97 تتذكر- الآن من قول الله سبحانه: (قَالُواْ الآنَ )(306)، فتثبت الواو من (قالوا) لتلوُّمك عليها للاستذكار ثم تثبت همزة (الآن)، وأعني همزة لام التعريف. ومثله (اشتروا) إذا وقفت مستذكرً ا لا(الضلالة)(307)، فتضم الواو من(اشتروا) على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وقفة الاستذكار، في حدِث هناك واوً ا تنشأ عن ضمة واو الضمير، تبتدئ فتقول: (الضلالة)، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال في هذا"(308). وهناك أسباب أخرى تدعو إلى طول المد في القرآن خاصة منها قال أبو العباس المهدوي (ت/ 440هـ "والعرب إنما تستعمل المد عند التطريب وتعظيم الأمور بالوعظ والتهديد وأشبه ذلك" (309)، وعند المبالغة في نفي الشيء أيضًا كما في مد (لا) في (لا اله إلا الله)، تعظيمً ا لله تعالى، وإشعارً ا بتوحيده سبحانه ونفي ما سواه من المعبودات. وكذلك أن للمدِّ سمت ه البارزة في التغني بالقرآن الكريم، لما يضفيه على القراءة من حلاوة وطلاوة، وقد عدَّ بعض العلماء سبب وقوع المد في أواخر الآيات (الفواصل) وجود التمكن من التغني وقابلية الترنم (310)، ويمكِّن القارئ من تصوير المعاني ويساعد في إيضاح دلالاتها المختلفة. كما أن هناك مقاطع صوتيةً مغرقة في الطول والمد والتشديد مع ندرتها في القرآن، لكن القرآن يستعمل أفخمها لفظً ا، وأعظمها وقعً ا مثل: الحاقّة، الطام ة، الصاخّة، دابّة، كافَّة. "هذه الصيغة صوتيً ا تمتاز بتوجه الفكر نحوها في تساؤل، واصطكاك السمع، بصداها المدوي، وأخيرً ا يتفاعل الوجدان معها مترقبً ا: الأحداث،(311)، النتائج المجهولة(312). (306) البقرة 71. (307)البقرة 16. (308) اباان جناااي: المحتساااب1/247، وينظااار الخصاااائص3/125،128- 133/ وسااار الصاااناعة2/650، 720،775. (309) المهدوي، شرح الهداية1 /30. (310) ينظر القسطلاني، لطائف الإشارات 1 /111. (311) وردت مكتوبة المفاجئات خطأ وصححت (312) محمد الصغير، الصوت اللغوي في القرآن 168
عدد الصفحات ٩٧98 ثم أنها "كلمات تستدعي نسبةً عالية من الضغط الصوتي، والأداء الجهوري لسماع رنتها، مما يتوافق نسبيً ا مع إرادتها في جلجلة الصوت، وشدة الإيقاع، كل ذلك مما يوضع مجموعة العلاقات القائمة بين اللفظ ودلالته في مثل هذه العائلة الصوتية الواحدة"(313). أسباب قصر المد هناك سببان لا بدَّ فيهما من تقصير المد الطويل، يلجأ فيهما العربي إلى عدم المد: الأول: كراهية العربية للمقطع المديد المغلق (314) من مثل: لم يبيع تصبح لم يبع، يسألون تصبح يسألن(315). الثاني في حالة التقاء صائتين طويلين داخل السياق، كإضافة واو الجماعة إلى الأفعال المعتلة الناقصة، التي لامها ألف نحو: رأى يرى ، ودعا، يدعو، وبكى- يبكي، وهو تعاقب لا تستسيغه العربية ألبتة، فهنا لا بدَّ أن تحوّل واو الجماعة إلى نصف مد، ما يعني ظهور مقطع مديد مغلق، فيخضع هذا المقطع إلى الإلغاء عن طريق تقصير صوت الصائت الطويل فيه، وهكذا تظهر عندنا الصيغ النهائية لهذه الأفعال(316). رأيوا - رأيْوا- رأوا دعاوا - دعاو- دع وْا أنواع المد: هناك أنواعٌ للمدِّ تكلّ م عنها علماء التجويدِ والأداء القرآني، نقلوه من القراءات المتواتر ة، منها: (313) محمد الصغير، الصوت اللغوي في القرآن: 168-169 (314 )أنواع المقا طع: - مقطع قصير مفتوح: يتكون من صامت وصائت قصير(حركة)، كما في (ك ت ب ). - مقطع طويل مغلق: يتكون من صامت وصائت قصير (حركة) وصامت مثل ي كْ من كلمة يكتب، - مقطع طويل مفتوح: يتكون من صامت وصائت قصير ثم صائت طويل مثل ك ا في كلمة كاتب. - مقطااع مديااد مغلااق: يتكااون ماان صااامت وصااائت قصااير ثاام صااائت طوياال وصااامت، مثاال ق ااالْ، ويتكااون أيضًااا ماان صااامت وصااائت قصااير ثاام صااائت طوياال وصامتين(صااامت مشاادد فااي حالااة الوقااف ) مثاال ش ابٌ .( ينظر عطية سلمان أحمد، الفونيمات فوق التركيبية في القرآن الكريم، الأكاديمية الحديثاة للكتااب الجامعي، ص140، وينظر صلاح حسنين، دراسات في علم اللغة: ص 141). (315) ينظر المطّلبي، في الأصوات العربية291. (316) ينظر ظاهرة النفخ ودورها في الأنظمة الصوتية، مجلة آفاق عربية، بغداد، 1976، ص36.
عدد الصفحات ٩٨99 مدُّ المبالغة يقال عنه مدّ التعظيم، وهذا المدّ ورد عن أصحاب قصر المدّ المنفصل، إذ قرأوا بالتوسيط في (لا) إذا وقعت قبل (إله) نحو قوله تعالى: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... )(317). كما في الجدول التوضيحي أدناه: السورة الآية الكلمة الصائت التردد/هيرتز المدة/ثا البقرة 255 الله الألف 106,3 3.746 لا الف 119,3 0.548 إله الألف 137,8 3.582 إلاّ الألف 131 3.461 القيوم الواو 119,5 0.694 ويمكن أيضا عرض صورة التردد الخاص با(لا) في البرنامج التحليلي كما في أدناه صورة تردد الألف في (ل) ولقد سمي مد المبالغة، لأنه طلبٌ للمبالغة في نفي إلوهية سوى الله سبحانه، وهذا معروف عند العرب، لأنها تمد عند المبالغة في نفي الشيء، وهذا ما تمت ملاحظته في درجة تردد الألف في المثال السابق الذي أعطى دلالةً التعظيم. لأن العلماء- علماء التجويد- استحبوا مد الصوت با (لا إله إلا الله) تعظيمً ا لله تعالى، وإشعارً ا بتوحيده سبحانه، ونفي ما سواه من المعبودات، ومن هذا النوع مد المبالغة بمقدار ألفين، وذلك للنفي في (لا) النافية للجنس التي للتبرئة عند الإمام حمزة (ت/ 156ها(318). (317) سورة البقرة 255، وسورة آل عمران 2. (318) ينظر النشربن الجزري: 1/344.
عدد الصفحات ٩٩100 مدُّ الفرق يأتي للفرق بين الاستفهام والخبر(319)، كما في قوله تعالى(... قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ ...) (320). وكلمة (آلآنَ ) من قوله تعالى: {(321)، ومن قوله: { وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِين (322) وقوله تعالى (... قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ ... )(323)، فقد تكررت لفظة (ءالذكرين) مرتين، وكذلك لفظة (ءالآن)، وسنرى الترددات جميعها مع الصور التوضيحية لكل منها كما يلي: السورة الآية الكلمة الصائت التردد/هيرتز المدة/ثا الأنعام 143 ءالذكرين الألف 189 0.309 الأنعام 144 ءالذكرين الألف 188,6 0.302 يونس 51 ءالآن الاأف 174,3 0.342 يونس 91 ءالآن الألف 199,3 0.368 يونس 59 ء الألف 166 0.363 (319) ينظر الشهرزوري، المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر، دراسة وتحقيق: إبراهيم بن سعيد الدوسري، إشراف: عبدالعزيز بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين، قسام القارآن وعلوماه، الساعودية، 1993،ج4، ص1455، والساخاوي، جماال القاراء وكماال الإقاراء، تحقياق: علااي حسين البواب، ط1، مكتبة التراث، مكة المكرمة، 1987، ج2،ص523. (320) الانعام143،144. (321) يونس51، (322) يونس91. (323) يونس59.
عدد الصفحات ١٠٠101 صورة مد الألف لكلمة (ءالذكرين ) من سورة الأنعام الآية 143 صورة مد الألف لكلمة (ءالذكري ن) من سورة الأنعام الآية 144
عدد الصفحات ١٠١102 صورة مد الألف لكلمة (ءالآن) من سورة يونس الآية 51 صورة مد الألف لكلمة (ءالآن) من سورة يونس الآية 91
عدد الصفحات ١٠٢103 صورة مد الألف لكلمة (ءالله) من سورة يونس الآية 59 يقول المظهري عن هذا المد: "أجمع القراء على إبدال الهمزة الثانية أو تسهيلها وكذا كلما دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل نحو آلله، آلآن" (324). أما رأي أهل التجويد فيه فكان مفصلاً، عبر عن قولهم ما نصه: "هو لون من المد اللازم الكلمي... ووجه تسميته مد الفرق أن المد فيه يمنع حدوث لبس بين الجملة الخبرية التي تقرر خبرًا أو حقيقةً، و بين الجملة الاستفهامية التي تسوق سؤالاً ينتظر الإجابة، ويمكّن السامع أن يفرق بينهما... ولكي نفرق بين الحالتين، أتينا بالمد اللازم بمقدار ست حركات بعد الهمزة حال الاستفهام فقط، لكي يتحقق الفرق بينهما، وهو مع كلمة (ءالآن) يسمى مد الفرق المخفف لعدم وجود ش دَّ ة بعد المد، ومع (ءالذكرين) و(ءالله) يسمى مد الفرق المشدد لوجود شدة بعد المد فوق الذال من الكلمة الأولى وفوق اللام في الكلمة الثانية"(325) مد هاء الكناية: قال عنها المفسرون: إن القصد من الصلة في لفظ (ارجهي) في قصة موسى وفرعون (326)، مثلاً في بعض القراءات، هي لل تشنيع على ملأ فرعون ما أمروا به، (324 )المظهري، تفسير المظهري3/321. (325 )فريال زكريا العبد، الميزان في أحكام تجويد القرآن، دار الإيمان، الإسكندرية، 2005م، ص186. (326) ذلك في سورة الأعراف 111، والشعراء 36.
عدد الصفحات ١٠٣104 ومثلها ما قيل إن القصد من الصلة في(فيهي) من قوله تعالى: { الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (327)، جاء لإسماع الخلق ما أ وعِد به العاصي(328). وفي ختام موضوع مد الصوت وقصره وأنواعه، فلا بد من الإشارة إلى أن للمد أهميةً كبيرةً في إبراز المعاني وإظهار الغايات، ليس المد للجمالية والتنغيم والتطريب فحسب، وإنما يعد اختلاف طول المد في أغلب الأحيان مؤثرً ا في تغيير المعنى، الصرفي على الأقل، كما في قولنا ق ت ل ، وقاتل، فإشباع الفتحة ومدها يحوِّل الفعل إلى فاعل، كما أن سوء أدائه يكدر رونقه ويخرجه عن فضاءات معانيه، إذا لم يراع في مخرجه وصفته ومقداره، إذ لا بدَّ من المحافظة على كمية المد وعدم المبالغة أو الإفراط أو التفريط والتطفيف فيه، كما ينبغي أن يكون الصوت سالمً ا من الترعيد والتمطيط والتشديد في أثن اء المد(329)، وأن يتوقى القارئ من إشراب المدِّ الغنَّة والخلط بينهما(330). ولقد تبين من الكلام السابق أن الاختلاف في طول المد وقصره، يرجع إلى الاختلاف في الم دة الزمنية التي يستغرق فيها الصائت في النطق، وفي الحقيقة أن الزمن ليس الفرق الوحيد بين طول المد وقصره، إذ أن الدراسة التشريحية أثبتت أن الخلاف ليس خلافً ا في الدرجة أو الكمية فقط، بل هو خلافٌ في الكيفية أيضً ا، إذ أنّ موقع اللسان مختلفٌ قليلاً عن وضعهِ في أثناء أداء الصوت في حالة المد الطويل وفي حالة قصر المد(331). بقيت ملاحظة أخيرة في هذا الشأن، هي أن تردد ال صوائت القصيرة في السياق الصوتي أكثر بكثير من تردد الصوائت الطويلة، ولقد ذكر الدكتور أحمد مختار عمر إحصاءً تم في هذا الضرب من التقابل بين أصوات المد الطويلة وأصوات المد القصيرة في لغة الفيدا السنسكريتية، فتبين أن تردد صوت المد القصير (a)، كان19.78% مقابل تردد صوت المد الطويل (ä) 8.19%، وهو أمر واضح في لغتنا العربية أيضًا(332). (327) الفرقان 69. (328) ينظاار أبااو شااامة الدمشااقي، إباااراز المعاااني ماان حاارز الأماااني فاااي القااراءات الساابع، تحقيااق: إبااراهيم عطاااوة عوض، دار الكتب العلمية، 1982م، ص 106. (329) ينظر القرطبي، الموضح في التجويد 134. (330) ينظر غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد: 544. (331) ينظر أحمد مختار عمر، دراسة الصوت اللغوي، عالم الكتب، القاهرة،1993م، ص282. (332) ينظر المرجع نفسه 339- 340.
عدد الصفحات ١٠٤105 ثانيًا: تفخيم الصائت وترقيقه يبدو أن موضوع تفخيم الصائت وترقيقه، من الموضوعات التي لم تتوافر له أسباب القول الفصل بعد، لِما اختلف فيه العلماء من أقوال تؤيد اتجاهً ا خاصً ا، وأخرى اتجاهً ا مخالفً ا، إلا أننا هنا في هذا الصدد سنتناول ما مرَّ بنا من أقوال لبعض علمائنا ومناقشتها، ومن ثم ذكر ما رجحه هؤلاء العلماء، وما ي ستأنس به من حجج وبراهين وأدلة يقتنع بها الباحث على أقل تقدير. 1- الواو والياء ذهب جمهور علماء العربية والتجويد، إلى أن الواو والي اء من الأصوات المرققة، كما جنح المتأخرون الى التدقيق في طبيعة هذين الصائتين، وهل يتبعان ما قبلهما في الترقيق والتفخيم؟ فقال المرعشي في جهد المقل: "ولما كان في الياء والواو المديين عمل عضو في الجملة، كما سبق، لم يكونا تابعين لما قبلهما، بل هما مرققان في كل حال، كذا يفهم من إطلاقهم، ولعل الحق أن الواو المديّة ت فخم بعد الحرف المفخم، والله أعلم"(333). وهنا نجد أن المرعشي قد خالف الجمهور، بتأثر الواو المديّة- كما يسميها- بما قبلها من الحروف المفخمة، دون الياء. ثم أردف تعليقً ا آخر على ما قاله في جهد المقل في كتابه (بيان جهد المقل) إذ قال: "قوله: لعل الحق أن الواو المديّة تفخم ... وقد رجوت أن يوجد التصريح بذلك أو الإشارة إليه في كتب هذا الفن، لكني أعياني الطلب، فمن وجده فليكتبه هنا، أما الياء المديّة فلا شكَّ في أنها مرققة في كل حال" (334). وهناك من يرى أن الواو والياء يتبعان ما قبلهما في الترقيق والتفخيم، أشار إلى ذلك الدكتور/ غانم قدوري الحمد قائلاً : "ثم كان ما أشرتم إليه من جنوح الشيخ علي محمد الضباع، والشيخ محمد علي خلف الحسيني، رحمهما الله، إلى أن الواو والياء المديين يتبعان ما قبلهما في الترقيق والتفخيم" (335). (333) المرعشي، جهد المقل 78. (334) نقلاااه غاااانم قااادوري الحماااد فاااي الدراساااات الصاااوتية عناااد علمااااءالتجوياااد عااان بياااان جهاااد المقااال للمرعشاااي، ص425. (335) موقع الدكتور/ غانم قدوري الحمد على الانترنت
عدد الصفحات ١٠٥106 كما أن للدكتور كمال محمد بشر رأيً ا موافقً ا لما نقله الحمد عن سابقيه إذ يرى ان الواو والياء يتبعان ما قبلهما في الترقيق والتفخيم (336). إلا أن للدكتور غانم قدوري الحمد يرجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من "إبقاء الواو والياء ضمن الأصوات المرققة، يدل على ذلك التأمل في التلاوات المسموعة للقراء الخالية من التكلف، ويدل عليه طبيعة مخرج كلٍ من الواو والياء المديين، فهما من المصوّتات الضيّقة" (337). وإن الباحث ينحو النحو نفسه، في كون الياء والواو من الصوائت التي لا تتأثر بما قبلها من الحروف، سواء أكانت مفخمة أم مرققة، والسبب يعو د في ذلك لضيق الفراغ الكائن بين سطح اللسان والحنك الأعلى، وهو مذهب الجمهور. 2- الألف والفتحة فالألف هو الصائت الطويل، والفتحة هي الصائت القصير، وهما من جنس واحد، أو هما صورةٌ واحدةٌ، يتفقان في ظاهرة التفخيم والترقيق، فإن الألف والفتحة لا يتصفان بهذه الظاهرة بذاتها، إنما تعتريهما في السياق، أي بسبب تأثر الألف مثلاً بما يجاورها من الأصوات، إذن فهي ظاهرة سياقية كما يظهر في نحو: ص بْر – ق بر – س بْر يقول الدكتور/ كمال بشر عن هذه الظاهرة وهذه الأمثلة: "حيث فخمت الفتحة في المثال الأول، ورققت في الثالث ولكنها بين الحالتين في المثال الثاني، وهذا الاختلاف في الدرجة يرجع إلى الأصوات السابقة عليها في هذه الكلمات، فهي في الكلمة الأولى مسبوقة بصوت مفخم هو الصاد، وفي الثالثة بالسين وهو صوت مرقق، أما في المثال الثاني فهي واقعة بعد القاف، وهو صوت بين بين أي بين التفخيم وال ترقيق" (338). ثم أعطى الدكتور/ بشر أمثلةً أخرى عن الألف أو الفتحة الطويلة، كما يسميها هو، نحو صاد- قاد- ساد (336) ينظر كمال بشر، علم الأصوات493. (337) موقع الدكتور/ غانم قدوري الحمد على الانترنت (338) كمال بشر، دراسات في علم اللغة، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 1998، ص91.
عدد الصفحات ١٠٦107 "حيث كانت الألف (الفتحة الطويلة) مفخمة في الكلمة الأولى ومرققة في الثالثة، ولكنها بين الدرجتين في المثال الثاني: وسبب هذا الاختلاف إنما هو السياق نفسه" (339). وهناك من يرى أن الألف ليست مفخمة أو مرققة بذاتها، ويبدو أن كمال بشر قد أيَّد ما ذهب إليه مكي بن أبي طالب، وابن الجذري وغيرهما، من أن "الألف ليست مفخمة أو مرققة بذاتها من جهة وأنها تتبع ما قبلها، ولا توصف بترقيق أو تفخيم" (340). ومن جهة أخرى عاب على هذا القول، من خلال "قصر خضوع الألف لهذه الظاهرة على الحالات التي تكون فيها تالية للأصوات التي تؤثر فيها. وكان الأوفق به أن يعمم الأمر، فيرجعها إلى الموقع أو السياق بعامة، لندخل الحالات الأخرى التي يحدث لها التأثر بالأصوات التالية لها أيضً ا، كما يظهر مثلاً في ن حو فاض، باض. حيث تأثرت الألف بتفخيم الأصوات التالية لها (لا السابقة عليها)، وكان مقتضى كلامه أن تكون مرققة في مثل هذه الحالات لسبقها بأصوات مرققة"(341). وهذا الكلام غاية في الدقة ويبدو أن ابن الجزري ومكي رحمهما الله قد غفلا هذه الحقيقة وتنبه لها بشر، إذ ربط ابن الجزري ومكي تفخيم الألف وترقيقه بالموقع، فيما ربطه بشر بالسياق. أما مسألة هل هناك من رأى أن الألف قد تفخم أو ترقق بذاتها، بغض النظر عما يسبقها أو يلحقها؟ فقد وجدنا ابن جني يقول: "وأما ألف التفخيم فهي التي تجدها بين الألف والواو، نحو قولهم (س لام عليك، وق ام زيد) وعلى هذا كتبوا: الصلوة، والزكوة، والحيوة، بالواو، لأن الألف مالت نحو الواو"(342). ويبدو أن ابن جني كان يتكلم عن لهجة معينة، علق على كلامه الدكتور/ كمال بشر قائلاً : "وفي ظننا أن هذا النطق اللهجي متأثر بنطق أجنبي عن العربية في مستواها الفصيح، (339) كمال بشر، دراسات في علم اللغة 91. (340) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر1/202- 203. (341) كمال بشر، دراسات في علم اللغة 91. (342) ابن جني، سر صناعة الإعراب 1/51- 56.
عدد الصفحات ١٠٧108 وبدليل أمثلته الأخرى في بقية النص، وهي (الصلوة والزكوة) إلخ، وهي كلمات سريانية الأصل على ما نعلم"(343). يبقى أن نذكر نصًا للداني في كتاب التحديد قال فيه: "المد الذي في الألف أكثر من المد في الياء والواو، لأن اتساع الصوت بمخرج الألف أشد من أتساعه لهما، وكونهما يقبلان الحركات وعليه يقبلان تحريك اللسان ارتفاعً ا أو نزولاً مع أحوالهما، بينما الألف لا تتغير عن سكونها ولا يتغير ما قبلها أبدً ا عن حركته فهي - أي الألف- لا معتمد لها في شيء من أجزاء الفم فهي صوت في الهواء تشبه النفس، فقد صارت بهذا الخفاء الشديد يؤثر فيها الحرف قبلها تفخيمً ا وترقيقً ا"(344). وأخيرًا ما يبدو للباحث هو ترجيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أهل اللغة والتجويد، من إفراد الألف بالتأثر بالتبعية لما قبلها، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ذهب إليه الدكتور/ كمال محمد بشر بتأثر الألف بالسياق، من حيث ما يتقدمها وما يتلوها من أصوات مرققة أو مفخمة، ومحاولة التوفيق بين الرأيين، إذ أن النتيجة هو تأثر الألف بما يجاورها من أصوات مفخمة أو مرققة. وأما الواو والياء فهما من الأصوات المرققة في كل حال، والسبب أن الألف مخرجها واسع وتتأثر بحركة اللسان، ففي التفخيم يؤثر عليها تصعد ال لسان من أقصاه، وإن جاء الترقيق كان تصعد اللسان من المقدمة. وأما سبب كون الواو والياء لا يتأثران بما تتأثر به الألف، فلضيق الفراغ الكائن بين سطح اللسان والحنك الأعلى كما أشرنا سابقً ا. (343) كمال بشر، دراسات في علم اللغة 93. (344) الداني، التحديد107.
عدد الصفحات ١٠٨109 المبحث الثاني على المستوى اللهجي (اختلاف القراءات) تبادل الصوائت في القراءات القرآنية - الصوائت القصيرة - الصوائت الطويلة ي عد الاختلاف في القراءات القرآنية اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وهو على كل حال اختلاف لهجي، أو تعداد في الخصائص النطقية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاختلاف في القراءات على مستوى الصوائت، يعد غنيً ا باختلاف الصوائت القصيرة، أما الطويلة منها فلا تكاد تحصى لقلتها. وسيتناول البحث ما وجِد منها في القراءات الشاذة والمتواترة والله المستعان: أولً : الصوائت القصيرة: 1. بين الفتح والضم ورد التبادل في الصوائت القصيرة بين الفتح والضم في آيات كثيرة نذكر منها، قوله تعالى: {مْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مهِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين (345). و (قَرْحٌ وردت على قراءة ابن كثير ونافع وأ بو عمرو بن العلاء وابن عامر بفتح القاف وكذلك جاء رسم المصحف، فيما جاءت بالضم على قراءة عاصم وحمزة والكسائي. (ق رْحٌ) بضم القاف، فقال الخليل: الق رح عضُّ السلاح ونحوه مما يجرح الجسد. إنه لق رحٌ قريح، وبه ق رح ةٌ دامية. والق رح : جربٌ يأخذ الفِصلان لا تكاد تنجو منه، ي قال فصيل مقروح (346). وجاء في لسان العرب: "والقريح : الجريح من قوم قًرحى وقراحى؛ وقد قرحه إذا ج رحه يقرحه قرحً ا" (347). (345) ال عمران 140 (346) ينظر الفراهيدي، كتاب العين، مرتبًا على حروف المعجم، تحقياق: عبدالحمياد هناداوي، دار الكتاب العلمياة، ط1، بيروت،2002، ج3، ص371 (347) ينظر لسان العرب 11/89.
عدد الصفحات ١٠٩110 وحاصل القول أن(القَرح) بفتح القاف تعني الجرح، أما (الق رح) بضم القاف فقيل هي لغة في الق رح فتأتي بالفتح والضم والمعنى واحد، كما في الضَّعف والضُّعف، والك ره والك ره، والف قر والف قر(348)، وقيل: إن الفتح لغة تهامة والحجاز، والضم لغة نجد(349)، وقيل أيضًا إن الضم هو الاسم وبالفتح المصدر(350)، وهناك أقوال أخرى ليس المقام لذكرها وإحصائها، فما يهمنا هنا هو إبدال هذا الصائت القصير بصائت آخر في القراءات القرآنية لإعطاء دلالة أخرى في بعض الأحيان. ومثال آخر عن التبادل بين الفتح والضم في قوله تعالى: { مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (351). ق رئتْ (خطوات) على ثلاثة أوجه، فقرئت بضم الخاء من دون همز، واختلفوا في الطاء، فقد سكن تْ عند نافع وأبي عمرو وحمزة وخلف وأبي بكر، واختلف عنهم البزي فروى عنه أبو ربيعة الإسكان، فيما روي عن ابن الحباب الضم، وبضمها قرأ باقي العشرة من القراء ووافقهم الحسن(352). فيما جاءت (خطوات) بالضم أيضًا مع الهمز عند علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) والأعرج وعمرو بن عبيد فقرأوها (خ طؤات). وقرأ أبو السمّال: (خ ط وات) بفتح الخاء المعجمة والطاء دون همز. فقراءة ضم الخاء والطاء دون الهمز معناها لا تتبعوا طرق الشيطان ولا تسلكوها(353). ومعنى (خ ط و ات) بفتح الخاء المعجمة والطاء دون همز كما سبق أي لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تقتدوا به، قال ابن جني: "وإن شئت اجريته على ظاهره من غير تقدير حذف (348) ينظاار أبااو علااي الفارسااي، الح جّااة للقااراء الساابعة، تحقيااق: باادر الاادين قهااوجي وبشااير جويجاااتي، ط1، دار الماااأمون للتاااراث، دمشاااق وبياااروت، 1987م، ج3، ص79 / وابااان خالوياااه، الح جّاااة فاااي القاااراءات السااابع، تحقياااق عبدالعال سالم مكرم، ط 3، دار الشروق، بيروت،1979م، ص114. (349) ينظر الرازي، التفسير الكبير9/13. (350) ينظر المرجع نفسه: 9/13 ولسان العرب 11/89. (351) الانعام142. (352) ينظر ابن الجزري، النشر: 2/216. (353)ينظر ابن جني، المحتسب1/323.
عدد الصفحات ١١٠111 كقولك: (ولا تتبع افعال المشركين (354)، لأن التقدير كان في (خ ط وات) بفتح الخاء والطاء من دون همز هو لا تتبعوا مواضع أو طرق خطوات الشيطان، بحذف المضاف. وأما قراءة (خ ط ؤات) بضم الخاء والطاء مع الهمز فجاءت بمعنى الخطأ وهي جمع خطأة، ومعنى الآية لا تتبعوا أخطاء الشيطان(355). وخلاصة القول إن هذه القراءات حتى الشاذة منها جاءت بمعنى النهي عن اتباع سبل الشيطان و طرقه وسلوكه وأخطائه وسبل أخطائه. ثم نأخذ مثالاً آخر يدلل لنا أن الإبدال في الصوائت القصيرة أحيانً ا يؤدي إلى معاني أ خر غير التي قرأ به غيرهم، إلا انه كما قلنا فإن الدلالة تبقى كما هي، مثله قوله تعالى: { كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمهِ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِين (356)، قرأها العشرة (الج م ل) بفتح الجيم وفتح الميم المخففة وقرأ بن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والشع بي وأبو العلاء ورويت عن أبي رجاء: (حتى يلج الج مّل) بضم الجيم وتشديد الميم. فيما قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير (الج مل) بضم الجيم وسكون الميم، وقرأ ابن عباس أيضً ا (الج م ل) بضم الجيم والميم. وقرأ أبو السمّال (الج مْل) بفتح الجيم وسكون الميم(357). ثم نأتي لن حصي المعاني الواردة في القراءات كلها، فمعنى (الج م ل) بفتح الجيم والميم هو الحيوان المعروف (358). ومعنى (الج مّل) بضم الجيم وتشديد الميم أو تخفيفها، هو الحبل الغليظ، أو حبل السفينة، أو الحبال المجموعة(359). وأما (الج ملفقد يجوز أن يكون جمع ج م ل كأسد وأ سد(360). ومعنى (الج مْل) بفتح الجيم وسكون الميم، قال ابن جني إنه بعيد أن يكون مخففًا من الميم المثقلة على الرغم من أنه أورد شاهدً ا من شعر العرب على ذلك (361). (354) ابن جني، المحتسب 1/323. (355) ينظر المرجع نفسه : 1/323. (356)الأعراف 40 (357)ينظر الزمخشري، الكشاف363، وابن جني، المحتسب1/481. (358)ينظر ابن فارس، مقاييس اللغة 1/184. (359)ينظر المرجع نفسه 1/184. (360)ينظر ابن جني، المحتسب1/481.
عدد الصفحات ١١١112 واختار الزمخشري معنى لا (الجمل) " هو القلس الغليظ، لأنه حِبال ج مِعت وج عِلتْ جملة واحدة، وعن ابن عباس -رضي الله عنه- أن الله أحسن تشبيهً ا من أن ي شبّه بالجمل يعني: أن الحبل مناسبٌ للخيط الذي يسلك في سمّ الإبرة مثلٌ في ضيق المسلك يقال: أضيق من خرت الإبرة" (362). وفي نهاية المطاف وعلى الرغم من اختلاف المعاني، باختلاف إبدال الصوائت القصيرة، يبقى مدلول الآية يشير إلى استحالة دخول المكذبين بآيات الله الجنة ، كما يستحيل دخول الحبل الغليظ أو الجمل من ثقب الإبرة. 2. بين الضم والكسر ورد إبدال الضم والكسر في القرآن في مواضع عدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: { الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّ ذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون (363)، إذ ق رئت (هُدْنَـا إِلَيْكَ ) بضم الهاء، قرأ بها زيد بن علي (رضي الله عنهما)(364)، على القراءة المشهورة، وهي من ه اد ي هود ه ودًا وت هود: بمعنى تاب ورجع إلى الحق، كقول الأعرابي: إني أمر ؤٌ مِن مدحِهِ هائد ، أي تائب(365)، وفيه معنى الرجوع أيضًا، ودليل ذلك أنها تعدّت بإلى(366) أي رجعنا بتوبتنا إليك (367). وقيل أيضً ا إن اله ود تأتي بمعنى الطمأنينة، ويخبر به عن لين السير. ومنه الهوادة وهو الخضوع، وفسرت الآية بهذا المعنى، فكان تفسيرها: سكنّا إلى أمرك، أو خضعنا لك(368). (361)ينظرابن جني، المحتسب: 1/481. (362) الزمخشري، الكشاف363. (363) الأعراف 156. (364) ينظاار الآلوسااي، روح المعاااني فااي تفسااير القاارآن العظاايم والساابع المثاااني، تعليااق وتصااحيح: محمااود شااكري الآلوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 9، ص76. (365) ينظر لسان العرب 15/156. (366) ينظر المرجع نفسه 15/156 (367) ينظار الطبرسااي، مجماع البيااان فاي تفسااير القاارآن، تحقياق: دار العلااوم للتحقياق والطباعااة والنشاار، ط 1، دار المرتضى، بيروت، 2006، ج4، ص273. (368)ينظر الع كب ري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمدالبجاوي، دار الكتب، القاهرة، 1ج/ ص70.
عدد الصفحات ١١٢