177 عودة إلى الجِنان آدم فإذا رأى قلة الفوائد لديهم، تركهم في الشَّقاء السّرْمَد، وعمَد لمحلـِّه في الجنان، فيلقى آدم عليه السّلام في الطّريق فيقول: يا أبانا، صلَّى الله عليك، قد روي لنا عنك شعرٌ، منه قولك: نحـنُ بَـنـو الأرضِ وسُـكّانُـهـامِـنها خُـلِـقْـنــا، وإلـيـهـا نـَـعـودُ والسَّعْـدُ لا يَـبـقى لأصْـحـابـِـهِوالنـَّحْـسُ تمحوه ليالي السُّـعـودُ فيقول: إنَّ هذا القول حقُّ، وما نطقه إلاّ بعض الحكماء، ولكنِّي لم أسمع به حتى السّاعة. فيقول: وفـَّرَ الله قِسْمَه في الثَّواب: فلعلَّك يا أبانا قُلتـَه ثمَّ نسيت، فقد علمتُ أنَّ النِّسيان متسرّعٌ إليك، ولقد عَهـِدْنا إلى “وحسبك شهيداً على ذلك الآية المتلـُوَّة في فرقان محمَّدٍ، صلّى الله عليه وسلم: 1(”آدمَ مِن قـَبْلُ فنـَسيَ ولم نجـِدْ له عَـزْماً واحتجَّ على ذلك بقولهم في التَّصغير: أنيسيان، وفي الجمع: أناسيّ، وقد روي عن ابن عبَّاس الإنسان من النَّسيان ، وقال الطائيّ لا تـنْسَـيَـنْ تلكَ العُهـودَ وإنَّـماسُــمِّـيـتَ إنســـانـاً لأنّـك نـاسِ 4(”ثمَّ أفيضوا مِن حيثُ أفاضَ النَّاسُ “وقرأ بعضهم: 5(”سَواءً العاكِفُ فيهِ والبادِ “كما حُذفت في قوله تعالى: شاذ، وقولهم في الجمع: أناسيُّ، أصله أناسين، فأبدلت ”أنيسيان“الأنس، وأنَّ قولهم في التَّصغير: الياء من النون. والقول الأوَّل أحسن. سورة طه.115 - الآية 1 - عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: حَـبْـرُ الأمة 2 - أبو تمام حبيب بن أوس الطائي 3 سورة البقرة199- الآية 4 سورة الحج25 - الآية 5
عدد الصفحات ١٧٨178 فيقول آدم، صلَّى الله عليه: أبيتُم إلاَّ عقوقاً وأذيَّةً، إنّما كنت في الجنَّة أتكلَّم بالعربيَّة، فلمّا هبطت إلى الأرض نُقل لساني إلى السُّريانيَّة، فلم أئطق بغيرها إلى أن هلكت، فلمَّا ردَّني الله سبحانه وتعالى، عادت عليَّ العربيَّة، فأيُّ حينٍ نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة، ألا ترى قوله: مِنها خُلِـقْـنـا وإلـيهـا نعـودُ فكيف أقول هذا المقال ولساني سُريانيُّ؟ وأمَّا الجنّة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها، وأنّه ممّا حُكِم على العباد، لا فكاك منه كأطواق حَمام، وما رعى لأحدٍ من ذِمامٍ، وأمّا بعد رجوعي إليها، فلا معنى لقولي: وإليها نعود، لأنَّه كذبٌ لا محالة، ونحن معاشرَ أهلِ الجنَّة خالدون مُخـَلـَّدون. فيقول، قُضيَ له بالسَّعد المؤرَّب: إن بعضَ أهل السِّـيَر يزعم أنَّ هذا الشّعر وجَدَه جدُّنا يَعْـرُبُ بن قحطان في الصُّحف القديمة بالسُّريانيَّة، فنقله إلى لسانه، وهذا لا يمتنع أن يكون. وكذلك يروون لك، صلَّى الله عليك، لمّا قتل قابيلُ هابيلَ: َّـرتِ الـبـلادُ ومَـن عَـلـيـــهـا فـــوَجْــهُ الأرضِ مُـغـبَــرٌّ قـبـيــحُ تـَغـي َّــرى الوجـهُ الـمَـلـيـحُ وأودى رَبْــــعُ أهْـلــيـهـا فــبـانـــوا وغُـودِرَ في الـثـ وبعضُهم يُنشد: وزال بَـــشــاشــةُ الوجــهِ المَـليــحُ على الإقواء. وفي حكايةٍ معناها على ما أذكر أنَّ رجُلاً من بعضِ ولدِك يُعرَف بابن دُرَيدٍ أنشد هذا الشعر، وكانت روايته: وزال بشاشةُ الوجهِ المليحُ فقال أوَّل ما قال: أقوى. وكان في المجلس أبو سعيد السِّيرافيُّ فقال: يجوز أن يكونَ قال: وزال بــشــاشـــةَ الـوجــهُ المـليــحُ بنصب بشاشة َعلى التَّمييز، وبحذف التَّنوين لالتقاءِ السّاكنين، كما قال عَمرُو الـذي هَـشمَ الثـريدَ لِـقـومِـهِ وَرِجـــالُ مَـكـَّــة َمُسْـنِـتـونَ عِـجــافُ م. شاعر قريش في الجاهلية، وكان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، ثم عاد إلى 636 هـ15 - عبد الله بن الزِّبَعرى السهمي القرشي المتوفى 1 مكة فأسلم واعتذر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بحلة
عدد الصفحات ١٧٩179 قلت أنا: هذا الوجه الذي قاله أبو سعيدٍ شرٌّ من الإقواء عشرَ مراتٍ في القصيدة الواحدة. فيقول آدم، صلّى الله عليه: يعز عليَّ معشرَ بَـنِيَّ أنّكم في الضَّلالة غارقون متحيِّرون. آليت ما نطقت هذا الشعر، ولا نُطق في عصري، وإنَّما نظمه بعض الفارغين، فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله! كذبتم على خالقكم وربِّكم، ثمَّ على آدم أبيكم، ثمَّ على حَوّاءَ أمِّكم، وكذب بعضُكم على بعض، ومآلكم في ذلك إلى الأرض.
عدد الصفحات ١٨٠180 ذات الصفا ثمّ يضرِب سائراً في الفردوس، فإذا هو بروضة يُعجِب حسنُها، وإذا هو بحيَّاتٍ يلعبن ، فيقول: لا إله إلاّ الله! وما تصنع حيّةٌ في الجنّة؟ فيُنطِقها الله، جلَّتْ عَـظـَمتُه، فتقول: أما سمعت في عمرك بذات الصَّفا، الوافية لصاحبٍ ما وفى؟ كانت تنزل بوادٍ خصيب، يهفو إليه البعيد والقريب، وكانت تصنعُ الجميل لواحدٍ من بني آدمَ صُبحاً وعشيّاً ، ولكنه كان محتالاً غبياً، فلمّا زاد بصنيعها مالـَه، ورجا أن يحقق آمالـَه، ذكرعندها الثار، ونسي كم جنى من صحبتها الثمار، وأكبّ على فأسٍ ذاتِ حدٍّ أعجبه، يشحذها كي يقضي بها مأربَه، ووقف للسّاعية على الصخور، وهمَّ أن ينتقمَ منها بفجور، وكان أخوه ممَّن قتلته، جاهرته في الحادثة أو قيل خدعته، فضربها ضربةً قاتلة، لكنها كانت مخاتلة، فلمَّا توقت ضربة الفاس، والحقدُ يمسك منه بالأنفاس، ندمَ على ما صنع أشدَّ النّدم، وخاف منها أن تنتقم، فقال للحيّة مخادعاً، ولم يكن بما كتم مجاهراً وصادعاً: هل لكِ أن نعودَ خِلـَّين من الأخِلاّء، ونحفظ العهدَ حفظ الأوفياء؟ فقالت: لا أفعل وإن طالت دهور، فاجراً مسحوراً، وكيف آمن منك غدراً أو جوراً، تأبى ليَ صُلحَك ضربة فوق الهامة، ولن أصافيك إلى يوم القيامة، وما يدريني أنك لن تعود إلى الطبع الغدّار؟ وكيف آمنك في ليلٍ أو نهار؟ وقد وصف ذلك نابغة بني ذبيان فقال: وإنيِّ لألقى مِن ذوي الضِّغْن منهُمُوما أصبحَتْ تشكو من البَث ِّساهِـرَهْ ّـاً وظاهِـرَهْ كما لقِـيَـتْ ذاتُ الصَّفا من خـليلهـاوكانَـتْ تـَـديـهِ المـالَ غِـب فـلـمّـا رأى أن ثـمَّــرَ الـلــهُ مـالـَـهُفـأصْبـحَ مَـسْـروراً، وسَــدَّ مَـفـاقِــرَهْ َّــرةٍ، مِـن المَـعــاول، بـاتِـــــرةْ َبَّ عـلى فـأسٍ يَـحُـدُّ غُـرابَـهـــامُـذكـ أكـ ويضرب لمن لا يفي بالعهد، وتقول الحكاية إن أخوين كانا في إبل لهما ، وكان قريباً منهما وادٍ ” كيف أعاودك وهذا أثر فأسك“ - في الأمثال العربية 1 فيه حية تحميه ، فقال أحدهما للآخر: لو أني أتيت هذا الوادي الخصيب فرعيت فيه إبلي وأصلحتها، فقال أخوه: أخاف عليك الحية، لكنه عاند وهبط الوادي فرعى فلدغته الحية فقتلته، فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير، و لأطلبن الحية فأقتلها أو لأتبعن أخي، فهبط الوادي وطلب الحية ليقتلها، فقالت: هل لك في الصلح؟ أدعك بهذا الوادي وأعطيك في كل يوم ديناراً، فوافق وحلف لها وأعطاها المواثيق، فكثر ماله، ثم ذكر أخاه، فعمد إلى فأس فأحدّها وضربها فأخطأها، ووقع الفأس بالصخر فأثـَّرفيه، فقطعت عنه الدينار، وتخوَّف شرَّها وندم، فقال لها: هل لك في أن نعود إلى ما كنا عليه، فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك وانت فاجر لا تبالي العهد.
عدد الصفحات ١٨١181 وقامَ على جُحْرٍ لها فـوقَ صخـرةٍليَـقْتُـلَها، أو تُخطِىءَ الكـفُّ بـادِرَهْ َـمـِّـضُ ناظِـرَهْ َـرِّ عَـيـنٌ لا تُـغـ فـلمّـا وقـاهـا الـلـهُ ضربَةَ فـأسِـــهِولِـلـبـ َيْ نجْـعَـلِ الـلـهَ بَـيـننـاعلى مـالِـنـا، أو تُـنْـجـزي ليَ آخِــرَهْ فـقـال: تعالـ ْعَـلُ إنّـنـيرَأيْتُـكَ مَـسْـحوراً يَـمـيـنـُكَ فـاجـِـرَهْ فـقـالـتْ: مَـعـاذ الـلـهِ أفـ أبى لِـيَ قـبْــرٌ لا يَـزالُ مُـقــابـِلـيوضربَـةُ فأسٍ فـوقَ رأسـي فـاقِـــرَهْ فيتلو القرآن ليلاً، فتلقَّيت منه وتقول حيّةٌ أخرى: إنّي كنت أسكن في دار الحسن البصري الكتاب من أوَّلِه إلى آخره. فيقول، لا زال الرُّشدُ قريناً لمنطقِه: فكيف سمعته يقرأ: فالقُ الإصباح؟ فإنَّه يروى عنه بفتح الهمزة، كأنّه جمع صُبحٍ، وكذلك: بالعَشِيِّ والإبْكار كأنّه جمع بَكـَرٍ، من قولهم: لقيتُه بَكـَـراً، وإذا قلنا: إنَّ أنْعُماً جمع نعمة وأشُـدّاً جمع شِدَّة، على طرح الهاء، فيجوز أن تكون الأبكارُ جمع بُكـَـرةٍ، فتكون على قولنا: بُـكـَـرٌ وأبْكارٌ، كما يقال جُندٌ وأجْناد. فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهةً من الدَّهر، فلمّا توفَّي، رحمه الـلـه، انتـقـلت إلى جـدارٍ في دار أبي عـمـرو بن العلاء وكقوله: الأنجيل بفتح الهمزة. فلمَّا تُوفِّي أبو عمرو كرهت المقام، فانتقلت إلى الكوفة، فأقمت في جوار حمزة بن حبيبٍ وما أنتُمْ “4(”واتَّـقـوا اللهَ الذّي تـَـساءَلـُون بهِ والأرْحامَ “قوله تعالى: 6(”اسْتِكباراً في الأرضِ ومكرَ السَّيِّءِ “5(”بمُصْرِخِي إغلاقٌ لباب العربيَّة، لأنَّ الفرقان ليس بموضع ضرورةٍ، وإنّما حُكي مثل هذا في المنظوم. وقد رُوي أنَّ امرأ القيس قال: فاليومَ أشربُ غــيرَ مُستحْـقـِبٍإثـمـــاً مـن الـلــهِ، ولا واغِـل وبعضهم يروي: فاليوم أ ُسْقى، وإذا رُوي: فاليومَ أشربُ، فيجوز أن يكون ثمَّ إشارةٌ إلى الضمَّ لا حكم لها في الوزن، فقد زعم سيبويه أنَّهم يفعلون ذلك في قول الراجز: م ): كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة.728 -642هـ110 -21 - الحسن بن يسار البصري 1 م ). كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر770-689هـ154 -70 - أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري 2 م ). الإمام العلم التَّيميّ الكوفي الزيَّات، أحد القراء السَّبعة. كان عديم النَّظير في وقته 773-699هـ156-80 - حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل 3 علماً وعملاً، وكان رأساً في الورع سورة النساء1 - الآية 4 سورة ابراهيم22 - الآية 5 سورة فاطر43 - الآية 6
عدد الصفحات ١٨٢182 مــتــى أنــــامُ لا يــؤرِّقُــنــي الــكــرىلــيْــلاً ولا أســمــعُ أصـــواتَ المَــطِــيّْ وهذا يدل على أنَّهم لم يكونوا يبالون بإهمال الإعراب، فأمّا قول الرَّاجز: إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ: صاحبْ قوِّمِفي الــدَّوِّ، أمثالَ السَّـفـيـنِ العُـوَّمِ فإنَّه من عجيب ما جاء، وقدغفل قائله عن أن يقول: صاحِ قوِّم، فلا يكون بالوزن إخلالٌ،وهذا يشبه ما ادَّعوه في قول الهذلي أبــيــتُ عــلى مـــعـــارِيَ فــاخِــراتٍبِهـنَّ مُـلـَـوَّبٌ كـدَم العِـبـاطِ يزعم النّحويُّون أنَّ قوله: معارِيَ، حمله عليه كراهه الزِّحاف، وهذا قولٌ مردود، لأنَّ في هذه « ويدهش، حشره الله مع الأبرار المتَّقين، لما سمع من تلك الحيَّة، فتقول هي: ألا تقيم عندنا برهةً من الدَّهر؟ فإنِّي إذا شئتَ انتفضتُ من جلدي فصرت مثل أحسن غواني الجنَّة، لو ترشَّفت رضابي لعلمت أنّه أفضلُ من الدِّرياقة التي ذكرها ابن مقبل في قوله َـــةٍمَتـى مــا تُـلـَـيِّـنْ عِـظــامي تـَـلـِنْ سَـقــتْــني بصَـهـبــاء دِرْيــاقـ ولو تنفَّست في وجهك لأعلمتك أنَّ صاحبة عنترة نـَتِنَةٌ صدوفٌ والصَّدوف: الكريهة رائحة الفم، وإنّما تعني قوله: َمِ وكــأنَّ فـارة َتـاجـِـرٍ بـقـَـسـيمَةٍسَـبَـقـتْ عَوارِضَها إليكَ مِن الفـ ولو أدنيت وِسادَك إلى وسادي، لـفـضَّلتني على التي يقول فيها الأوَّل: باتتْ رَقوداً وسـارَ الرَّكْبُ مُـدَّلِجاًوما الأوانِــسُ في فِـكـْرٍ لِـسـاريـنـا َـتـَها مِسْـكٌ على ضرََبٍشِيبَتْ بأصهَبَ مِن بَيعِ الشـّآميـنا كأنَّ ريـقـ َّهـا أبَـداًويَـرْحـمُ الـلـهُ عَـبْـداً قالَ: آمـيـنـا َـنِّي حُـب يا ربِّ، لا تـسْــلـُب فيُذعَـرُ منها، جعل الله أمنَه مَوفورُاً، وشانئـَه بالحسرات مغموراً، ويذهب مهرولاً في الجنَّة، ويقول في نفسه: كيف يُؤمَنُ جانب حيَّةٍ لعابُها السُّمُّ، وبالفتكة في كل ساعة تهمّ؟ فتناديه: هلـُمَّ - المُتـَنَخـِّل مالك بن عويمر بن عثمان الهذلي. قال الآمدي: شاعر محسن. 1 - تميم بن أبيّ: سبقت ترجمته 2
عدد الصفحات ١٨٣183 إن شئت اللَّذَّة، فإنَّي لأفضل من حيَّةِ ابنة مالكٍ التي ذكرها العبسي مـا وَلـَدَتْـني حَـيَّــةُ ابْـنـــةِ مالـكٍسِـفاحاً، ولا قـَولي أحاديثُ كاذِبِ وأفضل معاشرة من حيَّة ابْنةِ أزْهر التي يقول فيها القائل: إذا ما شرِبنـا ماءَ مُـزنٍ بِـقـهْـوَةٍذكرنا عـليها حـيَّة َابْـنـةِ أزهـرا ولو أقمت عندنا إلى أن تخْـتـبِـرَ وُدَّنا وإنصافـَـنا، لندمت إن كنت في الدَّار العاجلة قتلت حّيةً أو ثعباناً. فيقول وهو يسمع خطابها الرَّائق: وهل ضيّقَ الله عليَّ رشفَ رُضاب الحُور الحسان، حتى أرضى بترشـُّـف هذه الحيَّة؟. - المقصود عنترة بن شداد 1
عدد الصفحات ١٨٤184 العودة إلى الحور العين فإذا ضرب في بساتين الجنَّة وحدائقها، لقيته الجارية التي خرجت من تلك الثـّمرة فتقول: إنِّي لأنتظرك منذ حينٍ فما الذي عن العودة منعك؟ لم تطـُلِ الإقامةُ معك، فأَمِّـلْ بالمحاورةِ مسمعَـك، قد كان يحقُّ لي أن أكون أثيرة عندك على حسب ما تنفرد به العروس، يخصُّها الرّجل بشيءٍ دون الأزواج. فيقول: كانت في نفسي مآرب من مخاطبة أهل النّار، فلمّا حققت من ذلك مأربي عدت إليك، فاتبعيني بين كثبان العنبر والمسك. فيجول بها تلال الفردوس ورمال الجنان، فتقول: أيّها العبد المرحوم، أظنُّك تحتذي بي فِعالَ الكنديّ فـقُـمْـتُ بهــا أمْـشـي، تجُــرُّ وراءَنـاعـلى إثـْـرِنــا أذْيــالَ مِـرْطٍ مُـرَحَّــلِ َـنْـقـَـلِ َحىبنا بَطنُ خـَبْـثٍ ذي قِـفافٍ عَـقـ فـلـمّـا أجَـزْنا سـاحَـة َالحَيِّ وانْـتـ ْخـَلِ َـشْـحِ ريَّا المُخـلـ َودَي رأسِهـا فـتمايَـلـتعَـليَّ هَضيمَ الكـ هَـصَـرْتُ بفـ فيقول: العجبُ لقدرة الله! من أين لك عِلمٌ بالكِنديّ وإنَّما نشأت في ثمرةٍ تبعدك عن الجنٍّ والناس؟ فتقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ويعرض له حديث امرىء القيس في دارة جُلجلٍ، فينشىء اللهُ، جلّت عظمتُه، حُوراً عيناً يتمايلن في نهرٍ من أنهار الجنَّة، وفيهنَّ من تخـفـُّـفِـهـنّ من ملابسِهن كتخفف صاحبة امرىء القيس، فيترامين بالثـَّرمد، وهو نبات مالح مُرّ، وإذا هو كأجلِّ ما في الجنَّة من طيب ، ويعقر لهنَّ الرَّاحلة، فيأكل ويأكلن من لحومها ما لا تكفي الكلمات لوصفه من إمتاعٍ ولذاذةٍ. - امرؤ القيس وسبقت ترجمته 1
عدد الصفحات ١٨٥185 جنـَّـة الرَّجَـز ويمرُّ بأبياتٍ ليست عالية كأبيات الجنّة، فيسأل عنها فيقال: هذه جنِّة الرُّجز، يكون فيها: الأغلب العجلي والعجَّاجُ ورُؤبة وأبو النّجم وحُمَيدٌ الأرقط وعُذافِـرُ بن أوسٍ وأبو نُخيلة وكلُّ من غُفر له إنَّ الله يحبُّ معالي الأمور “من الرُّجاز، فيقول: تبارك العزيز الوَّهاب! لقد صدق الحديث المرويُّ وإنَّ الرّجز لمن سفساف القريض، قصّرتم أيّها النَّفـَرُ فـقـصُرت بيوتكم عن بيوت ”ويكره سفسافـَها الشعراء. ويعرض له رؤبة فيقول: يا أبا الجَحّاف، كم كنت شغوفاً بقوافٍ لا تعجب، تصنع رجزاً على الغين ورجزاً على الطاء وعلى الظاء، وعلى غير ذلك من الحروف النّافرة، ولم تكن صاحب مثلٍ مذكورٍ، ولا لفظٍ عذبٍ مستحسن. فيغضب رؤبة ويقول: ألي تقول هذا وعنِّي أخذ الخليل، وكذلك أبو عمرو بن العلاء، ألم تكن في الدّارِ السّالفة تفتخرُ بالَّلفظة تقع إليك ممّا نقله أولئك عنِّي وعن أشباهي؟ فإذا رأى، لا زال خصمُه مُرغـَماً، ما في رؤبة من الفخْرِ والتكبُّر قال: لو جُمِعَ رجزك ورجز أبيك، لم تخرج منه قصيدةٌ مستحسنة، ولقد بلغني أنَّ أبا مسلم كلـَّمك بكلامٍ فيه ابنُ ثأداء، فـلم تعـرف أنها الـلـئـيمـة الحـمـقاء حتى سألتَ بالحيِّ عنها ، ولقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق، وإنّ غيرك أولى بالمنح والهبات. فيقول رؤبة: أليس رئيسكم في القديم، والذي انتهت إليه المقاييس، كان يستشهد بقولي ويجعلني له كالإمام؟ فيقول، وهو بالقول مُـنـطـَـقٌ: لا فخر لك أنِ اسْتُشهـِد بكلامك، فقد وجدناهم يستشهدون بكلام أمَةٍ خرقاء، وخادم يحمل جذوع الشجر اليابسة إلى النّار الموقـَدة، في الليالي الباردة، كأن البرد نفض عليها ريشه، وهدم لها الشيخ المقرور في بيته العريشة، لتأخذ خشبَها فتحرقُه، عسى النار بالدفء تجود، وينعم المقرور بالرقود، وأجلُّ أيامها أن تجني كمْأة لا يهمُّها أن تكون بيضاء أو سوداء، فكله رزق من رب السماء، تكره على الفقر القعود، وترعى من الإبل كلَّ مطرود. وكم روى النُّحاة عن طفلٍ صغير، ماله في الأدب من علم غزير، وعن امرأةٍ من النساء، لم تخرج يوماً من بيتها إلى الفضاء.
عدد الصفحات ١٨٦186 فيقول رؤبة: أجئت لخصامِنا في هذا المنزل؟ فامْض لما تريد، فقد أخذت بكلامنا ما شاء الله فيقول، أسكت الله مُجادله: أقسمت ما يَصلحُ كلامكم تطرَبُ له الآذان، وليس أفضل من القطران، تصُكـُّون مسامع الممدوح بالحجارة البيض والسود، وإنَّما يُطربُه السماع والمِسك والعود، فإذا خرجتم عن صفة جملٍ، ترثون له من طول العمر، إلى صفة فرسٍ سابحٍ، أو كلبٍ للقنص نابح، فإنًّكم غير الرّاشدين. 1(”يَـتـنـازعُـون فـيها كأساً لا لـَغْـوٌ فـيهـا ولا تـأثـيـمٌ“فيقول رؤبة: إنّ الله سبحانه وتعالى قال: وإن كلامك لمن لغو الحديث، ولست تسعى إلى الإنصاف السَعيَ الحثيث. فإذا طالت المخاطبة بينه وبين رؤبة، سمع العجاج، فجاء يسعى إلى المصالحة. سورة الطور.23 - الآية1
عدد الصفحات ١٨٧187 سرر أهل الجنة ويذكر، أذكره الله بالصّالحات، ما كان يلحق النَّدامى من فتور في الأعضاء، إذا شعشعت بينهم الصهباء، فيشتهي ذلك من غيرِ أن يذهب عقلـُه من سكرها، ولا يحتال عليه خدّاع بأمرها، فإذا هو يشعرُ في العظام النّاعمة فتوراً كدبيب نملٍ، أسرى في الليلة المقمرة على رملٍ، فيترنَّم بقول إياس بن الأرتّ أعاـذلُ لو شربتِ الخمـرَ حـتـىيَـظَــلَّ لـكُــلِّ أنْــمُــلَــةٍ دَبـيــبُ إذاً لعَــذرْتِــنـي وعَــلِـمْــتِ أنِّـيبمــا أتْــلــفـــْــتُ مــن مــالي مُصيبُ ويتَّكىء على مفرشٍ من السُّندس، ويأمر الحُورَ العِين أن يحملن ذلك المفرش فيضعنه على سريرٍ من سُرُر أهل الجنَّة، وإنَّما هو زبرجدٌ أو عسجدٌ، ويكوِّن البارىء للسرير حلقاً من الذَّهب تـَطيف به من كلِّ الأنحاء، حتى يأخذ كلُّ واحدٍ من الغلمان، وكلُّ واحدةٍ من الجواري شبيهاتٍ بالجمان، واحدةً من تلك الحلق، فيُنقل على تلك الحال إلى محلـِّه المُشيَّد بدارالخلود، فكلَّما مرَّ بشجرةٍ نثرت عليه أغصانها ماء الورد قد خلط بماء الكافور مثقالاً بمثقال، وبمسكٍ ما جني من دماء الغزال بل هو بتقدير الله الكريم. وتناديه الثمراتُ من كلِّ صوبٍ هو مستلقٍ على الظـَّهر: هل لك يا أبا الحسن، هل لك؟ فإذا أرادَ عنقوداً من العنب أو غيرَه قُطع من الشَّجرة بمشيئة الله، وحملته القدرة الإلهية إلى فمِه، وأهل الجنَّة يلقونه بأصناف التَّحيَّة، وآخرُ دعواهم أن الحمدُ لله ربِّ العالمين: لا يزال كذلك أبداً سرمداً، ناعماً في الوقت المتطاول مُخلـَّداً،وكل باب قد تأتي منه الأحزان كان موصداً. وقد أطلت في هذا الفصل، ونعود الآن إلى الإجابة عن الرَّسالة. م من أشراف طيء وفصحائها وشجعانها في الجاهلية. ولاه كسرى أبرويز الحيرة، ثم نحاه وولى 618 ق. هـ4 - إياس بن قبيصة الطائي المتوفى 1 النعمان وتعدى الروم تخوم العجم في أيام ابرويز فوجه إياساً لقتالهم فظفر بهم. ثم قتل أبرويز النعمان، وأعاد إياساً إلى ولاية الحيرة، وحدثت في أيامه وقعة ذي قار، وكان على العجم إياس، فانهزم وظل والياً على الحيرة إلى أن مات.
عدد الصفحات ١٨٨188 جواب رسالة ابن القارح فهمت قوله: جعلني الله فداءه، لا يذهبُ به إلى النِّفاق، وبُعْدِ ابن آدم من الوفاق، وهذه غريزةٌ خُصَّ بها الشيخ دون غيره، وتعَايشَ العالم بخداع، وأضحَوا من الكذب في إبداع. لوقالت شيرين الملكة لكسرى: جعلني الله فداءك ما دام ماء في مَجرى، لخادعته في ذلك ونافـقـته، وإن راقه جمالها دون زينة ووافـقـته، على أنَّه أخذها من حالٍ أحسنُ منها حال الصعلوك، فرفعَها وجعلها تحيى حياة الملوك، وعتب عليه في ذلك الأحبَّاء، ونُقلت عنهم في ذلك قصصٌ وأنباءٌ، وقيل له، فيما ذُكِر، والله العالم بما يُعلن المرء أو يُـسِـرّ: كيف تطيبُ نفس الملك لهذه المومس، وهي الوالغة في البَغي وإن كانت تؤنس؟ فضربَ لهم المثلَ بالكوب، وإذا حظيت الغانية صارت عند عاشقها أجملَ من الحُلِيِّ والطـُّيوب، فجعل في الإناء الشـَّعرَ والدَّم، وقال للحاضر ولا ندِم: أتهفو نفسُك لشرب ما فيه؟ أم تشمئز مما فيه؟ ثم أراق ذلك الشيء من القدح وأمَر به فغُـسِل، وهذَّب وعاءه ثمَّ طلاه بالعسل، وجعل فيه مُداما، وعرضها على النَّدامى، فكلّهم همّ بأن يشربَ ما في الإناء، ومن يعافُ لذيذ الصهباء؟ فقال: هذا مثل شيرين، فلا تكونوا في دروب السَّفه سائرين. كم من شبلٍ نافق أسدَ العرين، وأضمر له حقداً وكان من الحاسدين؟ ولبؤةٍ تُداهن الليث الشديد ، تُظهر له الحب وتُبغض أن تراه حتى من بعيد، وضيْغمٍ نقم على فـَرهود، وودَّ لو دفنه في أخدود، والفرهود ولد الأسد، وهو، آنسَ الله الإقليم بقربِه، أجلُّ من أن يُشرح له مثل ذلك، وإنَّما أفزع من وقوع هذه الرِّسالة في يد غلامٍ ما زال صغيراً، ليس بالفهم جديراً، فتستعجم عليه اللَّفظة، فيظلُّ معها كأنما كبلته قيود الحديد، لا يقدر على الإسراع ولا المشْي الوئيد. وكم خادعت الذِّئاب السِّـلــَق، وفي الضّمائرِ تُضمرُ الفِلـَق أي الدَّواهي، ومنه قول خلفٍ: موت الإمام فِـلـْقـَة ٌمِن الفِـلـَق - هو خلف الأحمر وسبقت ترجمته، وهذا القول شطر من ثلاثة من الرجز ولها حكاية، إذ جاء خلفٌ الأحمر إلى حَلـْقة يونس النحوي(وسبقت ترجمته) 1 فقال قَـدْ طـرَّقـَتْ ببِكرِها بِنْتُ طـَبَقْ فقـال يونس: ماذا؟ فـقـال: فذمَّـرُوها خـَبَـراً ضخْـمَ العُـنُـقْ فقال يونس: وماذا؟ فقال: مَـوتُ الإمامِ فِـلـْقـَـة ٌمِن الفِـلـَـقْ
عدد الصفحات ١٨٩189 ملكةً، ثمَّ صنعت له مهلكةً! يقول القائل: بأبي أنت، جاد عملك وأتقنت! ولو قدِرَ لقطع منه الوريد، وإنَّما من الخداع يستزيد . ولعل بعض الديوك يلفظ إلى الدجاجة حبَّة البُرِّ، ويأنس بها في حرٍّ وقرّ، وفي فؤاده من الحقد أعاجيب، وتكثر وتقلُّ المناجيب، والمناجيب ها هنا تحتمل أمرين: أحدهما من النَّجابة، والآخر من قولهم: مناجيب أي ضعافٌ، من قول الهذليّ ْتُهُ في ســوادِ اللَّيلِ يرقُبنيإذْ آثرَ النـَّومَ والــدِّفءَ المناجيبُ بَـعَـثـ والمعنى: أنَّ المناجيب من النَّجابة تقِـلُّ، والمناجيبُ من الوهْنِ تكثر. ولعلّ ذلك الديك الذي لايعرف السكوت، يرقب الدجاجة يتمنى أن تموت، يقول: في النّفس المتحدِّثة: لو أنِّي جُعِـلت في قِـدْرٍ، أو ضربت فلحِقت بالهَدْر، لتزوَّجت هذه من الدِّيكة شابَّاً في مقتبل العمر، يُحسن لها حبَّاً ويغمرها بالقبل أيَّ غـَمْر. وأنا أذكـِّرْه بالكلمةِ العارِضة، إذ كان قد بدأ بالإيناس، وأغضى عن مكائد النّاس: ألا يَعجبَ من قول العرب: فداءٍ لك، بالكسر والتنوين، كما قال الرّاجز وَيْــهــاً فـــــداءٍ لـكَ يا فـضالـَـهْأجـــِـــــرَّه الــرُّمــحَ، ولا تُـبـالـَـهْ ويروى تِهالـَه. وذكر أحمد بن عبيد بن ناصحٍ، وهو المعروف بأبي عصيدة كان لها مرافع لم يجز فيها الكسر والتَّنوين. ولا ريب أنَّه يحكي ذلك عن العلماء الكوفييِّن. وعـيْنه في قول النّابغة: َـمِّـرُ مِـن مالٍ ومِـنْ وَلـَـدِ ُّهُـمُومـا أثـ مهْلاً فـداءٍ لكَ الأقـــــوامُ كلـ فأمّا البصريّون فقد رووا في هذا البيت: فداءٌ لك. وكيف يقول الخليل الوفي، وهوبالعهود لا يفي: إنَّ حنينـَه حنين الوالهة من النُوق، وهي الذّاهلةُ إن حُمِل عليها حِملٌ إلى البيت أو السوق؟ فأما الحمامة الهاتفة فقد رزقها البارئ صيتاً شائعاً، وظلَّ م شاعر مخضرم، وفارس فاتك مشهور، ومن العدّائين، إذ كان يسبق الخيل. أسلم وهو 636 هـ15 - أبو خراش خويلد بن مرة الهذلي المضري المتوفى 1 شيخ كبير، وعاش إلى زمن عمر، وله معه أخبار، نهشته أفعى فقتلته - هو قيس بن العيزارة الهذلي. وهو شاعر جاهلي، والعيزارة أمه واسمه قيس بن خويلد بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل. أسرته قبيلة2 وأخذ تأبط شراً سلاحه ثم أفلت قيس هـ، وله من المصنفات: كتاب 278- أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر الديلمي البغدادي المعروف بأبي عصيدة النحوي، كان من أئمة العربية، توفي سنة 3 «
عدد الصفحات ١٩٠190 وصفها بالأسف ذائعاً، تنهض إلى التقاط حبٍّ، وتعود إلى أرض لها ذات عشب، فإن هي صادفت وليفـَها ظفر به بازٌ أو صقر من الصقور، أوغدا به مخلب شاهين، وهي، البائسة من اللاّهين، فماهي إلا مثل الحيوان، تملُّ حالها في أقصر زمان. وقد زعم زاعمٌ، لا يُصَـدَّق، أنَّ الحمائم في هذا العصر، يبكين مقعداً هلك في عهد نوحٍ، أبَـرَح له البارح أم رُمي بالسُّنوح، وإنَّ دوامَها على ذلك لدليل الوفاء، وما العوضُ عن خليل الصّفاء؟ لا عوض ولا نائب إلاَّ فيه، وكيف يعتب الزَّمن على تجافيه؟ وإنَّما حُشِيَ بشرٍّ وغـَدرٍ فظيع، ولكنه كـُتب له العِزُّ في القـَدْرِ الرفيع. وأمّا الظَّبية فإنّها لا تكف عن الحنين النظيف، يحملها على ذلك قلبٌ ضعيف. ومَن لها بالغصـون اليانعة من شـجـرالأراك، وهو الذي يُـتـَّخذ منه المسـواك، ومن كان هواه يعدل عن الخُـلـد، فإنّه إذا مال إلى الوِلـْد، فسوف تذره الدهور ناسياً غير مُـنْـطـَق، كأنَّه ما جزع آسِياً وأشفق. وما أقلَّ صِدقَ الألاّف، ولو بيعوا من الذَّهب،لا الفضة، بآلاف وليسَ خليلي بالمَلولِ، ولا الذّيإذا غِـبتُ عنه، باعَـني بخليلِ وأحسب كـُثيِّراً تفوَّه بهذه المقالة غافلاً، وكان بنشاط الشباب جاهلاً، فكيف يقدر على إخاء المَلـَك، أم كيف يرتفعُ إلى الفـَلك؟ وأمّا ما ذكره من حالي، حاشاه أن يلحظ بنواظرِ الغِـيَر، ومُتِّع من المال بِـحِـيَر أي كثير، قال الرَّاجز: ُـرافــسُـــــقْ لــهُ يـــاربِّ مـــالاً حِـيَّـرا يا ربَّـنـا من سَـرَّه أن يكـْب فطالما أعْطِيَ الوثن حظوظاً موفورة، فصار حضوره للجهلة وعوداً مشهورة! فإن سُرِرت بالباطل، فشُهرت بالخمرة دون طائل، وإنَّ الصابر مأجورٌ محمود، ولا ريب أن سيُـقـْدَرُ لمن ارتحل شربٌ مفقود. وأحلف كيمين امرىء القيس لمَّا رغب في مقامه عند المحبوبة، ولم يفرق من الراغبة ولا المرغوبة، فقال: فقـُلتُ: يَـميـنَ اللهِ، أبْـرحُ قاعـداًولو قطعوا رأسي لدَيكِ وأوصــالي م ) . متيم مشهور، من أهل المدينة، سكن مصر حيث دار عزة بعد زواجها ووجد عند 723 - 660 هـ105 - 40- كـُثـَيِّر بن عبد الرحمن من خزاعة 1 صديقه عبد العزيز بن مروان يسر العيش. وتوفي في الحجاز هو وعكرمة مولى ابن عباس في نفس اليوم فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس
عدد الصفحات ١٩١191 والأخرى التي أقسم بها زهير الحكيم، إذ هبَّت ريح الصِّـبا والنسيم، أعني قوله َهرجالٌ بنـَوهُ، من قُـريشٍ وجُـرهُـمِ فأقسمتُ بالبيتِ الذي طافَ حولـ َنِعْـمَ السَّـيـِّدان وُجـِدْتُـمـــاعلى كلِّ حالٍ من سَحيـلٍ ومُـبْـرَمِ يمـيـناً لـ وباليمين التي نطق بها ساعدة، والمهجة إلى ملكها صاعدةٌ، فقال حَلِفَ امــرىءٍ بَـرٍّ سَرِفـْتِ يَمينَهُوَلِكُلِّ ما تُبدي النُـفـوسُ مُجَرَّبُ وأقسم مع ذلك قسم الفرزدق ما صنع فقال: ألـَم تـَـرَني عاهَـدْتُ رَبّـي وَإِنّـَـنـيلـَـبَـيـنَ رِتـاجٍ قـائِــمٌ وَمُـقــــامِ عَلى حِلـْفةٍ لا أشْـتُـمُ الدَهْـرَ مُسلِماًوَلا خــارِجــاً مِــن فِـيَّ سُــوءُ كلامِ إنِّي لمكذوب عليه كما كذبت العرب على الغول، وإنَّها عمَّا يحكى عنها بالها مشغول، وكما تقوَّلتِ الأمثال السائرة على الضَّبِّ وكـُنيتُه أبو الحِسْل، وهو عما تقوَّلوا في شغل. وكما تكلَّمتْ على لسان الضَّبع وهي خرساء، ما أطلق لسانها الصبح ولا المساء. يُظنُّ أنَّني من أهل العلم الجليل، وما أنا له بالصاحب ولا الخليل. وتلك لعمري بلوى، تفتقد معها السلوى. والعلوم تحتاج إلى جَلـَدٍ ومراس، ودارسٍ للكتب ينقطع للدراس. ويقال إننَّي من أهل الدِّين الأبرار، ولو ظهر ما وراء السِّـتار، ما اقتنع لي الواصف بالشتْم، وودَّ أن يسقيني السمّ، وكيف يُدّعى لحمار الوحش، وإنَّما أبد في الرّوض الحبشي، أن نهيقه في السَّحر أشعارٌ موزونةٌ، تفرح القلوب المحزونة؟ وهل يُصوَّر لعاقلٍ يتأمل، أنَّ الغراب النّاعق صدح بأحلى أشعار الغزل؟ وأنَّ العصافير الطّائرة في السماء، كعصافير المنذر يملأ تغريدها الفضاء؟ وكيف يظنُّ الظانُّ أن للغراب سجْعَ حمامة، وإنَّه لأخرس مع الدَّمامة؟ فبَعُد من زعم أنَّ الحجر يتكلـَّـم، وأنَّه عند الضَّرب يتألـَّم. ومن الـْتمس كسوة من زبد أفواه الإبل ، فإنَّه لا يجد من يوافقه بالعجل. ساعِدَة بن جُؤَيَّة بن كعب بن كاهل من سعد هذيل. من مخضرمي الجاهلية والإسلام، أسلم وليست له صحبة، شعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة. 1 م) شاعر من النبلاء. يشبَه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء728 - 658 هـ110 - 38 الفَرَزدَق همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، 2 الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإسلاميين. كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه. لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه.
عدد الصفحات ١٩٢192 ولو أنِّى لا أشعر بما يقال عني، لأرحت من إنكاري وظني، وكنت كالوثن: سواءٌ عليه إن وصفته الوقار، يبقى حجراً من الأحجار، وكالأرض السَّبْخة ما تحفِل أن قيل: هي مُريعة، أو قيل لها: بئست للزرع الطبيعة؛ وكالجدي المذبوح: ما يأبه لقول الآكل: إنّه لسمين، ولا قول القصاب: إنَّه يشبع البطون. والله المستنصَر على البروق الخادعة، ومتى كامن للسيل مانعة؟ وكيف أغتبط إذا تقوَّلوا عليَّ، ونسبوا المعرفةُ إليَّ؟ ولست آمناً في العاقبة، فضيحةً ونظرة لوم ثاقبة، ومَثـَلي، إن فرحتُ بذلك، مَثـَلُ من اتـُّهم بمالٍ، فاعتقد أنَّ ما ذاع من الخبر يأتيه بجمال، فسرّه قولُ الجهلة: إنّه لأخو يسار. فطلب منه بعض السَّلاطين أن يحمل إليه ضريبة كبيرةً، فأنكر وكشف السريرة، وضربه كي يُقرَّ، وقُـتل في العقوبة لا في كرٍّ ولا في فرّ. وقد شهد الله أنِّي أفرح بمن عابني، لأنّه صدق فيما رابني، ويركبني الهمُّ لثناءٍ يكذب، يتركني كالطَّريدة التي لا تأكل ولا تشرب، ولو نُطِحت بقرني جرادة، لامتنعتُ من كلِّ إرادة. فغفر الله لمن ظنَّ حسناً بمن ركبته السيئات، وجعله حجّة في القادمات. ولولا كراهتي حضوراً بين النّاس، وإيثاري أن أموت ميتة ظبيٍ في شجرٍ يباس، فاجتمع معي أولئك المتعاهدون، لصحَّ أنَّهم عن الرُّشِد يبتعدون، وأنار لهم الحقُّ في الجبال والوِهاد، وكانوا كمن خرَط القتاد وأمّا وروده حلب، حرسها الله، فلو كانت تعقل لفرحت به فرح العجوزالشّمطاء تسعى، ليست من أصحاب الإبل ولا ترعى، غاب سليلها الواحد، وما هو لحقـِّها جاحدٌ. وقدِمَ بعد أعوام شقاء، ففرحت به فرح الظمآن بالماء، وكانت معه كالظبية معها وليدها، رتعت به في المدى ، تخاف عليه الردى، فلمّا رأت المكان آمناً، ولم تخش من السباع كامناً، انبسطت وخلَّفته في السهل الواسع، والتمست المرعى لا تخشى الموانع، لتملأ لغذائه الضُّروع، وتبعد عنه الجوع، فعادت المسكينة فلم تره، فقالت للصّمد: لا تُتعِبه إن كان وقع في مخالب الذِّيب، ومُنِي ببعض التَّعذيب، فأنت القادر عل تعويض الأطفال، والعالِم بعقبى الحَسن من الفال. فبينما هي تبكي يملؤها الأسى والوله، جاءها صوته من أصل كثيب اتخذ فيه مكمناً، ولم يرَ من الرُّماة من أعد قوسه وجنى، هدأ هناك لما امتلا، فما ساءه القدر ولا سباع الفلا. فغمر فؤادها فرح وسرور، من بعد ما وضحت لها الأمور. ولو رجع القارظ لإيابه، وما قُدِر من زوالِ مُصابِه، إلا دون ما أنا مضمرٌمن المسرَّة بدُنوِّ الدِّيار. وإلقائه عصا التِّسيار، القتاد: شجر له شوك كالإبر، والخرط: قشرك الورق عن الشجر اجتذاباً بكفك، وهوأن تقبض على أعلاه ثم تمُِرَّ يدَك عليه إلى أسفله. ولذلك قالوا في 1 المثل: دونه خرْطُ القتاد القـَرَظُ: شجر يُدْبَغُ به، والقارظُ: الذي يجمع القرَظَ ويجتـَنيه. ومن أَمثالهم: لا يكون ذلك حتى يَؤوبَ القارِظان، وهما رجلان من عَنَزَة،خرجا يَجْتـَنِيان 2 القرَظَ فلم يرجعا فضُرب بهما المثل
عدد الصفحات ١٩٣