49 الفصل الثاني الصوائت عند علماء التجويد والمفسرين
عدد الصفحات ٤٩50 المبحث الأول الصوائت عند علماء التجويد المصطلح اسااتعمل مكااي باان أبااي طالااب (ت 437ه للصااوائت الطويلااة مصااطلح (حااروف المااد واللااين) (112)،وهاي عنااده "ثلاثااة أحاارف ا لاف والااواو الساااكنة التااي قبلهااا ضامة، والياااء الساااكنة التااي قبلهااا كسرة " (113)،كما تابع الخليل في إطلاق مصطلحي (الهوائية) (114)، و (الجوفياة) (115). ثام يقاول عنها: " يخرجن مان اللفاظ فاي لاين مان غيار كلفاة علاى اللساان واللهاوات بخالاف ساائر الحاروف، و إنمااا يتسااللن بااين الحااروف عنااد النطااق بهاان انساالالاً بغياار تكلااف" (116 )وهااذا الكاالام إن دلَّ فإنمااا يدل على أن مكيً ا أعطاى صافة عادم الاحتكااك باللساان عناد النطاق بهاا، وهاذا الارأي خلاق إشاكالاً عند بعض علماء اللغة الذين تناولوا هذا النص بالدراسة والفحص، كما حصل مع الادكتور غالاب فاضل المطلبي الذي قال معلقً ا علاى هاذا الانص: " أناه ينكار أن يكاون لهاذه الأصاوات كلفاة علاى اللساان، وهاي إشااارة، وإن كانات تعناي أنااه لايس ثماة أثاار للاحتكااك باللساان فااي أثنااء حاادوثها، إلا أنهاااا تشاااير مااان جهاااة أخااارى إلاااى أن مكيًاااا لااام يفطااان إلاااى عمااال اللساااان فاااي أثنااااء نطاااق أصاااوات المد"(117)، كما وأسماها (الحروف الخفياة)، إذ قاال: "وإنماا ساميت بالخفياة، لأنهاا ت خفاى فاي اللفاظ إذا انااادرجت بعاااد حااارف بعااادها" (118)، وأساااماها أيضًاااا حاااروف العلاااة قاااائلاً: "وإنماااا ساااميت بحاااروف العلااة، لأن التغيياار والعلااة والانقاالاب لا يكااون فااي جميااع كاالام العاارب إلا فااي أحاادها، تعتاال الياااء والواو فتنقلبان ألفًا مرةً وهمزة مرةً، نحو: كال وقال وسقاء ودعاء"(119) وتابع أبو عمرو الداني(ت 444 هرحمه الله مكيًا في استعماله مصطلح (حروف المد واللين) أو (حروف المد )، وقال عن سبب تسميتها بحروف المد إنها " سميت ممدودة لأن الصوت ي مد بها بعد إخراجها من موضعها"(120). (112)ينظر مكي بن أبي طالب القيسي، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق التلاوة، تحقيق: أحمد حسن فرحات، ط 3، دار عمّار، عمّان،1996، ص125 . (113)مكي بن أبي طالب،الرعاية: 125. (114)ينظر المرجع نفسه 126. (115)ينظر المرجع نفسه 142. (116)المرجع نفسه 126. (117)المطلبي، في الأصوات اللغوية: 94. (118)مكي بن أبي طالب، الرعاية 127 (119)المرجع نفسه 128. (120)أبو عمرو الداني، التحديد في الاتقان والتجويد، دراسة وتحقيق: غانم قدوري الحمد، ط1، دار عمّار، عمّان، 2000، ص107.
عدد الصفحات ٥٠51 إلا أن أبو الفضل الرازي(ت 454ه اخترع مصطل حًا جديدًا في وصف الصوائت، إذ أسماها با (الحروف الذائبة) (121)، وهو أول من استعمل هذا المصطلح من علماء المشرق، إذ نقل عنه هذا المصطلح أحمد بن أبي عمر (ت بعد 500 ه في كتابه الإيضاح في القراءات، ولعله نقله من كتاب الرازي المفقود، ذكر ذلك ابن الجزري (122). وقد علل أحمد بن أبي عمر سبب استعمال الرازي مصطلح الحروف الذائبة قائلاً: "لأنها تذوب، وتلين، وتمد، وما عداها جامد لأنه لا يلين، ولا يذوب ولا يمتد" (123). وقد وفق الرازي والذين استعملوا مصطلح الذائب في وصف الصوائت، من حيث الاستعمال، كما أشار إلى ذلك الدكتور غانم قدور ي الحمد إذ قال: " فالخاصية الأساسية التي ميزت بين قسمي الأصوات هي أن منها ما يجري فيه النفس حرًا طليقًا فيمتد في مخرجه، فكأنه يذوب ويسيل فيه، وذلك في حروف المد، ومنها ما يتعثر النفس في مخرجه، فربما حبس حبسًا تامًا، وربما حصل تضييق في مجراه، فلا يمكن تمديد هذا النوع من الأصوات أصلاً أو يمكن ذلك ولكن بتكلف، فكأنه جمد في مخرجه فلا يذوب فيه ولا يسيل، وذلك في كل حروف العربية ماعدا حروف المد"(124). أما عبد الوهاب القرطبي (ت: 462 ه فقد استعمل مصطلح (المصوّتة) للصوائت الطويلة معللاً ذلك بقوله: " وإنما سميت مصوّتة لأ ن النطق بهن يصوّت أكثر من تصويته بغيرهن، لاتساع مخارجهن وامتداد الصوت بهن" (125). وبعدها استعمل مصطلحًا آخر هو حروف المد واللين، وقال أيضًا معللاً سبب تسميتها بهذا الاسم: " إن الواو والياء حرفا مد، والصوت يمتد بهما، وبالتشديد تخرجان عن المد واللين ويتحيز مخرج هما فيكون الواو من الشفتين والياء من الشجر، وبالتحيز يبطل المد ويلتحقان بغيرهما من الحروف الصحاح" (126). (121) الحروف الذائبة أو الذوائب: مصطلح يقابل الحروف الجامدة أو الجوامد، وهما يطابقان مصطلحي الصوائت والصوامت. (122) ينظر ابن الجزري، النشر في الق راءات العشر، تصحيح ومراجعة: علي محمد الضباع، دار الكتب العالمية، بيروت، ج 1، ص212. (123) حسين خلف صالح الجبوري، جهود علماء العربية في دراسة المصوتات في ضوء الدرس الصوتي الحديث، جامعة تكريت، العراق، 2003م، ص65. (124) غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماءالتجويد: 143. (125) عبد الوهاب بن محمد القرطبي، الموضح في التجويد، تقديم وتحقيق: غانم قدوري الحمد، ط1، دار عمّار، عمّان،2000، ص97،98. (126) المرجع نفسه 170.
عدد الصفحات ٥١52 ثم أطلق مصطلح الهاوي على الألف الساكنة دون الواو والياء فقال عنها: " وأما الجرس فالألف الساكنة، لا يكون إلا كذلك، ويقال لها أيضًا الهاوي، لأن الفم ينفتح ل ها فتخرج بالنفس مستطيلة، وتهوي في الفم إلى ما بين الهمزة والهاء من الحلق"(127). فيما آثر أحمد ابن أبي عمر مصطلح الهاوي على غيره في وصفه للألف دون الواو والياء، إذ قال: "والهاوي هو الألف وحدها، سميت بذلك لأنها تهوي إلى ناحية الحلق كأنها تخرج في جب" (128)، أما الصوائت الثلاثة عامة فقد استعمل لها مصطلح الحروف الذائبة، وكذلك حروف المد واللين في آنٍ واحد إذ قال: " والحروف الذائبة ثلاثة: الياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبله، والألف ولا يجيء إلا مفتوحًا ما قبله، وهذه الحروف حروف المد واللين سميت بذلك لأنها تذوب وتلين وتمتد. وما عداها جامد لأنه لا يلين ولا يذوب ولا يمتد" (129). وهو هنا جمع صفات المد واللين والذوبان في نص واحد وفرّق بين الصفات الثلاث ولم يعتبرها واحدةً، إذ أن هناك من لا يفرق بين الاثنين بل عدها واحدة مع اختلاف المصطلح، وهذا الاستعمال يعطي القارئ انطباعًا أن ابن أبي عمر يرت ئِي استعمال المصطلحين مع بعض، بما فيه من صفات تؤدي المراد في وصف الصوائت. وأطلق أبو العلاء الهمذاني (ت 569 هـ) مصطلح (جوفًا هوائيةً ) و (الهاوي) على الصوائت عامة، الطويلة منها، فقال في وصفها هي "جوفًا هوائيةً، لأنها لا تقع في الأحواز الثمانية فتنسب إليها، لكنها تخرج من الجوف، فتذهب في هواء الفم، وسمّاها بعضهم الهاوية لِه وِيِّها في خرق الفم"(130) وقال أيضًا: "والهاوي الألف والياء والواو إذا سكنت بعد حركتيهما سميت بذلك لأنها تهوي في خرق الفم إلى ما بين الهمزة والهاء"(131)، ثم تكلم عنالصوائت الطويلة مستخدمًا مصطلح (حروف المد واللين) معللاً سبب تسميتها بقوله: " وحروف المد واللين ثلاثة: الواو والياء والألف، سميت بذلك لامتداد الصوت فيها، والواو أقواها لعمل الشفتين فيها، ثم الياء، وأخفها الألف لأنها هوائية".(132) (127) القرطبي، الموضح في التجويد 96. (128) ن قله غانم قدوري الحمد عن أحمد بن أبي عمر في كتابه الدراسات ا لصوتية عند علماء التجويد: 313. (129) المرجع نفسه 313. (130) أبو العلاء الهمذاني العطار، التمهيد في معرفة التجويد، تحقيق: الشيخ جمال الدين محمد شرف والشيخ مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث بطنطا، 2005، ص250. 131)) المرجع نفسه 253. (132) المرجع نفسه 252.
عدد الصفحات ٥٢53 أما السمرقندي (780 ه فيعود إلى مصطلح (حروف المد واللين) للتعبير عن الصوائت الطويلة الثلاثة، يذكر ذلك في قوله: "وحروف المد واللين ثلاثة: الواو والياء والألف"(133)، وسمّاها السنهوري (ت 894 ه بالذوائب عندما قال: "والممدودة: ثلاثة، جمعن في: (واي)، الألف ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا محضًا، ... ، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، وتسمى الذوائب "(134). فكأنما الأصل في التسمية هي حروف المد واللين، وأنها تسمى أيضًا بالذوائب كما أشار السنهوري. وجاء علي القاري (ت 1014 ه ليذكر المصطلحات المعبرة عن الصوائت إذ قال: " والتحقيق أن هذه الحروف تسمى حروف العلة بالمعنى الأعم، سواء كانت متحركة أو ساكنة، حركة ما قبلها من جنسها أو لا، ثم حروف المد، ثم اللين بالوجه الأخص، وهو مختص بالواو والياء دون الألف"(135). ويسميها المرعشي (ت 1150 ه حروف المد (136) .بينما لم يعد الدركزلي (ت 1327هـ أن قال بما قال سابقوه في الصوائت الطويلة، من خلال شرح حالتي المد واللين، ومجانسة الحركة التي قبلها، إذ قال: " لكن الاصطلاح أنّ حرف المدّ ما قبله حركة مجانسة كما تقدم، وحرف اللين هو ما قبله حركة غير مجانسة" (137). وبحسب غانم الحمد فإن هذا يدل على إدراك الدركزلي وكثيرٍ ممن سبقوه وممن لحقه أيضًا أن التفريق بين الصوائت وتخصيص مصطلح مناسب لكل منها يقوم على أسس صوتية وصرفية معًا، لا مجرد كونه اختلافًا شكليًا في الحركات التي تسبقها(138). (133) نفله غانم قدوري الحمد عن السمرقندي في كتابه الدراسات الصوتية عند علماء التجويد304. (134)السنهوري زين الدين أبي الفتح جعفر بن ابراهيم ، الجامع المفيد في صناعة التجويد، تحقيق وتقديم: مولاي محمد الادريسي الطاهر، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، 2010، ص381. (135) ملا علي القاريّ، المنح الفكريّة في شرح المقدمة الجزريَّة، تحقيق: أسامة عطايا، مراجعة: أحمد شكري، ط 2، دار الغوثاني للدراسات القرآنية، دمشق، 2012، ص77. (136) ينظر محمد بن أبي بكر المرعشي، ج هد الم قِلِّ، دراسة وتحقيق: سالم قدوري الحمد، ط 2، دار عمّار، عمّ ان،2008، ص120،161،239. (137)الدركزلي حسن بن اسماعيل ، خلاصة العجالة في بيان مراد الرسالة في علم التجويد، دراسة وتحقيق حسين خلف صالح الجبوري، اشراف: غانم قدوري الحمد، رسالة دكتوراه، تكريت، العراق، 2002، ص351 . (138) ينظر غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد/ 305.
عدد الصفحات ٥٣54 بينما استعمل الشيخ الحصري(ت 1401ه رحمه الله مصطلحات م تنوعة للتعبير عن الصوائت، فقد قال عنها في شرحه ألقاب الحروف (الجوفية والهوائية ) (139)، وأسماها بحروف المد، معللاً سبب التسمية بقوله:" فالجوفية والهوائية هي حروف المد الثلاثة، ول قِّب ت بذلك ونسبت إلى الجوف والهواء لأن مبدأ أصواتها مبدأ الحلق، ثم تمتد الأصوات وتمر على كل جوف الحلق والفم، وهو الخلاء الداخل فيه، فليس لهنَّ حيّز محقق ينتهين إليه كما هو سائر الحروف، بل ينتهين بانتهاء الهواء أعني هواء الفم وهو الصوت، ولذلك يقبلن الزيادة على مقدار المدّ الطبيعي، لأنهنَّ دون مخارجها بخلاف غيرها فإنها مساوية لمخارجها "(140). ثم يعطي الشيخ رحمه الله سببًا آخر كونها هوائيةً وجوفيةً، مبتدئًا بالألف التي لا تكون إ هوائية وجوفية إذا كانت ساكنة وما قبلها مفتوح، أما الواو والياء فلا يكونان هوائيين إلا إذا سكنا وجانسهما ما قبلهما بأن يضم ما قبل الواو وينكسر ما قبل الياء (141). أما سبب تسميها بحروف المدّ واللين فيقول:" وتسمى هذه الحروف أيضًا حروف مدّ ولين، لأنها تخرج بامتداد ولين من غير كلفة على اللسان لاتساع مخرجها" (142). أما قضية استعمال الباحث واختياره مصطلح (الصوائت ) دون غيره من المصطلحات الأخرى التي تم ذكرها في ما مضى، فإن اختيار هذا المصطلح جاء بسبب قناعة الباحث بأن جميع ما ذكره العلماء القدماء والمحدثين من مصطلحات، فإنها تؤدي المعنى المراد نفسه، إلا أن علماءنا كانت لديهم قناعات بأن بعض المصطلحات قد تكون أكثر دقةٍ من غيرها، لما لها من دلالةٍ وصفيةٍ لهذه الأحرف. هذا م ن جهة، ومن جهة أخرى فالباحث لا يغفل دور الأساتذة الذين أشاروا عليه باستعمال هذا المصطلح دون غيره لما له من الحداثة في الاستعمال، لان هذا المصطلح مصطلح (الصوائت) يعد من المصطلحات المستعملة حديثًا عند العلماء العرب وعند المستشرقين والغربيين على حد سواء، وهذا يعطيه خاصية الانتشارِ والفهمِ وعالميةِ الاستعمال. (139) ينظر محمود خليل الحصري، أحكام قراءة القرآن الكريم، ضبط نصَّه وعلّق عليه: محمد طلحة بلال منيار، المكتبة المكيّة، دار البشائر الإسلامية، القاهرة، ص 73 . (140) المرجع نفسه: 73 . (141) ينظر المرجع نفسه: 74 . (142) المرجع نفسه: 74 .
عدد الصفحات ٥٤55 تحديد المخرج لقد تناول الداني مخارج هذه الحروف بالشرح، إذ قال عن الياء "وهو حرف مد مجهور، يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، ثم يهوي إلى الحلق، فينقطع آخره عند مخرج الألف"(143)، والواو عنده "حرف مد مجهور، يخرج من الشفة، ثم يهوي في الفم، فينقطع آخره عند مخرج الألف" (144). و قال الرازي: "ولا يخلص لقارئ التجويد والترتيل إلا بمعرفة مخارج الحروف، واعطائه إياها من المخارج حدها، ومن الحركات حظها، ومن السكون حقها، وفرَّق بين مهموسها ومجهورها... وجامدها وذائبه ا"(145). ثم يتناول القرطبي بالشرح مخارج الصوائت القصيرة مبينًا دور الفم في نطقها فيقول: "الضم من الشفتين، والكسر ليس من الشفة، وإنما هو من مخرج الياء، ومخرج الياء من شجر الفم، وكذلك الفتح من الألف، ولا آلة للألف يدركها النظر، لأن مخرجها من الحلق" (146). بعدها ينتقل السمرقندي إلى ذكر مخارج الصوائت التي قيلت قبله أو استعملها من هم قبله من العلماء، ذاكرًا مواقعها من الفم فيقول: "وقيل إن الألف والواو والياء إذا سكنتا وتحرك ما قبلها بجنسها جوفية، أو هوائية، أو هاوية، لأنها لا تقع في الأحياز التي ذكرناها، فتنسب إليها، لكنها تخرج من الجوف فتذهب في هواء الفم، والأصلح أن الألف من هواء الحلق، والياء الساكنة المكسور ما قبلها من هواء وسط الفم، والواو الساكنة المضموم ما قبلها من هواء الشفة، والياء المتحركة والساكنة المفتوح ما قبلها شجرية، والواو المتحركة والساكنة المفتوح ما ق بلها شفوية"(147). ثم ينتقل القاريّ إلى عرض مخارج هذه الحروف، حتى أنه صرح أن للواو والياء مخرجين مخرج حال كونهما مدتين، ومخرج حال كونهما متحركين (148). (143)الداني، التحديد في الاتقان والتجويد131. (144)المرجع نفسه 167. (145) حسين خلف صالح الجبوري، جهود علماء العربية في دراسة المصوّتات في ضوء الدرس الصوتي الحديث: ص48. (146) القرطبي، الموضح 209. (147) غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد311. (148) ينظر علي القاريّ، المنح الفكرية 78.
عدد الصفحات ٥٥56 فيما قال عن الألف: " وحيث لزمت الألف هذه الطريقة المعتادة من كونها ساكنة وحركة ما قبلها من جنسها وهي الفتحة لم يختلف حالها من أنها دائمًا تكون هوائية"(149). وتناول المرعشي الصوائت الطويلة بشرح مخارجها، ونفى أن يكون لها مخرج محقق عندما قال: " فلجميع الحروف مخرج محقق إلا حروف المد، إذ لا تنضغط أصواتها في موضع انضغاطًا ينقطع به الصوت ... وبالجملة إن حروف المد، إذ لا تنضغط أصواتها في موضع لم يكن لها مخرج محقق، فإن المخرج المحقق هو الذي انقطع الصوت فيه، بل قدروا لها جوف الحلق والفم مخرجًا، لأنه يمكن لك قطع أصواتها حين تم مرورها على هواء الحلق والفم"(150). إذن فقد نفى المرعشي أن يكون للصوائت مخرج، بل أنه يدعي أن اللغويين قدروا لها جوف الحلق والفم مخرجًا، كأنه يريد أن يقول أن هذا التقدير ليس دقيقًا وهو جاء من باب الاجتهاد والتقدير وليس الجزم. كما بيَّن أن الجمهور وعامة أهل اللغة يذهبون إلى هذا المذهب فقال: "وج عْل مخرج حروف المدّ جوف الحلق والفم هو مسلك الجمهور، لأن سيبويه ج عل الألف من مخرج الهمزة، والواو والياء المديين من مخرجيهما غير مديين" (151). و قال الدركزلي: "الضمة حركة ت ض مُّ لها الشفتان، والفتح ينفتح لها الفم، والكسرة حركة ينكسر لها المخرج ويهوي إلى الأسفل"(152) فيما أعطى الحصري طريقة لمعرفة مخارج الصوائت، لاسيما إذا ماوصفت بحروف المدّ واللين، فيكمن في" إدخال حرفٍ مفتوح على الألف، وحرفٍ مكسورٍ على الياء، وحرفٍ مضمومٍ على الواو، ثم الإصغاء إلى هذه الحروف، فحينئذ يتبين مخرجها" (153). ويبدو أن مخارج هذه الحروف عند الحصري مقدر، كما يقول، " لعدم انقطاع الصوت عند مخرجها، وعدم اعت مادها على جزء من أجزاء الحلق واللسان والشفتين، بل يمتد الصوت بها في لين وعدم كلفة، ثم ينتهي في الهواء".(154) (149) علي القاريّ، المنح الفكرية 78. (150) المرعشي، جهد المقل 123. (151) المرجع نفسه: 122 (152) الدركزلي، خلاصة العجالة 401 . (153) الحصري، أحكام قراءة القرآن الكريم50 . (154) المرجع نفسه: 50 .
عدد الصفحات ٥٦57 ثم ينقل الحصري اختلاف العلماء في عدد مخارج الحروف، وذكر أنهم " جعلوا الألف كالهمزة تخرج من أقصى الحلق، وجعلوا الياء المديّة كغير المديّة تخرج من وسط اللسان، وجعلوا الواو المديّة كغير المديّة تخرج من الشفتين"(155)، وأخيرًا يختار الحصري– بعد عرض المذاهب جميعها- المذهب المختار وهو مذهب ابن الجزري الذي يجعل مخرج الجوف خاصًا بالصوائت، فيقول:" وتخرج منه (156) حروف المد الثلاثة، وهي الألف، ولا تكون إلا ساكنة، و يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، والواو الساكنة المجانس لها ما قبلها بأن يكون مضمومًا، والياء الساكنة التي يجانسها ما قبلها بأن يكون مكسورًا..." (157). وبعدها يعطي شرطًا لخروج الواو والياء من الجوف خلا الألف فإنها لا تخرج من الجوف، فإن الواو إن كانت متحركة أو ساك نة وقبلها مفتوح فإنها تخرج من الشفتين، والياء إن تحركت أو سكنت وانفتح ما قبلها تخرج من وسط اللسان. (158) ومذهب علماء العربية أن الصوائت تتباين تبعًا لوضع اللسان والشفتين أثناء نطق كل صوت من تلك الأصوات(159)، فقد قال الدكتور عبدالغفار هلال عن مخارجها:" الألف صوت انطلاقي مجهور... والواو من أقصى اللسان والياء من وسط اللسان مع ما يحاذي الموضعين من الحنك الأعلى"(160 )، وهذا خلاف الذي ذهب إليه مكي رحمه دور أعضاء النطق في إنتاج الصوائت يذهب مكي بن أبي طالب إلى ما ذهب إليه كثير من اللغويين، بأن الواو صوت شفوي، كما أشار الدكتور المطّلبي إلى ملاحظة جديرة بالذكر تناولها مكي، بأنه أشار إلى التحول من المد المحض إلى حالة اللين، إنما كان لظهور بعض الاحتكاك عن طريق اللسان (161)، لكن سرعان ما انصرف عنها مكي في تحديد مخرج الواو اللينة، إذ أنه يذهب إلى ما ذهب إليه كثير من اللغويين بأن الواو صوت شفوي (162). (155) الحصري، أحكام قراءة القرآن الكريم: 53 . (156) يقصد من مخرج الجوف (157) المرجع نفسه: 54 . (158) ينظر المرجع نفسه: 54 . (159) ينظر بحث: المصوتات عند علماء العربية، مجلة كلية الشريعة، العدد 5،1979، ص442، وينظر غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، ط 2، دار عمّار، عمّان،2007، ص315. ((160عبدالغفار حامد هلال، العربية خصائصها وسماتها 276. (161)ينظر المطلبي، في الأصوات اللغوية95. (162)ينظر مكي بن أبي طالب، الرعاية 235.
عدد الصفحات ٥٧58 وفي تناوله لحرفي الياء والواو نأخذ النصين الآتيين، فقال عن الياء: " حرف ثقيل، وإذا تكرر تكرر الثقل، وإذا تحرك كان أثقل وإذا تحركت الياء بكسرة وقبلها فتح أو بفتح وقبلها كسر، وجب أن تخف الحركة على الياء، وسهل اللفظ بحركتها لئلا يشوبها شيء من التشديد أو النبر، أو يسبق اللسان بهمزة في موضعها وذلك نحو لا شيَّة فيها"(163). أما الواو فعنده " لو كانت الحركة التي عليها ضمة ازدادت ثقالاً فإن كانت الحركة التي عليها كسرة فذلك أثقل عليها من الضمة لأنها مؤاخية للضمة" (164). ويتضح لنا هنا ومن خلال تعليق المطلبي على هذين النصين أن ظاهرة الإعلال عنده لا بد لها من أمرين: الأول: ثقل الواو والياء في النطق. الثاني: شدة تعامل هذين الصوتين مع الحركات التي تكتنفها، وشدة التأثر بها (165). أما القرطبي فلم ينفِ وظيفة الفم في نطق الصوائت القصيرة أو (الحركات) كما يسميها "فإذا ضممته حدث الضم، وإن كسرته حدث الكسر، ومتى فتحته حدث الفتح" (166). وهنا ننقل نصًا للدكتور غانم قدوري الحمد نقله عن القرطبي إذ قال " وفي حالة تحريك الحرف بالضم يكون اللافظ به قاطعًا للصوت على مخرج الحرف وضامًا شفتيه معًا في حالة واحدة، من غير أن يتخلل بينهما زمان محسوس. وكذلك في حال كسر الحرف يكون كاسرًا بفمه مع قطع الصوت على مخرج الحرف المكسور. وكذلك في حال الفتح يكون قاطعًا للصوت على مخرج الحرف مع فتح فمه من غير فصل بينها وهذا دليل على أنّ الحركة تحدث مع الحرف المتحرك من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه" (167) . ثم تناول علي القاري الصوائت من حيث خروج الصوت فقال: "ثم إنهن بالصوت المجرد أشبه منهن بالحروف، ويتميزن عن الصوت المجرد بت ص عُّدِ الألف وت س فُّلِ الياء، واعتراض الواو، فنسبت إلى الجوف لأنه آخر انقطاع مخرجها" (168). وهو هنا يشير إلى حركة الفم في لفظ هذه (163)مكي بن أبي طالب، الرعاية 181. (164)المرجع نفسه 235. (165)ينظر المطلبي، في الأصوات اللغوية95. (166) القرطبي، الموضح في التجويد 75. (167) المرجع نفسه: 175، وينظر غانم الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد 417. (168) علي القاري، المنح الفكرية في شرح المقدمة الجزرية78.
عدد الصفحات ٥٨59 الأصوات، ويمكن لنا هنا ان نجري بحثًا سريعًا عن دور الفمِّ في انتاج ونطق الصوائت، بخاصة اللسان والشفتين والأسنان. فقد ذكر دورها القدماء والمحدثون، فابن جني يشير إلى اختلاف أحوال الفم في نطق الصوائت، فقال: "أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين غير معترضي ن على صوت بضغط أو حصر، وأما الياء فتجد معها الأضراس س فلاً وع لوًا قد اكتنفت جنبتي اللسان وضغطته، وتف اج(169 )الحنك عن ظهر اللسان، فجرى الصوت متصعدًا هناك، فلأجل تلك الفجوة ما(170) استطال. وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين، وتدع بينهما بعض الانفراج ليخرج فيه ال نفس، ويتصل الصوت"(171). فيما ذكر المطّلبي دور اللسان في انتاج الياء والكسرة قائلاً "فأقصى ما يصل إليه اللسان متجهًا نحو الحنك الأعلى بحيث لا يحدث الهواء المار بينهما أي نوع من الحفيف، يعد موضعًا مضبوطًا بين أصوات اللين، وهو ما يشبه الكسرة الرقيقة في اللغة العربية حين يكون قصيرًا، ويشبه ما يسمى بياء المد حين يكون طويلاً" (172). بينما يصف سلمان العاني الكسرة والياء، وكذلك الضمة والواو بأن تضم لها الشفتان (173)، فيما لا تضم الشفتان في الفتحة والألف(174). أما عن دور اللسان في نطقها فيقول: "فموقع اللسان عند نطق الألف يبدو أكثر هبوطًا وأكثر انسحابًا إلى الخلف مما عليه عند نطق الفتحة القصيرة" (175). وعدَّ الواو من الحروف الشفوية، والياء غاري(176)، والألف حنجري(177). (169) تفاج: تباعد (170) ما: هنا زائدة، وت رد كذلك كثيراً عند أبي الفتح. (171) ابن جني، سر صناعة الاعراب 8. (172) المطلبي، في الأصوات اللغوية80. (173) ينظر سلمان العاني، التشكيل الصوتي40. (174) المرجع نفسه 41. (175) المرجع نفسه: 42. (176) الغار: هو وسط الحنك ويسمى ايضاً الحنك الصلب، ويسمى الغار لأنه شديد التقعر، وهو المنطقة الصلبة من سقف الفم وتقع بين الحنك الرخو او الطبق واللثة، وهو جزء غير متحرك، أي عبارة عن قطعة من العظم مكسوة بطبقة من اللحم. ينظر عبدالصمد لميش، دروس في مقياس الصوتيات:6 (177) ينظر سلمان العاني، التشكيل الصوتي49.
عدد الصفحات ٥٩60 وأخيرا فقد اثبتت الدراسات الحديثة في علم الأصوات، أّنّ للفم دورًا في انتاج هذه الحروف، القصيرة منها والطويلة، كما وأع طت الدارسين، والباحثين تصورًا دقيقًا لحركة أعضاء الفم، فإنّ حرف الواو "ينتج بتدوير للشفتين ماع تضييقهماا يسمح باحتكااك مسموع بهماا، مع ملاحظة أنّ مؤخار اللساان يرتفاع في اتجااه الطباق (178) اللين(179)، والياء ينتج "برفع مقدم اللسان في اتجاه منطقة الغار بشكل يسمح بمرور الهواء مع حدوث احتكاك ضعيف"(180). مد الصوائت تناول مكي بن أبي طالب وظيفة المد في هذه الحروف، فقال: " لا يكون في شيء من الكلام إلا فيهن"(181). وتناول أيضًا اختلاف درجة هذا المد، فإنه في الألف يكون أشد مدًا من الواو والياء، كونه صوت مد دائمًا، بينما الو او والياء قد يخرجان عند المد إذا ما تحركتا أو ح رِك ما قبلهما بحركة لا تجانسهما، لأن الواو والياء إذا سكنتا خفتا وإذا تحركتا ثقلتا، ويسميه في هذه الحالة حروف اللين، ويقول في ذلك: "يخرجان في لين وقلة كلفة على اللسان، لكنهما نقصتا عن مشابهة الألف لتغير حركة ما قبلهما عن جنسهما، نقصتا المد في الألف، وبقي فيهما لسكونهما فسميتا بحرفي لين"(182). وأعقب القرطبي مكيًا بأن قال عن نطق الألف إذا لم يكن بعدها همزة أو حرف ساكن مدغم أو غير مدغم: " فينبغي أن يقيمها القارئ ويقطعها ويسلك في اللفظ بها التمطيط الأوسط، ولا يهمل توفية التمكين حقه فتصغر وتصير فتحة، ولا يبالغ في ذلك ويستقصي فتحول مدة، بل يوفر عليها من المد ما هو طبعها وصيغتها"(183) . (178) الطبق: أقصى الحنك او الحنك الرخو او اللين، وقد أطلق عليه القدماء تسمية الحفاف، وهو قطعة من اللحم متحركة تنتهي بزائدة لحمية هي اللهاة وحين ترتفع او تنخفض تتسبب في إغلاق فتحة الفراغ الأنفي وفتحها كما ان حركة الحنك اللين مع حركة مؤخر اللسان يؤثر في مخرج الهواء فيكون له أثر في إنتاج عدد كبير من الأصوات بضيقه او انسداده. ينظر عبد الصمد لميش، دروس في مقياس الصوتيات: 6، والعبيدي، معجم الصوتيات:119. (179) عبدالصمد لميش، دروس في مقياس الصوتيات، بحث منشور تحت عنوان مدخل إلى علم الأصوات، جامعة المسيلة، قسم اللغة العربية وآدابها، ص 9. (180) المرجع نفسه: 11. (181) مكي بن أبي طالب، الرعاية 125. (182)المرجع نفسه 126. (183) القرطبي، الموضح 100.
عدد الصفحات ٦٠61 أما الواو والياء، اذا كانا حرفي مد ولم يكن بعدهما همزة ولا حرف ساكن فقال: "فينبغي أن يلزم فيهما اجتناب الإفراط في الإشباع، والتحرز من إهماله بحيث يلتحقان بالحركة، مثل ما لزم في الألف، وقد مضى ذكره، وذلك بأن يمكَّنا بمقدار ما فيهما من المد الذي هو طبعهما وخاصتهما، كقولك: ميعاد، وميقات، وميراث، وت وعدون، وي وقنون، وي وصل، وما أشبه ذلك"(184). ويتناول القرطبي أيضًا المد ومقداره في الصوائت وتفا وتها في مقداره، فتكون عنده ممدودة تارة، وتارة أخرى تكون مشبعة، ويكون امتداد الصوت بهما متفاوتًا بحسب الحالة، فتمد المقدار الذي هو طبعها، كنحو الواو في (موسى) والياء في (عيسى) والألف في (طارد)، وتخرج من كونها حرفًا في حالة إهمال الإشباع لتكون حركة، أما الإف راط في التمكين والإشباع يلحقها بالمدود، وكلاهما مكروه عند القرطبي (185) . ثم تحدث عما ينبغي أن يعتمده قارئ القرآن في حفظ مقادير الحركات والسكنات من حيث الإشباع فلا يشبع الفتحة فتصير ألفًا، ولا الضمة فتخرج واوًا، ولا الكسرة فتتحول ياءً، ومن حيث الوهن أيضًا والا ختلاس(186) فيضعف الصوت عن تأديتها فتتلاشى وتتحول سكونًا(187). ثم تكلم المرعشي عن المد ومدى أهميته في الصوائت، وأعطى مثالاً على ذلك في الواو، وقال أنه عند ترك المد في (قالوا) مثلاً يخرج الواو من كونه حرف مد، ليكون حرف لين (188) فقال: "إذ ما لم يمتد الواو لا يصير حرف مد" (189) . صفات الصوائت قال أبو الفضل الرازي: "وعن أبي الفضل عبد الرحمن بن محمد الرازي، رحمه الله، أنه قال: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف ما يحدث في بعض الحروف من النقصان، لاستطالة حرف على حرف في التجاور، ويستشعر بعضها من بعض في تداخل المخارج بالألفاظ البشع ة والطباع الجافية، وذلك لأن يحترز من المدات الطويلة الرعشة المطيطة التي نهي عنها، والهمزات (184) القرطبي، الموضح 121. (185) ينظر المرجع نفسه: 133. (186)الاختلاس: هو أن يسرع بلفظ الحركة إسراعاً يظن السامع أنَّ حركته قد ذهبت من اللفظ لشدة الإسراع، وهي كاملة في الوزن، تامَّة في الحقيقة، إلا أنَّها لم تمطط ولا ت ر سِل بها، فخفي إشباعها ولم يتبين تحقيقها. ينظر العبيدي، معجم الصوتيات: 22، وعبدالعزيز الصيغ، المصطلح الصوتي في الدراسات العربية 233. (187) ينظر القرطبي، الموضح 191. (188) ينظر المرعشي، جهد المقل 214. (189) المرجع نفسه: 214 .
عدد الصفحات ٦١62 الملكزة، وتشريب الألِفات النبرة في الوقف، وتنبير الذوائب حتى توازي الجوامد سيما المدود من ذلك والممكن"(190). ثم تناول القرطبي الحالات التي تتشكل بها الواو والياء معطيًا حالتين لا ثالث لهما، اعتمادًا على التشكيل الذي تأخذه هذه الحروف إذ قال: " الواو والياء: تكون تارة من حروف المد واللين بأن تسكنا ويكون ما قبلهما منهما، وتارة يتحيز مخرجهما إذا تغيرتا عن هذا الموضع، بأن تسكنا وينفتح ما قبلهما، ومتى وجد ذلك زال عنهما معظم ا لمد، وبقي اللين وانبسط اللسان بهما، وصارتا بمنزلة الحروف الجوامد، فألقي عليهما حركات الهمزات، كما تلقى على غيرهما من الحروف الجوامد"(191). ثم يسهب السمرقندي في ذكر الواو والياء، متى يكونا حرفي مد؟ ومتى يكونا حرفي لين؟ ومتى يكونا ثقيلين؟ فيقول: " وفي الواو لين ومد إذا سكنت وانضم ما قبلها، وفيها لين إذا سكنت وانفتح ما قبلها، وفيها ثقل إذا تحركت، وكذا حكم الياء أن فيها مدًا ولينًا إذا سكنت وكسر ما قبلها، وفيها لين إذا سكنت وانفتح ما قبلها، وفيها ثقل إذا تحركت" (192). الأصالة بين الصوائت القصيرة والطويلة من القضايا التي ناقشها مكي وتناولها تناولاً علميًا، قضية الاختلاف في الصوائت والحركات الثلاث، أيهما مأخوذ من الآخر؟ وقد عرض آراء اللغويين والاتجاهات التي تولدت لديهم، فقد بين مكي أن أغلب اللغويين جنحوا إلى القول بأن الحركات الثلاث مأخوذة من الصوائت، الضمة من الواو، و الكسرة من الياء، والفتحة من الألف، ومنهم من ذهب إلى خلاف ذلك، أي أن الصوائت هي من أخذت من الحركات، واستدلوا على ذلك بأن الحركات إذا اشبعت حدثت منها الصوائت(193)، وهو رأي ابن جني (194). وذهبت جماعة ثالثة إلى أنه ليست الصوائت ولا الحركات مأخوذة من بعضها البعض، ول م يسبق أحد الصنفين الآخر، وهو الرأي الذى يتبناه مكي (195)، كما تابعه في هذا القول الكثير من (190) حسين الجبوري، جهود علماء العربية في دراسة المصوّتات48. (191) القرطبي، الموضح في التجويد 121 . (192) غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد304. (193)ينظر المطلبي، في الأصوات اللغوية81- 83 (194)ينظر ابن جني، سر صناعة الأعراب، دراسة وتحقيق: حسن هنداوي، ط 1، دار القلم، دمشق، 1985،ج1/26. (195)ينظر مكي بن أبي طالب، الرعاية 106.
عدد الصفحات ٦٢63 أهل اللغة من المحدثين، منهم كمال بشر إذ قال "ظنَّ بعظهم أنّ أحد القبيلين أصل للآخر، الحركات القصار أصل لحروف المدّ، أو أنَّ حروف المدّ أصل للحركات القصار، وبيّنا أنَّ هذا وهم، إذ الحقيقة أنَّ كل فئة منهما مستقلة عن الأخرى نطقًا ووظيفةً" (196). ويذهب الداني إلى أن الحركات مأخوذة من الصوائت، فالفتحة من الألف، والكسرة من الياء، والضمة من الواو(197). أما رأي القرطبي في الأصالة، هل الحركات أم الحروف هي الأصل؟ فإن رأيه نقله الدكت ور غانم قدوري الحمد فقال: "إنّ الحركات أبعاض حروف المد واللين...." (198). وذهب أحمد بن الجزري(ت 833 ه إلى أن الصوائت القصيرة (الحركات) مأخوذة من الصوائت الطويلة، ناقلاً رأي الجمهور في هذا المأخذ فيقول: " والجمهور على أن الفتحة من الألف والضمة من الواو والكسرة من الياء" (199). ورأي القسطلاني (ت 923 ه أن الحركة أنما هي متولدة من الحرف، وهي نصف الحرف كما ن قِل عنه أنه قال: " ووزن الحركة في التحقيق نصف الحرف المتولد عنها"(200). ثم دعَّم رأيه بعلة عقلية نقلية، إذ أنه ن قل عن أهل اللغة خاصة، وعن العرب عامة، أنهم "سموا الفتحة الألف الصغرى، والكسرة الياء والصغرى، والضمة الواو الصغرى"(201). أما رأي علي القاريّ(ت 1014 ه في الصوائت القصيرة، فإنه يرى أنها هي الأصل، وأن الصوائت الطويلة إنما تكونت عند إشباع القصيرة منها كما صرح بذلك في قوله: "اعلم أن الألف مركب من فتحتين، والواو مركب من ضمتين، والياء مركب من كسرتين، فإذا أشبعت الفتحة يتولد منها الألف، وإذا أشبعت الضمة يتولد منها الواو، وإذا أشبعت الكسرة يتولد منها الياء"(202). (196)كمال بشر، علم الاصوات18. (197)ينظر الداني، التحديد في الإتقان والتجويد97. (198) القرطبي، الموضح 191، وينظر غانم الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد: 295 . (199) ابن الجزري، النشر2 /204. (200) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، السعودية، المجلد 2،ص 390. (201) المرجع نفسه: م 2،390. (202) علي القاري، المنح الفكرية239.
عدد الصفحات ٦٣64 ويذهب الباحث الى أنّ الصوائت الطويلة والقصيرة ليست مأخوذة من بعضها البعض، ولم يسبق أحد الصنفين الآخر، وهو القول الذي تبناه مكي بن أبي طالب رحمه الله تعالى، مستأنسًا بما عرضه الدكتور المطلبي في تدعيم هذا الرأي من وجهين (203): الأول: وظيفة عامة تتصل بكون الصوامت أصوات لا يمكن أن تنطق من غير أن تكتنفها الحركات، إذ ذ هِب إلى أنّ الساكن لا يمكن الابتداء به، ولا يمكن أن يتصل به ساكن آخر في سرد الكلام لا فاصل بينهما، فلا بد ضرورةً من كون حركةٍ مع الحرفِ. الثاني: وظيفة خاصة تتصل بما تؤديه هذه الأصوات في النظام الصرفي العربي من تغير معاني الجذر الواحد، فقد ذكر مكي " إن الكلام إنّما جيء به لتفهم المعاني فهي منوطةٌ بالكلام مرتبطةٌ به، ونيطت به إذ بها يفرق بين المعاني التي من أجلها جيء بالكلام"(204) مسألة تناول أبو العلاء الهمذاني العطار مسألة التقاء الصوائت مع بعضها في مثل الإدغام المتماثل، أي التقاء الياء بالياء، والواو بالواو، ومتى تدغم الياءان والواوان في هذه الحالة، والمسألة طبعًا تعتمد على حركة هذه الأحرف لا محالة، فقال: " فإن التقت ياءان أو واوان لم يخل التقاؤهما من أمرين: أحدهما أن تلتقيا وأولهما ساكنة، والثانية أن تلتقيا متحركتين. فإن التقت ياءان أولاهما ساكنة وجب إشباع الكسرة التي قبل الأولى، وذلك نحو قوله تعالى : (في يتامى)(205 )و(في يوسف(206 )و(هو الذي يصلي (207) ، ونظائرها... وإنما لم يجز إدغام ذلك لأن الياء والواو ها هنا تشبهان الألف في السكون ومجانسة الحركة المتقدمة، فصار ذلك في منزلة قولك: زور ا ياسرًا، وأكرِم ا واقدًا. وقد عرفت أن إدغام الألف غير ممكن. فإن انفتح ما قبل الواو الأولى نحو قوله تعالى: (عصوا وكانوا) (208) و(ع ف وا وقالوا (209) و (ءاووا ون ص روا (210) وما أشبه ذلك لزم الإدغام (211). (203) ينظر المطلبي، في الاصوات اللغوية97 (204) مكي بن أبي طالب، الرعاية 101-102 . (205) النساء127 (206) يوسف7. (207) الأحزاب 43 (208) البقرة : 61 (209)الأعراف 95 (210)الانفال72 (211) الهمذاني، التمهيد259
عدد الصفحات ٦٤