التحقيق والإيضاح 113 قول النبي {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة } (1) . أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول بما استطاع، وإن كان في الزيادة القبلية لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي من ا لحث والترغيب في الصف الأول مثل قوله {لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا } (2) متفق عليه ومثل قوله لأصحابه: {تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله } (3) أخرجه مسلم وأخرج أبو (1) البخاري الجمعة1137) ، مسلم الحج1390) ، النسائي المساجد695) ، أحمد4/39) ، مالك النداء للصلاة (463 .) (2) البخاري الأذان590) ، مسلم الصلاة437) ، الترمذي الصلاة 225) ، النسائي الأذان (671) ، أحمد (2/303) ، مالك النداء للصلاة295 .) (3) مسلم الصلاة438) ، النسائي الإمامة 795) ، أبو داود الصلاة680) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (978) ، أحمد3/34 .)
عدد الصفحات ١١٣التحقيق والإيضاح 114 داود عن عائشة رض ي الله عنها بسند حسن أن النبي قال{لا يزال الرجل يتأخر عن الصف المقدم حتى يؤخره الله في النار } وثبت عنه {أنه قال لأصحابه: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف } (1) رواه مسلم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تعم مسجده وغيره قبل الزيادة وبعدها وقد صح عن النبي أنه كان يحث أصحابه على ميامن الصفوف ومعلوم أن يمين الصف في مسجده الأول خارج عن الروضة فعلم بذلك أن العناية بالصفوف الأول وميامن الصفوف مقدمة على العناية بالروضة الشريفة، وأن المحافظة عليهما أولى من المحافظة على الصلاة في الروضة وهذا (1) مسلم الصلاة430) ، النسائي الإمامة 816) ، أبو داود الصلاة661) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (992) ، أحمد5/106 .)
عدد الصفحات ١١٤التحقيق والإيضاح 115 بين واضح لمن تأمل الأحاديث الواردة في هذا البا ب والله الموفق. ولا يجوز لأحد أن يتمسح بالحجرة أو يقبلها أو يطوف بها؛ لأن ذلك لم ينقل عن السلف الصالح بل هو بدعة منكرة. ولا يجوز لأحد أن يسأل الرسول قضاء حاجة أو تفريج كربة أو شفاء مريض أو نحو ذلك، لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله سبحانه. وطلبه من الأمو ات شرك بالله وعبادة لغيره. ودين الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: ألا يعبد إلا الله وحده. والثاني: ألا يعبد إلا بما شرعه الرسول . وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
عدد الصفحات ١١٥التحقيق والإيضاح 116 وهكذا لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول الشفاعة لأنها ملك الله سبحان ه، فلا تطلب إلا منه كما قال تعالى { } (1) [44 ] فتقول: " اللهم شفع في نبيك. اللهم شفع في ملائكتك وعبادك المؤمنين. اللهم شفع في أفراطي " و نحو ذلك. وأما الأموات فلا يطلب منهم ش يء لا الشفاعة ولا غيرها سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء لأن ذلك لم يشرع ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له } (2) . (1) سورة الزمر آية44 . (2) مسلم الوصية 1631) ، الترمذي الأحكام 1376) ، النسائي الوصايا 3651) ، أبو داود الوصايا (2880) ، ابن ماجه المقدمة242) ، أحمد2/372) ، الدارمي المقدمة559 .)
عدد الصفحات ١١٦التحقيق والإيضاح 117 وإنما جاز طلب الشفاعة من النبي في حياته ويوم القيامة لقدرته على ذلك، فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب، أما في الدنيا فمعلوم وليس ذلك خاصا به بل هو عام له ولغيره، فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه. اشفع لي إلى ربي في كذا وكذا بمعنى ادع الله لي، ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه. وأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد إذ ن الله سبحانه، كما قال الله تعالى: { } (1) [255 ] وأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال الإنسان قبل الموت ولا بحاله بعد البعث (1) سورة البقرة آية: 255 .
عدد الصفحات ١١٧التحقيق والإيضاح 118 والنشور لانقطاع عمل الميت وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع، وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع فلا يجوز إلحاقه بذلك، لا شك أن النبي بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت ولا من جنس حياته يوم القيامة، بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه، ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله عليه السلام: {ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام } (1) . فدل ذلك على أنه ميت وعلى أن روحه قد فارقت جسده لكنها ترد عل يها عند السلام. والنصوص الدالة على موته من القرآن والسنة معلومة، وهو أمر (1) أبو داود المناسك2041) ، أحمد2/527 .)
عدد الصفحات ١١٨التحقيق والإيضاح 119 متفق عليه بين أهل العلم ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى { } (1) [169 ] وإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة لدعاء الحاجة إليه بسبب كثرة من يشبه في هذا الباب وي دعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله. فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه. والله أعلم. وأما ما يفعله بعض الزوار من رفع الصوت عند قبره وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع لأن (1) سورة آل عمران آية169 .
عدد الصفحات ١١٩التحقيق والإيضاح 120 سبحانه نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي وعنالجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحثهم على غض الصوت عنده في قوله تعالى: { } (1) [2،3. ] ولأن طول القيام عند قبره والإكثار من تكرار السلام يفض ي إلى الزحام وكثرة الضجيج وارتفاع (1) سورة الحجرات: 2 ،3 .
عدد الصفحات ١٢٠التحقيق والإيضاح 121 الأصوات عند قبره وذلك يخالف ما شرعه للمسلمين في هذه الآيات المحكمات وهو محترم حيا وميتا فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي وهكذا ما يفعله بعض الزوار وغيرهم من تحري الدعاء عند قبره مستقبلا للقبر رافعا يديه يدعو فهذا كله خلاف ما عليه السلف الصالح من أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان بل هو من البدع المحدثات، وقد قال النبي {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة } (1) أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد حسن. (1) الترمذي العلم 2676) ، ابن ماجه المقدمة44) ، أحمد4/126) ، الدارمي المقدمة95 .)
عدد الصفحات ١٢١التحقيق والإيضاح 122 وقال {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } (1) أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم{من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } (2) . ورأى علي بن الحسي ن (زين العابدين) رض ي الله عنهما رجلا يدعو عند قبر النبي فنهاه عن ذلك وقال ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله أنه قال {لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم } (3) أخرجه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدس ي في كتابه الأحاديث المختارة. (1) البخاري الصلح2550) ، مسلم الأقضية1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة14) ، أحمد (6/270 .) (2) البخاري الصلح2550) ، مسلم الأقضية1718) ، أبو داود السنة4606) ، ابن ماجه المقدمة14) ، أحمد (6/146 .) (3) أبو داود المناسك2042) ، أحمد2/367 .)
عدد الصفحات ١٢٢التحقيق والإيضاح 123 وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه و عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح. وأما من غلب عليه الت عصب والهوى والتقليد الأعمى وسوء الظن بالدعاة إلى هدي السلف الصالح فأمره إلى الله ونسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق لإيثار الحق على ما سواه إنه سبحانه خير مسئول. وكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء
عدد الصفحات ١٢٣التحقيق والإيضاح 124 فكل ه ذا من جنس ما قبله من المحدثات ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء وقد أنكر الإمام مالك رحمه الله هذا العمل وأشباهه وقال : "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعهم بإحسان ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا تمسكهم بذلك وسيرهم عليه. وفق الله المسلمين لما فيه نجاتهم وسعادتهم وعزهم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم.
عدد الصفحات ١٢٤التحقيق والإيضاح 125 تنبيه: [ عليه الصلاة والسلام ليست زيارة قبر النبي واجبة ولا شرطا في الحج كما يظنه بعض العامة وأشباههم بل هي مستحبة في حق من زار مسجد الرسول أو كان قريبا منه أما البعيد عن المدينة فليس له شد الرحل لقصد زيارة القبر، ولكن يسن له شد الرحل لقصد المسجد الشريف، ف إذا وصله زار القبر الشريف وقبر الصاحبين، ودخلت الزيارة لقبره عليه السلام وقبر صاحبيه تبعا لزيارة مسجده وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي قال{لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقص ى } (1) . (1) البخاري الجمعة1132) ، مسلم الحج1397) ، النسائي المساجد700) ، أبو داود المناسك2033) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1409) ، أحمد2/234) ، الدارمي الصلاة1421 .)
عدد الصفحات ١٢٥التحقيق والإيضاح 126 ولو كان شد الرحال لقصد قبره عليه الصلاة والسلام أو قبر غيره مشروعا لدل الأمة عليه وأرشدهم إلى فضله، لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية. وقد بلغ البلاغ المبين، ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر كيف وقد حذر من شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وقال: {لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم } (1) . والقول ب شرعية شد الرحال لزيارة قبره يفض ي إلى اتخاذه عيدا، ووقوع المحذور الذي خافه النبي من الغلو والإطراء كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام. (1) أبو داود المناسك2042) ، أحمد2/367 .)
عدد الصفحات ١٢٦التحقيق والإيضاح 127 وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يحتج بها من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره عليه الصلاة والسلام فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد بل موضوعة كما قد نبه على ضعفها الحفاظ كالدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة. وإليك أي ها القارئ شيئا من الأحاديث الموضوعة في هذا الباب لتعرفها وتحذر الاغترار بها: الأول: (من حج ولم يزرني فقد جفاني). والثاني: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي). والثالث: (من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة). والرابع: (من زار قبري وجبت له شفاعتي).
عدد الصفحات ١٢٧التحقيق والإيضاح 128 فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها ش يء عن النبي . قال الحافظ ابن حجر في التلخيص - بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات - طرق هذا الحديث كلها ضعيفة. وقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب ش يء. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن هذه الأحاديث كلها موضوعة. وحسبك به علما وحفظا واطلاعا. ولو كان ش يء منها ثابتا لكان الصحابة رض ي الله عنهم أسبق الناس إلى العمل به وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه لأنهم خير الناس بعد الأنبياء وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده وأنصحهم لله ولخلقه، فلما لم ينقل عنهم ش يء من ذلك دل ذلك على أنه غير مشروع ولو صح منها ش يء لوجب حمل ذلك على الزيارة
عدد الصفحات ١٢٨