المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الصوائت في القرآن الكريم دراسة معملية

عبد الرزاق سعود غثيث

صفحة ٨ من ١٤

113 أما القراءة الأخرى فجاءت بكسر الهاء (هِدنا إليك)، وقد قرأ بها أبو وجرة السعدي(369)، فهي من هاد ه ي هيد ه ه يدً ا وه يّده أي ح رّك ه وأصاح ه . واله يد : الحركة. كقول أبن هرمة: ثمَّ استقامت له الأعناق طائعةً فما ي قال له ه يْدٌ ولا هاد أي لا يحرك ولا ي منع من شيء ولا يزجر عنه(370)، فيكون تفسير الآية على هذه القراءة: حركنا إليك نفوسنا(371). وقال أبو عمرو بن العلاء (ت154ها) عن هذا المعنى: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة (372). فيما فسر ابن جني (هِدنا) بالكسر في هذه القراءة با (انجذبنا وتحرّكنا)، يقال: هادني يهيدني هيدً ا، أي جذبني وحركني، فكأنه قال: إنّا هِدنا أنفسنا إليك، وحركناها نحو طاعتك(373). وقيل هادّه يهيد ه إذا أماله كما ورد في الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج في مرضه يتهادى بين اثنين أي يتمايل، ومنه الهديّة لأنها تمال من م لك إلى م لك ومنه اله دي للحيوان، الذي يساق إلى الحرم (374). ورأي الباحث با (هدنا) سواء أكانت مضمومة الهاء أم مكسورةً، فإن التعبير القرآني كان دقيقً ا في اختيار هذه اللفظة دون سواها وأنها عبّرت بجميع معانيها المختلفة التي تم ذكرها آنفً ا على تمام الخضوع والاستسلام لله سبحانه و تعالى. وهناك من الكلمات القرآنية ما كان بها تبادل حركي في الصوائت القصيرة مثل الإبدال في "(ر ضوان) و (رِضوان) (375)، و(خِفية) و(خ فية (376)، و(أ سوة و (إِسوة)(377(")378). (369)ينظر ابن جني، المحتسب1/372. (370) ينظر لسان العرب 15/176 (371) ينظر العكبري، التبيان في إعراب القرآن1/597. (372) ينظر البغوي، معالم التنزيل، تحقيق: محمد عبدالله النمر، وعثمان جمعة ضميريّة، وساليمان مسالم الحارش، ط1، دار طيبة، 1409 ها، الرياض، ج 1، ص102. (373) ينظر ابن جني، المحتسب1/372 (374) ينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط 2، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1935م، ج1، ص147. (375) آل عمران 162

عدد الصفحات ١١٣

114 3- بين الفتح والكسر فقد جاء التبادل في بعض القراءات بين الفتح والكسر في عدة مواضع من القرآ ن الكريم، نذكر منها قوله تعالى: { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين(379). جاءت(السهِلْمِ ) بفتح السين وكسرها، فقال الزمخشري: "ق رِئ بكسر السين وفتحها، وقر أ الأعمش بفتح السين واللام، وهو الاستسلام والطاعة"(380). وقيل هي بمعنى: الإسلام، وقيل: الصلح(381). وعن الكسائي نقل القرطبي أن (السلم) تأتي بكلا الحالتين بمعنى واحد، وكذا هو عند البصريين، ويأتيان بمعنى الإسلام والمسالمة، وهناك من فرّق بينهما، فجعل الكسر للإسلا م والفتح للمسالمة، فيما أنكر المبرد هذه التفرقة بدعوى أن اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما بالسماع ويحتاج من فرَّق إلى دليل(382). ووافق العكبري الزمخشري في ما نقله إذ قال: "ي قرأ بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام وبفتح السين واللام: وهو الصلح، وي ذكَّر ويؤنّث، ومنه قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(383)، ومنهم من قال الكسر بمعنى الإسلام والفتح بمعنى الصلح، وقال ابن الأثير: يروى بكسر السين وفتحها، وهما لغتان للصلح"(384). هذا ما ذ كر عند أهل التفسير والقراءات، أما أهل اللغة فإنهم يذهبون إلى أنه على الرغم من اختلاف الحركتين إلا أن المعنى واحد في كلاهما، ذكر ذلك صاحب اللسان إذ قال: "عنى به الإسلام وشرائعه كلها، وقرأ أبو عمرو بكسر السين يذهب بمعناه إلى الإسلام، ثم يقول معقبً ا (والسلم) بالفتح والكسر الإسلام"(385). (376) الأنعام63 (377) الأحزاب 21 (378)محمد داود، الصوائت والمعنى34 (379) البقرة 208. (380) الزمخشري، الكشاف124، وينظر ابن الجزري، النشر في القراءات العشر2/227. (381) ينظر الزمخشري، الكشاف124 . (382) ينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2/3/20: والكشاف124. (383) الأنفال61. (384) العكبري، التبيان في إعراب القرآن1/168-169. (385) ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت ، 1955م،ج 7، ص243- 244.

عدد الصفحات ١١٤

115 ومن خلال هذا العرض يتبيَّن لنا أن (السلم بالفتح والكسر جاء بمعنى الإسلام والمصالحة، وهو من باب اختلاف اللهجات وتباين اللغات. ونأخذ مثالاً قرآنيً ا آخر في هذا الشأن قوله تعالى: {(386)، فالقراءة المشهورة بفتح الميم والفاء فيِ (المفر)، فيما جاءت بقراءة أخ رى (الم فِر) بفتح الميم وكسر الفاء(387)، وقرئت أيضًا (المِف ر) بكسر الميم وفتح الفاء(388). فالقراءة المشهورة التي جاءت بفتح الميم والفاء، والتي ر سِم عليها المصحف فهي من المصدر أي أين الفرار؟ (389). قال الشاعر يا لب كرٍ انشروا لي ك ليبً ا يا لب كرٍ أين أي ن الفِرار (390) قال الأخفاش والزجااج: لأن كال مصادر يبناى علاى هاذا البنااء، ي جعال م فع الاً(391)، فهاو قاول جمهااور أهااال اللغااة، ومعنااااه: يقاااول هااذا الإنساااان المنكاار لياااوم القياماااة، إذا رأى هااذه الأحاااوال أيااان الم ف اار؟(392)، ويجاااوز ابقاااؤه علاااى حقيقااة الاساااتفهام بساابب الدهشاااة والتحيّاار(393)، وقيااال أيضًاا ا أناااه يحتمل وجهين: أحدهما: أين الم ف رُّ من الله استحياءً منه، والثاني: أين الم ف رُّ من جهنم حذرً ا منها، ويحتماال هاااذا القاااول مااان الإنساااان وجهاااين أيضًااا ا: أحااادهما: أن يكاااون مااان الكاااافر خاصاااة فاااي ياااوم القيامة دون المؤمن: لثقة المؤمن ببشرى ربه، والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها(394). (386) القيامة10. (387) قاااراءة ابااان عبااااس: ينظااار معااااني القااارآن للفاااراء 3/210، ونسااابها بااان جناااي لابااان عبااااس وعكرماااة وأياااوب السحتياني والحسن البصري ينظر المحتسب: 2 :402 . (388) قرأ بها الزهري، ينظر المحتسب2/204، والجامع لأحكام القرآن: 19 :68. (389) ينظر الأخفش الأوسط، معاني القرآن، تحقيق: هدى محمود قراعة، ط 1، مكتبة الخانجي، القااهرة، 1990، ج2، ص557، والمحتسب2/402. (390) البيااات للمهلهااال بااان ربيعاااة التغلباااي، استشاااهد باااه الأخفاااش الأوساااط حاااين فسااار الم ف ااار باااالفِرار، ينظااار معااااني القرآن: 2 /557. (391) ينظر الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبدالجليل عباده شالبي، ط 1، عاالم الكتاب، القااهرة، 1988م، ج5، ص252، وينظر الأخفش الأوسط، معاني القرآن 2/557 . (392) ينظر الرازي، التفسير الكبير30 /195. (393) ينظر الآلوسي، روح المعاني 15 /154. (394) ينظر الرازي، التفسير الكبير: 30 /195.

عدد الصفحات ١١٥

116 أمااا قااراءة (الم فِاارُّ) بفااتح الماايم وكساار الفاااء فهااو الموضااع (395)، اساام مكااان قياسااي ماان ي فِاار بالكساار(396)، أي: أياان مكااان الفاارار (397)، قااال الأخفااش: وإذا أراد المكااان قااال: الم فِاارّ، لأن كاال مااا كااان فعلااه علاااى ي فْعِاال كاااان الم فْعِاال مناااه مكسااورً ا، نحاااو الم ضاارِب إذا أردت المكاااان الااذى ي ضااارب فيااه(398)، ومثّااال الزجااااج لااذلك قاااائلاً: فاااإذا قلاات: ج ل سااات م جْلِسًااا ا، فأناات ترياااد المكاااان (399)، فيكاااون معنى الآية على هذه القراءة: أين الموضع أو المكان الذي ي ف رُّ إليه (400). وفي هذا المقام لا بدَّ لنا أن ننظر إلى سياق الآية، وربطها بما بعدها لتوجيه المعنى توجيهً ا دقيقًااااا، ومااااا يؤكااااد ذلااااك أن الآيااااة التااااي جاااااءت بعاااادها يقااااول الله ساااابحانه وتعااااالى فيهااااا: { وَزَر (401)، والاااوزر فاااي كااالام العااارب هاااو الجبااال الاااذي ي لجاااأ إلياااه، وكااال ماااا ألتجِاااأ إلياااه وت خلاااص به(402)، وقد روى القرطبي قائلاً : "وكان ابن مسعود يقول: لا حصن. وكان الحسن يقول: لا جبل. وابن عباس يقول: لا ملجأ، وابن جبير: لا محيص ولا منعة. المعنااى فااي ذلااك كلااه واحااد. والااوزر فااي اللغااة: مااا يلجااأ إليااه ماان حصاان أو جباال أو غيرهمااا، قااال الشاعر: "لعمري ما للفتى من وَزَرْ من الموت يدركَهُ وال كِّبَرْ" (403) وهنااا ناارى أن هناااك تناساابًا و تناسااقً ا بااين قولااه تعااالى ( لا و ز ر) مااع تفسااير قااراءة (الم فِاار) بكسر الفاء لأنه المكان الذي ي فر إليه. أما القراءة الثالثة التي جاءت بكسر الميم وفتح الفاء (المِف ار)، فمعناهاا الإنساان جياد الفِارار، كقولهم: رجل مِطع ن، ومِضار ب أي: مطعاان ومِضاراب، وأكثار ماا يساتعمل هاذا الاوزن فاي الآلات (395) ينظر لسان العرب 10 /217. (396) ينظر الآلوسي، روح المعاني 15 /154. (397) ينظر الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 5 /252. (398) ينظر الأخفش الأوسط، معاني القرآن 2 /557. (399) ينظر الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 5 /252. (400) ينظر ابن جني، المحتسب2 /402. (401) القيامة11. (402) ينظر الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 5 /252. (403) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 19 /96.

عدد الصفحات ١١٦

117 وفااي صاافات الخياال(404)، كقولااك فاارس مِف اار بكساار الماايم أي يصاالح للفاارار عليااه(405)، قااال أماارؤ القيس: مِّكَر مِّفَر مُقبل مدبر معً ا كجملود صخر حطه السيل من علِّ (406). يريد به أنه ح س ن الكرِّ والفرِّ. قال ابن جني في توجيه معنى هذه القراءة "معناه أين الإنسان الجياااد الفااارار؟ ولااان ينجاااو ماااع ذلاااك لا انّ هنااااك مطمعًااا ا فاااي الحيااااه"(407)، وتابعاااه فاااي ذلاااك أغلاااب المفسرين (408). وهنااااك كلماااات قرآنياااة أخااارى اختلفااات فيهاااا الصاااوائت القصااايرة مثااال (يحس ااابهم) بفاااتح الساااين و(يحسِااابهم) (409)، بكسااار الساااين و(عس ااايتم وعسِااا يت م) (410). و (وق ااارن وقِااارن (411)، و(ح اااج وحِاااج (412). 4-بين الضم والفتح في مقابل الفتح والسكون بعد أن أخاذنا عينااتٍ مان التغيار فاي الصاوائت القصايرة، التاي تحادث فاي القاراءات القرآنياة، نااأتي لأخااذ عينااة وردت فااي القاارآن يكااون فيهااا التغياار الحركااي بااين صااائتين قصاايرين معًااا، مقاباال حااركتين أ خااريين، وهااذا النااوع ماان التغياار الحركااي نجااده فااي قولااه تعااالى: { أَخْرَجْنَععا لَهُععمْ دَابَّععةً مهِععنَ الأَرْ ِ تُكَلهِمُهُععمْ أَنَّ النَّععاسَ كَععانُوا بِآيَاتِنَععا لاَ يُوقِنُععون (413)، إذ وقااع التغياار (404) ينظر ابن جني، المحتسب2 /402، والآلوسي، روح المعاني 15 /154. (405) ينظر لسان العرب 10 /217. (406) ديوانه119. (407) ابن جني، المحتسب2 /402. (408) ينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 19 /96، والآلوسي، روح المعاني 15 /154. (409) البقرة 273. (410) البقرة 246. (411) الأحزاب 33. (412) آل عمران 97. (413) النمل82.

عدد الصفحات ١١٧

118 الحركاااي باااين الضااام والفاااتح فاااي قو لاااه (ت ك لّمهااام) لتصااابح (ت كْلِم ه ااام) ماااع فاااتح التااااء وساااكون الكااااف وتحقيق اللام في قراءة أخرى (414). وقاااد اساااتدل أهااال التفساااير بقاااراءة (ت ك لّمهااام) بضااام اليااااء وفاااتح الكااااف لتعضااايد أحاااد وجهاااي التفسير، الأول: ما جاء في قراءة أ باي ماا يؤياد هاذه القاراءة، إذ قارأ أ باي (رضاي الله عناه) (ت ن بّائ ه م) (415)، وما قرأه أيضًا ا يحياى بان سالاّم (تحادثهم) (416)، وكالا القاراءتين بمعناى ت ك لّمهام، وقيال أيضًا ا تخااااطبهم فتقاااول للماااؤمن: هاااذا ماااؤمن وللكاااافر: هاااذا كاااافر(417)، وقيااال تكلمهااام بلساااان ذلاااق فتقاااول بصوت يسمعه من قار ب ومان بع اد (أَنَّ النَّعاسَ كَعانُوا بِآيَاتِنَعا لاَ يُوقِ نُعون) أي بخروجاي، لأن خاروج الدابة يعد من آيات الله وتقول: (ألا لعنة الله على الظالمين) (418). والثاني: (ت ك لّم ه م) بمعنى ت جر ح ه م، مان الك لْام، وجااءت بالتشاديد للدلالاة علاى التكثيار كقولاك ت ج ااارّح هم، يقاااال فااالان م ك لّااام أي م ج ااارَّح، وقيااال ت سِااام ه م (419)، واساااتدلوا بقاااراءة (ت كْلِم ه ااام) بفاااتح التااااء وسكون الكاف التي تقدم ذكرهاا، قاال ابان جناي: "ت كْلِم ه ام: ت جارحهم بأكلهاا إيااهم، وهاذا شااهد لمان ذهب في قوله: ت ك لّم ه م إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلهاا إيااهم، ألا تارى أنَّ ت كْلِمهام لا تكاون إلا مان الك ل اام وهااو الجاارح، وهااذه المااادة ممااا وضااعته العاارب عبااارة عاان الشاادة هااي وتقاليبهااا السااتة... وإن شااائت كاااان هاااذا شااااهدً ا لمااان ذهاااب إلاااى أن ت ك لّم ه ااام تجااارحهم، أي تفعااال بهااام ذلاااك بكفااارهم وزوال يقينهم"(420). فيما ساوى ابن عباس (رضي الله عنه) بين القاراءتين حاين س ائل عان هاذه الآياة فقاال: "هاي والله ت ك لّم ه م وت كْلِم ه م: ت كلِّم المؤمن وت كْلِم الكافر والفاجر"(421)، أي تجرحه (414) وهااي قااراءة اباان عباااس وسااعيد باان حبياار ومجاهااد والجحاادري وأبااي زرعااة، ينظاار اباان جنااي، المحتسااب2 / 189 ونسبت أيضًا إلى أبي زرعة وأبن عباس والحسن وأبي رجااء، ينظار القرطباي، الجاامع لأحكاام القارآن: 13 / 155. (415) ينظر ابن جني، المحتسب2 /189. (416) ينظر أبو حيان الأندلسي، البحار المحايط، تحقياق: عاادل أحمادعباد الموجاود، وعلاي محماد معاوض، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993، ج7، ص91. (417) ينظر المرجع نفسه 7/91. (418) ينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 13 /155. (419) ينظر الرازي، التفسير الكبير14 /187، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 13 /155. (420) ابن جني، المحتسب2 /189- 190، وينظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 13 /155. (421) تفسير القرطبي 13 /238.

عدد الصفحات ١١٨

119 وهاتان القراءتان تبرزان -كما أبرزت القراءات الأخرى - أثر الإبدال في الصاوائت القصايرة، وكياااف أساااهم هاااذا الموضاااوع فاااي بياااان الصاااورة الكلياااة للمشاااهد القرآناااي وإيضااااح المعااااني والتناااوع الدلالي. ثانيً ا: الصوائت الطو يلة إن قلب الصوائت الطويلة، أو إنابة صائت مكان آخر فاي القارآن الكاريم يعاد قلايلاً جادً ا، إذا ما ق ورِن بالصوائت القصيرة، ليس ذلك فحسب بل أنه لام يكاد يوجاد إلا فاي القاراءات الشااذة، التاي سنحاول أن نذكر بعضً ا منها على سبيل المثال: 1- إبدالُ الألفِّ ياءً كقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُعواْ مِنْهَعا جَمِيعًعا فَإِمَّعا يَعأْتِيَنَّكُم مهِنهِعي هُعدًى فَمَعن تَبِععَ هُعدَايَ فَعلاَ خَعوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون (422)، الشاهد في (ه دايَّ) إذ ت قرأ على (ه د يّ (423)، قال عنهاا ابان جناي "هذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم، أن يقلبوا الأل ف من آخر المقصور إذا أضيف إلى يااء الماتكلم ياءً"(424). ودعّاام اباان جنااي كلامااه بصااحة وجااود إباادال فااي هااذه القااراءة، بااذكر شااواهد ماان كاالام العاارب كقول الشاعر: سبقوا ه و يَّ وأعنقوا لهواهم فتحزموا ولكل جنب مصرع (425) وهذا البيت استشهد به الأشموني في شرحه لألفية ابن مالك كشاهد على جواز إبدال الألف ياءً إذ قال: "وفي المقصور عن هذيل انقلابها ياءً حسن"(426). ومن قول العرب: " هذه ع ص ي، ورأيت ح بلًي (427). (422) البقرة 38، وذكرت الكلمة نفسها في سورة طه، آية 123 . (423) قراءة أبي الطفيل وعبد الله بن أبي أسحق، وعاصم الجحدري، وعيسى بن عمر الثقفي (424) ابن جني، المحتسب1 /76. (425) البيااات لأباااي ذؤياااب فاااي انبااااه الااارواة1 /52، والنمااار5 /52، وسااار صاااناعة الإعاااراب: 2 /700، وشااارح أشعار الهذليين: 1 /7، وغيرها من الكتب (426) شرح الأشموني لألفية ابن مالك 2 /193. (427) ابن جني، المحتسب1 /76.

عدد الصفحات ١١٩

120 وهناك جدلٌ أثير حول هذه القضية، قضية إبدال الألف ياءً في هذه القراءة، فمن العلماء من أهل اللغة من أنكر وجود إبدال، وقالوا: إن ما موجود في هذه الكلمة هو حذف للألف مع إبقاء أثر يدل عليها، وهي الفتحة على الدال، ومنهم من أيَّد هذا، ومنهم من أنكر، وليس المقام هنا لمناقشة هذه القضية بقدر ذكرنا لما يخص بحثنا بمسألة التغير الذي يطرأ على الصوائت الطويلة. 2- إبدالُ الألفِّ واوً ا جاء ذلك في قوله ت عالى: { يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِي (428). الشاهد في (ندعوا) إذ قلبتْ الواو ألفً ا لتصبح على قراءة الحسن البصري رحمه الله (يدعى)(429)، وهي لغة من أبدل الألف في الوصل واوً ا نحو: (أفقو) و (ح بل وْ) (430). وكان سيبويه قد نسب هذه اللغة إلى بعض الأقوام من طي، معللاً استعمالهم الواو لا الياء بدلاً من الألف أن الواو أبين من الياء، وأنهم لم يجيئوا بغيرها، لأنها تشبه الألف في سعة المخرج والمد (431). ومن إبدال الألف واوً ا جاء أيضً ا في قراءة أ بي بن كعب في قوله تعالى: {الِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (432). وقد قرأها ابن كعب (ح ابًا) بدل (ح وبا)(433). فالجمهور يقرأها كما في رسم المصحف بضم الحاء قبل الواو (ح وبً ا) (434)، والحسن البصري يقرأها بالفتح ويقال انها لغة تميم(435). إبدال الياء واوًا: (428) الإسراء 71. (429) ينظر أبو حيان الأندلس، البحر المحيط7 /87، وابن جني، المحتسب2 /22. (430) ينظر ابن جني، المحتسب2 /22. (431) ينظر الكتاب2 /182. (432) النساء2. (433) ينظر الشوكاني، فتح القدير، تحقيق: يوسف الغوش، ط4، دار المعرفة، بيروت، 2007، ص268. (434) ينظر أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط3 /161. (435) ينظر المرجع نفسه 1 /359.

عدد الصفحات ١٢٠

121 جاء ذلك في قوله تعالى { زَعِيم (436). فكلمة (صواع) قلبت الواو فيها ياءً لتصبح (ص ياع (437)، قرأ بها ابن جبير "وذكرها الشوكاني قراءة لأ بي بن كعب من غير ضبط للصاد بحركة"(438)، لأنها في قراءة ابن جبير جاءت مضبوطة بضم الصاد. ومثلها كلمة (طوبى) على قراءة الجمهور، جاءت بقلب الياء واوً ا لتصبح (طيبى) (439)، من قوله تعالى: { (440). ثم نقل الدكتور/ محمد دواد في كتابه الصوائت والمعنى في العربية عن الأزهري(441)، أنه "نسبت بعض الكلمات بالياء لتميم وبالواو للحجاز، من ذلك: (قنيان) عند تميم و (قنوان) عند الحجازيين، والكلوة لغة في الكلية عند أهل اليمن" (442). وكل ما ذكر من إبدال وتغير في الصوائت الطويلة، إنما هو من باب التنوع اللهجي وليس فيه أي شيء يذكر من التعارض أو التناقض أو ما شاكل. الخـلاصـة: إن الصوائت القصيرة إذا ما اختلفت وتبادلت فيما بينها في الكلمات، فإنها لا تعدو أن تكون أحد أمرين. - إما أن تختلف القراءة ويبدل الصائت مكان الآخر في الكلمة الواحدة مع بقاء المعني نفسه. - وإما أن تختلف القراءة ويبدل الصائت مكان الآخر في الكلمة الواحدة مع اختلاف المعنى، إلا أن الدلالة تبقى كما هي، فالمعنيان يدلان على شيء واحد كما أسلفنا في الأمثلة التي سقناها سالفً ا. (436) يوسف72. (437) ينظر القرطبي 9 /230، والشوكاني، فتح القدير: 707. (438) عبااد اللطيااف الخطيااب، معجاام القااراءات، دار سااعدالدين للطباعااة والنشاار والتوزيااع، دمشااق، ط 1،2002، ج4، ص308. (439) ينظر أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط5 /390. (440) الرعد 29. (441) ينظر الأزهري، تهذيب اللغة9 /315. (442) محمد داود، الصوائت والمعنى: 35.

عدد الصفحات ١٢١

122 وهذان الأمران لا ثالث لهما، لأنه إذا اختلف الرسم واختلف المعنى ولم يعطِ الدلالة نفسها صار تناقضً ا، وحاشى لله أن يكون كلامه متناقضً ا.

عدد الصفحات ١٢٢

123 المبحث الثالث الوقف على الصوائت الطويلة في الفاصلة القرآنية الفاصلة القرآنية: نتطرق هنا لعرض وجيز لتعريف مصطلح الفاصلة اصطلاحً ا عند العلماء، فقد قال الرماني: إن الفواصل "حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني "(443)، وقال ابن منظور: إنها أواخر الآيات في كتاب الله(444)، وكذلك قال الزركشي إلا أنه شبهها بقافية الشعر وقرينة السجع (445). فيما يرى بعض العلماء أنها أعم مما ذ كِر، فقد تكون الفاصلة رأس آية وغير رأس الآية، فكل رأس آية فاصلة ولا عكس (446). وما نستخلصه هنا هو أن "الفاصلة في القرآن الكريم: آخر كلمة في الآية، كالقافية في الشعر، وقرينة السجع في النثر" (447)، إلا أنه لا يمكن لنا أن نسميها قافية، لأن الله لما سلب عن القرآن اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضً ا لأنها منه، وخاصة في الاصطلاح(448)، وكذلك لا يمكن وصفها بالسجع لأنه مأخوذ من سجع الحمام ويوصف به الكهان الذين كانوا يوهمون الناس أنهم يعلمون الغيب به. الوقف على الصوائت الطويلة: إن استعمال الصوائت الطويلة في الوقف، سواء في نهاية الآيات والفواصل أو في غيرها، يعد نغمً ا صوتيً ا، لا يخلو من التجانس والتناسق والانضباط، مع البعد الدلالي أيضً ا وإبراز الصورة الجمالية، فقد قال أبو القاسم الهذلي (ت 465ها): "وهذا القرآن نزل باللغة العربية، (443) الرماني، النكت في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله أحماد ومحماد زغلاول سالام، ط 3، دار المعاارف بمصر، القاهرة، ص 97 (444) ينظر ابن منظور، لسان العرب، مادة (فصل (445) ينظاار الزركشااي، البرهااان فااي علااوم القاارآن، تحقيااق: محمااد أبااو الفضاال إبااراهيم، دار التااراث، القاااهرة، ج 1، ص53. (446) ينظر المرجع نفسه 1/53- 54 (447)محمد الصغير، الصوت اللغوي في القرآن143. (448) ينظااار السااايوطي، الاتقاااان فاااي علاااوم القااارآن، تحقياااق: مركاااز الدراساااات القرآنياااة، مجماااع الملاااك فهاااد لطباعاااة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1426 ها، ص1787.

عدد الصفحات ١٢٣

124 والوقف والقطع من حليتها، فأداء الوقف حلية التلاوة، وتحلية الدراية، وزينة القارئ، وبلاغة التالي، وفهم المستمع، وفخر للعالم"(449). وقال الطاهر بن عاشور (ت1393ها): "فمن الغرض البلاغي الوقوف عند الفواصل لتقع في الأسماع فتتأثر نفوس السامعين بمحاسن تلك التماثل، كما تتأثر بالقوافي في الشعر وبالأسجاع في الكلام المسجوع.. ألا ترى أن من الإضاعة لدقائق الشعر أن يلقيه ملقيه على مسامع الناس دون وقف عند قوافيه! فإن ذلك إضاعة لجهود الشعراء، وتغطية على محاسن الشعر، وإلحاق للشعر بالنثر، وإن إلغاء السجع دون وقوف عند أسجاعه هو كذلك لا محالة، ومن السذاجة أن ينصرف ملقي الكلام عن محافظة هذه الدقائق فيكون مضيعً ا لأمر نفيس أجهد فيه قائله نفسه وعنايته"(450). وطبعًا فإن الطاهر بن عاشور ليس بصدد المقارنة ما بين القرآن وغيره بقدر أنه ذكر ما ذكر على وجه التقريب والتوضيح. كما روي ع ن أم سلمة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ك ان إذا قرأ قطع قراءته آية آية(451). ويمكن أن نعرض صورتين لجمال الوقف في القرآن باستعمال الصوائت الطويلة الأول: الوقف على صائت يكون في نهاية الكلمة، كما في سورة الضحى مثلاً ، فإن التشكيلات الصوتية في هذه السورة وغيرها تنصب في وحدة موضوعية واحدة في أثناء الوقف على الفواصل لتتحد في داخل البنية الكلية للسورة عامة، ولنتأمل قوله تعالى في: { فَتَرْضَى (452). (449) أبو القاسم الهذلي، الكامل في القراءات العشرين والأربعين الزائدة عليها، تحقيق: جمال بن السيد بن رفاعي الشايب، ط1، مؤسسة سما للنشر والتوزيع، 2007، ص132. (450) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج1، ص76. (451) أبااو داود، ساانن أبااي داود، تحقيااق: شااعيب ارنااؤوط، ومحمااد كاماال قااره بللااي، دار الرسااالة العالميااة، طبعااة خاصاااة، دمشاااق، 2009م، كتااااب الحاااروف والقاااراءات، رقااام الحاااديث 4001)، ج6،ص124. والترماااذي، سااانن الترمذي، تحقيق: محمد ناصر الدين الالباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، في كتاب فضائل القارآن، باب ما جااء كياف كانات قاراءة النباي: ص 653 رقام الحاديث 2923)، وذكاره ابان الجازري فاي النشار1/226 وقال: "حديث وسنده صحيح (452) الضحى5.

عدد الصفحات ١٢٤

125 فقد حذف المفعول الثاني لا (يعطيك) والغاية من الحذف لجعل الباب مفتوحًا في العطاء وعدم تحديد ال عطية لتشمل كل أنواع العطايا، وهذا الأمر جاء لمراعاة السياق القرآني في الفاصلة وجمالية الوقف، فضلاً عما ذكر من العطاء المفتوح، وهنا ما أكدته بنت الشاطئ عندما قالت: "إن البيان القرآني جاء مسايرً ا للإطلاق دون التحديد، فحسب الرسول (صلى الله عليه وسلم) الإعطاء الذي يرضه وليس وراء الرضى مطمح ولا بعده غاية" (453). ثم إننا كثيرًا ما نرى تغيّر الفاصلة القرآنية وانتقالها من حرف إلى آخر، فسورة الضحى: يكون الانتقال فيها من حرف صائت طويل هو الألف إلى الراء ثم يختمها بحرف التاء، وهذا التنوع الصوتي الذى لم تألفه العرب، بل اعتادوا على أن يكون حرف الروي أو القافية واحدة من بدايتها إلى نهايتها، إلا أن القرآن جاء بصورة مغايرة أعجزتهم على الرغم من فصاحتهم وباعهم الطويل في اللغة والأدب والشعر. الثاني: الوقف على حرف صامت قبل حرف صائت كما في سورة الرحمن، فقد وردت الألف مقترنة بالنو ن في منحنى كبير من فواصل السورة، وقد جاءت الكلمات في الفواصل على نوعين:  يكون فيها الألف والنون من أصل الكلمة كما في قوله تعالى { الْقُرْآن (454).  يكون فيها الألف والنون ملحقين بالكلمة دلالة على التثنية في حالة الرفع، كما في قوله تعالى: { (455). يقول الدكتور محمد الصغير في هذا الشأن: "وورود النون بعد حروف المد متواكبة في القرآن حتى عاد ذلك سرً ا صوتيً ا متجليً ا في جزء كبير من فواصل آيات سوره" (456). وكذلك الحال بالوقف على حرف النون قبله الواو أو الياء، وفي كثير من الأحيان نرى تنوعً ا في الفواصل ما بين الواو والنون والياء والنون كما في سورة المؤمنون وسورة الشعراء وغير هما. فيقول الدكتور محمد الصغير عن هذه الظاهرة ظاهرة التنوع ما بين الواو والنون مع الياء والنون: "إن ما أبداه الزركشي من ختم كلمة مقطع الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون، ليس بالضرورة للتمكن من التطريب، ولكنه يشكل ظاهرة بارزة في صيغ تعامل القرآن الكريم مع (453) عائشااة عباادالرحمن بناات الشاااطئ، التفسااير البياااني للقاارآن الكااريم، مكتبااة الدراسااات الأدبيااة، دار المعااارف، القاهرة، ط 7، ج1، ص38. (454) الرحمن 1-5 (455) الرحمن 19- 21 (456) محمد الصغير، الصوت اللغوي في القرآن155

عدد الصفحات ١٢٥

126 هذه الحروف مقترنة بالنون، وقد يخفى علينا السبب، ويغيب عنا جواهر المراد، ومع ذلك فهو ملحظ متحقق الورود"(457). وماان مراعاااة الوقااف علااى الفاصاالة جاااء السااياق القرآنااي مسااتخدمًا ثاالاث حااالات: الحااذف، والزيادة، والتقديم والتأخير. الحـذف: ماان دواعااي الحااذف فااي القاارآن الكااريم ر عايااة البعااد الصااوتي، وتحقيااق الفاصاالة ماان خاالال العنايااة بالنساااق القرآناااي، ويمكااان ملاحظاااة ظااااهرة الحاااذف لصاااائت ماااا فاااي القااارآن كماااا فاااي قولاااه تعاااالى: { (458). فنجاااد أن الساااياق القرآناااي آثااار حاااذف اليااااء فاااي كلمااا ة (يساااري) مراعااااة للفاصااالة القرآنياااة فاااي السورة لتكون منتهياةً باراء مكساورة، ماع أن الفعال غيار مجازوم. وفاي الساورة نفساها يتكارر الحاذف في قوله تعالى: { (459)، فقد استحسان الفاراء هاذا الحاذف قاائلاً: "وحااذفها أحااب إلااي لمشاااكلتها رؤ وس الآيااات ولأن العاارب قااد تحااذف الياااء وتكتفااي بكساار مااا قبلهااا منها"(460)، إلا أن الدكتور إبراهيم السامرائي قدم تعليلاً آخر لهذا الحذف فقال: "جملة هاذه العناياة بطول الآية واستبدال بعض الكلم ببعض مقصود لما يؤدي إليه من نظام حسن هو أسلوب (بديع القارآن)" فالحاذف عناد السا امرائي لا بادّ لاه مان أساباب. فبالإضاافة إلاى التناساب ورعاياة الفواصال، المختومااة بااالراء المكسااورة هناااك ضااربٌ ماان المشاااكلة فااي هااذا الحااذف لأن طبيعااة الااراء المكسااورة يأتي متناسبً ا ومتناسقً ا مع طاول المقااطع الصاوتية فاي الآياات الساابقة واللاحقاة، ويمكان ملاحظاة هذا الأمر أيضً ا في قوله تعالى: {(461). ويااارى الباحاااث أن هاااذا الحاااذف وفَّااار للفاصااالة نغمًاااا متميااازً ا، فاااي اساااتمالة العقاااول والأذهاااان، للوقااوف علااى مكااامن وخبايااا هااذه التعااابير واسااتلهام الأفكااار، واسااتخراج المعاااني الحقيقيااة، لكاالام الخالق عز وجل. الزيـادة: (457) محمد الصغير، الصوت اللغوي في القرآن156. (458) الفجر1-4. (459) الفجر9. (460) الفراء، معاني القرآن، عالم الكتب، ط 3، بيروت،1983، ج3، ص260. (461) القمر21.

عدد الصفحات ١٢٦

127 والزياااادة نقااايض الحاااذف، فنجاااد أن هنااااك فواصااال قرآنياااة زيااادت فيهاااا الصاااوائت فاااي بعاااض المواطن من القرآن. كما في قوله تعاالى: (وَتَظُنُّونَ بِعاللَِّّ الظُّنُونَعا ) (462)،(وَأَطَعْنَعا الرَّسُعولاَ )(463)، (فَأَضَععلُّونَا السَّععبِيلاَ )(464). فنجااد أن كلمااات (الظنااون) و (الرسااول) و (الساابيل)، جاااءت معرفااة بااا (ال) التعريف، فالأصل ألاّ تلحق بالألف، إلا أنهاا أتصالت بهاا الألاف لتحقياق الانساجام الصاوتي فاي الفواصاال، ومسااألة إلحاااق ألااف فاي نهايااة الاساام المعاارف بااا (ال) يعاد طبيعيًااا فااي بعااض لغااات العرب كما في معلقة عمرو بن كلثوم، وهذا الأمر نجده واضحً ا في أشعار العرب أكثر من نثارهم وكلامهااام، كماااا "قااارأ ناااافع وابااان عاااامر وأباااو بكااار الظنوناااا والرساااولا والسااابيلا باااالألف فاااي الوقاااف و الوصاال"(465)، وقااال الاادكتور ابااراهيم السااامرائي عاان هااذه الزيااادة: "ولااولا رعايااة الفاصاالة لكااان ماان الصواب والصحة أن تكون الآية (وتظنون بالله الظنون)" (466)، لكن الزركشي أعطى توجيهً ا لهاذه الألفاااظ بقولااه: "فواصاال هااذه السااورة منقلبااة عاان تنااوين فااي الوقااف، فزيااد علااى النااون ألااف لتساااوي المقاطع، وتناسب نهايات الفواصل"(467). وكذلك الحال في قوله تعالى{(468)، نجاد أن (سلاسل) جاءت منونة مع كونها ممنوعة من الصرف على وزن صيغة منتهى الجموع (مفاعل)، لتكون متناسقة ومناسبة للسياق مع قولاه (أغعلالاً وسععيرًا) وهاذا التناساب مقصاود يقتضايه تجوياد الأداء(469)، ونختم موضاوع الزياادة باذكر رأي ابان قتيباة الاذي يعاد معتادلاً بشاأن هاذا الموضاوع إذ جااوَّز هااذه الزيااادة لتسااتوي رؤوس الآيااات علااى مااذهب العاارب فااي الكاالام إذا تاامَّ فآذناات بانقطاعااه وابتداء غيره لأنه مما لا يزيل معنى عن جهته ولا يزيد ولا ينقص (470). (462) الأحزاب 10 (463) الأحزاب 66 (464) الأحزاب: 67 (465) أبو زرعة، حجة القراءات، تحقيق: سعيد الافغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1393ها، ص57. (466) إبراهيم السامرائي، من وحي القرآن، اللجنة الوطنية للاستقبال، بغداد، 1981، ص135- 176. (467) الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1 /61. (468) الانسان4. (469) ينظر إبراهيم السامرائي، من بديع لغة التنزيل، دار الفرقان، عمّان، 1984، ص302. (470) ينظاار اباان قتيبااة، تفسااير غريااب القاارآن، تحقيااق: الساايد أحمااد صااقر، دار الكتااب العلميااة، بيااروت، 1978، ص440.

عدد الصفحات ١٢٧

128 التقـديـم والتأخير وهاااذا الأمااار يتحقاااق فاااي كثيااار مااان آياااات القااارآن، لتحقياااق التوافاااق والنساااق الصاااوتي للقااارآن، ولمشاكلة الفاصلة، فإن الله سبحانه وتعالى قدم اسم هارون على موسى في قوله: { سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِعرَبهِ هَعارُونَ وَمُوسَعى (471)، هاذا التقاديم جااء ليراعاي الفاصالة فاي الساورة، التاي انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها، على الرغم مان أناه مان المفتارض تقاديم موساى على هارون، لأن هارون كان وزيرً ا عند موسى. ومثله قوله تعالى في: {(472)، فإن الادكتور إباراهيم الساامرائي يقاول عن تقديم إياك في هذه الآية: "إن العناية بالشكل في نظام الفواصل هذا هي وحدها استعدت هاذا التقديم وليس من أجل غرض آخر" (473). وأخيارًا ياارى الباحااث أنّ موضااوعة الفاصاالة القرآنياة عامااة والوقااف علااى الصااوائت -موضااوع بحثنا- خاصة أعطاى صاورً ا جلياةً فاي إظهاار إعجااز القارآن الكاريم صاوتً ا ومعناى، وتكشافت لادينا معاني ودلالاتٍ تبرز إعجاز القرآن بلفظه ومعناه وإظهار الجانب الجمالي من خلال الوقا ف علاى الصوائت، فهي من أدوات التلذذ بتلاوة القرآن، قال علم الدين السخاوي (ت 643ها): "وقاد اختاار العلماااء وأئمااة القااراء تبيااين معاااني كاالام الله عااز وجاال وتكمياال معانيااه، وجعلااوا الوقااف منبهًااا علااى المعنى ومفصلاً بعضه عن بعض، وبذلك تلذ التلاوة"(474). وقال الادكتور محماد داود: "إن موسايقى القارآن وإ يقاعاه لا ينبعاان مان جارس الحاروف والكلماات، ولا ماان تجااانس الأصااوات والتراكيااب فحسااب، باال ماان التااآزر بااين الصااوت والمعنااى، بااين الأنغااام الخارجية والنغم الداخلي المنبعث من المعاني وظلالها المرهفة الباعثة على التأمل العميق والتدبر المتاااأني لكلماتااااه وآياتاااه، فترتعااااد لوقعاااه القلااااوب، وتقشاااعر الجلااااود، ثااام تلااااين وتااارق خاشااااعة لااااذكر الله"(475). (471) طه70 (472) الفاتحة4 (473) إبراهيم السامرائي، من وحي القرآن 131. (474) علم الدين السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، تحقيق: علي حسين البوّاب، مكتبة التاراث، مكاة المكرماة، ط1،1987، ج2، ص554. (475) محمد داود، الإعجاز البياني في القرآن الكريم، الهيئة العالمية في القرآن والسنة: ص 63.

عدد الصفحات ١٢٨