان الأدب على عهدِ بني أميَّة يقصِدُ أهله بالجَفوة، فكيف يسلمون من باس، عند مملكة بني العبّاس؟ وإذا أصابتهم المِحن في زمن الرشيد فكيف يُطمَع لهم بالحظّ المشيد؟ أليس أبو عبيدة قدم مع الأصمعيِّ وكلاهما يريد الصعود، ولا يلتمس إلى البصرة أن يعود، فتشبَّث بعبد الملك الأصمعي، وردَّ أبا عبيدة معمر، ومن يعلم بما يخبئ الدهـر. ومن بغى أن يتكسَّب بالأدب ، فقد أودع شرابَه في الخـَلِقِ من القِرَب، غيرِ ثقةٍ على الوديعة، بل هي منه في صاحب خديعة. وقد روي أن سيبويه لمَّا اختُبر شأنه وأدركوا أنه عالم، رغب في أن يتولى بشيراز ولاية المظالم ، وأنَّ الكِسائيَّ حزن ممّا صنع به، فأعانه كي يحصل على مطلبه. فأمّا حبيب بن أوسٍ البريد، وصاحب الأدب حليف التّصريد. هو أبو تمّـام 1

عدد الصفحات ٢٠١

201 أبو الطيب المتنبي وأمّا الذين ذكرهم من المُصحِّفين، فغير بررة ولا منصفين. وما زال الثعلب يسعى لأذاة الأسد، وما أحسبه يشعر بمكان الحسد، فإذا سرى أسدٌ وَطـْؤُه كالهمس خفي، تشقى به الناقة ذات السنام القوي، فالثعلب به منذِرٌ، كأنّه ينبّه الفريسة ويحذّر، ولا يراه الضّيغمُ أهلاً للعتاب، ويجعل أمرَه فيما يَحتمل من ضُرٍّ أصابه وانتاب. وكم من ضرغام يعلو منه الزئير، سهَّده طنين البعوض الحقير، وإذا البعوض بليلٍ تغنَّى، فالأسد به مُعنَّى 2( ما يُضيرُ البَحْــرَ أَمسى زاخِــــــراً أَن رَمـــى فــيــهِ غُــــلامٌ بِحَـجَـــرْ أو قول القائل: أوَكــلّـمـا طـنَّ الذّبـــابُ أروعُـــه؟ إنَّ الـــذُّبــابَ إذاً عَـــلــيَّ كــريــــمُ ومازال الهمج يقولون، ويُقصِّرون عن المكرُمة فلا يَطولون، وإنهم عما فعل متثاقلون، وطلاَّب الأدب في حباله، كمن يصعد في شعاب جباله. من انفرد بفضيلةٍ أثيرةٍ، فإنّه يتقدَّم بمناقب كثيرةٍ، وإن حُسَّادَ البارع لكما قال الفرزدق: ِّوالَ الشـُّـمَّ من يَـذْبُلِ َهْـجُ آلَ الزِّبرِقـان، فـإنّـماهجوتَ الطـ فإن تـ وقد ينبحُ الكلبُ النّجـومَ ودونَهافـراسِخُ تُـقْصي ناظِـرَ المُـتـأمِّـلِ أو كما قال الراجز: يَــعــدو عــلى الــحــاسِــدِ حــسَــدُهْويــــذوبُ مِـــن كــبْــتٍ جــسَـــــدُهْ أو كما قال: فهل ضربــةُ الــرُّومــيِّ جاعلةٌ لكمْأباً عن كُلـَيبٍ، أو أباً مثلَ دارِمِ؟ أورد أبو العلاء كعادته أسماء الأسد غير المشهورة مثل: الوَرد وهموس وأغلب وقسْـور، وسمّى الثعلب ثعالة، والبعوض الطيثار 1 البيت للأخطل التغلبي، وهو بيت مفرد ليس من قصيدة 2 أشارت بعض المصادر إلى أن البيت لجرير، لكنه غير موجود في ديوانه 3

عدد الصفحات ٢٠٢

202 فأمّا ما ذكره من قول أبي الطَّيب أَذُمُّ إِلى هَـــذا الـزَمــانِ أُهَـيـلـَــهُ فقد كان الرّجل مولعاً بالتّصغير، لا يقنع من ذلك بخِلسة الصغير، كقوله: مَن لي بِفَهمِ أُهَيلِ عَصرٍ يَدَّعيأَن يَحسُبَ الهِندِيَّ فيهِم باقِلُ وقوله: إِذا عَذلوا فـيهـا أَجَـبْـتُ بِأَنـَّةٍحُـبَيـِّبَـتا قـَلبي، فُؤادي هَـيا جُمْلُ وقوله: أُخِــذتُ بمَِـدحِهِ فَـرَأيتُ لـَهْـواًمَـقـالي لِلأُحَـيـمـِقِ يا حَـلـيـمُ وقوله: َـرى وَنــامَ الخُـوَيـدِمُ عَـن لـيـلِـنـاوَقد نامَ قـَـبْـلُ عَـمىً لا كـ وقوله: أفي كُلِّ يَومٍ تحتَ ضِبني شُوَيعِـرٌضَعـيفٌ يُقاويني قَـصيـرٌ يُطاوِلُ وغير ذلك مما هو موجودٌ في ديوانه، ولا مَلامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع للشاعر، فما حَسُن بها ما ألفته النواظر، ولكنها تُغتفـَرُ مع المحاسن، والخال قد يظهرُ على الخد الفاتن. وهذا البيت الذي أوله: أذم إلى هذا الزمان أهيله إنما قاله في علي بنِ محمدِ بن سيّار بن مُكـَرَّم بأنطاكية، قبل أن يمدح سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمْدان، والشعراء مطلق لهم ذلك، لأن الآية شهدت عليهم 1(” ألمْ ترَ أنَّهم في كل وادٍ يَهيمون، وأنَّهم يقولون ما لا يفعلون؟ “بالمبالغة وقول الأباطيل: وأهل كلمةُ أصلٍ وُضِعت للجماعة، فيقال: ارتحلَ أهلُ الدار، فيعلم السامع أن المتكلمَ لا يقصِدُ واحداً بما قال، إلا أن هذه الكلمة قد استعملت للآحاد، فقيل: فلان أهلُ الخير وأهلُ الإحسان، قال حاتم الطائي سورة الشعراء226و225 الآيتان 1 م شاعر جاهلي، فارس جواد يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد577 ق. هـ46 حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي القحطاني المتوفى 2

عدد الصفحات ٢٠٣

203 ظلـَّت تلومُ على بِكرٍ سمحتُ بهِإن الرزيئة َفي الدنيا ابْنُ مَسْعودِ غادَرَهُ القـومُ بالمِعْـزاءِ مُـنْجَـدِلاًوكانَ أهلَ الندى والحزمِ والجودِ وكأن هذه اللفظة َأصلـُها أن تكون للجمع، ثم نقلت إلى الواحد، كما أن صديقاً وأميراً ونحوَهما إنما وضعت في الأصل للأفراد، ثم نُقلت إلى الجمع على سبيل التشبيه. وكذلك قولهم: بنو فلان أخٌ لنا. ويقال: أهْل وأهْلة، وأهْلات في الجمع، قال الشاعر َرا َوثـ َجوا بِالليلِ يَدْعـونَ كـ وَهُم أَهِلاتٌ حَولَ قـَيسِ بنِ عاصِمٍإِذا أدْلـ وقال بعض النحويين في تصغير آل الرجل: يجوز أوَيل وأهَيل، كأنه يذهب إلى أن الهاءَ في أهلِ أبدلت منها همزة، فلما اجتمعت الهمزتان جُعلت الثانية ألِفاً، ومثل هذا لا يثبت. والأشبهُ أن يكون آلُ الرجل مأخوذاً من آلَ يَؤُول، إذا رجَع، كأنهم يرجِعون إليه أو يرجِعُ إليهم. أما ما ذكره من حكاية القـُطـْرُبُـلـّي وابنِ أبي الأزْهر، فقد يجوز مثلـُه، وما وضح أن المتنبي حُبِس بالعراق، فأمّا بالشام فحبسه مشهور. وحُدِّثـْت أنه كان إذا سُئلَ عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النـَّبْـوة، أي المُرتفِع من الأرض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه مَن هو دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلو قدير، يظفر بها من وُفـِّق، ولا يَعيبُ المجتهد أن يُخفق. وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متعبداً، وليس مثل غيره من الناس مُلحداً، فمن ذلك قوله: تغَرَّبَ لا مُسْتـَعْظِماً غيرَ نفـسِهِوَلا قـابِـلاً إِلاّ لِـخـالِـقِـــهِ حُـكـْمــا وقوله: َهُولا يُصدِّقَ قـوماً في الذي زعَـمـوا َتـ ما أقْـدَرَ الـلـهَ يُخـزي خـلـيـقـ وإذا رجع إلى الحقائق، فنُطـْق اللسانِ لا يُنبِيءُ عن اعتقادِ الإنسان، لأن العالـَمَ مَجبولٌ على الكذبِ والنفاق، ويُحتمل أن يُظهِرَ الرجلُ بالقول تديُّناً، وإنما يُبدي ذلك تزيُّناً، يريد أن يصل به إلى مدح أو ثناء، أو غرض من أغراض الدنيا دارالفناء، وكم رأينا من ناس هم في الظاهر متعبدون، وفيما بَطـَن ملحدون. م شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، وعمّر طويلاً ومات 633 هـ12 هو المُخَبَّل السَعدي ربيع بن مالك بن ربيعة بن عوف من تميم المتوفى 1 في خلافة عمر أو عثمان رضي الله عنهما. قال الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء: لَهُ شعر كثير جيّد

عدد الصفحات ٢٠٤

204 ديـن دِعْـبـِل وما يلحقـُني الشك في أن دعبل بن علي التكسُّب، وكم أثبت نسباً بنسب، ولا أرتاب أن دعبلاً كان على رأي أبي نواس وطبقتِه، والزندقة فيهم طاغية، ومنهم جماعات باغية. وقد اختلفوا في أبي نواس: فادّعوا له التعبُّد، وأنه كان يقضي ليلـَه في التهجُّد، والصحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه، وذلك أن العرب جاءها النبي صلى الله عليه وسلم، فاتّبعه منها متّبعون، منهم واعون ومنهم مدّعون، فلما قوي الإسلام والإيمان، وارتفع مُلكه على الأركان، مازج العربُ غيرهم من الطوائف، وسمعوا كلام الأطباء والفلاسفة وأهل المنطق، فمالت منهم طائفة كثيرة. ولم يزل الإلحادُ في بني آدم على مرِّ الدهور، حتى إن أصحاب السِّـيَرِ يزعمون أن آدمَ عليه السلام، بُعث إلى أولاده فأنذرهم على ذلك المنهاج إلى اليوم. وبعض العلماء يقول إن سادات قريش كانوا زنادقة. وما أجدرهم بذلك! وقال شاعرهم يرثي قتلى بدر من المشركين، وتروى لشداد بن الأسود الليثي ألـمَّــتْ بـالـتـَحِـيَّــــةِ أمُّ بَـكـْــرٍفـحَـيُّـــوا أمَّ بَـكـْـرٍ بـالـســــلامِ َـوِيِّ بَـدْرٍمِنَ الأحْـسـابِ والقـومِ الكِــرامِ َّـوِيِّ طـ وكائِـنْ بالـطـ ُـرّيعَليَّ الكأسَ بعْـدَ أخي هِـشــــامِ َـكــ ْـــرٍ لا تـ ألا يـا أمَّ بَــكـ ْـرام شـَــرّابَ المُــدامِ وبعدَ أخي أبـيـهِ وكان قِـرْمـــاًمِـن الأقـ ألا مَـن مُـبْـلِـغُ الرحْمَـن عَـنّـيبــأنيّ تــاركٌ شــهْـرَ الـصـيــــامِ إذا ما الرأسُ زايَـلَ مَـنْـكِـبَـيــهِفقد شـبـِعَ الأنيسُ مِن الطعـــامِ م ) شاعر هجّاء. في شعره جودة، وصنّف كتاباً في طبقات الشعراء. قال ابن خلّكان: كان 860 - 765 هـ246 - 148 دعبل بن علي بن رزين الخزاعي 1 بذيء اللسان مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس هجا الخلفاء الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق ومن دونهم. وطال عمره فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك. لم يترجم له أحد، وذكر بعض المؤرخين أنه كان مسلماً وارتد، وقد وردت الأبيات في مصادر أخرى باختلافات طفيفة وزيادة بعض الأبيات وحذف بعضها 2 وحدثني الثقة عنه حديثاً معناه: أنه لما كان في بني عدي، وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعْواه: ها هنا ناقة صعبة، فإن قـَدِرت على ركوبها، أقررنا أنك مُرسل. وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحايل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة، ثم سكنَ نِفارها ومشت مشي المنقادة، وأنه ورد بها الحِلـَّة وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم.

عدد الصفحات ٢٠٥

205 أيُوعِدُنا ابْنُ كـبْـشـَة َأن سنحْياوكيـف حـيـــاةُ أصـداءٍ وهـــام؟ َـت عِـظـامي؟ أيَـنْـزِلُ أن يَـردَّ الـمـوتَ عَـنّيويُحْيـيـني إذا بَـلِـي ولا يدّعي مثل هذه الدعاوى إلا من يستعدُّ وراءها للموت، ولا يأسف له إذا فات الفوت.

عدد الصفحات ٢٠٦

206 إعجاز المتنبي رُؤي يصلي بموضعٍ بمعرة النعمان يقال له ”بصَفّ “وحُدثت أن أبا الطيب أيام كان إقطاعُه كنيسةُ الأعراب، وأنه صلى العصر ركعتين، فيجوز أن يكون رأى أنه على سفر، وأن القـَصْرَ له جائز. وحُدِّثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية، وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكينُ الأقلام فجرحته جرحاً بليغاً، وأن أبا الطيب تـَفَـل عليها من ريقِه، وشدّها غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تـحُـلـَّها في يومك. وعَـدَّ له أيّاماً وليالي، وإن ذلك الكاتب قبل منه، فبرىء الجرح، فصاروا يعتقدون في أبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمُحيي الأموات. وحدَّث رجل: كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، أنه أراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح عليهما في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد ذلك الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفى الأمر على ما ذكر، وليس غريباً أن يكون أعد له شيئاً من الطعام مسموماً وألقاه له، وهو يخفي عن صاحبه ما فعل. وأما القُطـْرُبُلـّي وابن أبي الأزهـر فمن المُحال اجتماعُهما على تأليف كتابٍ، وقلما يُعرف مثل ذلك. ونحو منه قصة وانصرفا على حدِّ مغاضبة. ولهما ديوان ينسب إليهما لا ينفرد فيه أحدهما بشيء دون الآخر إلا في أشياء قليلةٍ. وهذا متعذر في ولد آدم إذا كانت الجبلة على الخلاف وقلة الموافقة فأما أن يَعمل الرجل شيئاً من كتابٍ، ثم يُتمّه الآخر، فهو أسوغ في المعقول من أن يجتمع عليه الرجلان. والبغداديون يحكون أن أبا سعيد السيرافي عمل من كتابه المعروف بالمُقـْنِـع أو الإقناع إلى باب التصغير، ثم توفّي وأتمّه بعده ولده أبو محمد. وقد يجوز مثل هذا، وليس عندهم فيه محمد وسعيد ابنا هاشم بن وعلة الخالدي الموصلي، وكانا شاعرين اشتركا في كثير من الشعر ونسب إليهما معاً وكلاهما من خواص سيف الدولة بن 1 تقريباً، وكانا مع ذلِكَ إذا استحسنا شيئاً غصباه صاحبَه حياً كانَ أو ميتاً، لا عجزاً 380حمدان، والخالدية قرية من عمل الموصل، توفي محمد سنة منهما عن قول الشعر، ولكن كذا كانَ طبعهما، ولهما تصانيف، منها حماسة شعر المحدثين، كتاب أخبار الموصل، كتاب أخبار أبي تمّام ومحاسن شعره، اختيار شعر ابن الرومي، اختيار شعر البحتري، اختيار شعر مسلم بن الوليد وأخباره، الأشباه والنظائر وهو جيّد، والهدايا والتحف، الديارات.

عدد الصفحات ٢٠٧

207 ريب، وحكى لي الثقة أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر بن السراج عمل من (الموجز) النصف الأول لرجلٍ بائع حرير، ثم تقدم إلى أبي علي بإتمامه، وهذا لا يقال إنه من إنشاء أبي علي لأن المـوضـوع من (الموجز)، هو منـقـول من كلام ابن السـراج في (الأصول) وفي (الجمل)، فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ، لا أنه ابتدع شيئاً من عنده. والذين رووا ديوان أبي الطيب يحكون عنه أنه ولد سنة 123 في صباه إنما هي في أهل الشام، إلا قوله كُـفّي أراني وَيْـكِ لـومَـكِ ألـْوَماهَــمٌّ أقــامَ عَـلى فُــؤادٍ أنْـجَـمــا وأما شكيَّـتُه أهلَ الزمان إليه، فإنه سلكَ في ذلك منهاج المتقدمين، وقد كثر المقال في ذم الدهر حتى جاء في الحديث وأن باطنَه ليس كظاهره، إذ كان الأنبياء عليهم السلام لم يذهبْ أحدٌ منهم إلى أن الدهر هو الخالق ولا المعبود. 1(”وما يُهلِكنا إلا الدَّهْـرُ “ وقد جاء في الكتاب الكريم: لفظ لا حقيقة له. وفي كتاب سيبويه ما يدل على أن الزمان عنده: مُضيُّ الليل والنهار. وقد تعلق عليه في هذه العبارة. وقد حدَّدته حدّاً ما أجدره أن يكون قد سبق إليه إلا أني لم أسمعْه، وهو أن يقال: الزمان شيءٌ أقل جزءٍ منه يشتملُ على جميع المُدْرَكات، وهو في ذلك ضد المكان، لأن أقلَّ جزءٍ منه لا يمكنُ أن يشتملَ على شيء، كما تشتمل عليه الظروف، فأما الكون فلا بد من تشبثه بما قل وكثر. وغيرَ ذلك من المقال، كالبيت المنسوب إلى الأخطل، ”وما يُهلكنا إلا الدهر“والذين قالوا: وذكره حبيب بن أوسٍ لشمعلة التغلبي، وهو: 2( فــإنَّ أمـيــرَ المـؤمــنـيـنَ وفِــعْــلَــهُ لكالدَّهْـرِ لا عـارٌ بـمـا فعـلَ الـدَّهْـرُ وقول الآخر: الـدهْــرُ لاءَمَ بـيــن ألـْـفَــتـِـنـــاوكـذاكَ فــرَّقَ بـيـنـنــــا الدَّهْــــرُ سورة الجاثية24 الآية 1 أبو تمـّام، والمقصود أنه أورده في 2 الحمدونية

عدد الصفحات ٢٠٨

208 وقول أبي صخر الهذلي عَجِبتُ لِسَعْي ِالدهْـرِ بيني وبينهـافـلماّ انْقضى ما بينَـنا سَكنَ الدهرُ لم يقل أحدٌ منهم إنه كان يُقرِّبُ للأفلاك القرابين، ولا يزعُم أنها تعقِل، وإنما ذلك شيء يتوارثه الأمم في زمان بعد زمان. وكان في عبد القيس شاعر يقال له ولـماّ رأيـتُ الدهـرَ وَعْـراً سـبـيـلـُهوأبْـدى لنا وجْهـاً أزَبَّ مُـجَـدَّعا َوى بالعَـثـانـيـن أخْـدَعا ْفاً لـ َةً وأنـ وجَـبهـة َ قِـرْد كالشِّـراك ضَـئـيـلـ ذكرتُ الكرامَ الذاهبين أولي النَّـدىوقلتُ لعمرٍو والحُـسامِ: ألا دَعا وأما غيظُه على الزنادقة والملحدين فأجَـرَه اللهُ عليه، كما أجَرَه على الظمأ في طريق مكة، واصطلاءِ الشمس بعَـرَفة، ومبيته بالمُزدَلِـفة. ولا ريب أنه ابتهل إلى الله، سبحانه، في أيام الصوم والحج المعدودات والمعلومات، أن يُـثـبِّـتَ هِـضابَ الإسلام، ويقيمَ لمَن اتــَّـبَعه النـَيِّـرَ من الأعلام. ولكن الزندقة َداءٌ قديم، منذ سكن الإنسانُ من الأرضِ الأديم. وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجلَ إذا ظهرت زندقتُه ثم تابَ فزَعاً من القتل، لم تُـقْـبلْ توبتُه. وليس كذلك غيرُهم من الكـفّار، لأن المرتدَّ إذا رَجَع قُـبـِلَ منه الرجوع. ولا مِلـَّة َإلا ولها قومٌ ملحدون، يُظهرون لأصحابِ شرعِهم أنهم مُوالِـفـون، وهم فيما بطن من الأمر مخالفون، ولا بد أن ينفضحَ مُخادِعٌ في وقت من الأوقات، وتبدو من الشرالدواهي والآفات. وقد كانت ملوك فارس تقتل على الزندقة، والزنادِقة همُ الذين يُسَـمَّون الدهرية، لا يقولون بنُـبُـوّةٍ ولا كتاب.

عدد الصفحات ٢٠٩