81 وأخياارًا ولاايس آخاارً ا، لا بااد ماان الإشااارة إلااى أن نوعيااة الصااوت لا تتوقااف علااى الطريقااة التااي تتركااب بهااا المكونااات، باال تتوقااف علااى التاارددات والاتساااعات التااي تتشااكل منهااا الموجااات (257) . وبعد هذا الموجز البسايط عان كيفياة عمال برناامج (praat، فاإن العمال علاى هاذا البرناامج ممتاع ويعطي نتائج فائقة الدقة، سنعمل على توظيفهاا فاي خدماة كتااب الله عاز وجال، وعساى أن تلحاق هذه الدراسة بدراسات أخرى تكون أكثر عمقً ا وباستعمال برامج أكثر تطورً ا إن شاء الله تعالى. معايير اختيار العينات تم اختيار العينات من نماذج قرآنية، تكون فيها الصوائت ممثلة لما ستتم دراسته، وكانت كما يلي: 1- نماذج لكلمات يكون فيها مد الصائت لمجيء الهمزة أو السكون بعده 2- نماذج لكلمات يكون فيها مد الصائت للدلالة على الترتيل والرقة والتغني 3- نماااذج لكلمااات يكااون فيهااا مااد الصااائت لأسااباب دلاليااة، كالحااذف والتأكيااد علااى الشاايء وأهميته، وللتفريق بين معنى وآخر عند فقد القرين ة. 4- نماذج لكلمات يكون فيها مد الصائت لغرض التذكر أثناء الكلام أو التلاوة (257)بيتر ليد فوجد، مبادئ علم أصوات الكلام اكوستيكي، ترجمة: جلال شمس الادين، مراجعاة ساعد مصالوح، 1992م، ص56.
عدد الصفحات ٨١82 5- نماذج لكلمات تمثل أنواع المد: كمد المبالغة، ومد الفرق، ومد هاء الكناية 6- لبيان اختلاف القراءات في تبادل الصوائت الطويلة والقصيرة 7- نماااذج للعينااات الخاصااة بااالوقوف علااى الصااوائت الطويلااة فااي الفاصاالة القرآنيااة، وزيااادة الصائت وحذفة عند الفاصلة، والتقديم والتأخير مراعاةً للفاصلة. 8- اختياااار بعاااض الكلماااات العشاااوائية مبتااادئين مااان فاتحاااة الكتااااب، ورصاااد أعلاااى التااارددات والنساااب وأقلهاااا، وكاااذلك اختياااار كلماااات تحاااوي يااااء الناااداء، ودلالاااة الصاااائت عناااد الوقاااف والوصااال كماااا فاااي مغلاااوب، وكلماااات تااادل علاااى الشااادة، وضااام الضااامير كماااا فاااي (علياااه ( و(انسانيه (. 9- أخذ نموذج متكامل وهو ساورة الارحمن، وتام اختياار ساورة الارحمن لماا تتمياز باه مان كثارة الصوائت الطويلة والقصيرة، ولما تحويه من ايقاع صوتي متناسق يشد الأذهان، كما أنها تعااد مااان السااور متوساااطة الطااول، فضااالاً عاان ترشاااي حه ماان قبااال أسااتاذنا الااادكتور/ السااايد مصطفى عبيد.
عدد الصفحات ٨٢83 الفصل الأول خريطة الصوائت في القرآن الكريم
عدد الصفحات ٨٣84 المبحث الأول على المستوى الأدائي أولً : طول مد الصائت وقصره: نقصد با (طول مد الصائت)، هو إطالة الصوت بحرف من حروف المد، وتقسم الصوائت التي يمكن مدُّها على قسمين: القسم الأول: ما يسمى بحروف المد واللين وهي الحروف الثلاثة: الألف المفتوح ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، كما قال عنها المهدوي: "ولا يمكن أن يدخل المد في غير هذه الحروف، وإنما كان ذلك لأن هذه الحروف أصوات ، والحركات مأخوذة منها، فامتداد الصوت بها ممكن، ويسوغ فيه التطويل والتوسط والتقصير، ولا يسوغ ذلك في شيء من الحروف سواهن" (258). القسم الثاني: حرفا اللين، وهما الواو والياء الساكنان المفتوح ما قبلهما، نحو: س وء وش يء (259)، إلا أن المد في القسم الثاني يكون أنقص منه في القسم الأول، وعلة ذلك نقلها المهدوي عن ورش، وهو سبب مد الواو والياء إذا انفتح ما قبلهما، وكانا ساكنين فقال: " إن فيها شيئً ا من المد واللين، وإن كان أنقص في الرتبة مما في الياء إذا انكسر ما قبلها، والواو إذا انضم ما قبلها، ويقوي ذلك جواز وقوع الساكن المدغم بعدها كما يقع بعد الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، نحو قولك: هذا ثوب بَّكر، وقوم مَّالك..." (260). درجة طول المد ثم بعد أن تكلمنا عن معنى طول المد وقصره، وعن أقسامه نأتي هنا لنتحدث عن درجة هذا المد وطوله، وهذا الأمر يرتبط بنوع القراءة وكيفيتها وطريقة القارئ -أي قارئ القرآن- فليس طول مد الصائت، أو قصره واحدً ا في جميع الحالات بالضرورة، وبخاصة الصوائت الطويلة، (258) المهدوي، شرح الهداية في توجيه القراءات، تحقيق ودراسة: حازم سعيد حيدر، مكتبة الرشد، الرياض، ج1، ص 30. (259) ينظااار مكاااي بااان أباااي طالاااب، الكشاااف عااان وجاااوه القاااراءات السااابع وعللهاااا وحججهاااا، تحقياااق: محياااي الااادين رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1974، ج1، ص45. (260) المهاادوي، الهدايااة1/35، وينظاار مكااي باان أباااي طالااب، الكشااف1/56،55، والقرطبااي، الموضااح فاااي التجويد: 1/176.
عدد الصفحات ٨٤85 على اعتبار أنه لا يمكن مد الصائت القصير (الحركة) وإلا أصبح طويلاً، يقول الدكتور صلاح حسنين: "إنَّ الفرق بين حركة قصيرة وأخرى طويلة هو تقريبًا مضاعفة الفترة الزمنية لنطق الحركة القصيرة" (261)، وطول المد وقصره لا يكون واحدً ا كما قلنا، بسبب تغير مدة الطول والقصر بتغير المواقع الفونولوجية للصوت الواحد، فقد نقل مكي بن أبي طالب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: "كان يمدُّ صوته مد ا"(262)، ثم قال مكي معلقًا ومفسرً ا: وقوله تعالى (ورّتلِ الق رآن ترتيلاً ) (263)، يدلُّ على التمهل، والتمهل يعطي المدّ، وهو الاختيار، لإجماع أكثر القراء على ذلك، ولما فيه من البيان، ولما ذكرنا من الحديث... والقراء في إشباع المد و تطويله على قدر قراءتهم وتمهلهم أو حدرهم، فليس مدُّ من يتمهل، ويرتل كمدّ من يحدر ويسرع"(264). كما أنه لا بدَّ أن يراعي القارئ طول المد وقصره، وإلا حوَّل الطويل قصيرً ا، والقصير طويلاً ، وقد أشار إلى هذا الأمر عبد الوهاب القرطبي إذ قال: "فينبغي أن يقيمها (أي ا لألف) القارئ ويقطعها، ويسلك في اللفظ بها التمطيط الأوسط، ولا يهمل توفيه التمكين حقه فتصغر وتصير فتحة، ولا يبالغ في ذلك ويستقصي فتحول مدة، بل يوفر عليها من المد ما هو طبعها وصيغتها"(265). ثم نختم بقولٍ لبرتيل مالمبرج إذ ذهب مذهب سابقيه فقال "فأول ما يجب أن نلاحظه هو أن كمية كل صوت تتوقف على سرعة الإلقاء، وأنه كلما ازدادت سرعة الكلام ازداد كل صوت في القصر، والعكس صحيح" (266). فإن طول المد وقصره يكون بأشكال شتى، ويتفاضل بعضه على بعض طولاً وقصرً ا، وذلك على قدر مذاهب القراء واختلاف الرواة عنهم في اللفظ والأداء (267). (261 )صاالاح الاادين صااالح حساانين، ماادخل إلااى علاام الأصااوات المقااارن، مكتبااة الآداب، ط2، القاااهرة، 2006م، ص80. (262) اباان حجاار العسااقلاني، فااتح الباااري فااي شاارح صااحيح البخاااري: دار اساالام بالرياااض ودار الفيحاااء بدمشااق، ط3،2000م، كتاب فضائل القرآن، باب مد القراءة، برقم 5045)، ج9، ص113. (263) المزمل 4. (264) مكي بن أبي طالب، الكشف1/57- 58. (265)عبد الوهاب بن محمد القرطبي، الموضح في التجويد: 97،98 . (266) برتل مالمبرج، علم الأصوات، تعريب ودراسة: عبدالصبور شاهين، مكتبة الشباب، ص 176. (267) ينظر عبدالفتاح عبدالغني القاضي، الوافي فاي شارح الشااطبية فاي القاراءات، ط 4، مكتباة الساوادي للتوزياع، جدة، 1992، ص93.
عدد الصفحات ٨٥86 أسباب طول المد وإنما تمد الصوائت لأسباب لا بدَّ لنا أن نستعرضها، لنفهم سبب إطالة المد في هذه الحروف دون سواها، وأول حالة تمد فيها الصوائت هي: 1- إذا جاءت بعدها الهمزة أوالسكون الهمزة نعرف أن الصوائت أو (حروف المد واللين) كما يسميها مكي بن أبي طالب "حروف خ فية، والهمزة حرفٌ ج لِدٌ بعيد المخرجِ صعبٌ في اللفظ، فلما لاصقت حرفً ا خفيً ا، خِيف عليه أن يزداد بملاصقة الهمزة له خفاءً، فب يّن بالمد ليظهر، وكان بيانه بالمد أولى، لأنه يخرج من مخرجه بمد، فب يّن بما هو منه"(268). هذا هو السبب الرئيس لمد الصوائت، بينما أشا ر المهدوي إلى أن الصوائت إذا جاءت قبل الهمزة في كلمة واحدة، فإنها تصبح آكد منه إذا كانا في كلمتين "وبقي أن ي فرَّق بين إجماعهم على المد إذا كان الحرف والهمزة في كلمة نحو (شَاء) من قوله تعالى: { أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّّ عَلَى كُلهِ شَيْءٍ قَدِير (269)، واختلافهم فيما إذا كان الصائت في كلمة والهمزة في كلمة أخرى نحو: (بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) من قوله تعلى: { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون (270)، فعلة إجماع القراء على مد المتصل في: (شاء) و (جاء ونظائرهما، أن الهمزة قد لزمت الكلمة، وصار اجتماعها مع الحرف الممدود لازمًا لا يفارقها، إذ لا يمكن الوقوف على حر ف المد واللين فينفصل من الهمزة فلزم المد لذلك، وأجمعوا عليه، وكلمة (شاء) عند إدخالها في البرنامج التحليلي الصوتي، فإن درجة المدّ أو التردد كانت بطول (161,3هيرتز ) مستغرقة من الوقت ( 0.472/ثا)، كما مبين في الشكل الآتي (268) مكي بن أبي طالب، الكشف1/46، وينظر المهدوي، الهداية: 1/30- 31. (269) البقرة 20. (270) البقرة 4.
عدد الصفحات ٨٦87 صورة التردد الصوتي لل لف من كلمة (شاء) هذا لأن الألف جاءت بعدها الهمزة، وهما في كلمة واحدة، والحال نفسه عند تطبيق العملية نفسها على كلمة فيها الألف في آخرها، وتأتي همزة بعدها في كلمة تليها، كما في (ما) التي جاءت بعدها لفظة (أنزل) فإن الألف في (ما) حصلت على تردد قدره ( 151 هيرتز ) وعلى م دة (0.737/ثا) وهو مد طويل أيضًا، كما في الشكل أدناه: صورة التردد الصوتي لللف في (ما) من قوله (بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) فإذا انفصل الصائت عن الهمزة، وكان حرف المد واللين في آخر الكلمة، والهمزة في أول الأخرى، ض ع ف المد ولم يلزم لزومه في الم تصل، إذ ليس باللازم في الوصل والوقف كما كان في المتصل: ألا ترى أنك تقف على (قالوا) ، فتنفصل الواو عن همزة (آمنا) من قوله تعالى:
عدد الصفحات ٨٧88 {نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون (271)، فيزول المد، وكذلك قِس على ما أشبهه وعند قياس التردد في حالة مد الصائت (الواو) من (قَالُوا)، حصلنا على طول للمدّ مقدار تردده (154هيرتز ) وعلى وقت مستغرق (0.602/ثا) كما في الصورة أدناه صورة تردد (الواو) من (قَالُوا) فلما ضعف المد للعلة التي ذكرناها اختلفوا فيه، فمن ترك المد فعلى ما ذكرناه من علة الانفصال، ومن مدَّ فإنه نظر إلى الموضع الذي يتصل فيه حرف المد واللين بالهمزة فمده، فإذا وقف على الحرف وفصله عن الهمزة ترك المد فراعى اللفظ (272). السكون أي عند التقاء الساكنين، كما في (الطَّ امَّةُ ) من قوله تعالى: { الْكُبْرَى (273 )، و(الصاخهة) من قوله تعالى: { (274) ونحوهما، وسبب المد أنه يكون عوضً ا من الحركة (275)، وذلك أن الممدود عند العرب تكون نظير المتحرك في الطول، (271) البقرة 14. (272) ينظر المهدوي، الهداية1/35. (273) النازعات 34. (274) عبس33. (275) ينظر المهدوي، الهداية1/30.
عدد الصفحات ٨٨89 فصار المد في الفصل بين الساكنين كالحركة (276)، والتقاء الساكنين في(الطَّامَّةُ ) تحقيق للألف الساكنة مع الميم الأولى الساكنة أيضً ا عند فك التشديد، ويمكن ملاحظة طول المد وزمنه للمثالين السابقين في الجدول والصور أدناه: السورة الآية الكلمة الصائت طول المد (التردد/هيرتز) المدة/ثا النازعات 34 الطامَّة الألف 218,3 0.402 عبس 33 الصاخَّة الألف 163,7 0.352 صورة تردد الألف في كلمة (الطامَّة صورة تردد الألف في كلمة (الصاخ ة) (276) ينظر الكتاب4/419،437.
عدد الصفحات ٨٩90 فمن الملاحظ أن ترددات الألف في الكلمتين جاءت لتصف لنا ما لهاتين الكلمتين من شدة وقوة، يقول المظهري عن الطامة: "والطم في اللغة الغلبة ويقال للبحر، لأنه يغلب كل شيء، والطامة عند العرب الداهية التي لا يستطاع، من ذلك سميت القيامة طامةً لأنها تطم الدواهي كلها وتغلبها"(277). ويقول ابن كثير في تفسيره عنها: "وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: سميت بذلك لأنها تط م على كل أمر هائل فظيع"(278). بينما الصّاخّة لغة معناها "الصيحة، ت صِم الأ ذ ن لِشدَّتها. والصيحة التي تكون يوم القيامة"(279). وعند ابن كثير أنها "اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذَّره عباد ه(280)، ونقل أيضًا عن ابن جرير أنه قال: "لعله اسم للنفخة في الصور" (281)، وعن البغوي "الصاخة يعني صيحة القيامة؛ سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمّها"(282). وبطبيعة الحال فإن مد الألف في الكلمتين، مع التشديد الذي بعدها أعطى دويًا وقوةً متناسبين مع معنى الكلمة لغةً وتفسيرًا. وهناك تنبيه لا بدَّ من ذكره، إذ نبَّه عليه مكي قائلاً : "وزيادة المد للمشدد أقوى، وذلك أن الذي أ جمع على جوازه من التقاء الساكنين هو أن يكون الأول حرف مد ولين، والثاني حرفً ا مشددً ا، فهو الأصل ثم قيس عليه في الجواز فرع الساكن غير المشدد بعد حرف المد واللين. (277 )المظهري، تفسير المظهري، تحقيق: أحماد عازو عناياة، دارإحيااء التاراث العرباي، ط 1، بياروت،2004م، ج10، ص161. (278 )ابااان كثيااار، تفساااير القااارآن العظااايم، تحقياااق: ساااامي بااان محماااد السااالامة، دار طيباااة للنشااار والتوزياااع، ط 2، الرياض، 1999م، ج8، ص317. (279) مجماااع اللغاااة العربياااة بجمهورياااة مصااار العربياااة، المعجااام الوسااايط، مكتباااة الشاااروق الدولياااة، ط4، القااااهرة، 2004م، ص509. (280 )ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 8/325. (281 )المرجع نفسه 8/325. (282) المرجع نفسه 8/325.
عدد الصفحات ٩٠91 وسيبويه لا يجيزه (283)، وكثير من أصحابه على منع جوازه إلا مع المشدد، والمشدد هو الأصل، والأصل له مزيّةٌ على الفرع، والمشبه بالشيء ليس كمثل ذلك الشيء في قوته وتمكنه"(284)، فعلى الرغم من مخالفة مكي لسيبويه وأصحابه، إلا أن زيادة المد للمشدد أقوى منها للساكن غير المشدد، وكما أن المد في حالة السكون لا بدَّ منه ضرورةً في القرآن وفي غير القرآن، بينما المد للهمزة يجوز ترك إشباعه في الكلام دون القرآن(285)، هذا ما أشار إليه مكي وأعطى علة ذلك قائلاً : "إن حرف المد واللين إذا وقع بعده ساكن مشدد أو غير مشدد، لا بدَّ فيه من المدِّ ضرورة، ليصل بالمدة إلى اللفظ بالساكن، والهمزة إذا وقعت بعد حرف المدّ واللين لك أن تدع إشباع المد في الكلام، فتقول: صائم وقائم، بغير إشباع، قد ت ثبت الألف والهمزة ولا تشبع المدّ، فأما في القرآن فلا بد من إشباع المد إتباعً ا للرواية، وإلا فترك إشباع المد جائز فيه في الكلام، فما كان المدّ فيه لازمً ا لا بدَّ منه، أقوى في المد مما يجوز فيه ترك إشباع المد"(286). أما رأي إبراهيم أنيس في هذه القضية فيرجع إلى كون "الجمع بين صوت اللين والهمزة كالجمع بين متناقضين، إذ الأول يستلزم أن يكون مجرى الهواء معه حرً ا طليقً ا وأن فتحة المزمار حين النطق به منبسطة منفرجة، في حين أن النطق بالهمزة يستلزم انطباق فتحة المزمار انطباقً ا محكمً ا يليه انفراجها فجأة... فحرصً ا على صوت اللين وإبقاءً على ما فيه من طول، ب ولغ في طوله لئلا تصيبه تلك الظاهرة التي شاعت في اللهجات العربية، قديمها وحديثها، من ميل صوت اللين إلى القصر حين يليه صوتان ساكنان"(287). ويذهب الباحث إلى ما ذهب إليه إبراهيم أنيس، لأنه استند في تدعيم رأيه إلى قواعد تشريحية وعلمية حديثة، لم تكن متاحة في زمن سيبويه أو مكي، وهي أقرب ما تكون إلى الصواب من السابقين الذين كانوا يعتمدون على حسهم السمعي والذوقي. (283) ينظر الكتاب3/527. (284) مكي بن أبي طالب، الكشف1/67. (285) ينظر المهدوي، الهداية1/31. (286) مكي بن أبي طالب، الكشف1/68. (287) إبراهيم أنيس، ا صوات اللغوية، مطبعة نهضة مصر، ص 85-86.
عدد الصفحات ٩١92 2- لغرض الترتيل والرقة والتغني فقد حكى أبو علي الفارسي عن أبي الحسن الأخفش قوله في المد: "والعرب تفعل هذا في حال التطريب، وإذا أراد أحدهم الرقة والترتيل" (288). كقولهِ تعالى{ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى (289)، فقد قرأ حمزة (لا تَخَفْ) بالجزم، فالألف في حال إثباتها تعطي صوتًا يمكن مدّه والتغني به، على عكس حالة الجزم، إذ سيقف القارئ على الشين من دون مد أو تغن،ٍ ويحتمل إثبات الألف في (تَخْشَى) على هذه القراءة وجهين : الأول: أن تكون الواو حرف استئناف، و(لا) بمعنى (ليس)، نحو قوله تعالى: { تَنسَى(290)، فيكون تردد الألف في قوله(تَخْشَى) (138,9هيرتز ) وبمدة (2.475/ثا) كما في الشكل أدناه: صورة تردد الألف في (تَخْشَى) والآخر: أن تقدر أنك حذفت الألف المنقلبة عن اللام ثم أشبعت الفتحة لأنها جاءت في نهاية الآية، فأثبتَّ الألف الثانية عند إشباع الفتحة، كما في: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ ) من قوله تعالى: {(291)، ولنا أن نقيس تردد الفتحة المشبعة (288 )أبااو علااي الفارسااي، الحجااة للقااراء الساابعة، تحقيااق: باادر الاادين قهااوجي، وبشااير جويجاااني، مراجعااة وتاادقيق: عبدالعزيز رباح، وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، ط1، دمشق وبيروت،1984، ج1، ص108. (289) طه77. (290) الأعلى6. (291) احزاب 67.
عدد الصفحات ٩٢93 (الألف) في (السبيلا)، التي ظهرت معنا بتردد مقداره 147,8هيرتز ) و(2.934/ثا) كما في أدناه: صورة تردد الألف في (السبيلا) 3- لأسباب دللية أ - للدللة على الحذف: كما في قول العرب: (سيرٌ عليه ليلٌ طويلٌ)، فقد قال أبو سعيد السّيرافي (ت/ 368ها) عن هذا المعنى: "فهو إلى الرفع وإقامته م قام الفاعل أقرب، لأنه كلما ن عِت ق ر ب من الأسماء، وب ع د من الظروف، وإذا قلت: (سيرٌ عليه ليلٌ) وأنت تريد هذا المعنى رفعت أيضً ا إلا أنَّ ذكر النعتِ أجود ، لأنه ي بيّن بها قربه من الاسم، وإن ن ص بت ج از أيضً ا، فقلت: (سيرٌ عليه ليلاً طويلاً ) كما تقول: (سيرٌ عليه الده ر)" (292). والمقصود بكلام السيرافي ما بيَّنه ابن جني، الذي نقل قول سيبويه إذ قال: "وعلى هذا قال سيبويه:(293)، إنهم يقولون سيرٌ عليه ليلٌ، يريدون: ليلٌ طويلٌ، وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل اليااااااااء، فيقولون: سيرٌ عليه ليلٌ فقامت الم دَّة م قام الصفةِ"(294). (292) أبو سعيد السيرافي، شرح كتاب سيبويه، 4/196. (293) ينظر الكتاب1/220. (294) ابااان جناااي، المحتساااب فاااي تبياااين وجاااوه شاااواذ القاااراءات والإيضااااح عنهاااا، تحقياااق: علاااي النجااادي ناصااايف وعبااااااادالفتاح إساااااااماعيل شااااااالبي، دار ساااااااكرين للطباعاااااااة والنشااااااار، ط 2،1986م، تقاااااااديم وإعاااااااداد: محماااااااد بشاااااااير
عدد الصفحات ٩٣94 فتطويل الياء ومدها يدل على صفة، بمعنى أن قولك: سيرٌ عليه ليلٌ، مع مد الياء في ليل، كأنك قلت: سيرٌ عليه ليلٌ طويلٌ، وهذا من بلاغة العرب وركونهم إلى قلة الكلام واختصاره، مع إعطاء الدلالة والمعنى التام. وساق ابن جني مثالاً آخر عن مد الصوت للدلالة على صفة محذوفة عند مدح إنسان ما والثناء عليه، فتقول: سألناه فوجدناه إنسانًا: فتزيد في تمطيط لفظة (إنسانًا) وتفخمها وتكثر من المد في الألف، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانًا سمحًا وجوادًا ونحو ذلك(295). ب - للدللة على تأكيد الشيء وأهميته: وهنا يؤتى بالمد والتمطيط بأحد حروف الصوائت، للدلالة على أهمية الشيء وتوكيده، كما في القسم وقولك لا والله، بلى والله، في مد الألف في لفظ الجلالة (الله) للتوكيد، ولا بأس أن نذكر ما ذكره أبن جني بهذا الشأن، أنه قال: "... وذلك أن العرب إذا أخبرت عن شيء غير م عتمدته ولا معتزمة عليه أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه ... ويكفي في ذلك قول الله سبحانه: (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ) (296). قالوا في تفسيره: هو كقولك: لا والله، بلى و (297)، فأين سرعة اللفظ بذكر اسم تعالى هنا من التثبت فيه والشباع له، والمماطلة عليه من قول الهذلي(298): فوالله لا أنسى قتيلاً و رِزئته بجانب قوسي ما م ش يت على الأرضِ (299) أفلا ترى أن تطعُّمك هذه اللفظة في النطق هنا بها وتمطّيلٌ لإشباع معنى القسم عليها؟ و كذلك أيضً ا قد ترى إطالة الصوت بقوله من بعده: الأدلبي،ج2،ص209. وينظر ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، دار الكتب المصارية، المكتباة العلمية، ط2، ج2، ص370- 371. (295 )ينظر ابن جني، الخصائص2/371. (296) البقرة 225. (297) ينظر الفراء، معاني القرآن 1/144. (298) هو أبو خراش الهذلي، في قصيدة يرثي بها أخااه عاروة، يقاول فاي مطلعهاا: ح مِادتُّ إلهاي بعاد عاروة إذ نجاا خِراشٌ، وبعض الشرِّ أهون من بعضِ ينظاار أبااو سااعيد السااكري، شاارح أشااعار الهااذليين، تحقيااق: عبااد السااتار أحمااد فاارّاج، مراجعااة: محمااود محمااد شاكر، مكتبة دار العروبة، القاهرة، 1965م، ج3، ص1230. (299) قوسااي: بفااتح أولااه وضاامه معًااا: موضااع باابلاء ه ااذيل، ينظاار أبااو عبيااد البكااري، معجاام مااا اسااتعجم، تحقيااق: مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت، ط3،1983م، ج3، ص1102.
عدد الصفحات ٩٤95 بلى إنها تعف و الك ل وم ، وإنما ن وكَّل بالأدنى، وإن جلَّ ما يمضي(300) أفلا تراه لما أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه، أطال الإقامة على قوله (بلى)، رجوعً ا إلى الحق عنده، وانتكاثً ا عما كان عليه يمينه؟ وعند قياسنا طول الصوائت وزمنها في قوله (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ) وجدنا أن هناك سرعةً ف ينطقها بخاصة في (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ ) وهذه السرعة صورت لنا معنى عدم مؤاخذته سبحانه وتعالى الناس في اللغو في قسمهم، ويمكن عرض ترددات الصوائت في الآية السابقة مع الأشكال التوضيحية في الجدول الآتي: السورة الآية الكلمة الصائت التردد/هيرتز المدة/ثا البقرة 225 لا الف 128,1 2.352 يؤاخذكم الألف 172,9 2.117 الله الف 172,8 1.736 في الياء 177,7 0.706 أيمانكم الألف 172,4 1.683 صورة تردد الألف من قوله (يؤاخذكم (300) تعفااو: تباارأ، الكلااوم: جمااع ك لاام، وهااو الجاارح، نوكاال بااالأذى: يقااول: إنمااا نحاان نحاازن علااى الأقاارب فااالأقرب، ومن مضى ننساه وإن عظم.
عدد الصفحات ٩٥96 ج- للتفريق بين معنى وآخر عند فقد القرينة: قال ابن جني: " وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعاني المعبَّر بها عنها، وضعفها ما ي حكى أن رجلاً ضرب ابنً ا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ل يس هو ابنك. فرافعها إلى القاضي فقال: هذا ابني عندي وهذه أمه تذكر أنه ليس مني. فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه فقلت له: لا تضربه، ليس هو أبنك؟ ومدت فتحة النون جدً ا. فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا الطويل (301) الطويل (302). ويعني هناأن مد فتحة النون في (ابنك) حوَّل المعنى من النفي إلى الاستفهام، وهذا الأمر تحقق عندما فقدت القرينة التي يستدل بها للتفريق بين هذا المعنى وذاك. 4- لأسباب التذكر أثناء الكلام أو التلاوة ويراد به مدّ الصوت بالصائت الأخير، وهذا الأمر يحدث عندما يتذكر المتكلم ما نسيه من كلام فينطق به، في أثناء مدِّ هذا الصائت، أو بعد الصائت الوقف عليه، ثم التذكر والاسترسال بالكلام أو التلاوة. هذا إن كان الحرف الأخير صائتً ا إما إذا لم يكن حرفً ا صائتً ا، في حرَّك الصامت الأخير بحركة مناسبة لالتقاء السكانين ثم تمد الحركة للتذكر أيضً ا. قال ابن جني: "وحكى صاحب الكتاب(303)، أن بعضهم قال في الوقف: قالا، وهو يريد: قال وحكى أيضً ا: هذا س يْف نِي، كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، فأحدث بعده ياءً"(304). وقال أيضًا: "ومن ذلك ما ر وِي عن أبي عمرو (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ ) (305)، ورويعنه أيضً ا: (حتى إذا) يقف ثم يقول (تداركوا) ... قال أبو الفتح: ق طع أبي عمرو همزة (ادهاركوا) في الوصل مشكل، وذلك أنه لا مانع من حذف الهمزة، إذ ليست مبتدأه كقراءته الأخرى مع الجماعة. وأمثل ما يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف (إذا) م مِيّلاً بين هذه القراء ة وقراءته الأخرى التي هي (تداركوا)، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب من ذلك في ابتدائها، فجرى هذا التمييل في التلوُّم عليه وتطاول الصوت به مجرى وقفة التذكر في نحو قولك: قا لوا - وأنت (301) وردت هكذا في الأصل، وقد يكون المراد بها التطويل الطويل أو الطول الطويل والله أعلم. (302) ابن جني، المحتسب2/210. (303) ينظر الكتاب4/216. (304) المحتسب1/55. (305) الأعراف 38.
عدد الصفحات ٩٦